دعاوى جنائية في حق 16 مسؤولًا يُعتقد أنهم المسؤولون عن الإخفاق في إدارة السدود
بقلم:رشيد خشانة(*)
سقطت ورقة التوت، فظهر التقصير، المعجون بالفساد، في واضحة النهار. بيد أن المسؤولين السياسيين الليبيين وجدوا في العنوان الجذاب "مؤتمر دولي لإعادة إعمار درنة" غطاء يُخفون وراءه وجوههم كي لا تُلاقي أعيُنهُم أعيُن السكان الغاضبين في مسيرات درنة. يتحدثون عن مؤتمر دولي يُعقد في غضون عشرة أيام، وهذا دليل على قلة الجدية، لأن مؤتمرا أكاديميا صغيرا يحتاج إعدادُهُ إلى أضعاف هذه الفسحة الزمنية. لذا فلكي يتمكن المؤتمر المنشود من التطرق إلى ملف إعادة الإعمار، بكافة جوانبه، فإنه يحتاج إلى إعداد مُحكم.
إكراهات التوقيت
فهل سيستجيب المستثمرين ورؤساء الشركات الكبرى والمؤسسات الدولية المعنية للدعوات الليبية، بينما من المعروف أن مواعيدهم تضبط قبل أشهر من الحدث الذي سيشاركون فيه أو أكثر. وبينما يُردد البعض أن التعبئة لهذا المؤتمر الدولي ستكون مناسبة لتلاحم الجهود بين الحكومة المنبثقة من البرلمان والحكومة المعترف بها دوليا، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات حقيقية على هذه الخطوة التي من دونها، سيكون مؤتمر إعادة الإعمار حلقة أخرى في سجل المناكفات بين الحكومتين المتنافستين. فمن حيث الشكل كيف ستشرف حكومة غير معترف بها دوليا على مؤتمر بهذا الحجم من المشاركات الدولية المتوقعة؟ وأية شرعية للاتفاقات التي قد تتوصل إليها، إذا كانت الأطراف الأجنبية ترفض التعامل معها، عدا مصر؟
أما من حيث المضمون فعلى ماذا سيتفق المدعوون، بينما ليست هناك إحصاءات نهائية ولا أرقام دقيقة؟ ويعتقد الدكتور أحمد الأطرش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس، أنه "كان يجب تشكيل لجنة مؤقتة وغير سياسية يُمثل فيها الجميع، تكون بمثابة خلية أزمة كي تمدنا بالمعطيات الدقيقة".
غرباويون وبرقاويون
ويؤكد الدكتور الأطرش أن كارثة "دانيال" قربت المسافة بين أبناء المنطقة الشرقية وأبناء المنطقة الغربية ("الغرابة" أو "الغرباويون")، بعد استضافة النازحين من أهالي المدن المنكوبة، وخاصة درنة، في بيوت "الغرابة" وليس في الفنادق ومراكز الإيواء. وركز الدكتور الأطرش على ظاهرة الفزعة، التي اعتبرها أهم مكسب من الكارثة، إذ أظهرت أن الليبيين متضامنون في أوقات الشدة، فقد كان الناس يبكون في الشوارع على المفقودين والقتلى، مُضيفا أن الدرناويين "أثبتوا أنهم ليسوا قبليين بل إن ولاءهم للدولة".
دعاوى جنائية
لكن الهبات العاطفية الوجدانية لا تعطي ثمرة، إذ يعتقد كثير من الليبيين أن ثلاثة أرباع الحقيقة لم تظهر بعدُ، وأن الأطراف المتحكمة في الشرق والغرب يحاولون إخفاءها. أما النائب العام، الذي تولى التحقيق في أسباب انهيار السُدين، فأفاد مكتبُهُ بأن التحقيقات تستند على تقارير هندسية لفهم أسباب فشل السُدين، وتحليل شكل انهيارهما. في هذا الإطار حرك النائب العام دعاوى جنائية في حق 16 مسؤولًا يُعتقد أنهم المسؤولون عن الإخفاق في إدارة السدود. وذكر مكتب النائب العام أيضا أن مسؤولي إدارة الموارد المائية، تعمدوا سداد مبالغ مالية، خلال سنة 2014، لفائدة مجموعة "أرسيل" التركية للإنشاءات، المتعاقد معها لصيانة السُدين، بالرغم من عدم تناسب المبالغ المالية التي حصَّلتها مع أعمالها المنجزة، وثبوت إخلالها بالالتزامات المترتبة على العقد. من المهم أن منظمة الصحة العالمية شاعرة بأن أهل درنة بحاجة أكيدة إلى رعاية صحية ونفسية عاجلة. وقدر ممثل المنظمة في ليبيا أعداد المُحتاجين إلى الرعاية بما يقارب 800 ألف شخص في المناطق المنكوبة والقرى القريبة منها. إلا أن هناك عراقيل تؤخر تلك الرعاية إذ خرج عن الخدمة 63 في المائة من المستشفيات في درنة، جراء عاصفة "دانيال"، بحسب أحمد زويتن ممثل منظمة الصحة العالمية، في تصريحات لقناة "ليبيا الأحرار".
