إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

المشترك والفروق بين الحربين

عمر حلمي الغول

لكل حرب سماتها وخصائصها حتى لو كانت من ذات الطراز، بمعنى ان كانت كلاسيكية، او حرب عصابات، او حرب أهلية، ومن زاوية الخلفيات والأسباب، وعوامل الزمان والمكان، ومن حيث الفترة التي تستغرقها الحرب، او من زاوية آليات إدارتها وكفاءة القيادات العسكرية هنا او هناك، على أهمية كل تلك العوامل في قراءة شروط أي حرب، وتقييم مخرجاتها وانجازاتها او إخفاقاتها وتداعياتها. جميعها مهمة، وتحتل حيزاً هاماً في تشخيص مكانة وثقل واثر الحرب على المستويات القومية والإقليمية والدولية.

وإذا توقفنا امام حربي أكتوبر 1973 بين الأنظمة العربية والدولة العبرية، وحرب طوفان الأقصى (حرب الدفاع عن النفس) الجارية الآن على الأرض الفلسطينية بين دولة إسرائيل الاستعمارية واذرع المقاومة الفلسطينية ( أكتوبر 2023)، وحاولنا رؤية المشترك والفروق بينهما، نلحظ ان التشابه يكمن في التالي: أولا اختيار المناسبة الدينية اليهودية "عيد الغفران" ذاتها بعد خمسين عاما لشن الحرب؛ ثانيا المبادرة العربية والفلسطينية في إشعال شرارة الحرب، وتمكن الجانبين من مفاجأة وإرباك حكومات إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية، إدخالها في حالة من التخبط والفوضى الدراماتيكية؛ ثالثا اختراق الجيش المصري خط بارليف الاستراتيجي المقام على قناة السويس، وتمكن اذرع المقاومة من اختراق جدار الفصل العنصري المكهرب والمدعم بكل التكنولوجيا الحديثة من كاميرات ومجسات، والذي يرتفع سبعة أمتار، وينزل عميقا في الأرض بنفس أمتار الارتفاع؛ رابعا كلا الحربين حصل فيها تقصير فادح من قبل القيادات السياسية والعسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية؛ خامسا تدخل الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي في دعم إسرائيل بكل مقومات القوة، وتأهيلها لاستعادة زمام الأمور، والحد من منسوب الهزيمة العسكرية وتداعياتها السياسية والدبلوماسية؛ سادسا التأكيد على ان إسرائيل هي أداة وظيفية في خدمة المشروع الكولونيالي الغربي الرأسمالي؛ سابعا إصرار الغرب بقيادة واشنطن على كسر إرادة العرب، والحؤول دون انتصارهم، والمحافظة على تسيد إسرائيل على المنطقة؛ ثامنا خوض المفاوضات مع العرب بمن فيهم الفلسطينيين باسمها (إسرائيل) لفرض الاملاءات عليهم، وتطويعهم وفق الأجندة الأميركية.

اما اذا توقفنا امام الفروق، فاننا نرى انها تتمثل في النقاط الآتية: أولا حرب أكتوبر 1973 حرب كلاسيكية خاضتها الجيوش العربية المصرية والسورية بالتعاون مع جيش التحرير وقوات الثورة الفلسطينية، في حين ان حرب أكتوبر 2023 تخوضها اذرع المقاومة الفلسطينية بإمكانيات محدودة من حيث تعداد قواتها الفدائية، وقدراتها العسكرية المتواضعة في مواجهة دولة استعمارية مزنجرة من رأسها الى أخمص قدمها بالأسلحة الكلاسيكية المتطورة وأسلحة الدمار الشامل، والأسلحة النووية؛ ثانيا حرب 1973 لم تتمكن من الوصول لاية بقعة من الأرض الفلسطينية المحتلة في العام 1967، وبقي تقدم القوات محدودا في أراضي الدول المشتركة في الحرب، حتى ان الأرض السورية المحتلة عام 1967 بقيت محتلة، ولم يتحقق أي تقدم لأسباب تتعلق بطبيعة الحرب وإدارة القيادات العسكرية والسقف السياسي المتاح لها، وكل ذلك لا ينتقص من قيمة وأهمية وعظمة الإنجاز العربي الذي تحقق آنذاك.

