ـ الأستاذ رضا الشكندالي: البنك المركزي لم ينجح في مقاومة التضخم المالي
ـ نواب يقترحون التراجع عن استقلالية البنك المركزي وتمكينه من إقراض الدولة بصفة مباشرة
تونس: الصباح
نظم مجلس نواب الشعب أمس بقصر باردو يوما دراسيا حول استقلالية البنك المركزي وفاعلية السياسة النقدية في تونس، وخلال النقاش كان هناك شبه إجماع على ضرورة مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي لتلافي الثغرات الموجودة فيه، كما تكررت الدعوات للتخلي عن استقلالية البنك المركزي وتمكينه من إقراض الدولة بصفة مباشرة ودون المرور عن طريق الوسطاء وفي مقدمتهم البنوك التي استثرت خلال السنوات الأخيرة بفضل نسب الفوائد على القروض التي أسندتها للدولة، وهي نسب أرفع من نسبة الفائدة على القروض الخارجية التي حصلت عليها تونس في إطار مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، لكن في المقابل هناك من المشاركين في الندوة من اعترض بشدة على هذا المقترح ووصفه باللعب بالنار محذرا نواب الشعب من تداعيات التراجع عن استقلالية البنك المركزي.
وقبل فتح باب النقاش قال إبراهيم بودربالة رئيس المجلس إن مقترح تنقيح قانون البنك المركزي مطروح على البرلمان لذلك تم التفكير في تنظيم هذا اليوم الدراسي ودعوة الأستاذ رضا الشكندالي لتقديم محاضرة حول استقلالية البنك المركزي، وبين أنه يجب على الجميع كل من موقعه أن يعمل على إخراج البلاد إلى شاطئ الآمان وعلى إنقاذ الوطن وتلبية طموحات الشعب التونسي في الرقي والتقدم وذكر أنه لا بد من استبعاد ثقافة اليأس وإبدالها بالأمل حتى لا يفكر الشباب التونسي في مغادرة البلاد.
مراجعة القانون
أما رضا الشكندالي أستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة التونسية فقدم محاضرة خلص فيها إلى جملة من المقترحات لعل أهمها مراجعة القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 والمتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي لكي يتلاءم مع دستور 2022 من ناحية، ومن ناحية أخرى لإضافة هدف أساسي آخر لهذا البنك وهو العمل على تحقيق النمو الاقتصادي إلى جانب الهدف الأول المنصوص عليه في هذا القانون والمتمثل في محاربة التضخم المالي، ولكن هذا لا يكفي حسب رأي الجامعي بل يجب إضافة آليات أخرى تسمح للبنك المركزي فعلا بمحاربة التضخم وعدم الاكتفاء بالآلية المتاحة له حاليا وهي التحكم في نسبة الفائدة لأن التجربة أثبتت عدم قدرة هذه الآلية على تحقيق الهدف المنشود وهو محاربة التضخم المالي فمنذ سنة 2011 تم تغيير نسبة الفائدة 16 مرة منها خمس مرات نحو التخفيض في هذه النسبة و11 مرة نحو الترفيع فيها لكن رغم ذلك لم يقع القضاء على التضخم المالي .
وأجاب الأستاذ الشكندالي عن السؤال التالي :"هل مكنت استقلالية البنك المركزي من الحد من التضخم؟"، وبين أن المقصود باستقلالية البنك المركزي ليس الانفصال التام بين السلطة النقدية المتمثلة في البنك المركزي والسلطة الاقتصادية المتمثلة في الحكومة، لأن البنك المركزي هو مؤسسة تعمل داخل الدولة وسياستها تندرج في إطار السياسة الاقتصادية للدولة.
وفسر أن استقلالية البنك المركزي تعني أن البنك لديه الحرية في التصرف في السياسة النقدية طبقا للأهداف التي يسطرها انطلاقا من قانونه الأساسي ويتمثل الهدف الأول للبنك مركزي في محاربة التضخم وهو عندما ينجح في هذه المهمة وتكون له الحرية التامة في التصرف في السياسة النقدية من أجل الوصول إلى مقاومة غلاء الأسعار فقد نجح في استقلاليته.
وتكمن أهمية استقلالية البنك المركزي حسب قوله عندما يتمكن من مقاومة التضخم المالي بعيدا عن تأثيرات السياسي الذي لديه اعتبارات انتخابية أي أن استقلالية البنك تتطلب إبعاد تأثيرات الحكومة على السياسة النقدية، ولاحظ أن هناك من ينتقد هذه الاستقلالية ويقول إنها تدار عن طريق مجلس إدارة البنك المركزي الذي يمكنه أن يهيمن على النظام البنكي وهو ما تكون له آثار سلبية على البلاد ويعتبرون أنه على الحكومة أن تتدخل في السياسات النقدية للبنك المركزي.
