تونس-الصباح
تمر اليوم أربعة أيام على إطلاق عملية "طوفان الأقصى" البطولية التي أربكت حسابات الاحتلال وأصابته بالصدمة والذهول وهو يستفيق على وقع تسلل رجال المقاومة من غزة برا وبحرا وجوا لتدفع سلطات الاحتلال الى الاستنفار لاحقا وإعلان حالة الحرب فيما عجلت واشنطن الحليف الأزلي بإرسال أكبر حاملة طائرات الى المنطقة دعما لكيان الاحتلال العنصري، تعيش إسرائيل اليوم تحت الضغط الشعبي والرسمي والإعلامي لإعادة احتلال القطاع إلا أن حكومة ناتنياهو تدرك جيدا أن هكذا خيار ليس مضمونا في ظل تواجد عشرات الأسرى من جنود وضباط ومستوطنين في قبضة المقاومة ...
الأكيد أن الساعات القادمة ستكشف المزيد من التطورات التي سيتعين التعاطي معها للوقوف على الخيارات والسيناريوهات المحتملة للاحتلال ولكن أيضا على خيارات المقاومة التي أعلنت هذه المعركة لتعيد بذلك القضية الفلسطينية المغيبة الى المشهد وتفرض على العالم متابعة ما يجري.. أصوات كثيرة ارتفعت داخل إسرائيل تطالب بالتحقيق في ما حدث والأكيد أن التحقيق الأهم والأكثر أولوية هو مساءلة الاحتلال عن كل الجرائم الموثقة التي اقترفها في حق الشعب الفلسطيني جيلا بعد جيل ..
في هذه الصفحة قراءات متعددة من غزة وعن غزة حول "طوفان الأقصى" الذي هز العالم ...
آسيا العتروس
هذا ما جناه الاحتلال واليمين المتطرف على نفسه
بقلم: محمد سعد العجلة*
على الرغم من إدراكنا لحجم ونوعية ووحشية رد الاحتلال الإسرائيلي القادم على الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة بعد الهجوم الكبير والنوعي والكبير وغير المتوقع للمقاومة الفلسطينية على البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المحيطة في قطاع غزة، فإن ما حدث فجر هذا اليوم السابع من أكتوبر يختلف عن كل ما سبقه من حروب ومعارك ومواجهات بين المقاومة الفلسطينية من جهة ودولة الاحتلال من جهة أخرى.
وأكثر ما يمكن الإشارة إليه في هذه الأوقات التي نترقب فيها تطورات بالغة الخطورة:
*الفشل الاستخباري والأمني الذريع الذي منيت به دولة الاحتلال وخاصة جيشها وأجهزة استخباراتها الذين يتباهون بقدراتهم الفائقة في مجال التجسس والحصول على المعلومات والتطور الالكتروني والتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والتنصت على المكالمات الهاتفية وتحليلها، بل إنهم في هذا المجال يعتبرون من الدول المتطورة جدا على مستوى العالم. فعملية كهذه كانت بالتأكيد تحتاج لتخطيط وتدريب وإعداد دقيق وبعيد المدى، ومع ذلك لم تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من اكتشاف ومعرفة ما تضمره المقاومة الفلسطينية وما تعد له من هجوم واسع النطاق.
*التطور اللافت لدى المقاومة الفلسطينية رغم الحصار وقلة الإمكانيات. وهذا التطور يشمل التفوق الاستخباري والعملياتي والقدرة على المباغتة ومفاجأة العدو بشكل ربما لم يشهده تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إلا في حرب أكتوبر المجيدة عام1973. ويرتبط بهذه النقطة حجم الصدمة التي أصابت دولة الاحتلال من نوعية وحجم ونطاق هذ الهجوم.
*كما أن المقاومة استطاعت في هذا الهجوم أن تستمر فيه بمراحله المختلفة حسب ما هو مخطط له دون أن تستطيع دولة الاحتلال أن تحرك ساكنا لعدة ساعات، الأمر الذي مكن المقاومة من اقتحام المستوطنات الإسرائيلية والسيطرة عليها واحتجاز الرهائن بل وأخذ أسرى والعودة بهم إلى قطاع غزة.
*نحن كفلسطينيين، وخاصة نحن المقيمين في قطاع غزة، ندرك تماما كيف سيكون عليه رد الاحتلال الإسرائيلي لا سيما لجوؤه إلى استهداف المدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير المؤسسات والبنية التحتية والمباني والعمارات السكنية، وذلك للتعبير عن فشله الذريع في مواجهة المقاومة الفلسطينية البارعة، وفي محاولة يائسة منه لاسترداد الروح المعنوية المنهارة لدى جيشه الذي تلقى ضربة قاسية ولدى مواطنيه الذين باتوا لا يشعرون بالأمان وهم في بيوتهم.
*كل هذا التطور، كان نتيجة حتمية للممارسات الهمجية التي قامت وتقوم بها حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة وشركاؤه من غلاة المستوطنين وخاصة بحق المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس المحتلة والأسرى في السجون الإسرائيلية، وسط صمت رهيب من العالم، وكأن الشعب الفلسطيني لا تنطبق عليه اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية!!
*كاتب صحفي فلسطيني مقيم في غزة
الامتحان الأصعب وربما المصيري
بقلم: هاني مبارك*
ما قامت به قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وبكل المقاييس وفي سياقه القاسي عمل يحاكي الخيال، إذ انه لم يشكل فقط نجاحا عسكريا يصعب على دول ذات قوة وتاريخ عسكري واستراتيجي أن تقوم به، بل إنه شكل مفاجأة استخباراتية صاعقة في مواجهة قوة عسكرية مدججة ليس فقط بأحدث الأسلحة بل بأرفع تكنولوجيات الاتصال والتجسس والتنصت وجيش من الجواسيس هذا باستثناء التنسيق الأمني والمعلوماتي مع عديد الدول الإقليمية والعالمية، وباستثناء ذلك انها تملك السيطرة على الأرض وما تحتها وما فوقها.
