إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من فرنسا-إفريقيا إلى فرنسا-الصين- روسيا.. نهاية الحقبة الاستعمارية

 

 

 

خلال العشرية الأخيرة تراجعت علاقات فرنسا مع إفريقيا بعد أن حدثت تغيرات جيو- استراتيجية في المنطقة والعالم، تميزت بالخصوص في ظهور القوى العالمية الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا والهند

بقلم د. الصحراوي قمعون (*)

     من معركة "ديان بيان فو" في الهند الصينية (فيتنام) وهزيمة فرنسا العسكرية التاريخية فيها عام 1954 ، بدأ انهيار الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية، التي أجهزت عليها هزيمتها العسكرية الكبرى في الجزائر خلال حرب التحرير الوطنية المندلعة من 1954 إلي 1962، تاريخ الانسحاب الفرنسي من الجزائر بعد 130 عاما من الاستعمار المباشر .

   وفي غضون ذلك اضطرت فرنسا إلى منح الاستقلال إلي تونس والمغرب بالتفاوض والمقاومة للتفرغ للحرب الجزائرية . ثم تتالت عمليات منح الاستقلال وتصفية الاستعمار إلى باقي الدول المستعمرة في إفريقيا. وانتهت بذلك حقبة الاستعمار المباشر، ليستمر الاستعمار غير المباشر، عبر توجيه المسارات السياسية للبلدان الإفريقية المستقلة والسيطرة على اقتصادها وثقافتها في إطار صيغ جديدة تحت شعار "التعاون وتبادل المصالح"، ضمن إطار ثنائي منظم بين باريس والعواصم الإفريقية أطلق عليه "فرنسا- إفريقيا" الذي يتضمن تنسيقا عاما في العلاقات الثنائية عبر تنظيم قمة فرنسية افريقية دورية سنوية بالتداول في فرنسا والعواصم الإفريقية.

      بين اليمين واليسار

وتاريخيا تعامل رؤساء فرنسا منذ تلك الفترة بنفس النزعة الاستعمارية كل حسب خياراته وشخصيته من اليمين واليسار على حد السواء، حيث كان الرئيس اليميني شارل ديغول محاطا بمستشاره الإفريقي جاك فوكار سيد الانقلابات والانقلابات المضادة في عموم افريقيا، مدعوما بالمرتزق بوب دينار وميليشياته. ولم يختلف الأمر في ذلك مع وصول الرئيس اليساري فرانسوا ميتران عام 1980 الذي اشترط ربط المعونة إلي الدول الإفريقية بتنظيم ندوات حوار وطني وتنظيم انتخابات تعددية ديمقراطية انخرطت فيها دول القارة شكليا دون جدوى. كما اشترط ميتران وضع حد للفساد والحكم العائلي في الأنظمة الإفريقية التي تتعامل مع باريس . ولكنه عين ابنه جان كريستوف مستشارا خاصا له لإفريقيا. وأطلقت عليه الصحافة الفرنسية لقب "ميسيو أفْريك". وكانت له العديد من قضايا الفساد وتمت محاكمته عام 2000 بتهمة تلقي رشاوى من شركة بيع سلاح في انغولا، في حين كانت والدته السيدة الأولي في فرنسا السيدة دانيال ميتران صاحبة جمعية حقوقية تتدخل في عموم بلدان افريقيا لإسقاط أو معاقبة هذا النظام المتنطع أو ذاك . ونفس التمشي كان مع الرئيس اللاحق اليميني شيراك الذي كان مساندا لمصالح فرنسا مع الأنظمة السلطوية المفضوحة.

  وخلال العشرية الأخيرة تراجعت علاقات فرنسا مع افريقيا بعد أن حدثت تغيرات جيو- استراتيجية في المنطقة والعالم، تميزت بالخصوص في ظهور القوى العالمية الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا والهند التي تريد اقتسام إفريقيا كما باقي الكعكة الدولية . واستثمرت الصين للغرض في العشرية الماضية أكثر من مائة مليار دولار في مشاريع التنمية والبنية التحتية لإفريقيا، في حين ظلت مساهمة فرنسا في تلك الدول عبارة عن "فتات موائد" وظلت تتصرف عسكريا واقتصاديا كأنها قوة حامية وبنزعة أبوية استعمارية بقواعدها العسكرية في عدة دول ، في حين تولت الصين حل مشاكل افريقيا التنموية باستثمارات ومعونات كبرى . ولم تكن بيكين تربط ذلك بشروط سياسية حول نمط الحكم ، سوى الحصول على امتياز استغلال المناجم المتوفرة للمواد الأولية ومصادر الطاقة .