ولدى حديثه عن وضعية البنك المركزي التونسي بين الجامعي أن استقلالية هذا البنك تدار عن طريق قانونه المتعلق بضبط نظامه الأساسي، ففي الفصل 46 من هذا القانون وقع التنصيص على ما يلي :" يعين محافظ البنك المركزي وفقا لمقتضيات الفصل 78 من الدستور لمدّة ست سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة. ويتمّ اختياره من ضمن الشخصيات المشهود بكفاءتها في المجالات الاقتصادية والنقدية والمالية. يمكن إعفاء المحافظ قبل نهاية المدّة المشار إليها في الفقرة الأولى من هذا الفصل ووفقا لمقتضيات الفصل 78 من الدستور". وأضاف أن المقصود بالدستور هو دستور 2014 وهو ما يتطلب اليوم من مجلس النواب تنقيح القانون المذكور لملاءمته مع دستور 2022..
وبين أنه لابد من الإشارة أيضا إلى أن الفصل الثاني من نفس القانون ينص على عبارة الاستقلالية وجاء فيه أن البنك المركزي التونسي هو مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ويكون هذا البنك مستقلا في تحقيق أهدافه ومباشرة مهامه والتصرّف في موارده ويخضع للمتابعة والمساءلة من قبل مجلس نواب الشعب في ما يتعلق بتحقيق أهدافه وبمباشرة مهامه ولا يمكن المس من استقلاليته أو التأثير على قرارات هياكله أو أعوانه في نطاق مباشرة مهامهم. وأضاف أن البرلمان يمكنه أن يسائل البنك المركزي في حال عدم تحكمه في الأسعار.
مقاربات
وقال الأستاذ الشكندالي إنه توجد مقاربة ليبرالية وهي مقاربة صندوق النقد الدولي التي ترى أن البنك المركزي لا بد أن يكون مستقلا ولا بد أن تذهب النقود التي يصدرها لغايات إنتاجية لا استهلاكية بما يحقق نموا اقتصاديا أرفع من كمية النقود التي يقع ضخها في البلاد بكيفية لا تجعل الكتلة النقدية تنمو أكثر من نمو الثروة المنتجة، وهناك مقاربة كينزية تعتبر أن الدولة هي التي تمسك بدواليب الاقتصاد وترى أن البنك المركزي يجب ألا يكون مستقلا عن الدولة، والدولة تمول كل نفقاتها عن طريق هذا البنك ولا ضرر في ذلك لأن كل تدخل للدولة فيه فائدة وخلق لموارد الرزق..
وذكر أنه سيتوخى في مداخلته مقاربة ثالثة لا تضر بالاقتصاد، وفسر أن البنك المركزي التونسي عادة ما يصطف وراء المقاربة الليبرالية إذ تم إصدار القانون المتعلق بنظامه الأساسي سنة 2016 وقد اشترط صندوق النقد الدولي آن ذاك تمريره قبل الإمضاء على الاتفاق مع حكومة يوسف الشاهد.. وتم تمرير القانون عن طريق مجلس النواب.
وأضاف أن البنك المركزي يرى أن المشكل الأساسي يكمن في ارتفاع استهلاك العائلات التونسية خاصة من المواد الأساسية الموردة وهو ما يخلق عجزا تجاريا كبيرا وهذا العجز يستنزف مدخراته من العملة الصعبة، وذكر أن مهمة البنك بموجب قانونه الأساسي هي محاربة التضخم المالي، ولكن والأرقام التي يقدمها شهريا حول نسبة التضخم لا تعطي صورة واضحة للمواطن فهو على سبيل الذكر يقدم نسبة التضخم لشهر سبتمبر 2023 ويقارنها بنسبة التضخم لشهر سبتمبر 2022 وكان من المفروض أن تكون المقارنة بين نسبة التضخم المالي بالانزلاق الشهري أي مقارنة الأسعار في هذا الشهر بالأسعار في الشهر الماضي.. فمقارنة التضخم المالي بالانزلاق الشهري تجعلنا نتفطن إلى أن التضخم يرتفع.