والجديد في هذا العمل العسكري الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، هو انتقال عنصر المبادرة إلى الجانب الفلسطيني، ما يعني أن حسابات ردود الفعل الإسرائيلية والدولية قد وضعت في الاعتبار وأنها خضعت لتدقيق شامل من حيث النوع والمدى الزمني، لأن الاعتقاد البديهي أن عملا بهذا الحجم لن يكون فرقعة إعلامية أو لحسابات تحقيق مكاسب سياسية هنا وهناك على حساب هذا الطرف أو ذاك، بل هو عمل له مضمون سياسي وأهداف بعيدة المدى.
وفصائل المقاومة تدرك جيدا أن السلاح وسيلة لتحقيق أهداف محددة وانه ليس هدفا بحد ذاته، ولذا فان السؤال هنا يتعلق بدقة الحسابات التي اعتمدتها فصائل المقاومة قبل أن تنطلق بهذا العمل العسكري الضخم والذي ولا شك انه سيترتب على نتائجه الكثير من الانعكاسات العميقة.
وعلى هذا المستوى كافة المؤشرات والتصريحات التي سمعناها من قادة الفصائل تشي بان هذه الخطوة كانت يُعد لها منذ زمن ليس بالقريب وقد أُخذت كل الاستعدادات لمواجهة تداعياتها، بل وهناك ما يشي بما هو أبعد من ذلك على مستوى استدامة المعركة والنتائج والغايات المتوخاة من ورائها والأطراف التي يمكن أن تكون جزءا منها.
مما لاشك فيه انه سيكون لهذه الحرب ما بعدها وان قواعد الاشتباك كما قواعد اللعبة السياسية لن تعود كما كانت عليه، وأن على كافة الأطراف ان تستعد جيدا لتقديم التنازلات الموجعة وربما المصيرية التي ستحدد شكل البقاء ونوعية التعايش.
وهنا السؤال عن الطرف الذي سيكون مدعوا أكثر من الطرف الآخر للانصياع لنتائج هذه الحرب، التي يلوح في الأفق بذور زراعتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، هذا علاوة على أسبابها العدوانية والوحشية التي تترجمها وتجسدها حكومة يمين ديني متطرف ومتغطرس مدعوم من حركة استيطانية عنصرية وإرهابية متوحشة دنست المقاسات وحرقت ودمرت الممتلكات وقتلت الأطفال والآمنين من الكبار والنساء وخلقت البيئة المناسبة لحكومة اليمين المتطرف لسد كل أفق سياسي، كما ذهبت لحصار السلطة الفلسطينية وعرقلة عملها لإضعافها ووضعها موضع الشريك غير المؤهل في أي عملية سياسية.
وفي هذا لابد من الإشارة إلى الموقف الرسمي الفلسطيني وموقف الرئاسة الفلسطينية التي وفرت غطاء سياسي غير مباشر لهذه العملية العسكرية عندما أكد البيان الصادر عن الرئيس أبومازن أن من حق شعبنا الدفاع عن نفسه، ووضع العملية في خانة رد الفعل على الأفعال الإجرامية للاحتلال الصهيوني، وتحركت الدبلوماسية الفلسطينية بهذا الاتجاه، وفعلت نشاطها نحو توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني وإجبار إسرائيل على الانصياع لاستحقاق عملية السلام التي قتلتها إسرائيل ووقف العدوان المباشر على الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، وكل هذه عبارة عن مؤشرات واستعدادات لمحاولة رأب الصدع وتوحيد الصف الفلسطيني الذي بات يتطلب من الأطراف الأخرى أن تتقدم بعض الخطوات.
إن هذه المعركة النوعية والتي ضربت في العمق وأسقطت نظرية الأمن الإسرائيلي الزائفة ودقة الحسابات التي بنيت عليها والإجراءات الواهية التي رافقتها وخاصة منها مصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وإقامة الحواجز والجدران ستكون اختبارا صعبة وربما مصيريا، ليس فقط لإمكانيات التجاوز الفلسطيني-الفلسطيني بل لإرساء قواعد لعبة قد تمتد لسنوات طويلة تحدد معها مصير الأرض والإنسان.
*كاتب فلسطيني وأستاذ بجامعة المنار
قراءة أولية.. لأكتوبر غزة!
بقلم: نبيل عمرو
حماس.. أسمته طوفان الأقصى. وإسرائيل أسمت ردها بالسيوف الحديدية.
دعونا من التسميات، لنتحدث عن التوصيف الحقيقي لما جرى ويجري.
هي أولاً.. حرب ردع المغرور نتنياهو والمهووسين من قادة ائتلافه.
وهي حرب الرد على الاستخفاف الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني، واعتباره غير موجود، ويمكن السيطرة عليه ببعض الخدمات والتسهيلات.
وهي حرب الرد على الاستباحة الإسرائيلية، للكرامة الفلسطينية والحقوق الفلسطينية والحاضر والمستقبل الفلسطيني.
هي حرب على تشريع إطلاق النار على الفلسطينيين وفق رغبة الجيش، وحرس الحدود وقطعان المستوطنين، والتشريع المقصود مطروح على البحث في المؤسسات الحكومية صاحبة القرار.هذا بعض منها على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني، أما على الصعيد الأوسع، فهي حرب أجهزت كليا على بقايا أوسلو التي لم يعد أحد يجرؤ على مجرد الحديث عنها.
هي حرب تقول للأمريكيين إن تدليلكم المفرط للتطرف الإسرائيلي أثمر دماً ودماراً وأيتاماً جدد، وتشرد جديد، وهذه المرة ليس على مستوى الفلسطينيين وحدهم، بل وعلى الإسرائيليين.
حرب.. غيرت معادلات وأنتجت معادلات جديدة. غيرت زمنا، وفتحت زمناً آخر، بدا أن كل ما حدث بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023 مجرد ماضٍ لسلام وإن استقر جزئيا إلا أنه لم يعد قابلاً للحياة كلياً.
والمسؤول الذي لن ينجو من الإدانة، هو كل من تفهم دوس وزراء نتنياهو على رؤوس المصلين في الأقصى واعتبره دفاعاً عن النفس. وكل من تفهم بصق المستوطنين على رجال الدين المسيحيين على أنه من صلب الثقافة اليهودية، وهذا ما لم أقله أنا بل قاله مسؤولون كبار في إسرائيل. ما حمل الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي إلى القول إن إسرائيل بصقت على وجه العالم..