     لقد جاء الوعي الفرنسي متأخرا بهشاشة علاقاتها مع افريقيا أمام الغزو الصيني لها ولم تنفع اعترافات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها فرنسا في إفريقيا خلال أكثر من قرن من الاستعمار والعبودية ونهب ثرواتها الطبيعية . وقد كانت استفاقة متأخرة له عندما اقر في لقائه السنوي بسفراء بلاده عام 2022 بحصول تغيرات جيو استراتيجية جوهرية في العلاقات الدولية خلال السنوات العشر الاخيرة . وقال: "نحن اليوم نعيش نهاية الهيمنة الغربية على العالم . وكنا متعودين منذ القرن الثامن عشر على هيمنة غربية كانت خلال القرن الثامن عشر فرنسية المنزع بفضل أفكار وريادة فلسفة الأنوار الفرنسية، ثم كانت هيمنة بريطانية على العالم من خلال الثورة الصناعية وانتهت بهيمنة أمريكية خلال القرن العشرين إثر الحربين العالميتين".

لقد جاءت هذه التصريحات بنفس المحتوى لتلك التي أدلى بها الرئيس السابق له نيكولا ساركوزي وكذلك دومينيك دي فيلبان الوزير الأول لشيراك. وكلهم رددوا القول بأن العالم وخاصة افريقيا يشهد تغيرا استراتيجيا في العلاقات الدولية وتسارع وتيرة بناء عالم متعدد الأقطاب لا يحكم فيه الغرب الأوروبي الأمريكي بل تحكم فيه قوى صاعدة وجدت حظها وسندها في بلدان الشطر الجنوبي من الكرة الأرضية ومنها افريقيا.

       نكسة فرنسية مدوية

   في هذا الإطار جاءت الأحداث الأخيرة والانقلابات العسكرية هذا الصيف في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إيذانا بنهاية زمن الهيمنة لبلدان أوروبا وعلى رأسها فرنسا .

  فقد حدث تطور في الرأي العام الإفريقي الذي أصبح يشاهد بوعي وحساسية مفرطة استغلال فرنسا لثروات بلاده مقابل لاشيء في الوقت الذي تغلق فيه فرنسا حدودها أمام المهاجرين من دول الساحل والصحراء وعموم افريقيا . كما أن المعونة الاقتصادية الفرنسية الضامرة والمشروطة بتطبيق الديمقراطية تذهب عادة فيها إلى جيوب القطط السمان للنظام المنتخب بصورة ديمقراطية، حسب شهادة وسائل الإعلام وسبر الآراء الفرنسية . ويبقي الشعب الكريم ينتظر فتات موائد ولائم الدول الأوروبية الباذخة. وليس له غير الهجرة والموت عبر البحر من تونس أو ليبيا.

     وفي غضون ذلك تسيطر عائلات حاكمة متنفذة في ليبرفيل وبانغي وأبيدجان ، تحظي بدعم باريس، على الاقتصاد الوطني في تلك البلدان، حيث يتم تحويل رساميل الأموال إلي البنوك الفرنسية في باريس وموناكو وهي بنوك فرنسية مزدهرة وزاد في ازدهارها وصول الرئيس ماكرون إلى سدة الحكم وهو الصديق المعروف لرجال البنوك وهو ابن بنك "روتشيلد" الشهير الذي أوصله إلى كرسي الحكم، كما تذكر الصحافة الفرنسية صباح مساء.

   لقد مثلت النكسة الكبرى لفرنسا في الرفض القاطع والراديكالي لزعماء الحركات الانقلابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي لقيت ترحيبا شعبيا كبيرا، بعد أن أزاحت رؤساء قريبين جدا من فرنسا وصلوا إلى دفة الحكم الديمقراطي بدعم فرنسي حاسم سياسي وإعلامي في ديمقراطيات صاعدة في القارة الشابة المتطلعة إلى غد أفضل.