مقاومة التضخم المالي
ويرى الأستاذ رضا الشكندالي أن البنك المركزي لم ينجح في مقاومة التضخم المالي، وبين أن هناك من الخبراء داخل البنك المركزي أو خارجه من يتعقدون أن التغيير في نسبة الفائدة المديرية يعطي مفعوله في غضون مدة تتراوح بين 9 أشهر و12 شهرا، وتم تغيير هذه النسبة 16 مرة منذ سنة 2011 وهذا الإفراط أدى إلى اهتزاز ثقة المستثمرين.
وبين أن البنك المركزي يرى أن المشكل يكمن في القروض التي تسندها البنوك والموجهة للاستهلاك الخاص ولكن أغلب العائلات التونسية تحصل على قروض ليس للاستهلاك وإنما لاقتناء مساكن وبهذه الكيفية فالقروض تعتبر محركا من محركات النمو لأن الشركات لا تستطيع مواصلة العمل في حال توقفها عن بيع منتوجاتها للمستهلك التونسي.
وذكر الجامعي أنه بالعودة إلى نسبة العجز التجاري في تونس خلال الثمانية أشهر الأولى من السنة الجارية نجدها في حدود 12 فاصل 2 مليار دينار وهي متأتية بالأساس من العجز الطاقي تليه مواد التجهيز والمواد الأولية وبالتالي المواد الاستهلاكية الغذائية ليست هي السبب في التضخم المالي وهو ما يتطلب التفكير في إنتاج الطاقة بهدف تحقيق السيادة الوطنية.
وأضاف الجامعي أنه عندما لا تكون هناك تنمية تصدر الدولة رقاع خزينة وتقوم البنوك بشرائها والبنك المركزي هنا مجبر على إعطائها للبنوك، وبين أنه في ظل تواصل الترفيع في نسبة الفائدة المديرية نجد أن الدولة أصبحت المستهلك الأكبر للقروض فالبنك المركزي لا يستطيع أن يقرض الدولة مباشرة وفي المقابل البنوك هي التي تقرض الدولة وأصبح للبنوك مهنة أخرى وهي لعب دور الوسيط أي "سمسار" والدليل على ذلك أنها حققت أرباحا طائلة خلال السنوات الأخيرة. وفسر أن البنوك التجارية أضحت المستفيد الأكبر من السياسة المالية إذ أنها حققت طفرة كبيرة خاصة في ظل ارتفاع نسبة الفائدة، كما أنه حيال الصعوبات في تعبئة الميزانية اضطرت الدولة للترفيع في حصة الاقتراض الداخلي من 3 فاصل 8 بالمائة سنة 2011 إلى 13 فاصل 6 بالمائة سنة 2023.
وذكر الشكندالي أنه بالعودة إلى معطيات هيئة السوق المالية التي تم نشرها في شهر أكتوبر الجاري يلاحظ أن قيمة العمولات والفوائد التي وظفتها البنوك العمومية الثلاثة كانت بنسبة 21 فاصل 6 بالمائة كما قالت الهيئة عدم وجود شفافية وهذا يعني أنه في صورة إقرار إجراء يقضي بتنازل البنوك عن الفوائد على القروض التي تسندها للدولة فيمكن إيجاد حل لوضعية المالية العمومية.
وذكر الجامعي أن البنك المركزي مسؤول على مراقبة البنوك ولكن التضخم متأت من المؤسسات التي يراقبها وهو ما يدل على وجود خلل على مستوى مراقبة البنوك التجارية.
وأشار إلى وجود انفصال بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي وذكر أن الاقتصاد النقدي يجب أن يكون في خدمة الاقتصاد الحقيقي وهذا غير متوفر، ولاحظ أن لجوء الدولة المتكرر للاقتراض الداخلي حرم المؤسسات من الحصول على السيولة وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج، وذكر أنه من المفروض عند الزيادة في نسبة الفائدة، الحد من الاقتراض على اعتبار أن القروض موجهة للاستهلاك لكن في الحقيقة القروض تذهب للدولة أي أنه لا جدوى للسياسة النقدية فنسبة الفائدة ارتفعت والاستهلاك تراجع وهو ما أدى إلى نوع من الركود التضخمي وهو أمر خطير لأن الركود الذي يقترن بزيادة في الأسعار يتسبب في مشكل اقتصادي عويص جدا.