في حين ان حرب الدفاع عن النفس الفلسطينية (السيوف الحديدية، حسب التسمية الإسرائيلية) تكمن أهميتها وإبداعها في انها استطاعت القوات الفلسطينية من استعادة والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948، وهي مساحة تساوي ضعفي مساحة قطاع غزة، التي تقدر ب362 كيلو متر مربع، وهو ما هز دولة إسرائيل اللقيطة من أعماقها، وكشف هزالها، وإفلاس منظومتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية على الصعد كافة، والتأكيد على ان دولة المرتزقة الصهيونية لا تملك مقومات البقاء والحياة؛ ثالثا استمرت حرب أكتوبر 1973 ثمانية عشر يوما، حطمت فيها الجيوش العربية صورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يكسر. في حين ان حرب طوفان الأقصى مازال من السابق لأوانه تحديد مداها الزمني. لا سيما وانها مازالت في بداياتها. لكن المؤكد قد تتجاوز أيام حرب أكتوبر 1973؛ ولم تكسر مكانة الجيش الإسرائيلي، بل حطمت مكانة الدولة الإسرائيلية وهيبتها، ومرغتها في التراب؛ رابعا حرب الجيوش العربية كان تأثيرها على الداخل الإسرائيلي محدودا بالمعنى العسكري، في حين ان حرب اذرع المقاومة أصابت المجتمع الإسرائيلي في مقتل، وكبدت مدن ومستعمرات وكيبوتسات الدولة المارقة خسائر بشرية ومادية ومعنوية أضعاف ما حصل عام 1973، حيث اتسع وازداد الان عدم اليقين في أوساط المستعمرين الصهاينة بمشروعية الدولة الصهيونية، وهذا ما سيضاعف من أعداد الهجرة العكسية من إسرائيل للخارج، وعودة الاستعماريين لأوطانهم الام؛ خامسا حرب طوفان الأقصى ستفتح آفاق الحل السياسي الفلسطيني لإسرائيل، وهذا لم يحدث عام 1973؛ سادسا اجزم ان حرب الطوفان تحمل في طياتها وقف حالة التدهور والتطبيع المجانية الرسمية العربية، وتفتح الأفق امام تحولات استراتيجية في المشهد العربي عموما، في حين ان حرب تشرين 1973 فتحت بوابة الانهيار لحركة التحرر العربية، وتفكك المؤسسة الرسمية العربية، وقلصت الى حد بعيد أفق التكامل العربي على الصعد كافة. وهناك فوارق أخرى سآتي عليها لاحقا.

المشترك والفروق بين الحربين

عمر حلمي الغول

لكل حرب سماتها وخصائصها حتى لو كانت من ذات الطراز، بمعنى ان كانت كلاسيكية، او حرب عصابات، او حرب أهلية، ومن زاوية الخلفيات والأسباب، وعوامل الزمان والمكان، ومن حيث الفترة التي تستغرقها الحرب، او من زاوية آليات إدارتها وكفاءة القيادات العسكرية هنا او هناك، على أهمية كل تلك العوامل في قراءة شروط أي حرب، وتقييم مخرجاتها وانجازاتها او إخفاقاتها وتداعياتها. جميعها مهمة، وتحتل حيزاً هاماً في تشخيص مكانة وثقل واثر الحرب على المستويات القومية والإقليمية والدولية.

وإذا توقفنا امام حربي أكتوبر 1973 بين الأنظمة العربية والدولة العبرية، وحرب طوفان الأقصى (حرب الدفاع عن النفس) الجارية الآن على الأرض الفلسطينية بين دولة إسرائيل الاستعمارية واذرع المقاومة الفلسطينية ( أكتوبر 2023)، وحاولنا رؤية المشترك والفروق بينهما، نلحظ ان التشابه يكمن في التالي: أولا اختيار المناسبة الدينية اليهودية "عيد الغفران" ذاتها بعد خمسين عاما لشن الحرب؛ ثانيا المبادرة العربية والفلسطينية في إشعال شرارة الحرب، وتمكن الجانبين من مفاجأة وإرباك حكومات إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية، إدخالها في حالة من التخبط والفوضى الدراماتيكية؛ ثالثا اختراق الجيش المصري خط بارليف الاستراتيجي المقام على قناة السويس، وتمكن اذرع المقاومة من اختراق جدار الفصل العنصري المكهرب والمدعم بكل التكنولوجيا الحديثة من كاميرات ومجسات، والذي يرتفع سبعة أمتار، وينزل عميقا في الأرض بنفس أمتار الارتفاع؛ رابعا كلا الحربين حصل فيها تقصير فادح من قبل القيادات السياسية والعسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية؛ خامسا تدخل الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي في دعم إسرائيل بكل مقومات القوة، وتأهيلها لاستعادة زمام الأمور، والحد من منسوب الهزيمة العسكرية وتداعياتها السياسية والدبلوماسية؛ سادسا التأكيد على ان إسرائيل هي أداة وظيفية في خدمة المشروع الكولونيالي الغربي الرأسمالي؛ سابعا إصرار الغرب بقيادة واشنطن على كسر إرادة العرب، والحؤول دون انتصارهم، والمحافظة على تسيد إسرائيل على المنطقة؛ ثامنا خوض المفاوضات مع العرب بمن فيهم الفلسطينيين باسمها (إسرائيل) لفرض الاملاءات عليهم، وتطويعهم وفق الأجندة الأميركية.

اما اذا توقفنا امام الفروق، فاننا نرى انها تتمثل في النقاط الآتية: أولا حرب أكتوبر 1973 حرب كلاسيكية خاضتها الجيوش العربية المصرية والسورية بالتعاون مع جيش التحرير وقوات الثورة الفلسطينية، في حين ان حرب أكتوبر 2023 تخوضها اذرع المقاومة الفلسطينية بإمكانيات محدودة من حيث تعداد قواتها الفدائية، وقدراتها العسكرية المتواضعة في مواجهة دولة استعمارية مزنجرة من رأسها الى أخمص قدمها بالأسلحة الكلاسيكية المتطورة وأسلحة الدمار الشامل، والأسلحة النووية؛ ثانيا حرب 1973 لم تتمكن من الوصول لاية بقعة من الأرض الفلسطينية المحتلة في العام 1967، وبقي تقدم القوات محدودا في أراضي الدول المشتركة في الحرب، حتى ان الأرض السورية المحتلة عام 1967 بقيت محتلة، ولم يتحقق أي تقدم لأسباب تتعلق بطبيعة الحرب وإدارة القيادات العسكرية والسقف السياسي المتاح لها، وكل ذلك لا ينتقص من قيمة وأهمية وعظمة الإنجاز العربي الذي تحقق آنذاك.

في حين ان حرب الدفاع عن النفس الفلسطينية (السيوف الحديدية، حسب التسمية الإسرائيلية) تكمن أهميتها وإبداعها في انها استطاعت القوات الفلسطينية من استعادة والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948، وهي مساحة تساوي ضعفي مساحة قطاع غزة، التي تقدر ب362 كيلو متر مربع، وهو ما هز دولة إسرائيل اللقيطة من أعماقها، وكشف هزالها، وإفلاس منظومتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية على الصعد كافة، والتأكيد على ان دولة المرتزقة الصهيونية لا تملك مقومات البقاء والحياة؛ ثالثا استمرت حرب أكتوبر 1973 ثمانية عشر يوما، حطمت فيها الجيوش العربية صورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يكسر. في حين ان حرب طوفان الأقصى مازال من السابق لأوانه تحديد مداها الزمني. لا سيما وانها مازالت في بداياتها. لكن المؤكد قد تتجاوز أيام حرب أكتوبر 1973؛ ولم تكسر مكانة الجيش الإسرائيلي، بل حطمت مكانة الدولة الإسرائيلية وهيبتها، ومرغتها في التراب؛ رابعا حرب الجيوش العربية كان تأثيرها على الداخل الإسرائيلي محدودا بالمعنى العسكري، في حين ان حرب اذرع المقاومة أصابت المجتمع الإسرائيلي في مقتل، وكبدت مدن ومستعمرات وكيبوتسات الدولة المارقة خسائر بشرية ومادية ومعنوية أضعاف ما حصل عام 1973، حيث اتسع وازداد الان عدم اليقين في أوساط المستعمرين الصهاينة بمشروعية الدولة الصهيونية، وهذا ما سيضاعف من أعداد الهجرة العكسية من إسرائيل للخارج، وعودة الاستعماريين لأوطانهم الام؛ خامسا حرب طوفان الأقصى ستفتح آفاق الحل السياسي الفلسطيني لإسرائيل، وهذا لم يحدث عام 1973؛ سادسا اجزم ان حرب الطوفان تحمل في طياتها وقف حالة التدهور والتطبيع المجانية الرسمية العربية، وتفتح الأفق امام تحولات استراتيجية في المشهد العربي عموما، في حين ان حرب تشرين 1973 فتحت بوابة الانهيار لحركة التحرر العربية، وتفكك المؤسسة الرسمية العربية، وقلصت الى حد بعيد أفق التكامل العربي على الصعد كافة. وهناك فوارق أخرى سآتي عليها لاحقا.