    ولعل أبلغ تجسيم لهذا التطور المأساوي بالنسبة لفرنسا، ذلك الخطاب الملتهب الذي ألقاه قائد الانقلاب المالي الشاب إبراهيم طراوري أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة روسيا- افريقيا التي خلفت مع الصين قمة فرنسا-افريقيا منتهية الصلوحية والمريضة في غرفة الإنعاش . لقد كان خطاب الرئيس الانتقالي ابراهيم طراوري بفرنسية مرتجلة فصيحة أفصح من فرنسية ماكرون الضعيفة، وفيها أعلن طرواري رفض الهيمنة الفرنسية والأوروبية علي مقدرات قارة إفريقيا، معيدا إلى الأذهان تلك الفصاحة والبداهة الثورية التي أعلن عنها الرئيس الشاب في بوركينا فاسو بداية الثمانينات عام 1983 توماس سانكارا الذي تحدى فرنسا وهيمنتها على افريقيا وثرواتها. وسيكون مقتله عام 1987 على يد رفيقه في السلاح وفي قيادة الثورة بلاز كومابوري، الذي نصب نفسه وقتها رئيسا للبلاد لعشريتين كاملتين بدعم من فرنسا ، حتى إزاحته عام 2014 في ثورة شعبية .

مسار التاريخ لا يتوقف

   ويبدو أن القائمين على الشأن الفرنسي في العقود الأخيرة منذ استقلالات الستينات لإفريقيا نسوا النزعة الاستقلالية الجامحة في القارة السمراء ورفض نهب خيراتها منذ الستينات وهو أمر يذكرهم بقرون الاستعمار والعبودية المقيتة .

   وبالعودة إلي سجلات التاريخ، فقد كان ذلك واضحا منذ السنوات الأولى للاستقلال التي انخرط فيها بصفة غير مشروطة، إلى جانب فرنسا ، عدد من الرؤساء "المعتدلين" الموالين لفرنسا في كوت ديفوار والسينغال وغيرها . ولكن أصوات الرفض الإفريقي للهيمنة الفرنسية ظلت عالية منذ ذلك الوقت خاصة مع الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري (1922-1984) الذي كان في جدال وسجال خطابي رافض رافضا لاستمرار الاملاءات السياسية والاقتصادية من باريس. وكان يدخل في سجالات مع شارل ديغول عبر تصريحات مدوية عبر وسائل الاعلام المكتوبة والاذاعية والتلفزيونية، تكون بفرنسية فصيحة أفصح من فرنسية ديغول اليابسة كما تبينها الخطب والأحاديث الصحفية للإثنين الموجودة على شبكة الانترنات ويوتوب .

*صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة

 

 

 

 

 

 

من فرنسا-إفريقيا إلى فرنسا-الصين- روسيا..  نهاية الحقبة الاستعمارية

 

 

 

خلال العشرية الأخيرة تراجعت علاقات فرنسا مع إفريقيا بعد أن حدثت تغيرات جيو- استراتيجية في المنطقة والعالم، تميزت بالخصوص في ظهور القوى العالمية الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا والهند

بقلم د. الصحراوي قمعون (*)

     من معركة "ديان بيان فو" في الهند الصينية (فيتنام) وهزيمة فرنسا العسكرية التاريخية فيها عام 1954 ، بدأ انهيار الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية، التي أجهزت عليها هزيمتها العسكرية الكبرى في الجزائر خلال حرب التحرير الوطنية المندلعة من 1954 إلي 1962، تاريخ الانسحاب الفرنسي من الجزائر بعد 130 عاما من الاستعمار المباشر .

   وفي غضون ذلك اضطرت فرنسا إلى منح الاستقلال إلي تونس والمغرب بالتفاوض والمقاومة للتفرغ للحرب الجزائرية . ثم تتالت عمليات منح الاستقلال وتصفية الاستعمار إلى باقي الدول المستعمرة في إفريقيا. وانتهت بذلك حقبة الاستعمار المباشر، ليستمر الاستعمار غير المباشر، عبر توجيه المسارات السياسية للبلدان الإفريقية المستقلة والسيطرة على اقتصادها وثقافتها في إطار صيغ جديدة تحت شعار "التعاون وتبادل المصالح"، ضمن إطار ثنائي منظم بين باريس والعواصم الإفريقية أطلق عليه "فرنسا- إفريقيا" الذي يتضمن تنسيقا عاما في العلاقات الثنائية عبر تنظيم قمة فرنسية افريقية دورية سنوية بالتداول في فرنسا والعواصم الإفريقية.