تقصير... تقصيرٌ
ومع تزايد الأسئلة المشوبة بالغضب، عن ساعة الكشف عن هوية المسؤولين عن الكارثة، أعلنت النيابة العامة أنها سجنت رئيس قسم تنفيذ مشروعات السدود والصيانة، ورئيس قسم السدود بالمنطقة الشرقية، ورئيس مكتب الموارد المائية. ووجهت النيابة العامة للمسؤولين المسجونين تهم إساءة إدارة المهمات الإدارية والمالية، مُعتبرة أن أخطاءهم كانت من بين العناصر التي سببت الكارثة، وأن عدم اتخاذهم وسائل الحيطة من الكوارث جعلهم يتسببون في خسائر اقتصادية للبلاد.
واعتبر المجلس الأطلسي الأمريكي، من جهته، أن كارثة درنة علامة على أن المجتمع الدولي بحاجة إلى التحرك في ليبيا، بعد الغياب الذي سببه فشل محاولات إيجاد تسوية سلمية وتوافقية بين الإخوة الأعداء. وعزا المجلس في تقرير له ما حدث إلى "كثرة الاهمال وسوء الادارة" اللذين طبعا أداء المسؤولين السابقين.
أي مسؤولية لحفتر؟
ونسب المجلس في تقرير له، مسؤولية الإهمال وسوء الإدارة إلى سلطة اللواء المتقاعد (خليفة) حفتر "الاستبدادي"، وازدواجية قيادة مجلس النواب، الذي "لعب دورا مدمرا في إدارة مدن شرق ليبيا"، وفق تعبير المجلس الأمريكي. وفي هذا السياق اعتبر الخبير الاقتصادي الليبي سليمان الشحومي أن إعادة الإعمار تحتاج بداية إلى تشكيل مجلس من خبراء وكفاءات مستقلة، مع ضمان مشاركة دولية في أعماله. واستغرب الشحومي، في تدوينة له عبر حسابه على "فيسبوك"، من التجاذب بين موقفي مجلس النواب ورئيس المجلس الرئاسي من هذه المسألة، إذ أعلن مجلس النواب أنه سيخصص الأموال اللازمة لإعادة الاعمار، ووعد بالاشراف على الإنفاق، من جهة، ومن جهة ثانية تحدث رئيس المجلس الرئاسي، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن إعادة الإعمار ستتم عبر مؤسسات الدولة الليبية. وتساءل الشحومي بغضب "دولة فاشلة ومنهارة تطفح في الفساد وتعج بالفاسدين، وليس لديها كفاءة تنظيمية وإدارية وفنية لإدارة مشروع وطني لإعادة الإعمار، يتحدث فيها المسؤولون عن أنهم سيقومون بالإعمار !"
عشرة قرارات
صحيح أن أسامة حماد رئيس الحكومة المنبثقة من مجلس النواب وأعضاء حكومته، اجتمعوا في درنة، واتخذوا عشرة قرارات، بينها إنشاء صندوق للإعمار، فيما رأى وزير العدل في الحكومة نفسها ضرورة دعوة شركات عالمية لإعادة إعمار المناطق المنكوبة. ومعروف من خلال تجارب مشابهة أن عملية إعادة الإعمار كثيرا ما تفتح على قصص فساد وتزوير، يُنهب فيها مالٌ كثير، فتتم أعمال الإعمار، إذا تمت، بمعايير بعيدة عن المواصفات اللازمة.
لذا فإن الظرف الراهن يقتضي القيام بأربع خطوات للتوقي من كارثة جديدة. والخطوة الأولى ينبغي أن تكون تحديد أعداد الضحايا، الأموات والأحياء، ونشر البيانات الاحصائية إلى الرأي العام بكل شفافية. كما ينبغي تحديد المسؤولين عن الكارثة، ومحاسبتهم كائنا من كانوا، مع ما يترتب عن المحاسبة من استتباعات. وتتمثل الخطوة الثانية في تشكيل مجلس لإعادة الإعمار، تتألف غالبية أعضائه من خبراء مشهود لهم بالكفاءة ونظافة اليد والشفافية. أما الخطوة الثالثة فهي إعادة النازحين بسبب كارثة "دانيال" إلى بيوتهم، ويُقدر عددهم بأربعين ألف نازح. كما ينبغي على مجلس المحاسبة، والأجهزة الرقابية الأخرى، أن تولي اهتماما خاصا لمتابعة الانفاق لدى انطلاق إعادة الإعمار وبعده، لأن مثل هذه المشاريع الكبرى تحتاج إلى أموال كثيرة، وتكون عمليات الفساد فيها كبيرة أيضا.
مطالبة بالمحاسبة
سرعان ما تحولت الفاجعة والصدمة والحزن في درنة إلى غضب حمل الناجين على الخروج إلى الشارع للمطالبة بالمحاسبة. لكن السؤال المطروح اليوم هو: من سيُحاسب؟ فلا أحد في حكومة برأسين وحاكم عام يسيطر على المنطقة الشرقية، بما فيها درنة، منذ أعوام، سيقبل بالخضوع للمحاسبة. وما يزيد الأمر صعوبة أن الناجين من الفاجعة صرحوا بشكل قاطع، بأنهم لا يثقون في استعداد المسؤولين الحاليين لمساعدة مدينتهم على الوقوف على قدميها مجددا. وتحتاج درنة بشكل عاجل إلى إصلاح وصيانة 488 مدرسة متضررة جراء العاصفة، كي يُتابع التلاميذ الناجون تعليمهم، وإن في ظروف قاسية.
* مدير المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا
المدينة
دعاوى جنائية في حق 16 مسؤولًا يُعتقد أنهم المسؤولون عن الإخفاق في إدارة السدود
بقلم:رشيد خشانة(*)
سقطت ورقة التوت، فظهر التقصير، المعجون بالفساد، في واضحة النهار. بيد أن المسؤولين السياسيين الليبيين وجدوا في العنوان الجذاب "مؤتمر دولي لإعادة إعمار درنة" غطاء يُخفون وراءه وجوههم كي لا تُلاقي أعيُنهُم أعيُن السكان الغاضبين في مسيرات درنة. يتحدثون عن مؤتمر دولي يُعقد في غضون عشرة أيام، وهذا دليل على قلة الجدية، لأن مؤتمرا أكاديميا صغيرا يحتاج إعدادُهُ إلى أضعاف هذه الفسحة الزمنية. لذا فلكي يتمكن المؤتمر المنشود من التطرق إلى ملف إعادة الإعمار، بكافة جوانبه، فإنه يحتاج إلى إعداد مُحكم.
إكراهات التوقيت
فهل سيستجيب المستثمرين ورؤساء الشركات الكبرى والمؤسسات الدولية المعنية للدعوات الليبية، بينما من المعروف أن مواعيدهم تضبط قبل أشهر من الحدث الذي سيشاركون فيه أو أكثر. وبينما يُردد البعض أن التعبئة لهذا المؤتمر الدولي ستكون مناسبة لتلاحم الجهود بين الحكومة المنبثقة من البرلمان والحكومة المعترف بها دوليا، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات حقيقية على هذه الخطوة التي من دونها، سيكون مؤتمر إعادة الإعمار حلقة أخرى في سجل المناكفات بين الحكومتين المتنافستين. فمن حيث الشكل كيف ستشرف حكومة غير معترف بها دوليا على مؤتمر بهذا الحجم من المشاركات الدولية المتوقعة؟ وأية شرعية للاتفاقات التي قد تتوصل إليها، إذا كانت الأطراف الأجنبية ترفض التعامل معها، عدا مصر؟
أما من حيث المضمون فعلى ماذا سيتفق المدعوون، بينما ليست هناك إحصاءات نهائية ولا أرقام دقيقة؟ ويعتقد الدكتور أحمد الأطرش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس، أنه "كان يجب تشكيل لجنة مؤقتة وغير سياسية يُمثل فيها الجميع، تكون بمثابة خلية أزمة كي تمدنا بالمعطيات الدقيقة".
غرباويون وبرقاويون
ويؤكد الدكتور الأطرش أن كارثة "دانيال" قربت المسافة بين أبناء المنطقة الشرقية وأبناء المنطقة الغربية ("الغرابة" أو "الغرباويون")، بعد استضافة النازحين من أهالي المدن المنكوبة، وخاصة درنة، في بيوت "الغرابة" وليس في الفنادق ومراكز الإيواء. وركز الدكتور الأطرش على ظاهرة الفزعة، التي اعتبرها أهم مكسب من الكارثة، إذ أظهرت أن الليبيين متضامنون في أوقات الشدة، فقد كان الناس يبكون في الشوارع على المفقودين والقتلى، مُضيفا أن الدرناويين "أثبتوا أنهم ليسوا قبليين بل إن ولاءهم للدولة".
دعاوى جنائية
لكن الهبات العاطفية الوجدانية لا تعطي ثمرة، إذ يعتقد كثير من الليبيين أن ثلاثة أرباع الحقيقة لم تظهر بعدُ، وأن الأطراف المتحكمة في الشرق والغرب يحاولون إخفاءها. أما النائب العام، الذي تولى التحقيق في أسباب انهيار السُدين، فأفاد مكتبُهُ بأن التحقيقات تستند على تقارير هندسية لفهم أسباب فشل السُدين، وتحليل شكل انهيارهما. في هذا الإطار حرك النائب العام دعاوى جنائية في حق 16 مسؤولًا يُعتقد أنهم المسؤولون عن الإخفاق في إدارة السدود. وذكر مكتب النائب العام أيضا أن مسؤولي إدارة الموارد المائية، تعمدوا سداد مبالغ مالية، خلال سنة 2014، لفائدة مجموعة "أرسيل" التركية للإنشاءات، المتعاقد معها لصيانة السُدين، بالرغم من عدم تناسب المبالغ المالية التي حصَّلتها مع أعمالها المنجزة، وثبوت إخلالها بالالتزامات المترتبة على العقد. من المهم أن منظمة الصحة العالمية شاعرة بأن أهل درنة بحاجة أكيدة إلى رعاية صحية ونفسية عاجلة. وقدر ممثل المنظمة في ليبيا أعداد المُحتاجين إلى الرعاية بما يقارب 800 ألف شخص في المناطق المنكوبة والقرى القريبة منها. إلا أن هناك عراقيل تؤخر تلك الرعاية إذ خرج عن الخدمة 63 في المائة من المستشفيات في درنة، جراء عاصفة "دانيال"، بحسب أحمد زويتن ممثل منظمة الصحة العالمية، في تصريحات لقناة "ليبيا الأحرار".
تقصير... تقصيرٌ
ومع تزايد الأسئلة المشوبة بالغضب، عن ساعة الكشف عن هوية المسؤولين عن الكارثة، أعلنت النيابة العامة أنها سجنت رئيس قسم تنفيذ مشروعات السدود والصيانة، ورئيس قسم السدود بالمنطقة الشرقية، ورئيس مكتب الموارد المائية. ووجهت النيابة العامة للمسؤولين المسجونين تهم إساءة إدارة المهمات الإدارية والمالية، مُعتبرة أن أخطاءهم كانت من بين العناصر التي سببت الكارثة، وأن عدم اتخاذهم وسائل الحيطة من الكوارث جعلهم يتسببون في خسائر اقتصادية للبلاد.
واعتبر المجلس الأطلسي الأمريكي، من جهته، أن كارثة درنة علامة على أن المجتمع الدولي بحاجة إلى التحرك في ليبيا، بعد الغياب الذي سببه فشل محاولات إيجاد تسوية سلمية وتوافقية بين الإخوة الأعداء. وعزا المجلس في تقرير له ما حدث إلى "كثرة الاهمال وسوء الادارة" اللذين طبعا أداء المسؤولين السابقين.
أي مسؤولية لحفتر؟
ونسب المجلس في تقرير له، مسؤولية الإهمال وسوء الإدارة إلى سلطة اللواء المتقاعد (خليفة) حفتر "الاستبدادي"، وازدواجية قيادة مجلس النواب، الذي "لعب دورا مدمرا في إدارة مدن شرق ليبيا"، وفق تعبير المجلس الأمريكي. وفي هذا السياق اعتبر الخبير الاقتصادي الليبي سليمان الشحومي أن إعادة الإعمار تحتاج بداية إلى تشكيل مجلس من خبراء وكفاءات مستقلة، مع ضمان مشاركة دولية في أعماله. واستغرب الشحومي، في تدوينة له عبر حسابه على "فيسبوك"، من التجاذب بين موقفي مجلس النواب ورئيس المجلس الرئاسي من هذه المسألة، إذ أعلن مجلس النواب أنه سيخصص الأموال اللازمة لإعادة الاعمار، ووعد بالاشراف على الإنفاق، من جهة، ومن جهة ثانية تحدث رئيس المجلس الرئاسي، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن إعادة الإعمار ستتم عبر مؤسسات الدولة الليبية. وتساءل الشحومي بغضب "دولة فاشلة ومنهارة تطفح في الفساد وتعج بالفاسدين، وليس لديها كفاءة تنظيمية وإدارية وفنية لإدارة مشروع وطني لإعادة الإعمار، يتحدث فيها المسؤولون عن أنهم سيقومون بالإعمار !"
عشرة قرارات
صحيح أن أسامة حماد رئيس الحكومة المنبثقة من مجلس النواب وأعضاء حكومته، اجتمعوا في درنة، واتخذوا عشرة قرارات، بينها إنشاء صندوق للإعمار، فيما رأى وزير العدل في الحكومة نفسها ضرورة دعوة شركات عالمية لإعادة إعمار المناطق المنكوبة. ومعروف من خلال تجارب مشابهة أن عملية إعادة الإعمار كثيرا ما تفتح على قصص فساد وتزوير، يُنهب فيها مالٌ كثير، فتتم أعمال الإعمار، إذا تمت، بمعايير بعيدة عن المواصفات اللازمة.
لذا فإن الظرف الراهن يقتضي القيام بأربع خطوات للتوقي من كارثة جديدة. والخطوة الأولى ينبغي أن تكون تحديد أعداد الضحايا، الأموات والأحياء، ونشر البيانات الاحصائية إلى الرأي العام بكل شفافية. كما ينبغي تحديد المسؤولين عن الكارثة، ومحاسبتهم كائنا من كانوا، مع ما يترتب عن المحاسبة من استتباعات. وتتمثل الخطوة الثانية في تشكيل مجلس لإعادة الإعمار، تتألف غالبية أعضائه من خبراء مشهود لهم بالكفاءة ونظافة اليد والشفافية. أما الخطوة الثالثة فهي إعادة النازحين بسبب كارثة "دانيال" إلى بيوتهم، ويُقدر عددهم بأربعين ألف نازح. كما ينبغي على مجلس المحاسبة، والأجهزة الرقابية الأخرى، أن تولي اهتماما خاصا لمتابعة الانفاق لدى انطلاق إعادة الإعمار وبعده، لأن مثل هذه المشاريع الكبرى تحتاج إلى أموال كثيرة، وتكون عمليات الفساد فيها كبيرة أيضا.
مطالبة بالمحاسبة
سرعان ما تحولت الفاجعة والصدمة والحزن في درنة إلى غضب حمل الناجين على الخروج إلى الشارع للمطالبة بالمحاسبة. لكن السؤال المطروح اليوم هو: من سيُحاسب؟ فلا أحد في حكومة برأسين وحاكم عام يسيطر على المنطقة الشرقية، بما فيها درنة، منذ أعوام، سيقبل بالخضوع للمحاسبة. وما يزيد الأمر صعوبة أن الناجين من الفاجعة صرحوا بشكل قاطع، بأنهم لا يثقون في استعداد المسؤولين الحاليين لمساعدة مدينتهم على الوقوف على قدميها مجددا. وتحتاج درنة بشكل عاجل إلى إصلاح وصيانة 488 مدرسة متضررة جراء العاصفة، كي يُتابع التلاميذ الناجون تعليمهم، وإن في ظروف قاسية.