وخلص الجامعي إلى أن التضخم في تونس متأت من الاقتراض المفرط من قبل الدولة من البنوك وأضاف أنه ليس ضد التداين الداخلي بل يرى أنه تسبب في تعطل محركات النمو لأن المستثمر لا يجد سيولة كما أنه تسبب في الإضرار بالاستهلاك وأبرز دليل على ذلك تراجع قطاع البناء ودخوله في أزمة كبيرة. وفضلا عن ذلك فإنه عند الترفيع في نسبة الفائدة، تزيد كلفة الديون وتدخل الدولة في دوامة التداين فهي تحصل على قروض لتقوم بخلاص فوائد الدين لأن فوائد الدين الداخلي أرفع من فوائد الدين الخارجي، ولاحظ أن الترفيع في نسبة الفائدة يجعل البنك المركزي يتسبب في تعطل سياسة الحكومة الرامية إلى تحسين الاستثمار من خلال التقليص من الجباية وخلص إلى أن السياسة النقدية للبنك المركزي تعطل سياسة الحكومة. وذكر أن السياسات الاقتصادية المتبعة في تونس سواء السياسة الجبائية أو سياسة الصرف أو السياسة النقدية أدت إلى تراجع على مستوى الاستثمار وتراجع على مستوى إنتاج السوق كما أن الأزمات الاقتصادية العالمية وتعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تسببت في صعوبات اقتصادية. وأشار الجامعي إلى أن المشكل لا يمكن في الطلب بل في عدم وجود عرض على مستوى السوق وبالتالي لا بد من معالجة مشكل عدم توفر العرض.
سياسات نقدية حذرة
وقدم الأستاذ رضا الشكندالي بسطة حول السياسات النقدية الحذرة التي تم إتباعها من قبل بنوك مركزية ببلدان متقدمة وقال إنها لم تساهم في الحد من الأسعار والترفيع في نسبة الفائدة كانت له نتائج سلبية في تلك البلدان، وذكر أن نسبة الفائدة في تونس عالية جدا ولا يمكن أن تتواصل بهذه الكيفية. وردا عن استفسار حول ما إذا كان البنك المركزي مخيرا أم مسيرا أجاب أن البنك المركزي التونسي يحكمه قانونه الأساسي الذي صادق عليه مجلس النواب وبالتالي هو مقيد وليس أمامه من خيار لمعاجلة التضخم المالي سوى الترفيع في نسبة الفائدة.
وبخصوص ما يجب تغييره أشار الجامعي إلى أن المشكل ليس في صندوق النقد الدولي بل في من يتفاوض معه فمن يذهب للتفاوض يضع نصب أعينه هدف الحصول على القرض ولا يهتم بمسألة السياسات المالية. وأضاف أنه موافق على الإقراض المباشر للدولة من البنك المركزي شريطة أن يذهب التمويل للتنمية وأن يكون هناك تعاون بين البنك المركزي والحكومة وأن يتم اعتماد سياسة مزدوجة تعوض السياسة النقدية المنفردة من قبل البنك المركزي والسياسة الجبائية المنفردة والمتبعة من قبل الحكومة. وأشار إلى أن الطرفين مطالبان بالتنازل، فالحكومة مدعوة للتنازل في علاقة بالميزانية من خلال التخلي عن مبدأ عدم التخصيص كأن تعتمد مقاربة جديدة على مستوى الأداء على أرباح المؤسسات بمعنى أن تذهب الموارد الجبائية مباشرة لنفقات البنية التحتية أو يفرض على الدولة أن توجه القروض التي تحصل عليها من البنك المركزي بصفة حصرية للتنمية.
توفير العملة الصعبة
وأضاف الأستاذ رضا الشكندالي أنه إضافة إلى استقلالية البنك المركزي يمكن مقاومة التضخم من خلال إجراءات أخرى لأن غلاء الأسعار ناجم بالأساس عن تراجع قيمة الدينار وهذا التراجع يمكن مجابهته بالترفيع في الموجودات من العملة الصعبة كأن يقع تأمين إنتاج الفسفاط ونقله من قبل الجيش الوطني وتمكين التونسيين من تحويل الأموال بالعملة الصعبة وإعفائهم من المعاليم الجبائية عند اقتناء العقارات، كما اقترح الجامعي التخفيض في الأداء على أرباح المؤسسات المصدرة والتقليص في قيمة الأداء من عشرة بالمائة إلى صفر بالمائة بالنسبة للناشطين في السوق الموازية والراغبين في تسوية وضعياتهم، وذكر أن هذا المقترح يمكن أن يرى البعض أنه قد يؤدي إلى إدراج تونس في القائمة السوداء لكن في النهاية تونس وقع إدراجها عدة مرات في قائمة سوداء وفي المقابل بقي الاقتصاد الموازي قائما دون أن تنتفع منه الدولة.