      بين اليمين واليسار

وتاريخيا تعامل رؤساء فرنسا منذ تلك الفترة بنفس النزعة الاستعمارية كل حسب خياراته وشخصيته من اليمين واليسار على حد السواء، حيث كان الرئيس اليميني شارل ديغول محاطا بمستشاره الإفريقي جاك فوكار سيد الانقلابات والانقلابات المضادة في عموم افريقيا، مدعوما بالمرتزق بوب دينار وميليشياته. ولم يختلف الأمر في ذلك مع وصول الرئيس اليساري فرانسوا ميتران عام 1980 الذي اشترط ربط المعونة إلي الدول الإفريقية بتنظيم ندوات حوار وطني وتنظيم انتخابات تعددية ديمقراطية انخرطت فيها دول القارة شكليا دون جدوى. كما اشترط ميتران وضع حد للفساد والحكم العائلي في الأنظمة الإفريقية التي تتعامل مع باريس . ولكنه عين ابنه جان كريستوف مستشارا خاصا له لإفريقيا. وأطلقت عليه الصحافة الفرنسية لقب "ميسيو أفْريك". وكانت له العديد من قضايا الفساد وتمت محاكمته عام 2000 بتهمة تلقي رشاوى من شركة بيع سلاح في انغولا، في حين كانت والدته السيدة الأولي في فرنسا السيدة دانيال ميتران صاحبة جمعية حقوقية تتدخل في عموم بلدان افريقيا لإسقاط أو معاقبة هذا النظام المتنطع أو ذاك . ونفس التمشي كان مع الرئيس اللاحق اليميني شيراك الذي كان مساندا لمصالح فرنسا مع الأنظمة السلطوية المفضوحة.

  وخلال العشرية الأخيرة تراجعت علاقات فرنسا مع افريقيا بعد أن حدثت تغيرات جيو- استراتيجية في المنطقة والعالم، تميزت بالخصوص في ظهور القوى العالمية الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا والهند التي تريد اقتسام إفريقيا كما باقي الكعكة الدولية . واستثمرت الصين للغرض في العشرية الماضية أكثر من مائة مليار دولار في مشاريع التنمية والبنية التحتية لإفريقيا، في حين ظلت مساهمة فرنسا في تلك الدول عبارة عن "فتات موائد" وظلت تتصرف عسكريا واقتصاديا كأنها قوة حامية وبنزعة أبوية استعمارية بقواعدها العسكرية في عدة دول ، في حين تولت الصين حل مشاكل افريقيا التنموية باستثمارات ومعونات كبرى . ولم تكن بيكين تربط ذلك بشروط سياسية حول نمط الحكم ، سوى الحصول على امتياز استغلال المناجم المتوفرة للمواد الأولية ومصادر الطاقة .

     لقد جاء الوعي الفرنسي متأخرا بهشاشة علاقاتها مع افريقيا أمام الغزو الصيني لها ولم تنفع اعترافات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها فرنسا في إفريقيا خلال أكثر من قرن من الاستعمار والعبودية ونهب ثرواتها الطبيعية . وقد كانت استفاقة متأخرة له عندما اقر في لقائه السنوي بسفراء بلاده عام 2022 بحصول تغيرات جيو استراتيجية جوهرية في العلاقات الدولية خلال السنوات العشر الاخيرة . وقال: "نحن اليوم نعيش نهاية الهيمنة الغربية على العالم . وكنا متعودين منذ القرن الثامن عشر على هيمنة غربية كانت خلال القرن الثامن عشر فرنسية المنزع بفضل أفكار وريادة فلسفة الأنوار الفرنسية، ثم كانت هيمنة بريطانية على العالم من خلال الثورة الصناعية وانتهت بهيمنة أمريكية خلال القرن العشرين إثر الحربين العالميتين".

لقد جاءت هذه التصريحات بنفس المحتوى لتلك التي أدلى بها الرئيس السابق له نيكولا ساركوزي وكذلك دومينيك دي فيلبان الوزير الأول لشيراك. وكلهم رددوا القول بأن العالم وخاصة افريقيا يشهد تغيرا استراتيجيا في العلاقات الدولية وتسارع وتيرة بناء عالم متعدد الأقطاب لا يحكم فيه الغرب الأوروبي الأمريكي بل تحكم فيه قوى صاعدة وجدت حظها وسندها في بلدان الشطر الجنوبي من الكرة الأرضية ومنها افريقيا.

       نكسة فرنسية مدوية

   في هذا الإطار جاءت الأحداث الأخيرة والانقلابات العسكرية هذا الصيف في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إيذانا بنهاية زمن الهيمنة لبلدان أوروبا وعلى رأسها فرنسا .

