تعيش تونس على وقع الإصلاح التربوي المنشود، وهو مطلب طالما سعى إليه أهل الاختصاص والمهتمّون بالتعليم منذ سنوات، وانتظمت بشأنه منذ مدّة قصيرة استشارة وطنية مفتوحة للجميع، نأمل أن تعود الكلمة الفصل فيها إلى الخبراء والمختصين في البيداغوجيا، وأن يسير الإصلاح في اتّجاه مزيد دعم المدنية في البرامج التربويّة.
فبعد أن كان التعليم في بلادنا دينيّا بالأساس، تطوّر على مراحل في اتّجاه المدنية، شأنه في ذلك كشأن ميادين أخرى على غرار القضاء وقانون الأحوال الشخصية، وتمّ في هذا المجال بالخصوص جعل التعليم الزيتوني الديني جامعة حديثة خاضعة لوزارة التعليم العالي وتمّ أيضا فصل التربية المدنية عن التربية الدينية لتصبح هذه الأخيرة مادّة قائمة الذات وأساسيّة في التعليم، تربّي على القيم الانسانية التي نطمع أن تكون راسخة لدى كلّ المواطنين.
التربية المدنية في المناهج التربوية هي مادّة أساسية في تكوين الناشئة لِما تُوفّره من مضامين هامّة تُساعد التلميذ في مختلف مراحل التعليم على بناء شخصية المواطن التونسي وهويته على الأسس المدنية ليكون واعيا ومُتشبّعا بقيم المواطنة وحقوق الإنسان وحق الاختلاف والتسامح، ولينشأ على التوازن بين الحقوق والواجبات والتلازم بين الحرية والمسؤولية، وهي الملامح التي نسعى إلى أن يتّسم بها المُتخرّج من الدراسة، والمُستلهمة من المبادئ التي وردت في قانون 1991، وحافظ عليها القانون التوجيهي للتعليم لسنة 2002.
كما أن التربية المدنية هي المادّة التي تُتيح للأطفال والشبان الانفتاح على المحيط والمجتمع واكتشاف المخزون الثقافي والتاريخي، خاصّة إذا تزامن تدريسها مع أنشطة ثقافية موازية والانخراط في نوادِ مدنية، وزيارة المؤسسات السياسية والتشريعية والاجتماعية والادارية وغيرها للتعرّف عليها وفهم سير دواليب الدولة، مع وجوب توخّي الحذر في هذا المجال حتى يقتصر التعامل مع المجتمع المدني المُتحضّر والحداثي وحتى لا ينساق شبابنا وراء المؤسسات والجمعيات والنوادي المشبوهة التي تُشجّع على الانغلاق والتطرّف. لذلك وجب التركيز عند تدريس هذه المادة الحساسة على زرع مبادئ حقوق الانسان وقيم الجمهورية لدى الناشئة، وعلى احترام المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة واحترام الديانات، كل الديانات.
هذه الميزات الهامة للتربية المدنية وتأثيرها على تكوين الطفل والشاب تجرّنا إلى التأكيد على وجوب إيلاء تدريس هذه المادّة ما تستحقّه من عناية على مستويات ثلاث:
فالاقتصار في تدريس التربية المدنية على بضع سنوات من التعليم لا يكفي بتاتا لتكوين التلميذ على الأسس الصحيحة والشاملة للمواطنة، كما أنها لا تكفي لحماية شبابنا من التطرّف والارهاب الذي نشهده خاصة في صفوف من درسوا الشعب العلمية وحرموا من التربية المدنية. لذا وجب تدريسها في مختلف مراحل التعليم، من الابتدائي إلى نهاية الثانوي. ولمَ لا نتّبع مثال الدول الناجحة في بناء أجيالها مثل اليابان حيث تُدرّس من السنوات الأولى من التعليم الابتدائي مادّة تُسمّى بالأخلاق، والأخلاق هنا تُفيد المدنيّة.
ومن ناحية ثانية، لا بدّ من الكفّ عن الاقتصار على الشعب الأدبية في تدريس مادّة التربية المدنية، وكأن التربية على المواطنة لا تهمّ أطبّاء ومهندسي الغد. فكيف نضمن ألّا ينساق المهندس إلى الغش عند بناء الطرقات والعمارات، وألّا ينساق الطبيب إلى تسليم شهائد طبيّة بمقابل دون فحص المعني بالأمر، لو لم نكن قد علّمناه على قواعد صحيحة مبادئ النزاهة وحدود الحقوق والواجبات في التعامل الصحيح مع المجتمع.
أما المستوى الثالث فيهمّ الضارب الممنوح لمادّة التربية المدنية الذي يُعتبر ضئيلا جدا بالمقارنة مع مواد أخرى، مثل اللغات في الشعب الأدبية أو الرياضيات والفيزياء في الشعب العلمية. فالفارق الكبير في الضوارب يجعل التلميذ لا يهتمّ إلّا بمواد الاختصاص ويُهمل موادّ أخرى مثل التربية المدنية، ممّا يجعل تكوينه كمواطن منقوصا بشكل خطير على المجتمع.
في الختام، وحتى ننجح في جعل مدارسنا ومعاهدنا تُمهّد حقا لتكوين مواطنين واعين بحقوقهم وبواجباتهم عند دخولهم لمعارك الحياة المهنية والمجتمعية، لابدّ من أن تُصبح التربية على المدنية أساس التعليم في بلادنا، وإنشاء اختصاص جامعي لهذه المادّة يتمّ فيها تكوين المُكوّنين.
*مُتفقّدة تربية مدنية للمدارس الاعدادية والمعاهد
رئيسة الجمعية التونسية للتربية المدنية
نائبة رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة
إنصاف فتح الله*
تعيش تونس على وقع الإصلاح التربوي المنشود، وهو مطلب طالما سعى إليه أهل الاختصاص والمهتمّون بالتعليم منذ سنوات، وانتظمت بشأنه منذ مدّة قصيرة استشارة وطنية مفتوحة للجميع، نأمل أن تعود الكلمة الفصل فيها إلى الخبراء والمختصين في البيداغوجيا، وأن يسير الإصلاح في اتّجاه مزيد دعم المدنية في البرامج التربويّة.
فبعد أن كان التعليم في بلادنا دينيّا بالأساس، تطوّر على مراحل في اتّجاه المدنية، شأنه في ذلك كشأن ميادين أخرى على غرار القضاء وقانون الأحوال الشخصية، وتمّ في هذا المجال بالخصوص جعل التعليم الزيتوني الديني جامعة حديثة خاضعة لوزارة التعليم العالي وتمّ أيضا فصل التربية المدنية عن التربية الدينية لتصبح هذه الأخيرة مادّة قائمة الذات وأساسيّة في التعليم، تربّي على القيم الانسانية التي نطمع أن تكون راسخة لدى كلّ المواطنين.
التربية المدنية في المناهج التربوية هي مادّة أساسية في تكوين الناشئة لِما تُوفّره من مضامين هامّة تُساعد التلميذ في مختلف مراحل التعليم على بناء شخصية المواطن التونسي وهويته على الأسس المدنية ليكون واعيا ومُتشبّعا بقيم المواطنة وحقوق الإنسان وحق الاختلاف والتسامح، ولينشأ على التوازن بين الحقوق والواجبات والتلازم بين الحرية والمسؤولية، وهي الملامح التي نسعى إلى أن يتّسم بها المُتخرّج من الدراسة، والمُستلهمة من المبادئ التي وردت في قانون 1991، وحافظ عليها القانون التوجيهي للتعليم لسنة 2002.
كما أن التربية المدنية هي المادّة التي تُتيح للأطفال والشبان الانفتاح على المحيط والمجتمع واكتشاف المخزون الثقافي والتاريخي، خاصّة إذا تزامن تدريسها مع أنشطة ثقافية موازية والانخراط في نوادِ مدنية، وزيارة المؤسسات السياسية والتشريعية والاجتماعية والادارية وغيرها للتعرّف عليها وفهم سير دواليب الدولة، مع وجوب توخّي الحذر في هذا المجال حتى يقتصر التعامل مع المجتمع المدني المُتحضّر والحداثي وحتى لا ينساق شبابنا وراء المؤسسات والجمعيات والنوادي المشبوهة التي تُشجّع على الانغلاق والتطرّف. لذلك وجب التركيز عند تدريس هذه المادة الحساسة على زرع مبادئ حقوق الانسان وقيم الجمهورية لدى الناشئة، وعلى احترام المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة واحترام الديانات، كل الديانات.
هذه الميزات الهامة للتربية المدنية وتأثيرها على تكوين الطفل والشاب تجرّنا إلى التأكيد على وجوب إيلاء تدريس هذه المادّة ما تستحقّه من عناية على مستويات ثلاث:
فالاقتصار في تدريس التربية المدنية على بضع سنوات من التعليم لا يكفي بتاتا لتكوين التلميذ على الأسس الصحيحة والشاملة للمواطنة، كما أنها لا تكفي لحماية شبابنا من التطرّف والارهاب الذي نشهده خاصة في صفوف من درسوا الشعب العلمية وحرموا من التربية المدنية. لذا وجب تدريسها في مختلف مراحل التعليم، من الابتدائي إلى نهاية الثانوي. ولمَ لا نتّبع مثال الدول الناجحة في بناء أجيالها مثل اليابان حيث تُدرّس من السنوات الأولى من التعليم الابتدائي مادّة تُسمّى بالأخلاق، والأخلاق هنا تُفيد المدنيّة.
ومن ناحية ثانية، لا بدّ من الكفّ عن الاقتصار على الشعب الأدبية في تدريس مادّة التربية المدنية، وكأن التربية على المواطنة لا تهمّ أطبّاء ومهندسي الغد. فكيف نضمن ألّا ينساق المهندس إلى الغش عند بناء الطرقات والعمارات، وألّا ينساق الطبيب إلى تسليم شهائد طبيّة بمقابل دون فحص المعني بالأمر، لو لم نكن قد علّمناه على قواعد صحيحة مبادئ النزاهة وحدود الحقوق والواجبات في التعامل الصحيح مع المجتمع.
أما المستوى الثالث فيهمّ الضارب الممنوح لمادّة التربية المدنية الذي يُعتبر ضئيلا جدا بالمقارنة مع مواد أخرى، مثل اللغات في الشعب الأدبية أو الرياضيات والفيزياء في الشعب العلمية. فالفارق الكبير في الضوارب يجعل التلميذ لا يهتمّ إلّا بمواد الاختصاص ويُهمل موادّ أخرى مثل التربية المدنية، ممّا يجعل تكوينه كمواطن منقوصا بشكل خطير على المجتمع.
في الختام، وحتى ننجح في جعل مدارسنا ومعاهدنا تُمهّد حقا لتكوين مواطنين واعين بحقوقهم وبواجباتهم عند دخولهم لمعارك الحياة المهنية والمجتمعية، لابدّ من أن تُصبح التربية على المدنية أساس التعليم في بلادنا، وإنشاء اختصاص جامعي لهذه المادّة يتمّ فيها تكوين المُكوّنين.