سعيدة بوهلال
ـ الأستاذ رضا الشكندالي: البنك المركزي لم ينجح في مقاومة التضخم المالي
ـ نواب يقترحون التراجع عن استقلالية البنك المركزي وتمكينه من إقراض الدولة بصفة مباشرة
تونس: الصباح
نظم مجلس نواب الشعب أمس بقصر باردو يوما دراسيا حول استقلالية البنك المركزي وفاعلية السياسة النقدية في تونس، وخلال النقاش كان هناك شبه إجماع على ضرورة مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي لتلافي الثغرات الموجودة فيه، كما تكررت الدعوات للتخلي عن استقلالية البنك المركزي وتمكينه من إقراض الدولة بصفة مباشرة ودون المرور عن طريق الوسطاء وفي مقدمتهم البنوك التي استثرت خلال السنوات الأخيرة بفضل نسب الفوائد على القروض التي أسندتها للدولة، وهي نسب أرفع من نسبة الفائدة على القروض الخارجية التي حصلت عليها تونس في إطار مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، لكن في المقابل هناك من المشاركين في الندوة من اعترض بشدة على هذا المقترح ووصفه باللعب بالنار محذرا نواب الشعب من تداعيات التراجع عن استقلالية البنك المركزي.
وقبل فتح باب النقاش قال إبراهيم بودربالة رئيس المجلس إن مقترح تنقيح قانون البنك المركزي مطروح على البرلمان لذلك تم التفكير في تنظيم هذا اليوم الدراسي ودعوة الأستاذ رضا الشكندالي لتقديم محاضرة حول استقلالية البنك المركزي، وبين أنه يجب على الجميع كل من موقعه أن يعمل على إخراج البلاد إلى شاطئ الآمان وعلى إنقاذ الوطن وتلبية طموحات الشعب التونسي في الرقي والتقدم وذكر أنه لا بد من استبعاد ثقافة اليأس وإبدالها بالأمل حتى لا يفكر الشباب التونسي في مغادرة البلاد.
مراجعة القانون
أما رضا الشكندالي أستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة التونسية فقدم محاضرة خلص فيها إلى جملة من المقترحات لعل أهمها مراجعة القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 والمتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي لكي يتلاءم مع دستور 2022 من ناحية، ومن ناحية أخرى لإضافة هدف أساسي آخر لهذا البنك وهو العمل على تحقيق النمو الاقتصادي إلى جانب الهدف الأول المنصوص عليه في هذا القانون والمتمثل في محاربة التضخم المالي، ولكن هذا لا يكفي حسب رأي الجامعي بل يجب إضافة آليات أخرى تسمح للبنك المركزي فعلا بمحاربة التضخم وعدم الاكتفاء بالآلية المتاحة له حاليا وهي التحكم في نسبة الفائدة لأن التجربة أثبتت عدم قدرة هذه الآلية على تحقيق الهدف المنشود وهو محاربة التضخم المالي فمنذ سنة 2011 تم تغيير نسبة الفائدة 16 مرة منها خمس مرات نحو التخفيض في هذه النسبة و11 مرة نحو الترفيع فيها لكن رغم ذلك لم يقع القضاء على التضخم المالي .
وأجاب الأستاذ الشكندالي عن السؤال التالي :"هل مكنت استقلالية البنك المركزي من الحد من التضخم؟"، وبين أن المقصود باستقلالية البنك المركزي ليس الانفصال التام بين السلطة النقدية المتمثلة في البنك المركزي والسلطة الاقتصادية المتمثلة في الحكومة، لأن البنك المركزي هو مؤسسة تعمل داخل الدولة وسياستها تندرج في إطار السياسة الاقتصادية للدولة.
وفسر أن استقلالية البنك المركزي تعني أن البنك لديه الحرية في التصرف في السياسة النقدية طبقا للأهداف التي يسطرها انطلاقا من قانونه الأساسي ويتمثل الهدف الأول للبنك مركزي في محاربة التضخم وهو عندما ينجح في هذه المهمة وتكون له الحرية التامة في التصرف في السياسة النقدية من أجل الوصول إلى مقاومة غلاء الأسعار فقد نجح في استقلاليته.
وتكمن أهمية استقلالية البنك المركزي حسب قوله عندما يتمكن من مقاومة التضخم المالي بعيدا عن تأثيرات السياسي الذي لديه اعتبارات انتخابية أي أن استقلالية البنك تتطلب إبعاد تأثيرات الحكومة على السياسة النقدية، ولاحظ أن هناك من ينتقد هذه الاستقلالية ويقول إنها تدار عن طريق مجلس إدارة البنك المركزي الذي يمكنه أن يهيمن على النظام البنكي وهو ما تكون له آثار سلبية على البلاد ويعتبرون أنه على الحكومة أن تتدخل في السياسات النقدية للبنك المركزي.