  فقد حدث تطور في الرأي العام الإفريقي الذي أصبح يشاهد بوعي وحساسية مفرطة استغلال فرنسا لثروات بلاده مقابل لاشيء في الوقت الذي تغلق فيه فرنسا حدودها أمام المهاجرين من دول الساحل والصحراء وعموم افريقيا . كما أن المعونة الاقتصادية الفرنسية الضامرة والمشروطة بتطبيق الديمقراطية تذهب عادة فيها إلى جيوب القطط السمان للنظام المنتخب بصورة ديمقراطية، حسب شهادة وسائل الإعلام وسبر الآراء الفرنسية . ويبقي الشعب الكريم ينتظر فتات موائد ولائم الدول الأوروبية الباذخة. وليس له غير الهجرة والموت عبر البحر من تونس أو ليبيا.

     وفي غضون ذلك تسيطر عائلات حاكمة متنفذة في ليبرفيل وبانغي وأبيدجان ، تحظي بدعم باريس، على الاقتصاد الوطني في تلك البلدان، حيث يتم تحويل رساميل الأموال إلي البنوك الفرنسية في باريس وموناكو وهي بنوك فرنسية مزدهرة وزاد في ازدهارها وصول الرئيس ماكرون إلى سدة الحكم وهو الصديق المعروف لرجال البنوك وهو ابن بنك "روتشيلد" الشهير الذي أوصله إلى كرسي الحكم، كما تذكر الصحافة الفرنسية صباح مساء.

   لقد مثلت النكسة الكبرى لفرنسا في الرفض القاطع والراديكالي لزعماء الحركات الانقلابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي لقيت ترحيبا شعبيا كبيرا، بعد أن أزاحت رؤساء قريبين جدا من فرنسا وصلوا إلى دفة الحكم الديمقراطي بدعم فرنسي حاسم سياسي وإعلامي في ديمقراطيات صاعدة في القارة الشابة المتطلعة إلى غد أفضل.

    ولعل أبلغ تجسيم لهذا التطور المأساوي بالنسبة لفرنسا، ذلك الخطاب الملتهب الذي ألقاه قائد الانقلاب المالي الشاب إبراهيم طراوري أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة روسيا- افريقيا التي خلفت مع الصين قمة فرنسا-افريقيا منتهية الصلوحية والمريضة في غرفة الإنعاش . لقد كان خطاب الرئيس الانتقالي ابراهيم طراوري بفرنسية مرتجلة فصيحة أفصح من فرنسية ماكرون الضعيفة، وفيها أعلن طرواري رفض الهيمنة الفرنسية والأوروبية علي مقدرات قارة إفريقيا، معيدا إلى الأذهان تلك الفصاحة والبداهة الثورية التي أعلن عنها الرئيس الشاب في بوركينا فاسو بداية الثمانينات عام 1983 توماس سانكارا الذي تحدى فرنسا وهيمنتها على افريقيا وثرواتها. وسيكون مقتله عام 1987 على يد رفيقه في السلاح وفي قيادة الثورة بلاز كومابوري، الذي نصب نفسه وقتها رئيسا للبلاد لعشريتين كاملتين بدعم من فرنسا ، حتى إزاحته عام 2014 في ثورة شعبية .

مسار التاريخ لا يتوقف

   ويبدو أن القائمين على الشأن الفرنسي في العقود الأخيرة منذ استقلالات الستينات لإفريقيا نسوا النزعة الاستقلالية الجامحة في القارة السمراء ورفض نهب خيراتها منذ الستينات وهو أمر يذكرهم بقرون الاستعمار والعبودية المقيتة .

   وبالعودة إلي سجلات التاريخ، فقد كان ذلك واضحا منذ السنوات الأولى للاستقلال التي انخرط فيها بصفة غير مشروطة، إلى جانب فرنسا ، عدد من الرؤساء "المعتدلين" الموالين لفرنسا في كوت ديفوار والسينغال وغيرها . ولكن أصوات الرفض الإفريقي للهيمنة الفرنسية ظلت عالية منذ ذلك الوقت خاصة مع الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري (1922-1984) الذي كان في جدال وسجال خطابي رافض رافضا لاستمرار الاملاءات السياسية والاقتصادية من باريس. وكان يدخل في سجالات مع شارل ديغول عبر تصريحات مدوية عبر وسائل الاعلام المكتوبة والاذاعية والتلفزيونية، تكون بفرنسية فصيحة أفصح من فرنسية ديغول اليابسة كما تبينها الخطب والأحاديث الصحفية للإثنين الموجودة على شبكة الانترنات ويوتوب .

*صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة