إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد صمت طويل وشبه غياب .. أحزاب تستثمر "طوفان الأقصى" للعودة إلى الواجهة

                       

تونس – الصباح

بعد صمت مطول وشبه غياب عن المشهد العام وقطيعة مع الشارع التونسي وانسحاب من المشهد العام، رغم ما تم تسجيله من أحداث ومستجدات على المستويين الوطني والإقليمي بالأساس في السنتين الأخيرتين تقريبا، تعود الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والهياكل القطاعية والمدنية إلى الظهور وبقوة في المشهد العام تفاعلا مع مستجدات الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عملية "الأقصى" للمقاومة الفلسطينية بقيادة "حماس" وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها وشن العمليات العسكرية العنيفة على قطاع غزة تحديدا.

إذ سبق أن تم تسجيل عدة أحداث وطنية وكوارث طبيعية إقليمية وعربية في الفترة الماضية على غرار الزلزال الذي ضرب عدة مناطق في سوريا وتركيا في بداية العام الجاري ثم الزلزال الذي جد بالمغرب مؤخرا وخلفت كل هذه الزلازل آلاف الموتى والجرحى فضلا عن الدمار الكبير والخسائر الفادحة في البنية التحتية. إضافة إلى ما خلفه إعصار "دانيال" من خسائر مادية وبشرية في عدة مدن بالشرق الليبي وأبرزها تحول مدينة درنة الساحلية إلى مقبرة جماعية بعد أن جرفت المياه آلاف السكان والمنازل والممتلكات. وغيرها من الأحداث الدموية والمواقف السياسية. هذا على مستوى العربي والإقليمي أما وطنيا فقد عاش المواطنون في الفترة الماضية على وقع غلاء الأسعار وفقدان عدة مواد استهلاكية أساسية من الأسواق فضلا عن النقص الكبير المسجل في الأدوية والمواد الحيوية وتراجع الخدمات في جميع المجالات تقريبا، مقابل غياب الحلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمالية التي ما انفكت تتفاقم فضلا عن تفاقم ظاهرة اكتساح الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء لبلادنا وتحويلها إلى نقطة عبور بامتياز للضفة الشمالية للمتوسط، وعدم قدرة الجهات الرسمية بعد على تقديم "وصفة" عملية لمعالجة هذه الأوضاع ميدانيا رغم المبادرات والمشاريع المطروحة في الغرض على المستويين الوطني والإقليمي والأوروبي.

لكن حافظت الطبقة السياسية بجميع أطيافها وتوجهاتها على صمتها وانسحابها من مجريات الوضع وتطوراته. والشأن نفسه تقريبا بالنسبة للمنظمات والهياكل القطاعية والمدنية. الأمر الذي جعل البعض يتهمها بالضلوع أو التشجيع أو الوقوف وراء الأزمات في محاولة للتشفي من المواطنين بعد نفور القواعد الشعبية من الطبقة السياسية والمنظمات والهياكل المدنية والقطاعية وتحميلها جانبا من مسؤولية تردي الأوضاع والأزمات المسجلة في بلادنا في السنوات الأخيرة بسبب انخراط تلك الأجسام الوسيطة بشكل مباشر أو غير مباشر في منظومة الحكم السابقة والبرامج التي أدت إلى تدهور الوضع على جميع المستويات.

رغم اكتفاء بعض الأحزاب والهياكل والمنظمات في الفترة الماضية بنشر بلاغات أو بيانات فقط، تسجل من خلالها "حضورها" على هامش ما يجري.

فكان الاستثناء في الهبة الكبيرة لكل هذه الأجسام في هذه المرة في سياق مناهضة عدوان القوى المحتلة للأراضي الفلسطينية ووقوف أغلب هذه القوى السياسية والوطنية والمدنية والقطاعية صفا واحدا ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل. إذ لم تكتف بإصدار البيانات والتنديد والرسائل فحسب بل تعدتها بخروجها والتحامها مع الشارع التونسي وتنظيم بعضها لوقفات تضامنية ولقاءات على هامش التحرك التفاعلي مع مستجدات الأحداث في قطاع غزة والعودة لطرح وإثارة القضية الفلسطينية من جديد.

وقد استبشرت بعض الجهات بهذه العودة واللقاء مجددا، خاصة أن عددا كبيرا من الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات وغيرها كانت غائبة عن المشهد العام واللقاءات العامة في السنوات الأخيرة على خلاف ما كان عليه الأمر سابقا. ثم أن تجديد عهد اللقاءات والتقاطع حول أهداف وقضايا بين مكونات الطبقة السياسية والمدنية من ناحية والشارع التونسي من ناحية أخرى يعد خطوة جديدة في تونس ما بعد 25 جويلية 2021.

إذ يعتبر البعض أنه يمكن أن يكون ذلك منطلقا لتجديد اللقاء بين هذه الأطراف خاصة إذا ما استطاعت القوى السياسية والمدنية المراهنة على تحويل "لحظة التقاطع" هذه إلى مرحلة جديدة في علاقتها مع القواعد الشعبية بما يتطلبه ذلك من تجديد في الخطاب والفكر وآليات النشاط والانخراط في مشروع البناء والإصلاح للدولة. لتكون محطة أو نقطة التقاطع هذه مفصلية في الزمن السياسي والاجتماعي بالأساس باعتبار أن نسبا كبيرة من القواعد الشعبية أو الشارع التونسي تواصل مساندتها وترحيبها بالمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية قيس سعيد، رغم بطء عجلة التغيير والإصلاح مقابل رفضها للأحزاب وكل الأجسام الوسيطة تقريبا.

تأتي هذه العودة قبل أسابيع قليلة من إحياء بلادنا لذكرى اندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010/ 14 جانفي 2011 التي غيرت مجرى التاريخ والوضع السياسي في بلادنا. وهي مرحلة تتزامن مع انطلاق العد التنازلي للانتخابات الرئاسية 2024، خاصة أن شقا واسعا من الطبقة السياسية يولي اهتماما بهذه الاستحقاقات الانتخابية لعدة اعتبارات لعل من أبرزها هو الصلاحيات الواسعة التي أصبح يتمتع بها رئيس الجمهورية وفق دستور 2022 الجديد، ورغبة البعض من معارضي سعيد خوض هذا السباق والمراهنة على الصندوق للعودة إلى مواقع الحكم والقرار، في حين أن الوضع الحالي لأغلب مكونات الطبقة السياسية في تونس يعيش في شبه قطيعة مع الشارع والقواعد الشعبية، لتكون هذه التحركات التضامنية في بعدها الإنساني والإقليمي بذلك مدخلا، إنما تحكمه أهداف وأغراض سياسية وحزبية وطنية بالأساس.

نزيهة الغضباني

 

 

 

بعد صمت طويل وشبه غياب ..   أحزاب تستثمر "طوفان الأقصى" للعودة إلى الواجهة

                       

تونس – الصباح

بعد صمت مطول وشبه غياب عن المشهد العام وقطيعة مع الشارع التونسي وانسحاب من المشهد العام، رغم ما تم تسجيله من أحداث ومستجدات على المستويين الوطني والإقليمي بالأساس في السنتين الأخيرتين تقريبا، تعود الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والهياكل القطاعية والمدنية إلى الظهور وبقوة في المشهد العام تفاعلا مع مستجدات الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عملية "الأقصى" للمقاومة الفلسطينية بقيادة "حماس" وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها وشن العمليات العسكرية العنيفة على قطاع غزة تحديدا.

إذ سبق أن تم تسجيل عدة أحداث وطنية وكوارث طبيعية إقليمية وعربية في الفترة الماضية على غرار الزلزال الذي ضرب عدة مناطق في سوريا وتركيا في بداية العام الجاري ثم الزلزال الذي جد بالمغرب مؤخرا وخلفت كل هذه الزلازل آلاف الموتى والجرحى فضلا عن الدمار الكبير والخسائر الفادحة في البنية التحتية. إضافة إلى ما خلفه إعصار "دانيال" من خسائر مادية وبشرية في عدة مدن بالشرق الليبي وأبرزها تحول مدينة درنة الساحلية إلى مقبرة جماعية بعد أن جرفت المياه آلاف السكان والمنازل والممتلكات. وغيرها من الأحداث الدموية والمواقف السياسية. هذا على مستوى العربي والإقليمي أما وطنيا فقد عاش المواطنون في الفترة الماضية على وقع غلاء الأسعار وفقدان عدة مواد استهلاكية أساسية من الأسواق فضلا عن النقص الكبير المسجل في الأدوية والمواد الحيوية وتراجع الخدمات في جميع المجالات تقريبا، مقابل غياب الحلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمالية التي ما انفكت تتفاقم فضلا عن تفاقم ظاهرة اكتساح الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء لبلادنا وتحويلها إلى نقطة عبور بامتياز للضفة الشمالية للمتوسط، وعدم قدرة الجهات الرسمية بعد على تقديم "وصفة" عملية لمعالجة هذه الأوضاع ميدانيا رغم المبادرات والمشاريع المطروحة في الغرض على المستويين الوطني والإقليمي والأوروبي.