ولدى حديثه عن وضعية البنك المركزي التونسي بين الجامعي أن استقلالية هذا البنك تدار عن طريق قانونه المتعلق بضبط نظامه الأساسي، ففي الفصل 46 من هذا القانون وقع التنصيص على ما يلي :" يعين محافظ البنك المركزي وفقا لمقتضيات الفصل 78 من الدستور لمدّة ست سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة. ويتمّ اختياره من ضمن الشخصيات المشهود بكفاءتها في المجالات الاقتصادية والنقدية والمالية. يمكن إعفاء المحافظ قبل نهاية المدّة المشار إليها في الفقرة الأولى من هذا الفصل ووفقا لمقتضيات الفصل 78 من الدستور". وأضاف أن المقصود بالدستور هو دستور 2014 وهو ما يتطلب اليوم من مجلس النواب تنقيح القانون المذكور لملاءمته مع دستور 2022..
وبين أنه لابد من الإشارة أيضا إلى أن الفصل الثاني من نفس القانون ينص على عبارة الاستقلالية وجاء فيه أن البنك المركزي التونسي هو مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ويكون هذا البنك مستقلا في تحقيق أهدافه ومباشرة مهامه والتصرّف في موارده ويخضع للمتابعة والمساءلة من قبل مجلس نواب الشعب في ما يتعلق بتحقيق أهدافه وبمباشرة مهامه ولا يمكن المس من استقلاليته أو التأثير على قرارات هياكله أو أعوانه في نطاق مباشرة مهامهم. وأضاف أن البرلمان يمكنه أن يسائل البنك المركزي في حال عدم تحكمه في الأسعار.
مقاربات
وقال الأستاذ الشكندالي إنه توجد مقاربة ليبرالية وهي مقاربة صندوق النقد الدولي التي ترى أن البنك المركزي لا بد أن يكون مستقلا ولا بد أن تذهب النقود التي يصدرها لغايات إنتاجية لا استهلاكية بما يحقق نموا اقتصاديا أرفع من كمية النقود التي يقع ضخها في البلاد بكيفية لا تجعل الكتلة النقدية تنمو أكثر من نمو الثروة المنتجة، وهناك مقاربة كينزية تعتبر أن الدولة هي التي تمسك بدواليب الاقتصاد وترى أن البنك المركزي يجب ألا يكون مستقلا عن الدولة، والدولة تمول كل نفقاتها عن طريق هذا البنك ولا ضرر في ذلك لأن كل تدخل للدولة فيه فائدة وخلق لموارد الرزق..
وذكر أنه سيتوخى في مداخلته مقاربة ثالثة لا تضر بالاقتصاد، وفسر أن البنك المركزي التونسي عادة ما يصطف وراء المقاربة الليبرالية إذ تم إصدار القانون المتعلق بنظامه الأساسي سنة 2016 وقد اشترط صندوق النقد الدولي آن ذاك تمريره قبل الإمضاء على الاتفاق مع حكومة يوسف الشاهد.. وتم تمرير القانون عن طريق مجلس النواب.
وأضاف أن البنك المركزي يرى أن المشكل الأساسي يكمن في ارتفاع استهلاك العائلات التونسية خاصة من المواد الأساسية الموردة وهو ما يخلق عجزا تجاريا كبيرا وهذا العجز يستنزف مدخراته من العملة الصعبة، وذكر أن مهمة البنك بموجب قانونه الأساسي هي محاربة التضخم المالي، ولكن والأرقام التي يقدمها شهريا حول نسبة التضخم لا تعطي صورة واضحة للمواطن فهو على سبيل الذكر يقدم نسبة التضخم لشهر سبتمبر 2023 ويقارنها بنسبة التضخم لشهر سبتمبر 2022 وكان من المفروض أن تكون المقارنة بين نسبة التضخم المالي بالانزلاق الشهري أي مقارنة الأسعار في هذا الشهر بالأسعار في الشهر الماضي.. فمقارنة التضخم المالي بالانزلاق الشهري تجعلنا نتفطن إلى أن التضخم يرتفع.
مقاومة التضخم المالي
ويرى الأستاذ رضا الشكندالي أن البنك المركزي لم ينجح في مقاومة التضخم المالي، وبين أن هناك من الخبراء داخل البنك المركزي أو خارجه من يتعقدون أن التغيير في نسبة الفائدة المديرية يعطي مفعوله في غضون مدة تتراوح بين 9 أشهر و12 شهرا، وتم تغيير هذه النسبة 16 مرة منذ سنة 2011 وهذا الإفراط أدى إلى اهتزاز ثقة المستثمرين.
وبين أن البنك المركزي يرى أن المشكل يكمن في القروض التي تسندها البنوك والموجهة للاستهلاك الخاص ولكن أغلب العائلات التونسية تحصل على قروض ليس للاستهلاك وإنما لاقتناء مساكن وبهذه الكيفية فالقروض تعتبر محركا من محركات النمو لأن الشركات لا تستطيع مواصلة العمل في حال توقفها عن بيع منتوجاتها للمستهلك التونسي.
وذكر الجامعي أنه بالعودة إلى نسبة العجز التجاري في تونس خلال الثمانية أشهر الأولى من السنة الجارية نجدها في حدود 12 فاصل 2 مليار دينار وهي متأتية بالأساس من العجز الطاقي تليه مواد التجهيز والمواد الأولية وبالتالي المواد الاستهلاكية الغذائية ليست هي السبب في التضخم المالي وهو ما يتطلب التفكير في إنتاج الطاقة بهدف تحقيق السيادة الوطنية.
وأضاف الجامعي أنه عندما لا تكون هناك تنمية تصدر الدولة رقاع خزينة وتقوم البنوك بشرائها والبنك المركزي هنا مجبر على إعطائها للبنوك، وبين أنه في ظل تواصل الترفيع في نسبة الفائدة المديرية نجد أن الدولة أصبحت المستهلك الأكبر للقروض فالبنك المركزي لا يستطيع أن يقرض الدولة مباشرة وفي المقابل البنوك هي التي تقرض الدولة وأصبح للبنوك مهنة أخرى وهي لعب دور الوسيط أي "سمسار" والدليل على ذلك أنها حققت أرباحا طائلة خلال السنوات الأخيرة. وفسر أن البنوك التجارية أضحت المستفيد الأكبر من السياسة المالية إذ أنها حققت طفرة كبيرة خاصة في ظل ارتفاع نسبة الفائدة، كما أنه حيال الصعوبات في تعبئة الميزانية اضطرت الدولة للترفيع في حصة الاقتراض الداخلي من 3 فاصل 8 بالمائة سنة 2011 إلى 13 فاصل 6 بالمائة سنة 2023.
وذكر الشكندالي أنه بالعودة إلى معطيات هيئة السوق المالية التي تم نشرها في شهر أكتوبر الجاري يلاحظ أن قيمة العمولات والفوائد التي وظفتها البنوك العمومية الثلاثة كانت بنسبة 21 فاصل 6 بالمائة كما قالت الهيئة عدم وجود شفافية وهذا يعني أنه في صورة إقرار إجراء يقضي بتنازل البنوك عن الفوائد على القروض التي تسندها للدولة فيمكن إيجاد حل لوضعية المالية العمومية.
وذكر الجامعي أن البنك المركزي مسؤول على مراقبة البنوك ولكن التضخم متأت من المؤسسات التي يراقبها وهو ما يدل على وجود خلل على مستوى مراقبة البنوك التجارية.
وأشار إلى وجود انفصال بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي وذكر أن الاقتصاد النقدي يجب أن يكون في خدمة الاقتصاد الحقيقي وهذا غير متوفر، ولاحظ أن لجوء الدولة المتكرر للاقتراض الداخلي حرم المؤسسات من الحصول على السيولة وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج، وذكر أنه من المفروض عند الزيادة في نسبة الفائدة، الحد من الاقتراض على اعتبار أن القروض موجهة للاستهلاك لكن في الحقيقة القروض تذهب للدولة أي أنه لا جدوى للسياسة النقدية فنسبة الفائدة ارتفعت والاستهلاك تراجع وهو ما أدى إلى نوع من الركود التضخمي وهو أمر خطير لأن الركود الذي يقترن بزيادة في الأسعار يتسبب في مشكل اقتصادي عويص جدا.
وخلص الجامعي إلى أن التضخم في تونس متأت من الاقتراض المفرط من قبل الدولة من البنوك وأضاف أنه ليس ضد التداين الداخلي بل يرى أنه تسبب في تعطل محركات النمو لأن المستثمر لا يجد سيولة كما أنه تسبب في الإضرار بالاستهلاك وأبرز دليل على ذلك تراجع قطاع البناء ودخوله في أزمة كبيرة. وفضلا عن ذلك فإنه عند الترفيع في نسبة الفائدة، تزيد كلفة الديون وتدخل الدولة في دوامة التداين فهي تحصل على قروض لتقوم بخلاص فوائد الدين لأن فوائد الدين الداخلي أرفع من فوائد الدين الخارجي، ولاحظ أن الترفيع في نسبة الفائدة يجعل البنك المركزي يتسبب في تعطل سياسة الحكومة الرامية إلى تحسين الاستثمار من خلال التقليص من الجباية وخلص إلى أن السياسة النقدية للبنك المركزي تعطل سياسة الحكومة. وذكر أن السياسات الاقتصادية المتبعة في تونس سواء السياسة الجبائية أو سياسة الصرف أو السياسة النقدية أدت إلى تراجع على مستوى الاستثمار وتراجع على مستوى إنتاج السوق كما أن الأزمات الاقتصادية العالمية وتعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تسببت في صعوبات اقتصادية. وأشار الجامعي إلى أن المشكل لا يمكن في الطلب بل في عدم وجود عرض على مستوى السوق وبالتالي لا بد من معالجة مشكل عدم توفر العرض.
سياسات نقدية حذرة
وقدم الأستاذ رضا الشكندالي بسطة حول السياسات النقدية الحذرة التي تم إتباعها من قبل بنوك مركزية ببلدان متقدمة وقال إنها لم تساهم في الحد من الأسعار والترفيع في نسبة الفائدة كانت له نتائج سلبية في تلك البلدان، وذكر أن نسبة الفائدة في تونس عالية جدا ولا يمكن أن تتواصل بهذه الكيفية. وردا عن استفسار حول ما إذا كان البنك المركزي مخيرا أم مسيرا أجاب أن البنك المركزي التونسي يحكمه قانونه الأساسي الذي صادق عليه مجلس النواب وبالتالي هو مقيد وليس أمامه من خيار لمعاجلة التضخم المالي سوى الترفيع في نسبة الفائدة.
وبخصوص ما يجب تغييره أشار الجامعي إلى أن المشكل ليس في صندوق النقد الدولي بل في من يتفاوض معه فمن يذهب للتفاوض يضع نصب أعينه هدف الحصول على القرض ولا يهتم بمسألة السياسات المالية. وأضاف أنه موافق على الإقراض المباشر للدولة من البنك المركزي شريطة أن يذهب التمويل للتنمية وأن يكون هناك تعاون بين البنك المركزي والحكومة وأن يتم اعتماد سياسة مزدوجة تعوض السياسة النقدية المنفردة من قبل البنك المركزي والسياسة الجبائية المنفردة والمتبعة من قبل الحكومة. وأشار إلى أن الطرفين مطالبان بالتنازل، فالحكومة مدعوة للتنازل في علاقة بالميزانية من خلال التخلي عن مبدأ عدم التخصيص كأن تعتمد مقاربة جديدة على مستوى الأداء على أرباح المؤسسات بمعنى أن تذهب الموارد الجبائية مباشرة لنفقات البنية التحتية أو يفرض على الدولة أن توجه القروض التي تحصل عليها من البنك المركزي بصفة حصرية للتنمية.
توفير العملة الصعبة
وأضاف الأستاذ رضا الشكندالي أنه إضافة إلى استقلالية البنك المركزي يمكن مقاومة التضخم من خلال إجراءات أخرى لأن غلاء الأسعار ناجم بالأساس عن تراجع قيمة الدينار وهذا التراجع يمكن مجابهته بالترفيع في الموجودات من العملة الصعبة كأن يقع تأمين إنتاج الفسفاط ونقله من قبل الجيش الوطني وتمكين التونسيين من تحويل الأموال بالعملة الصعبة وإعفائهم من المعاليم الجبائية عند اقتناء العقارات، كما اقترح الجامعي التخفيض في الأداء على أرباح المؤسسات المصدرة والتقليص في قيمة الأداء من عشرة بالمائة إلى صفر بالمائة بالنسبة للناشطين في السوق الموازية والراغبين في تسوية وضعياتهم، وذكر أن هذا المقترح يمكن أن يرى البعض أنه قد يؤدي إلى إدراج تونس في القائمة السوداء لكن في النهاية تونس وقع إدراجها عدة مرات في قائمة سوداء وفي المقابل بقي الاقتصاد الموازي قائما دون أن تنتفع منه الدولة.