هذه الحرب.. هي انفجار لمرجل يغلي منذ سنوات، كان يتم تنفيسه بتهدئة، إلى أن لم يعد للتنفيس من قدرة على منع الانفجار.
هذه الحرب.. بطلها وربما يكون ضحيتها في ذات الوقت نتنياهو، وجيشها كل الذين لم ينصفوا الفلسطينيين. وتركوهم فريسة لقوة عسكرية غاشمة تفعل بهم ما تشاء، وتغاضوا عن حصارات لم تنجو منها مدينة أو قرية أوحي فلسطيني.
ذهب الفلسطينيون على طريق السلام حين رفعوا غصن الزيتون أمام العالم، وأصر أعداء السلام والحق والعدل على إسقاطه من يدهم، لم يكن ما حدث عند السادسة والنصف صباح السابع من أكتوبر مجرد عملية عسكرية، بل انفجار مرجل يغلي منذ سنوات ولم ينفع معه التنفيس ولا التبريد. قد يدعي كثيرون أن ما حدث هو إنجاز من جانبهم، والحقيقة تقول إنه إنجاز لشعب محاصر على خصم قتله الغرور، إنجاز غزي منفرد بامتياز.
التهافت العربي نحو التطبيع بعد "طوفان الأقصى" .. ما رأي الشعوب؟
بقلم: عبد الحميد صيام*
يقول د عبد الحميد صيام الخبير الأممي الفلسطيني لدى الأمم المتحدة في قراءته لمسار التطبيع "الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي تقطع شركات كبرى وجامعات علاقاتها الاستثمارية والسياسية مع الكيان الصهيوني وتعلن مدن عن التراجع عن سياساتها السابقة حول العلاقة مع إسرائيل مثل برشلونة في اسبانيا ومدينة بيت لحم البرازيلية، تأتينا الأخبار عن مزيد من تعميق العلاقات بين دول التطبيع العربي والكيان لدرجة تثير الحنق والازدراء."
السؤال يفرض نفسه بقوة اليوم حول مصير مسار التطبيع على وقع عملية طوفان الأقصى وما إذا ستمثل صدا لهذا المسار أو بدلا من ذلك ستكون ورقة بيد الاحتلال لاستحضار دور الضحية والاستثمار في ما حدث؟
من الواضح أن المفاوضات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية قطعت شوطا طويلا تحت الرعاية الأمريكية والأكيد أن تطبيع السعودية مختلف عن كل ما سبق لما تحمله البلاد من رمزية عالية لنحو مليار ونصف مسلم وإذا أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة سيتبعها عدد كبير من الدول العربية والإسلامية مثل اندونيسيا وماليزيا وباكستان وعمان وموريتانيا.. يتداول عدد من المفكرين والكتاب والمثقفين والسياسيين الفلسطينيين هذه الأيام وثيقة للتوقيع عليها تحت عنوان "رسالة الألف توقيع الموجهة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان"، والتي تثمن موقفه من عدم الانجرار نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني. وتذكر الرسالة بمواقف المملكة التاريخية المناصرة للقضية الفلسطينية "والداعمة بلا تحفظ لقضية العرب والمسلمين الأولى خلال العقود الماضية". وأضاف الموقعون الألف في الرسالة: "إننا نستهجن وندين الضغط الأمريكي والإسرائيلي على المملكة والذي يريد مواصلة التطبيع المجاني على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة".
تزامنت هذه المبادرة مع مقال مطول للكاتب المشهور في جريدة "نيويورك تايمز"، توماس فريدمان، يوم 4 جوان بعنوان: "من تل أبيب إلى الرياض" يقول في الجزء الأخير من المقال: "هذه الأيام تتحادث إسرائيل والسعودية بهدوء حول شروط السلام. وهناك ثلاث زوايا للمسألة: تريد السعودية مساعدة إسرائيل لضمان تأييد الكونغرس الأمريكي لاتفاقية أمنية طويلة المدى، وتريد برنامجا سلميا للطاقة النووية، وأخيرا الحصول على أحدث الأسلحة في الترسانة الأمريكية، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فإذا ما ساعدت إسرائيل السعودية في تحقيق هذه الشروط الثلاثة فستطبع السعودية العلاقات مع إسرائيل دون أن تطلب أي تنازلات من إسرائيل بخصوص الفلسطينيين". ثم يضيف فريدمان متعجبا: "لا أصدق".
الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي تقطع شركات كبرى وجامعات علاقاتها الاستثمارية والسياسية مع الكيان الصهيوني وتعلن مدن عن التراجع عن سياساتها السابقة حول العلاقة مع إسرائيل مثل برشلونة في اسبانيا ومدينة بيت لحم البرازيلية، تأتينا الأخبار عن مزيد من تعميق العلاقات بين دول التطبيع العربي والكيان لدرجة تثير الحنق والازدراء. ونضيف إذا دخلت السعودية خيمة التطبيع، ستكون خطوة قاصمة الظهر للفلسطينيين وستتغير تماما معادلة الصراع العربي الإسرائيلي مرة وإلى الأبد، حيث ستلحق بالسعودية دول عربية وإسلامية عديدة تنتظر هذا التحول بشوق لتندلق هي الأخرى نحو التطبيع. إن هذا السيناريو المرعب يجعلنا ننبه إلى أن القضية الفلسطينية العادلة التي تحصد الانتصارات في الخارج وتقف معها كل منظمات حقوق الإنسان والأحزاب التقدمية وغالبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة تتعرض لانتكاسات كبرى بين الأهل والإخوة والجيران.
وللتدليل على هذا الاندلاق فالصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى دول التطبيع ارتفعت من 853 مليون دولار عام 2021 إلى 2.96 مليار دولار عام 2022 أي بارتفاع من 9 إلى 26 في المائة.
الذي يثير مزيدا من الشك حول توسيع التطبيع العربي مع الكيان، تصويت مجلس النواب الأميركي، مساء الثلاثاء الفائت، على مشروع قانون يدعو الرئيس بايدن لإنشاء منصب مبعوث خاص جديد في وزارة الخارجية الأميركية مخصصا لاتفاقات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل "اتفاقات أبراهام" بهدف دمج إسرائيل بشكل مستمر في منطقة الشرق الأوسط الكبير. وقد اعتمد القرار بغالبية 413 صوتا، واعتراض 13، وامتناع ثمانية عن التصويت.
