لا أحد طرح السّؤال الأخطر: لماذا أصبح حلم التونسي الهجرة ومغادرة البلاد ولو في قوارب الموت؟.
لماذا يتجه إلى حرق كل ما يربطه بوطنه وينطلق في رحلة بحث عن هوية جديدة يعتقد أنها الأجدى به.
نراهم يوميا، نتابع أخبارهم، شباب، أطفال، كهول، أمهات، نساء، رضع.. يحشرون أنفسهم في قارب صغير، يحسبه راكبوه طوق النجاة وجسر عبور من جحيم إلى نعيم، بينما هو يجري بهم في موج بحر هائج قد تغرق أرواحهم فيه كلّ لحظة .
البحر يستقبل الجميع دون "فيزا" ولا جواز سفر ولا شرطة حدود ولا ضبط موعد مع شركة خدمات "تي ال اس" ..
يموت المئات، بل الآلاف، انجازهم الوحيد أنهم وفروا على أهاليهم مصاريف دفن وحجز قبر .
نحن أمام مشهد جديد "صناعة الموت" بدءا بمن يوفر القارب إلى من يخطط للرحلة مرورا بهؤلاء الوسطاء والشبكات التي تترصّد الطامعين في الهروب الكبير .
يصعب حصر مخاطر هذه الأفعال، تبدأ من الاتجار بالجنس وبالأعضاء مرورا بالاستغلال والابتزاز المادي وحتى الإجرام إلى أسوأ أنواع الانتهاكات على أيدي الشبكات الإجرامية ومهربي البشر.
هنالك حكايات تنقل لنا عن شباب تونسي في متاهات ضياع غربة.
يخطب سياسيونا عن رهاناتهم على الشباب مؤكدين أهمية هذه الفئة وبأنها عمود الوطن، أساس كل بناء في المجتمع، لكن غاب عن هؤلاء الفعل والعمل على الاستجابة لأحلام هذا الشباب، وتمهيد طريق أفضل لمستقبله، فتتحول طموحاتهم إلى مسارات تقتل كل من يسير فيها .
اجتمع الجمعة قادة تسع دول متوسطية في الاتحاد الأوروبي في سياق قمة "ميد9" بالعاصمة المالطية لافاليت لتوحيد مواقفهم على صعيد الهجرة خصوصا، مستندين إلى توافق غير متوقع بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني وعلى خلفية مفاوضات صعبة كانت شهدتها العاصمة بروكسل.
خلال الشهرين السابقين غرق ما لا يقل عن 990 شخص وسط البحر الأبيض المتوسط، أي أكثر بثلاثة أضعاف ممّا كان عليه العدد خلال الصيف السابق، وفقا لإحصاء نشرته منظمة "اليونيسيف".
تعقد القمم، واللقاءات، وتوقع الاتفاقات والبروتوكولات لكن سنبقى مع ذلك في حاجة أكيدة اليوم إلى توليفة من الحجج الأخلاقية في النقاش حول سياسات الهجرة.
تنقسم الحجج بين الالتزامات الأخلاقية (العالمية أو الوطنية أو الخاصة) والحقوق الإنسانية (حرية التنقل، الحق في تقرير المصير، الحق في الملكية).
من هذا التوليف يتم استخلاص الاستنتاجات بأن سياسات الهجرة التقييدية يصعب التوفيق بينها وبين المبادئ الليبرالية العالمية للمساواة وعدم التمييز بين المجتمعات و الأفراد.
إن حق الشعوب في تقرير مصيرها سيكون الأساس الأكثر إقناعا لتبرير مثل هذه السياسات، وأن الأمر في التحليل النهائي يتعلق بروح العملية السياسية الديمقراطية و الإيمان بالقيم الكونية.
أصبح التكامل مرة أخرى في قلب السياسات العامة الأوروبية مع الرغبة المعلنة في الترحيب بشكل أفضل بالاندماج بشكل قانوني.
لكن رغم ذلك سيبقى المرشحون للهجرة يصلون في ظروف مأساوية في كثير من الأحيان على السواحل الإيطالية، وتقوم العديد من الدول الأوروبية بإصلاح تشريعاتها بشأن دخول وإقامة الأجانب من أجل وقف الهجرة غير الشرعية والدعوة إلى الهجرة المختارة، من خلال منح زيادة قوة الاختيار عند طلب التأشيرة للبعثات القنصلية في بلدان المنشأ. وبالتالي فإن العلاقة بين التحكم في تدفقات الهجرة والاندماج عادت اليوم بقوة خاصة وأن المانيا تتعامل بليونة أكثر مع هذه القضية.
الحقيقة التي تخفيها الدول الأوروبية أنها ستعاني في مستقبل قريب من عجز سكاني لا يقل عن 20 مليون نسمة.
للتفكير في ماهية سياسة الهجرة وما ينبغي أن تكون عليه وتحفيز الاختيار السياسي للضيافة، وهو ليس التزامًا أخلاقيا أو قانونيا بسيطا، والذي سيكون من الذكاء اتخاذه تتّجه ضرورة التفكير من جديد في التوجه الكوني السياسي الذي فرضته عولمة الأنشطة الإنسانية.
إن أخذ الهجرة بعين الاعتبار كظاهرة سياسية حاسمة يدعونا بقوة إلى صياغة هذا التوجه في إطار سياسة عالمية مشتركة قادرة على الحفاظ على، أو حتى تعزيز، مستقبل عالم مهدد بشكل خطير بالتحول إلى قذارة..
إن أولئك ممن قرّروا الهجرة يكونون قد هاجروا نفسياً لحظة اتخاذ القرار، هجروا الوطن على المستوى الشعوري، يظل حالهم على هذا الشعور حتى لو ظلوا سنوات ينتظرون فرصة الرحيل.
لقد حلّ بنا زمن أصبحنا في غربتنا حتى لو أجسادنا لم تغادر الوطن.
يرويها: أبو بكر الصغير
لا أحد طرح السّؤال الأخطر: لماذا أصبح حلم التونسي الهجرة ومغادرة البلاد ولو في قوارب الموت؟.
لماذا يتجه إلى حرق كل ما يربطه بوطنه وينطلق في رحلة بحث عن هوية جديدة يعتقد أنها الأجدى به.
نراهم يوميا، نتابع أخبارهم، شباب، أطفال، كهول، أمهات، نساء، رضع.. يحشرون أنفسهم في قارب صغير، يحسبه راكبوه طوق النجاة وجسر عبور من جحيم إلى نعيم، بينما هو يجري بهم في موج بحر هائج قد تغرق أرواحهم فيه كلّ لحظة .
البحر يستقبل الجميع دون "فيزا" ولا جواز سفر ولا شرطة حدود ولا ضبط موعد مع شركة خدمات "تي ال اس" ..
يموت المئات، بل الآلاف، انجازهم الوحيد أنهم وفروا على أهاليهم مصاريف دفن وحجز قبر .
نحن أمام مشهد جديد "صناعة الموت" بدءا بمن يوفر القارب إلى من يخطط للرحلة مرورا بهؤلاء الوسطاء والشبكات التي تترصّد الطامعين في الهروب الكبير .
يصعب حصر مخاطر هذه الأفعال، تبدأ من الاتجار بالجنس وبالأعضاء مرورا بالاستغلال والابتزاز المادي وحتى الإجرام إلى أسوأ أنواع الانتهاكات على أيدي الشبكات الإجرامية ومهربي البشر.
هنالك حكايات تنقل لنا عن شباب تونسي في متاهات ضياع غربة.
يخطب سياسيونا عن رهاناتهم على الشباب مؤكدين أهمية هذه الفئة وبأنها عمود الوطن، أساس كل بناء في المجتمع، لكن غاب عن هؤلاء الفعل والعمل على الاستجابة لأحلام هذا الشباب، وتمهيد طريق أفضل لمستقبله، فتتحول طموحاتهم إلى مسارات تقتل كل من يسير فيها .
اجتمع الجمعة قادة تسع دول متوسطية في الاتحاد الأوروبي في سياق قمة "ميد9" بالعاصمة المالطية لافاليت لتوحيد مواقفهم على صعيد الهجرة خصوصا، مستندين إلى توافق غير متوقع بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني وعلى خلفية مفاوضات صعبة كانت شهدتها العاصمة بروكسل.
خلال الشهرين السابقين غرق ما لا يقل عن 990 شخص وسط البحر الأبيض المتوسط، أي أكثر بثلاثة أضعاف ممّا كان عليه العدد خلال الصيف السابق، وفقا لإحصاء نشرته منظمة "اليونيسيف".
تعقد القمم، واللقاءات، وتوقع الاتفاقات والبروتوكولات لكن سنبقى مع ذلك في حاجة أكيدة اليوم إلى توليفة من الحجج الأخلاقية في النقاش حول سياسات الهجرة.
تنقسم الحجج بين الالتزامات الأخلاقية (العالمية أو الوطنية أو الخاصة) والحقوق الإنسانية (حرية التنقل، الحق في تقرير المصير، الحق في الملكية).
من هذا التوليف يتم استخلاص الاستنتاجات بأن سياسات الهجرة التقييدية يصعب التوفيق بينها وبين المبادئ الليبرالية العالمية للمساواة وعدم التمييز بين المجتمعات و الأفراد.
إن حق الشعوب في تقرير مصيرها سيكون الأساس الأكثر إقناعا لتبرير مثل هذه السياسات، وأن الأمر في التحليل النهائي يتعلق بروح العملية السياسية الديمقراطية و الإيمان بالقيم الكونية.
أصبح التكامل مرة أخرى في قلب السياسات العامة الأوروبية مع الرغبة المعلنة في الترحيب بشكل أفضل بالاندماج بشكل قانوني.
لكن رغم ذلك سيبقى المرشحون للهجرة يصلون في ظروف مأساوية في كثير من الأحيان على السواحل الإيطالية، وتقوم العديد من الدول الأوروبية بإصلاح تشريعاتها بشأن دخول وإقامة الأجانب من أجل وقف الهجرة غير الشرعية والدعوة إلى الهجرة المختارة، من خلال منح زيادة قوة الاختيار عند طلب التأشيرة للبعثات القنصلية في بلدان المنشأ. وبالتالي فإن العلاقة بين التحكم في تدفقات الهجرة والاندماج عادت اليوم بقوة خاصة وأن المانيا تتعامل بليونة أكثر مع هذه القضية.
الحقيقة التي تخفيها الدول الأوروبية أنها ستعاني في مستقبل قريب من عجز سكاني لا يقل عن 20 مليون نسمة.
للتفكير في ماهية سياسة الهجرة وما ينبغي أن تكون عليه وتحفيز الاختيار السياسي للضيافة، وهو ليس التزامًا أخلاقيا أو قانونيا بسيطا، والذي سيكون من الذكاء اتخاذه تتّجه ضرورة التفكير من جديد في التوجه الكوني السياسي الذي فرضته عولمة الأنشطة الإنسانية.
إن أخذ الهجرة بعين الاعتبار كظاهرة سياسية حاسمة يدعونا بقوة إلى صياغة هذا التوجه في إطار سياسة عالمية مشتركة قادرة على الحفاظ على، أو حتى تعزيز، مستقبل عالم مهدد بشكل خطير بالتحول إلى قذارة..
إن أولئك ممن قرّروا الهجرة يكونون قد هاجروا نفسياً لحظة اتخاذ القرار، هجروا الوطن على المستوى الشعوري، يظل حالهم على هذا الشعور حتى لو ظلوا سنوات ينتظرون فرصة الرحيل.
لقد حلّ بنا زمن أصبحنا في غربتنا حتى لو أجسادنا لم تغادر الوطن.