لكن حافظت الطبقة السياسية بجميع أطيافها وتوجهاتها على صمتها وانسحابها من مجريات الوضع وتطوراته. والشأن نفسه تقريبا بالنسبة للمنظمات والهياكل القطاعية والمدنية. الأمر الذي جعل البعض يتهمها بالضلوع أو التشجيع أو الوقوف وراء الأزمات في محاولة للتشفي من المواطنين بعد نفور القواعد الشعبية من الطبقة السياسية والمنظمات والهياكل المدنية والقطاعية وتحميلها جانبا من مسؤولية تردي الأوضاع والأزمات المسجلة في بلادنا في السنوات الأخيرة بسبب انخراط تلك الأجسام الوسيطة بشكل مباشر أو غير مباشر في منظومة الحكم السابقة والبرامج التي أدت إلى تدهور الوضع على جميع المستويات.

رغم اكتفاء بعض الأحزاب والهياكل والمنظمات في الفترة الماضية بنشر بلاغات أو بيانات فقط، تسجل من خلالها "حضورها" على هامش ما يجري.

فكان الاستثناء في الهبة الكبيرة لكل هذه الأجسام في هذه المرة في سياق مناهضة عدوان القوى المحتلة للأراضي الفلسطينية ووقوف أغلب هذه القوى السياسية والوطنية والمدنية والقطاعية صفا واحدا ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل. إذ لم تكتف بإصدار البيانات والتنديد والرسائل فحسب بل تعدتها بخروجها والتحامها مع الشارع التونسي وتنظيم بعضها لوقفات تضامنية ولقاءات على هامش التحرك التفاعلي مع مستجدات الأحداث في قطاع غزة والعودة لطرح وإثارة القضية الفلسطينية من جديد.

وقد استبشرت بعض الجهات بهذه العودة واللقاء مجددا، خاصة أن عددا كبيرا من الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات وغيرها كانت غائبة عن المشهد العام واللقاءات العامة في السنوات الأخيرة على خلاف ما كان عليه الأمر سابقا. ثم أن تجديد عهد اللقاءات والتقاطع حول أهداف وقضايا بين مكونات الطبقة السياسية والمدنية من ناحية والشارع التونسي من ناحية أخرى يعد خطوة جديدة في تونس ما بعد 25 جويلية 2021.

إذ يعتبر البعض أنه يمكن أن يكون ذلك منطلقا لتجديد اللقاء بين هذه الأطراف خاصة إذا ما استطاعت القوى السياسية والمدنية المراهنة على تحويل "لحظة التقاطع" هذه إلى مرحلة جديدة في علاقتها مع القواعد الشعبية بما يتطلبه ذلك من تجديد في الخطاب والفكر وآليات النشاط والانخراط في مشروع البناء والإصلاح للدولة. لتكون محطة أو نقطة التقاطع هذه مفصلية في الزمن السياسي والاجتماعي بالأساس باعتبار أن نسبا كبيرة من القواعد الشعبية أو الشارع التونسي تواصل مساندتها وترحيبها بالمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية قيس سعيد، رغم بطء عجلة التغيير والإصلاح مقابل رفضها للأحزاب وكل الأجسام الوسيطة تقريبا.

تأتي هذه العودة قبل أسابيع قليلة من إحياء بلادنا لذكرى اندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010/ 14 جانفي 2011 التي غيرت مجرى التاريخ والوضع السياسي في بلادنا. وهي مرحلة تتزامن مع انطلاق العد التنازلي للانتخابات الرئاسية 2024، خاصة أن شقا واسعا من الطبقة السياسية يولي اهتماما بهذه الاستحقاقات الانتخابية لعدة اعتبارات لعل من أبرزها هو الصلاحيات الواسعة التي أصبح يتمتع بها رئيس الجمهورية وفق دستور 2022 الجديد، ورغبة البعض من معارضي سعيد خوض هذا السباق والمراهنة على الصندوق للعودة إلى مواقع الحكم والقرار، في حين أن الوضع الحالي لأغلب مكونات الطبقة السياسية في تونس يعيش في شبه قطيعة مع الشارع والقواعد الشعبية، لتكون هذه التحركات التضامنية في بعدها الإنساني والإقليمي بذلك مدخلا، إنما تحكمه أهداف وأغراض سياسية وحزبية وطنية بالأساس.

نزيهة الغضباني