وقد رصدنا في الأيام والأسابيع الأخيرة مجموعة ممارسات من قبل الأنظمة العربية تشير إلى هذا الاندلاق والتودد للكيان وتسخين العلاقات رغم أن الشعوب العربية ما زالت على مواقفها الثابتة من رفض هذا الكيان واعتباره الخطر الأساسي على أمن الأمة العربية ومستقبلها كما جاء في نتائج استطلاع "المؤشر العربي" الصادر عن مركز الأبحاث في الدوحة.
* في مصر انتفض الشارع المصري برمته تأييدا وتبجيلا للشهيد محمد صلاح الذي أردى ثلاثة جنود إسرائيليين قتلى لأسباب وطنية واعتبره الشعب المصري ضمير مصر الحي وشهيد مصر وفلسطين، وذكّر الأمة بمن سبقه من شهداء خاصة سليمان خاطر، وأطلق اسمه على العديد من المعالم وغمرت صوره وبطولاته ملايين المواقع في وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة أن الدولة، أو أطرافا منها، انحنت للعاصفة وأطلقت عليه الشهيد. بينما لم تترك الحكومة وسيلة للاعتذار إلا وسلكتها بما في ذلك تبادل المكالمات بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء الكيان نتنياهو وصدور اعتذار رسمي، وتبادل المعلومات على الحدود ثم قيام وفد صهيوني لزيارة القاهرة للتحقيق. لكن الشعب المصري أثبت بالفعل لا بالقول أنه لم ينس ولن يتخلى عن قضيته الأولى فلسطين الذي دفع عشرات الألوف من الشهداء في سبيلها.
* الإذاعة الإسرائيلية هي التي كشفت أن إسرائيل تسعى للتوسط بين الأطراف المتحاربة في السودان، فكلا الطرفين، القوات المسلحة السودانية بقيادة اللواء الركن عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة اللواء الركن محمد حمدان دقلو(حميدتي) على علاقات مميزة وتنافسية مع أجهزة الكيان الصهيوني. حميدتي على علاقات متقدمة مع الموساد والبرهان على علاقات عميقة مع نتنياهو والحكومة وكان يستعد لتوقيع اتفاقية التطبيع رسميا لكن الأمور تأخرت بسبب الأزمات المتلاحقة. إسرائيل من جهتها قلقة على ما يجري في السودان، هكذا تقول وأنا لا اصدق هذا القلق، لأن مسيرة التطبيع التي كانت تسير حثيثا نحو الاكتمال قد تعثرت بعد أن دخل الطرفان ميدان المعركة وكل يعمل على حسمها لصالحه بعد أن "تفانوا دقوا بينهم عطر منشم". من مصلحة إسرائيل الإستراتيجية أن يتفتت السودان. وقد لعبت دورا محوريا في انفصال جنوب السودان. وإسرائيل لا تنسى أبدا قمة الخرطوم عام 1967 الذي اعتمد اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات. وقد عملت إسرائيل بهدوء لتدمير هذه اللاءات بداية من مصر ومرورا بأكثر من عاصمة عربية وصولا إلى الخرطوم نفسها. وفي ظل التنافس القائم الآن بين المجموعتين، قد نجد أن أحدهما أوكليهما يرتمي بأحضان الأجهزة الإسرائيلية. آخر ما تفكر فيه إسرائيل مصلحة الشعب السوداني. إن إضعاف الدول العربية وتفتيتها وإثارة النعرات فيها سياسة ثابتة لدى كل حكومات إسرائيل المتعاقبة. أما الشعب السوداني المسكين فلا علاقة له بما يجري لا بإقامة علاقات مع إسرائيل ولا بالحرب القائمة الآن بين الطرفين.
* المسؤولون الإسرائيليون لا يتركون أمرا خفيا في مسألة التطبيع. السفارة لإماراتية في إسرائيل، هنأت إسرائيل بذكرى "استقلالها"، وتزامن ذلك مع قصف إسرائيلي لقطاع غزة. كما احتفلت كل من دبي وأبوظبي بعيد الفصح اليهودي.
لقد نبه بعض الإماراتيين الشرفاء من مخاطر التطبيع وأنشأوا "الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع" حيث أكد الموقعون على البيان بأسمائهم العلنية على مقاومة التطبيع ونشر مخاطره على الشعب الإماراتي والتأكيد على دعمهم غير المحدود للقضية الفلسطينية. قد يبدو عدد الموقعين قليلا خوفا من الانتقام لكن بالتأكيد تعبر الرابطة عن المشاعر الحقيقية للشعب الإماراتي الذي لم يستشر في موضوع خطير كهذا وكأنه أرقام فقط لا يحسب لها حساب.
شاركت إسرائيل في مناورات "أسد الصحراء" التي جرت في المغرب بمشاركة 18 دولة بداية من 11 ولغاية 30 من شهر جوان الماضي. حلم إسرائيل يتحقق في التطبيع العسكري مع المغرب بعد التطبيع التجاري والسياسي. ويشارك اللواء النخبوي "جولاني"في المناورات والذي سيساهم في المناورات الأرضية والحروب السرية. هذا "الاندلاق" التطبيعي استفز مشاعر الشعب المغربي حيث أقيمت المظاهرات وأصدرت العديد من البيانات التي تنتقد هذه الزيارات وتعتبرها طعنا في خاصرة القضية الفلسطينية. وكلما ارتفعت حدة الانتقادات الشعبية خاصة في ظل المجازر التي ترتكبها إسرائيل والانتهاكات اليومية للمسجد الأقصى واقتحامات للمدن والمخيمات والاعتقالات الجماعية، تعاد الأسطوانة الرسمية المتكررة حول الموقف المبدئي من القضية الفلسطينية ودعم حل الدولتين. إسرائيل تقتل وتبطش وتستولي على الأرض والتطبيع معها يتعمق في كل المجالات ويعود الفلسطينيون ببيان باهت حول الموقف المبدئي.
* محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي
تونس-الصباح
تمر اليوم أربعة أيام على إطلاق عملية "طوفان الأقصى" البطولية التي أربكت حسابات الاحتلال وأصابته بالصدمة والذهول وهو يستفيق على وقع تسلل رجال المقاومة من غزة برا وبحرا وجوا لتدفع سلطات الاحتلال الى الاستنفار لاحقا وإعلان حالة الحرب فيما عجلت واشنطن الحليف الأزلي بإرسال أكبر حاملة طائرات الى المنطقة دعما لكيان الاحتلال العنصري، تعيش إسرائيل اليوم تحت الضغط الشعبي والرسمي والإعلامي لإعادة احتلال القطاع إلا أن حكومة ناتنياهو تدرك جيدا أن هكذا خيار ليس مضمونا في ظل تواجد عشرات الأسرى من جنود وضباط ومستوطنين في قبضة المقاومة ...
الأكيد أن الساعات القادمة ستكشف المزيد من التطورات التي سيتعين التعاطي معها للوقوف على الخيارات والسيناريوهات المحتملة للاحتلال ولكن أيضا على خيارات المقاومة التي أعلنت هذه المعركة لتعيد بذلك القضية الفلسطينية المغيبة الى المشهد وتفرض على العالم متابعة ما يجري.. أصوات كثيرة ارتفعت داخل إسرائيل تطالب بالتحقيق في ما حدث والأكيد أن التحقيق الأهم والأكثر أولوية هو مساءلة الاحتلال عن كل الجرائم الموثقة التي اقترفها في حق الشعب الفلسطيني جيلا بعد جيل ..
في هذه الصفحة قراءات متعددة من غزة وعن غزة حول "طوفان الأقصى" الذي هز العالم ...
آسيا العتروس
هذا ما جناه الاحتلال واليمين المتطرف على نفسه
بقلم: محمد سعد العجلة*
على الرغم من إدراكنا لحجم ونوعية ووحشية رد الاحتلال الإسرائيلي القادم على الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة بعد الهجوم الكبير والنوعي والكبير وغير المتوقع للمقاومة الفلسطينية على البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المحيطة في قطاع غزة، فإن ما حدث فجر هذا اليوم السابع من أكتوبر يختلف عن كل ما سبقه من حروب ومعارك ومواجهات بين المقاومة الفلسطينية من جهة ودولة الاحتلال من جهة أخرى.
وأكثر ما يمكن الإشارة إليه في هذه الأوقات التي نترقب فيها تطورات بالغة الخطورة:
*الفشل الاستخباري والأمني الذريع الذي منيت به دولة الاحتلال وخاصة جيشها وأجهزة استخباراتها الذين يتباهون بقدراتهم الفائقة في مجال التجسس والحصول على المعلومات والتطور الالكتروني والتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والتنصت على المكالمات الهاتفية وتحليلها، بل إنهم في هذا المجال يعتبرون من الدول المتطورة جدا على مستوى العالم. فعملية كهذه كانت بالتأكيد تحتاج لتخطيط وتدريب وإعداد دقيق وبعيد المدى، ومع ذلك لم تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من اكتشاف ومعرفة ما تضمره المقاومة الفلسطينية وما تعد له من هجوم واسع النطاق.
*التطور اللافت لدى المقاومة الفلسطينية رغم الحصار وقلة الإمكانيات. وهذا التطور يشمل التفوق الاستخباري والعملياتي والقدرة على المباغتة ومفاجأة العدو بشكل ربما لم يشهده تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إلا في حرب أكتوبر المجيدة عام1973. ويرتبط بهذه النقطة حجم الصدمة التي أصابت دولة الاحتلال من نوعية وحجم ونطاق هذ الهجوم.
*كما أن المقاومة استطاعت في هذا الهجوم أن تستمر فيه بمراحله المختلفة حسب ما هو مخطط له دون أن تستطيع دولة الاحتلال أن تحرك ساكنا لعدة ساعات، الأمر الذي مكن المقاومة من اقتحام المستوطنات الإسرائيلية والسيطرة عليها واحتجاز الرهائن بل وأخذ أسرى والعودة بهم إلى قطاع غزة.
*نحن كفلسطينيين، وخاصة نحن المقيمين في قطاع غزة، ندرك تماما كيف سيكون عليه رد الاحتلال الإسرائيلي لا سيما لجوؤه إلى استهداف المدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير المؤسسات والبنية التحتية والمباني والعمارات السكنية، وذلك للتعبير عن فشله الذريع في مواجهة المقاومة الفلسطينية البارعة، وفي محاولة يائسة منه لاسترداد الروح المعنوية المنهارة لدى جيشه الذي تلقى ضربة قاسية ولدى مواطنيه الذين باتوا لا يشعرون بالأمان وهم في بيوتهم.
*كل هذا التطور، كان نتيجة حتمية للممارسات الهمجية التي قامت وتقوم بها حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة وشركاؤه من غلاة المستوطنين وخاصة بحق المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس المحتلة والأسرى في السجون الإسرائيلية، وسط صمت رهيب من العالم، وكأن الشعب الفلسطيني لا تنطبق عليه اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية!!
*كاتب صحفي فلسطيني مقيم في غزة
الامتحان الأصعب وربما المصيري
بقلم: هاني مبارك*
ما قامت به قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وبكل المقاييس وفي سياقه القاسي عمل يحاكي الخيال، إذ انه لم يشكل فقط نجاحا عسكريا يصعب على دول ذات قوة وتاريخ عسكري واستراتيجي أن تقوم به، بل إنه شكل مفاجأة استخباراتية صاعقة في مواجهة قوة عسكرية مدججة ليس فقط بأحدث الأسلحة بل بأرفع تكنولوجيات الاتصال والتجسس والتنصت وجيش من الجواسيس هذا باستثناء التنسيق الأمني والمعلوماتي مع عديد الدول الإقليمية والعالمية، وباستثناء ذلك انها تملك السيطرة على الأرض وما تحتها وما فوقها.
والجديد في هذا العمل العسكري الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، هو انتقال عنصر المبادرة إلى الجانب الفلسطيني، ما يعني أن حسابات ردود الفعل الإسرائيلية والدولية قد وضعت في الاعتبار وأنها خضعت لتدقيق شامل من حيث النوع والمدى الزمني، لأن الاعتقاد البديهي أن عملا بهذا الحجم لن يكون فرقعة إعلامية أو لحسابات تحقيق مكاسب سياسية هنا وهناك على حساب هذا الطرف أو ذاك، بل هو عمل له مضمون سياسي وأهداف بعيدة المدى.
وفصائل المقاومة تدرك جيدا أن السلاح وسيلة لتحقيق أهداف محددة وانه ليس هدفا بحد ذاته، ولذا فان السؤال هنا يتعلق بدقة الحسابات التي اعتمدتها فصائل المقاومة قبل أن تنطلق بهذا العمل العسكري الضخم والذي ولا شك انه سيترتب على نتائجه الكثير من الانعكاسات العميقة.
وعلى هذا المستوى كافة المؤشرات والتصريحات التي سمعناها من قادة الفصائل تشي بان هذه الخطوة كانت يُعد لها منذ زمن ليس بالقريب وقد أُخذت كل الاستعدادات لمواجهة تداعياتها، بل وهناك ما يشي بما هو أبعد من ذلك على مستوى استدامة المعركة والنتائج والغايات المتوخاة من ورائها والأطراف التي يمكن أن تكون جزءا منها.
مما لاشك فيه انه سيكون لهذه الحرب ما بعدها وان قواعد الاشتباك كما قواعد اللعبة السياسية لن تعود كما كانت عليه، وأن على كافة الأطراف ان تستعد جيدا لتقديم التنازلات الموجعة وربما المصيرية التي ستحدد شكل البقاء ونوعية التعايش.
وهنا السؤال عن الطرف الذي سيكون مدعوا أكثر من الطرف الآخر للانصياع لنتائج هذه الحرب، التي يلوح في الأفق بذور زراعتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، هذا علاوة على أسبابها العدوانية والوحشية التي تترجمها وتجسدها حكومة يمين ديني متطرف ومتغطرس مدعوم من حركة استيطانية عنصرية وإرهابية متوحشة دنست المقاسات وحرقت ودمرت الممتلكات وقتلت الأطفال والآمنين من الكبار والنساء وخلقت البيئة المناسبة لحكومة اليمين المتطرف لسد كل أفق سياسي، كما ذهبت لحصار السلطة الفلسطينية وعرقلة عملها لإضعافها ووضعها موضع الشريك غير المؤهل في أي عملية سياسية.
وفي هذا لابد من الإشارة إلى الموقف الرسمي الفلسطيني وموقف الرئاسة الفلسطينية التي وفرت غطاء سياسي غير مباشر لهذه العملية العسكرية عندما أكد البيان الصادر عن الرئيس أبومازن أن من حق شعبنا الدفاع عن نفسه، ووضع العملية في خانة رد الفعل على الأفعال الإجرامية للاحتلال الصهيوني، وتحركت الدبلوماسية الفلسطينية بهذا الاتجاه، وفعلت نشاطها نحو توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني وإجبار إسرائيل على الانصياع لاستحقاق عملية السلام التي قتلتها إسرائيل ووقف العدوان المباشر على الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، وكل هذه عبارة عن مؤشرات واستعدادات لمحاولة رأب الصدع وتوحيد الصف الفلسطيني الذي بات يتطلب من الأطراف الأخرى أن تتقدم بعض الخطوات.
إن هذه المعركة النوعية والتي ضربت في العمق وأسقطت نظرية الأمن الإسرائيلي الزائفة ودقة الحسابات التي بنيت عليها والإجراءات الواهية التي رافقتها وخاصة منها مصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وإقامة الحواجز والجدران ستكون اختبارا صعبة وربما مصيريا، ليس فقط لإمكانيات التجاوز الفلسطيني-الفلسطيني بل لإرساء قواعد لعبة قد تمتد لسنوات طويلة تحدد معها مصير الأرض والإنسان.
*كاتب فلسطيني وأستاذ بجامعة المنار
قراءة أولية.. لأكتوبر غزة!
بقلم: نبيل عمرو
حماس.. أسمته طوفان الأقصى. وإسرائيل أسمت ردها بالسيوف الحديدية.
دعونا من التسميات، لنتحدث عن التوصيف الحقيقي لما جرى ويجري.
هي أولاً.. حرب ردع المغرور نتنياهو والمهووسين من قادة ائتلافه.
وهي حرب الرد على الاستخفاف الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني، واعتباره غير موجود، ويمكن السيطرة عليه ببعض الخدمات والتسهيلات.
وهي حرب الرد على الاستباحة الإسرائيلية، للكرامة الفلسطينية والحقوق الفلسطينية والحاضر والمستقبل الفلسطيني.
هي حرب على تشريع إطلاق النار على الفلسطينيين وفق رغبة الجيش، وحرس الحدود وقطعان المستوطنين، والتشريع المقصود مطروح على البحث في المؤسسات الحكومية صاحبة القرار.هذا بعض منها على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني، أما على الصعيد الأوسع، فهي حرب أجهزت كليا على بقايا أوسلو التي لم يعد أحد يجرؤ على مجرد الحديث عنها.
هي حرب تقول للأمريكيين إن تدليلكم المفرط للتطرف الإسرائيلي أثمر دماً ودماراً وأيتاماً جدد، وتشرد جديد، وهذه المرة ليس على مستوى الفلسطينيين وحدهم، بل وعلى الإسرائيليين.
حرب.. غيرت معادلات وأنتجت معادلات جديدة. غيرت زمنا، وفتحت زمناً آخر، بدا أن كل ما حدث بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023 مجرد ماضٍ لسلام وإن استقر جزئيا إلا أنه لم يعد قابلاً للحياة كلياً.
والمسؤول الذي لن ينجو من الإدانة، هو كل من تفهم دوس وزراء نتنياهو على رؤوس المصلين في الأقصى واعتبره دفاعاً عن النفس. وكل من تفهم بصق المستوطنين على رجال الدين المسيحيين على أنه من صلب الثقافة اليهودية، وهذا ما لم أقله أنا بل قاله مسؤولون كبار في إسرائيل. ما حمل الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي إلى القول إن إسرائيل بصقت على وجه العالم..
هذه الحرب.. هي انفجار لمرجل يغلي منذ سنوات، كان يتم تنفيسه بتهدئة، إلى أن لم يعد للتنفيس من قدرة على منع الانفجار.
هذه الحرب.. بطلها وربما يكون ضحيتها في ذات الوقت نتنياهو، وجيشها كل الذين لم ينصفوا الفلسطينيين. وتركوهم فريسة لقوة عسكرية غاشمة تفعل بهم ما تشاء، وتغاضوا عن حصارات لم تنجو منها مدينة أو قرية أوحي فلسطيني.
ذهب الفلسطينيون على طريق السلام حين رفعوا غصن الزيتون أمام العالم، وأصر أعداء السلام والحق والعدل على إسقاطه من يدهم، لم يكن ما حدث عند السادسة والنصف صباح السابع من أكتوبر مجرد عملية عسكرية، بل انفجار مرجل يغلي منذ سنوات ولم ينفع معه التنفيس ولا التبريد. قد يدعي كثيرون أن ما حدث هو إنجاز من جانبهم، والحقيقة تقول إنه إنجاز لشعب محاصر على خصم قتله الغرور، إنجاز غزي منفرد بامتياز.
التهافت العربي نحو التطبيع بعد "طوفان الأقصى" .. ما رأي الشعوب؟
بقلم: عبد الحميد صيام*
يقول د عبد الحميد صيام الخبير الأممي الفلسطيني لدى الأمم المتحدة في قراءته لمسار التطبيع "الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي تقطع شركات كبرى وجامعات علاقاتها الاستثمارية والسياسية مع الكيان الصهيوني وتعلن مدن عن التراجع عن سياساتها السابقة حول العلاقة مع إسرائيل مثل برشلونة في اسبانيا ومدينة بيت لحم البرازيلية، تأتينا الأخبار عن مزيد من تعميق العلاقات بين دول التطبيع العربي والكيان لدرجة تثير الحنق والازدراء."
السؤال يفرض نفسه بقوة اليوم حول مصير مسار التطبيع على وقع عملية طوفان الأقصى وما إذا ستمثل صدا لهذا المسار أو بدلا من ذلك ستكون ورقة بيد الاحتلال لاستحضار دور الضحية والاستثمار في ما حدث؟
من الواضح أن المفاوضات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية قطعت شوطا طويلا تحت الرعاية الأمريكية والأكيد أن تطبيع السعودية مختلف عن كل ما سبق لما تحمله البلاد من رمزية عالية لنحو مليار ونصف مسلم وإذا أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة سيتبعها عدد كبير من الدول العربية والإسلامية مثل اندونيسيا وماليزيا وباكستان وعمان وموريتانيا.. يتداول عدد من المفكرين والكتاب والمثقفين والسياسيين الفلسطينيين هذه الأيام وثيقة للتوقيع عليها تحت عنوان "رسالة الألف توقيع الموجهة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان"، والتي تثمن موقفه من عدم الانجرار نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني. وتذكر الرسالة بمواقف المملكة التاريخية المناصرة للقضية الفلسطينية "والداعمة بلا تحفظ لقضية العرب والمسلمين الأولى خلال العقود الماضية". وأضاف الموقعون الألف في الرسالة: "إننا نستهجن وندين الضغط الأمريكي والإسرائيلي على المملكة والذي يريد مواصلة التطبيع المجاني على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة".
تزامنت هذه المبادرة مع مقال مطول للكاتب المشهور في جريدة "نيويورك تايمز"، توماس فريدمان، يوم 4 جوان بعنوان: "من تل أبيب إلى الرياض" يقول في الجزء الأخير من المقال: "هذه الأيام تتحادث إسرائيل والسعودية بهدوء حول شروط السلام. وهناك ثلاث زوايا للمسألة: تريد السعودية مساعدة إسرائيل لضمان تأييد الكونغرس الأمريكي لاتفاقية أمنية طويلة المدى، وتريد برنامجا سلميا للطاقة النووية، وأخيرا الحصول على أحدث الأسلحة في الترسانة الأمريكية، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فإذا ما ساعدت إسرائيل السعودية في تحقيق هذه الشروط الثلاثة فستطبع السعودية العلاقات مع إسرائيل دون أن تطلب أي تنازلات من إسرائيل بخصوص الفلسطينيين". ثم يضيف فريدمان متعجبا: "لا أصدق".
الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي تقطع شركات كبرى وجامعات علاقاتها الاستثمارية والسياسية مع الكيان الصهيوني وتعلن مدن عن التراجع عن سياساتها السابقة حول العلاقة مع إسرائيل مثل برشلونة في اسبانيا ومدينة بيت لحم البرازيلية، تأتينا الأخبار عن مزيد من تعميق العلاقات بين دول التطبيع العربي والكيان لدرجة تثير الحنق والازدراء. ونضيف إذا دخلت السعودية خيمة التطبيع، ستكون خطوة قاصمة الظهر للفلسطينيين وستتغير تماما معادلة الصراع العربي الإسرائيلي مرة وإلى الأبد، حيث ستلحق بالسعودية دول عربية وإسلامية عديدة تنتظر هذا التحول بشوق لتندلق هي الأخرى نحو التطبيع. إن هذا السيناريو المرعب يجعلنا ننبه إلى أن القضية الفلسطينية العادلة التي تحصد الانتصارات في الخارج وتقف معها كل منظمات حقوق الإنسان والأحزاب التقدمية وغالبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة تتعرض لانتكاسات كبرى بين الأهل والإخوة والجيران.
وللتدليل على هذا الاندلاق فالصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى دول التطبيع ارتفعت من 853 مليون دولار عام 2021 إلى 2.96 مليار دولار عام 2022 أي بارتفاع من 9 إلى 26 في المائة.
الذي يثير مزيدا من الشك حول توسيع التطبيع العربي مع الكيان، تصويت مجلس النواب الأميركي، مساء الثلاثاء الفائت، على مشروع قانون يدعو الرئيس بايدن لإنشاء منصب مبعوث خاص جديد في وزارة الخارجية الأميركية مخصصا لاتفاقات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل "اتفاقات أبراهام" بهدف دمج إسرائيل بشكل مستمر في منطقة الشرق الأوسط الكبير. وقد اعتمد القرار بغالبية 413 صوتا، واعتراض 13، وامتناع ثمانية عن التصويت.
وقد رصدنا في الأيام والأسابيع الأخيرة مجموعة ممارسات من قبل الأنظمة العربية تشير إلى هذا الاندلاق والتودد للكيان وتسخين العلاقات رغم أن الشعوب العربية ما زالت على مواقفها الثابتة من رفض هذا الكيان واعتباره الخطر الأساسي على أمن الأمة العربية ومستقبلها كما جاء في نتائج استطلاع "المؤشر العربي" الصادر عن مركز الأبحاث في الدوحة.
* في مصر انتفض الشارع المصري برمته تأييدا وتبجيلا للشهيد محمد صلاح الذي أردى ثلاثة جنود إسرائيليين قتلى لأسباب وطنية واعتبره الشعب المصري ضمير مصر الحي وشهيد مصر وفلسطين، وذكّر الأمة بمن سبقه من شهداء خاصة سليمان خاطر، وأطلق اسمه على العديد من المعالم وغمرت صوره وبطولاته ملايين المواقع في وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة أن الدولة، أو أطرافا منها، انحنت للعاصفة وأطلقت عليه الشهيد. بينما لم تترك الحكومة وسيلة للاعتذار إلا وسلكتها بما في ذلك تبادل المكالمات بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء الكيان نتنياهو وصدور اعتذار رسمي، وتبادل المعلومات على الحدود ثم قيام وفد صهيوني لزيارة القاهرة للتحقيق. لكن الشعب المصري أثبت بالفعل لا بالقول أنه لم ينس ولن يتخلى عن قضيته الأولى فلسطين الذي دفع عشرات الألوف من الشهداء في سبيلها.
* الإذاعة الإسرائيلية هي التي كشفت أن إسرائيل تسعى للتوسط بين الأطراف المتحاربة في السودان، فكلا الطرفين، القوات المسلحة السودانية بقيادة اللواء الركن عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة اللواء الركن محمد حمدان دقلو(حميدتي) على علاقات مميزة وتنافسية مع أجهزة الكيان الصهيوني. حميدتي على علاقات متقدمة مع الموساد والبرهان على علاقات عميقة مع نتنياهو والحكومة وكان يستعد لتوقيع اتفاقية التطبيع رسميا لكن الأمور تأخرت بسبب الأزمات المتلاحقة. إسرائيل من جهتها قلقة على ما يجري في السودان، هكذا تقول وأنا لا اصدق هذا القلق، لأن مسيرة التطبيع التي كانت تسير حثيثا نحو الاكتمال قد تعثرت بعد أن دخل الطرفان ميدان المعركة وكل يعمل على حسمها لصالحه بعد أن "تفانوا دقوا بينهم عطر منشم". من مصلحة إسرائيل الإستراتيجية أن يتفتت السودان. وقد لعبت دورا محوريا في انفصال جنوب السودان. وإسرائيل لا تنسى أبدا قمة الخرطوم عام 1967 الذي اعتمد اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات. وقد عملت إسرائيل بهدوء لتدمير هذه اللاءات بداية من مصر ومرورا بأكثر من عاصمة عربية وصولا إلى الخرطوم نفسها. وفي ظل التنافس القائم الآن بين المجموعتين، قد نجد أن أحدهما أوكليهما يرتمي بأحضان الأجهزة الإسرائيلية. آخر ما تفكر فيه إسرائيل مصلحة الشعب السوداني. إن إضعاف الدول العربية وتفتيتها وإثارة النعرات فيها سياسة ثابتة لدى كل حكومات إسرائيل المتعاقبة. أما الشعب السوداني المسكين فلا علاقة له بما يجري لا بإقامة علاقات مع إسرائيل ولا بالحرب القائمة الآن بين الطرفين.
* المسؤولون الإسرائيليون لا يتركون أمرا خفيا في مسألة التطبيع. السفارة لإماراتية في إسرائيل، هنأت إسرائيل بذكرى "استقلالها"، وتزامن ذلك مع قصف إسرائيلي لقطاع غزة. كما احتفلت كل من دبي وأبوظبي بعيد الفصح اليهودي.
لقد نبه بعض الإماراتيين الشرفاء من مخاطر التطبيع وأنشأوا "الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع" حيث أكد الموقعون على البيان بأسمائهم العلنية على مقاومة التطبيع ونشر مخاطره على الشعب الإماراتي والتأكيد على دعمهم غير المحدود للقضية الفلسطينية. قد يبدو عدد الموقعين قليلا خوفا من الانتقام لكن بالتأكيد تعبر الرابطة عن المشاعر الحقيقية للشعب الإماراتي الذي لم يستشر في موضوع خطير كهذا وكأنه أرقام فقط لا يحسب لها حساب.
شاركت إسرائيل في مناورات "أسد الصحراء" التي جرت في المغرب بمشاركة 18 دولة بداية من 11 ولغاية 30 من شهر جوان الماضي. حلم إسرائيل يتحقق في التطبيع العسكري مع المغرب بعد التطبيع التجاري والسياسي. ويشارك اللواء النخبوي "جولاني"في المناورات والذي سيساهم في المناورات الأرضية والحروب السرية. هذا "الاندلاق" التطبيعي استفز مشاعر الشعب المغربي حيث أقيمت المظاهرات وأصدرت العديد من البيانات التي تنتقد هذه الزيارات وتعتبرها طعنا في خاصرة القضية الفلسطينية. وكلما ارتفعت حدة الانتقادات الشعبية خاصة في ظل المجازر التي ترتكبها إسرائيل والانتهاكات اليومية للمسجد الأقصى واقتحامات للمدن والمخيمات والاعتقالات الجماعية، تعاد الأسطوانة الرسمية المتكررة حول الموقف المبدئي من القضية الفلسطينية ودعم حل الدولتين. إسرائيل تقتل وتبطش وتستولي على الأرض والتطبيع معها يتعمق في كل المجالات ويعود الفلسطينيون ببيان باهت حول الموقف المبدئي.
* محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي