أحد محركات التغيير التربوي في القرن الحادي والعشرين هي العامل الرقمي الذي ينبغي أن يجد الاهتمام الكافي
بقلم الدكتور منذر عافي باحث في علم الاجتماع والتربية
ان تونس اليوم بصدد تلمس طريقها نحو بناء رؤية مستقبلية للتربية والتعليم. والتربية - بحكم مضامينها- عملية مستقبلية كما يقول بعض الباحثين. يتم حاليا تسليط الضوء على التغييرات التربوية ومراجعة المفاهيم والعمليات التقليدية والقرارات والأحكام السابقة التي اتخاذها دون ترو او تمحيص ..هناك ضرورة متأكدة للمراجعة ولعل المجلس الأعلى للتربية والبحث العلمي والتكوين المهني سيساعد دون شك على إعادة تصميم العملية التربوية في برمتها في تونس استنادا الى منطق سليم وتحليل دقيق فتصل الى قرارات تستوفي كل شروط العلمية والموضوعية وتساعد على معايشة الواقع والاحاطة بمختلف مشكلاتنا التربوية. ومن هذا المنطلق نفهم أهمية الدعوة الى تنظيم استشارة الكترونية شاملة وموسعة لإصلاح التعليم ..ذلك ان التفكير في مستقبل التربية ليس ظنيا وتخمينيا انه في البداية والنهاية تفكير علمي أساسه الفروض والفرضيات والتعريفات والمسلمات والتجارب الميدانية . وبما ان الغرض من بعث مجلس أعلى للتربية هو استشراف البدائل المتاحة امام المدرسة التونسية في المستقبل واختيار ما يلائم منها ثقافتنا وهويتنا بهدف مراقبة تأثيرها على منظومة التعليم والجهات الفاعلة فيها (صناع القرار والممارسون، والتلاميذ كملاذ أخير) ، وبالتالي ، لتحديد الظروف التي يمكن أن يكون لمنظومة التربية والتعليم في ظلها تأثير أقوى ولكنه أيضًا أكثر صلة بصنع القرار والإجراءات التي يتم الإعلان عنها. يبدو لنا أن المجلس الأعلى للتربية يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار العملية التربوية ذات صلة بالموارد البشرية وبالمعرفة والتحولات المعرفية، ويجعلنا الحديث عن هذا المجلس بالفعل في مواجهة ثلاثة أنواع من الفاعلين: مواطنون وصناع قرار سياسي وفاعلون تربويون.. بمعنى ان المجلس الأعلى للتربية صمم خصيصا ليكون تعليمنا تعليما مفتوحا موجها لعموم أبناء الشعب دون تمييز او اقصاء يتيح للمتعلمين من خلال معابره المختلفة وتفرعاته المتعددة – وفق ميولهم واستعداداتهم من التكوين الذي يساعدهم في وقت لاحق على الالتحاق بسوق الشغل او مواصلة التعلم والبحث العلمي. وان تحقيق مثل هذه الأهداف ليست مسؤولية التربويين وحدهم، بل هي مسؤولية المجتمع كله في شتى مناحي الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لان التربية في الأصل هي عنوان هوية المجتمع. ويمكن ان طبقت فكرة المجلس الأعلى للتربية على أحسن وجه أن يصير التعلم أكثر فاعلية وان يكون بالفعل تعلما متحورا حول المتعلم ومنظمًا ومصممًا بعمق.
التربية في مواجهة ضغوط العولمة
تفرض العولمة ضغوطًا اجتماعية واقتصادية وتمكن من التعلم على نطاق أوسع وأكثر ثراءً، ولذلك فإن أحد محركات التغيير التربوي في القرن الحادي والعشرين هي العامل الرقمي الذي ينبغي أن يجد الاهتمام الكافي سياق الحديث عن المجلس الأعلى للتربية. لا يقتصر التغيير على القيادة الرقمية ويتطلب مهارات جديدة فحسب، بل إنه يوفر إمكانية تحويل علم أصول التدريس. تعني رقمنة التعليم زيادة إمكانية وصول التلاميذ والمعلمين إلى المعلومات في أي مكان وزمان. وبالتالي يتم تعديل دور المربي والمدرس والباحث من ناشر للمعلومات، ليصبح ميسراً ووسيطا، مما يسمح للتلاميذ بفهم كيفية استخدام المعلومات والابحار الامن في الشبكات.
ان الحديث عن مجلس اعلى للتربية يعني الحاجة الى أن تتكيف بيئات التعلم - التي يجب فهمها بالمعنى الواسع، أي أنها تشمل مبنى المدرسة بالإضافة إلى التدريس والمناهج الدراسية - مع هذا السياق الجديد، من أجل تعزيز العمل التعاوني والفردي، لتلبية الاحتياجات المختلفة والسماح كل من التعلم الرسمي / المنظم وغير الرسمي. هذا خروج عن نموذج المدرسة التقليدي، الذي يتميز بالتوحيد والتوافق، وغالبًا ما يُقارن بنموذج المصنع. اليوم، هو نموذج يتميز بالتفرد والتعاون.. يمكن أن توفر هذه التغييرات حلولًا لتصميم المباني المدرسية من المهم مراعاة ثلاثة مفاهيم في أية مناقشة لمساحات التعلم المادي: الاتصال والمكان والزمان. في الواقع،ان التعلم ينطوي على شكل من أشكال التفاعل بين الأفراد وهو ما يجعل من المجلس الأعلى للتربية والبحث العلمي والتكوين المهني فضاء ثريا تتكامل فيه ابعاد العملية التربوية واستراتيجيات البحث العلمي واهداف التخطيط التربوي. ويظل النجاح مرتبطا بوضوح الغاية والاهداف أكثر من ارتباطه بالجوانب المادية.. يمكن للمجلس الأعلى للتربية أن يجعل السياسة التربوية مستقرة والغايات واضحة والاهداف التربوية الكبرى محددة تحديدا دقيقا.
بالمعنى الأساسي للمصطلح، انه - المجلس الأعلى للتربية - يؤسس الحقائق التي يمكن تحديدها كموضوع، وتوضيحها ، وقياسها ؛ على هذا الأساس ، يوفر فهمًا أكثر صلة بالإصلاح التربوي اكثر من التجارب السابقة. يتعلق الأمر بإنشاء قواعد بيانات للتعليم، والتي تفترض استخدام منهجيات وصفية؛ هذا البحث، الذي يبدأ غالبًا من قبل فريق واحد أو أكثر من الباحثين ، يتم تناوله بعد ذلك من قبل الهيئات الإقليمية أو الوطنية يحاول الباحثون إقامة علاقات بين فئات الحقائق المرصودة (على سبيل المثال: بين الأجهزة التعليمية والأداء المقيَّم) ، إما باستخدام أدوات الارتباط ، أو عن طريق المسائل التجريبية أو شبه المقارنة. يتم افتراض المخطط الشامل الجديد في البداية على أساس التعبير الأصلي لمختلف المعارف العلمية السابقة، وحتى التجريبية، ثم يتم التحقق من صحتها أو إبطالها من خلال بيانات المجموعة الجديدة أو من خلال البيانات المتاحة والمعالجة لهذا الغرض؛ يتم بناء المخطط الشامل من خلال نهج أكثر صرامة علمية على أساس المراحل المتعاقبة لجمع البيانات والمواجهة مع تجارب الإصلاح السابقة وتخطي وهم ما يعرف بالكتاب الأبيض ومشروع اصلاح المنظومة التربوية المسقط الذي صاغته بعض المنظومات الحزبية وسعت الى فرضه على المجتمع. انها الفرضيات الجديدة التي يتم التأسيس لها بعمق وبتشاركية وعبر استشارات حقيقية وليست مزيفة.
يمكن لنتائج الاستشارة الالكترونية أن تُسلّط الضوء على الطبيعة متعددة الأبعاد للفعل التربوي: البعد المعرفي ، لأنه يتعلق بالمعرفة التي سيتم بناؤها وعلاقة معينة بالمعرفة المراد غرسها النقاش مع ظهور الشبكات الاجتماعية ، و"صراعات الحقيقة في المدرسة" البعد العملي ، لأن المعرفة والعلاقة بالمعرفة مبنية في العمل بين "التلاميذ" و "المدرسين" (أو أي وسيط آخر ، والأشخاص الخارجيين دون نسيان العائلة) ، داخل هيكل بمستويات صنع القرار الخاصة به ، وفي بيئة مكونة من الموارد والضوابط القانونية ؛ ، اختيار المعرفة ، "ماذا تعلم المدرسة للجميع" ، العلاقة بالمعرفة ، الموقف العلائقي بين الفاعلين ، يحمل القيم ، هيكل القرار وتداوله من خلال المجلس الأعلى للتربية والفرص المتاحة.
والغرض الأساسي في النهاية هو تحسين جودة التعليم من خلال العمل التشاركي التعاوني مع الجهات الفاعلة في هذا المجال والذي هو بدوره،سيجعل من الممكن التحقق من نجاعة المعرفة العلمية المعينة في واحد أو أكثر من السياقات المحددة أو لإنتاج المعرفة العلمية من حيث المخططات الشاملة والنظامية لسياقات العمل المختلفة. وتتمثل الرؤية المستقبلية من بعث المجلس الأعلى للتربية في منح مزيد من الصلاحيات او التفويض للوحدات الإدارية داخل الوزارات بل وداخل المؤسسات التربوية والبحثية والتكوينية وهي الوحدات الأساسية في منظومة التعليم والتربية في تونس – تمكينها من تفويض أوسع نطاق يضمن التجديد والابتكار والتميز وسهولة التواصل وسرعة التنفيذ والاستجابة لمقتضيات الطوارئ.
هل يساهم المجلس الأعلى للتربية في بناء مدرسة الغد؟ تبرز من وراء هذه الأسئلة أهمية اتخاذ القرار والعمل في التعليم: من ناحية، العلاقة بين الآثار المتوقعة للقرار والآثار التي كان ينبغي توقعها؛ من ناحية أخرى، بين التأثيرات المرصودة فعلاً للإجراء والتأثيرات التي كان ينبغي ملاحظتها. وهذا يعني سؤال القيم: لا يمكن لصناع القرار والفاعلين في هذا المجال الهروب منها، لأن عدم (الرغبة) في طرح السؤال هو بالفعل اختيار ضمني للجمود.
لذلك فإن أهمية المجلس الأعلى للتربية ستكون مرتبطة قبل كل شيء بقدرته على بناء الخطوط العريضة للسياسات التربوية، والتي يخضع إثباتها للتحقق من قبل المختصين والخبراء ومن قبل أكاديميين لديهم مهمة مزدوجة أو حتى ثلاثية (التدريس، والبحث، وحتى مسؤوليات الإدارة)..
الاستشارة الالكترونية والتحيزات العلمية
الاستشارة الالكترونية التي أعلن رئيس الجمهورية عن تنظيمها حول إصلاح التربية والتعليم، ستمكن من تشخيص وتحديد أسباب أزمة التعليم والمنظومة التربوية واقتراح الحلول للخروج منها.
وهي حلول تجعل من الممكن مواجهة الواقع من خلال التسليح بشكل أفضل من الاعتماد على التحيزات (المعرفة العلمية هي موضوع عملية الاستشارة الالكترونية، حتى لو ظل هذا دائمًا غير متحيز مؤقتًا). وللمفارقة، فإن المشاركة الواسعة والمكثفة للمواطنين والمدرسين والخبراء تمكن من إنتاج نماذج تربوية جديدة تُوسع وعينا بما لا نعرفه ويدعونا للشك. توجد العوائق أولاً بين الفاعلين التربويين أنفسهم، عندما تظل محصورة في تخصصهم الأصلي، وبالتالي تساهم في تكوين فسيفساء من البحث والمعرفة المتقاربة حول موضوع مع ذلك معقد ويتطلب توضيحًا منهجيًا. والاستشارة عموما ستساهم في تجاوز عدة عراقيل وحواجز من ذلك متلازمة البرج العاجي، والتي تتجلى في مقاومة التغيير او الانخراط في نهج نفعي مفرط، أو من خلال ردود الفعل السلبية، مثل " ازمة التعليم لا تعنيني " وفي هذه الحالة يكتفي التربوي فقط بتنفيذ التعليمات والتطبيق الميكانيكي والجامد دون أدني اجتهاد.
يُنظر إلى المجلس الأعلى للتربية باعتباره المجال الحيوي «لإصلاح التعليم" والفضاء الملائم الذي يوثق الصلة بين الفاعل التربوي،وصانع القرار السياسي، ومن خلال تحالف هذه القوى من حيث التكامل، وليس التفوق أو الارتباك ولكن من خلال خلق الذكاء التعاوني، يمكن أن تتحسن جودة التعليم في تونس تدريجياً لمواجهة التحديات المجتمعية التي تواجهنا اليوم في مختلف المجالات.
وإذا كان الاجماع منعقدا حول حاجة التربية الى مجلس اعلى فانه ينتظر منه ان يضمن تحقيق ما هو موجود بالفعل في ميدان الخبرة والمعرفة والتعرف على الاتجاهات التي يقوم عليها واقع المدرسة التونسية في شموليتها والسير حثيثا نحو المستقبل أي استشراف مستقبل التربية في علاقته بمستقبل البناء المجتمعي ككل.
أحد محركات التغيير التربوي في القرن الحادي والعشرين هي العامل الرقمي الذي ينبغي أن يجد الاهتمام الكافي
بقلم الدكتور منذر عافي باحث في علم الاجتماع والتربية
ان تونس اليوم بصدد تلمس طريقها نحو بناء رؤية مستقبلية للتربية والتعليم. والتربية - بحكم مضامينها- عملية مستقبلية كما يقول بعض الباحثين. يتم حاليا تسليط الضوء على التغييرات التربوية ومراجعة المفاهيم والعمليات التقليدية والقرارات والأحكام السابقة التي اتخاذها دون ترو او تمحيص ..هناك ضرورة متأكدة للمراجعة ولعل المجلس الأعلى للتربية والبحث العلمي والتكوين المهني سيساعد دون شك على إعادة تصميم العملية التربوية في برمتها في تونس استنادا الى منطق سليم وتحليل دقيق فتصل الى قرارات تستوفي كل شروط العلمية والموضوعية وتساعد على معايشة الواقع والاحاطة بمختلف مشكلاتنا التربوية. ومن هذا المنطلق نفهم أهمية الدعوة الى تنظيم استشارة الكترونية شاملة وموسعة لإصلاح التعليم ..ذلك ان التفكير في مستقبل التربية ليس ظنيا وتخمينيا انه في البداية والنهاية تفكير علمي أساسه الفروض والفرضيات والتعريفات والمسلمات والتجارب الميدانية . وبما ان الغرض من بعث مجلس أعلى للتربية هو استشراف البدائل المتاحة امام المدرسة التونسية في المستقبل واختيار ما يلائم منها ثقافتنا وهويتنا بهدف مراقبة تأثيرها على منظومة التعليم والجهات الفاعلة فيها (صناع القرار والممارسون، والتلاميذ كملاذ أخير) ، وبالتالي ، لتحديد الظروف التي يمكن أن يكون لمنظومة التربية والتعليم في ظلها تأثير أقوى ولكنه أيضًا أكثر صلة بصنع القرار والإجراءات التي يتم الإعلان عنها. يبدو لنا أن المجلس الأعلى للتربية يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار العملية التربوية ذات صلة بالموارد البشرية وبالمعرفة والتحولات المعرفية، ويجعلنا الحديث عن هذا المجلس بالفعل في مواجهة ثلاثة أنواع من الفاعلين: مواطنون وصناع قرار سياسي وفاعلون تربويون.. بمعنى ان المجلس الأعلى للتربية صمم خصيصا ليكون تعليمنا تعليما مفتوحا موجها لعموم أبناء الشعب دون تمييز او اقصاء يتيح للمتعلمين من خلال معابره المختلفة وتفرعاته المتعددة – وفق ميولهم واستعداداتهم من التكوين الذي يساعدهم في وقت لاحق على الالتحاق بسوق الشغل او مواصلة التعلم والبحث العلمي. وان تحقيق مثل هذه الأهداف ليست مسؤولية التربويين وحدهم، بل هي مسؤولية المجتمع كله في شتى مناحي الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لان التربية في الأصل هي عنوان هوية المجتمع. ويمكن ان طبقت فكرة المجلس الأعلى للتربية على أحسن وجه أن يصير التعلم أكثر فاعلية وان يكون بالفعل تعلما متحورا حول المتعلم ومنظمًا ومصممًا بعمق.
التربية في مواجهة ضغوط العولمة
تفرض العولمة ضغوطًا اجتماعية واقتصادية وتمكن من التعلم على نطاق أوسع وأكثر ثراءً، ولذلك فإن أحد محركات التغيير التربوي في القرن الحادي والعشرين هي العامل الرقمي الذي ينبغي أن يجد الاهتمام الكافي سياق الحديث عن المجلس الأعلى للتربية. لا يقتصر التغيير على القيادة الرقمية ويتطلب مهارات جديدة فحسب، بل إنه يوفر إمكانية تحويل علم أصول التدريس. تعني رقمنة التعليم زيادة إمكانية وصول التلاميذ والمعلمين إلى المعلومات في أي مكان وزمان. وبالتالي يتم تعديل دور المربي والمدرس والباحث من ناشر للمعلومات، ليصبح ميسراً ووسيطا، مما يسمح للتلاميذ بفهم كيفية استخدام المعلومات والابحار الامن في الشبكات.
ان الحديث عن مجلس اعلى للتربية يعني الحاجة الى أن تتكيف بيئات التعلم - التي يجب فهمها بالمعنى الواسع، أي أنها تشمل مبنى المدرسة بالإضافة إلى التدريس والمناهج الدراسية - مع هذا السياق الجديد، من أجل تعزيز العمل التعاوني والفردي، لتلبية الاحتياجات المختلفة والسماح كل من التعلم الرسمي / المنظم وغير الرسمي. هذا خروج عن نموذج المدرسة التقليدي، الذي يتميز بالتوحيد والتوافق، وغالبًا ما يُقارن بنموذج المصنع. اليوم، هو نموذج يتميز بالتفرد والتعاون.. يمكن أن توفر هذه التغييرات حلولًا لتصميم المباني المدرسية من المهم مراعاة ثلاثة مفاهيم في أية مناقشة لمساحات التعلم المادي: الاتصال والمكان والزمان. في الواقع،ان التعلم ينطوي على شكل من أشكال التفاعل بين الأفراد وهو ما يجعل من المجلس الأعلى للتربية والبحث العلمي والتكوين المهني فضاء ثريا تتكامل فيه ابعاد العملية التربوية واستراتيجيات البحث العلمي واهداف التخطيط التربوي. ويظل النجاح مرتبطا بوضوح الغاية والاهداف أكثر من ارتباطه بالجوانب المادية.. يمكن للمجلس الأعلى للتربية أن يجعل السياسة التربوية مستقرة والغايات واضحة والاهداف التربوية الكبرى محددة تحديدا دقيقا.
بالمعنى الأساسي للمصطلح، انه - المجلس الأعلى للتربية - يؤسس الحقائق التي يمكن تحديدها كموضوع، وتوضيحها ، وقياسها ؛ على هذا الأساس ، يوفر فهمًا أكثر صلة بالإصلاح التربوي اكثر من التجارب السابقة. يتعلق الأمر بإنشاء قواعد بيانات للتعليم، والتي تفترض استخدام منهجيات وصفية؛ هذا البحث، الذي يبدأ غالبًا من قبل فريق واحد أو أكثر من الباحثين ، يتم تناوله بعد ذلك من قبل الهيئات الإقليمية أو الوطنية يحاول الباحثون إقامة علاقات بين فئات الحقائق المرصودة (على سبيل المثال: بين الأجهزة التعليمية والأداء المقيَّم) ، إما باستخدام أدوات الارتباط ، أو عن طريق المسائل التجريبية أو شبه المقارنة. يتم افتراض المخطط الشامل الجديد في البداية على أساس التعبير الأصلي لمختلف المعارف العلمية السابقة، وحتى التجريبية، ثم يتم التحقق من صحتها أو إبطالها من خلال بيانات المجموعة الجديدة أو من خلال البيانات المتاحة والمعالجة لهذا الغرض؛ يتم بناء المخطط الشامل من خلال نهج أكثر صرامة علمية على أساس المراحل المتعاقبة لجمع البيانات والمواجهة مع تجارب الإصلاح السابقة وتخطي وهم ما يعرف بالكتاب الأبيض ومشروع اصلاح المنظومة التربوية المسقط الذي صاغته بعض المنظومات الحزبية وسعت الى فرضه على المجتمع. انها الفرضيات الجديدة التي يتم التأسيس لها بعمق وبتشاركية وعبر استشارات حقيقية وليست مزيفة.
يمكن لنتائج الاستشارة الالكترونية أن تُسلّط الضوء على الطبيعة متعددة الأبعاد للفعل التربوي: البعد المعرفي ، لأنه يتعلق بالمعرفة التي سيتم بناؤها وعلاقة معينة بالمعرفة المراد غرسها النقاش مع ظهور الشبكات الاجتماعية ، و"صراعات الحقيقة في المدرسة" البعد العملي ، لأن المعرفة والعلاقة بالمعرفة مبنية في العمل بين "التلاميذ" و "المدرسين" (أو أي وسيط آخر ، والأشخاص الخارجيين دون نسيان العائلة) ، داخل هيكل بمستويات صنع القرار الخاصة به ، وفي بيئة مكونة من الموارد والضوابط القانونية ؛ ، اختيار المعرفة ، "ماذا تعلم المدرسة للجميع" ، العلاقة بالمعرفة ، الموقف العلائقي بين الفاعلين ، يحمل القيم ، هيكل القرار وتداوله من خلال المجلس الأعلى للتربية والفرص المتاحة.
والغرض الأساسي في النهاية هو تحسين جودة التعليم من خلال العمل التشاركي التعاوني مع الجهات الفاعلة في هذا المجال والذي هو بدوره،سيجعل من الممكن التحقق من نجاعة المعرفة العلمية المعينة في واحد أو أكثر من السياقات المحددة أو لإنتاج المعرفة العلمية من حيث المخططات الشاملة والنظامية لسياقات العمل المختلفة. وتتمثل الرؤية المستقبلية من بعث المجلس الأعلى للتربية في منح مزيد من الصلاحيات او التفويض للوحدات الإدارية داخل الوزارات بل وداخل المؤسسات التربوية والبحثية والتكوينية وهي الوحدات الأساسية في منظومة التعليم والتربية في تونس – تمكينها من تفويض أوسع نطاق يضمن التجديد والابتكار والتميز وسهولة التواصل وسرعة التنفيذ والاستجابة لمقتضيات الطوارئ.
هل يساهم المجلس الأعلى للتربية في بناء مدرسة الغد؟ تبرز من وراء هذه الأسئلة أهمية اتخاذ القرار والعمل في التعليم: من ناحية، العلاقة بين الآثار المتوقعة للقرار والآثار التي كان ينبغي توقعها؛ من ناحية أخرى، بين التأثيرات المرصودة فعلاً للإجراء والتأثيرات التي كان ينبغي ملاحظتها. وهذا يعني سؤال القيم: لا يمكن لصناع القرار والفاعلين في هذا المجال الهروب منها، لأن عدم (الرغبة) في طرح السؤال هو بالفعل اختيار ضمني للجمود.
لذلك فإن أهمية المجلس الأعلى للتربية ستكون مرتبطة قبل كل شيء بقدرته على بناء الخطوط العريضة للسياسات التربوية، والتي يخضع إثباتها للتحقق من قبل المختصين والخبراء ومن قبل أكاديميين لديهم مهمة مزدوجة أو حتى ثلاثية (التدريس، والبحث، وحتى مسؤوليات الإدارة)..
الاستشارة الالكترونية والتحيزات العلمية
الاستشارة الالكترونية التي أعلن رئيس الجمهورية عن تنظيمها حول إصلاح التربية والتعليم، ستمكن من تشخيص وتحديد أسباب أزمة التعليم والمنظومة التربوية واقتراح الحلول للخروج منها.
وهي حلول تجعل من الممكن مواجهة الواقع من خلال التسليح بشكل أفضل من الاعتماد على التحيزات (المعرفة العلمية هي موضوع عملية الاستشارة الالكترونية، حتى لو ظل هذا دائمًا غير متحيز مؤقتًا). وللمفارقة، فإن المشاركة الواسعة والمكثفة للمواطنين والمدرسين والخبراء تمكن من إنتاج نماذج تربوية جديدة تُوسع وعينا بما لا نعرفه ويدعونا للشك. توجد العوائق أولاً بين الفاعلين التربويين أنفسهم، عندما تظل محصورة في تخصصهم الأصلي، وبالتالي تساهم في تكوين فسيفساء من البحث والمعرفة المتقاربة حول موضوع مع ذلك معقد ويتطلب توضيحًا منهجيًا. والاستشارة عموما ستساهم في تجاوز عدة عراقيل وحواجز من ذلك متلازمة البرج العاجي، والتي تتجلى في مقاومة التغيير او الانخراط في نهج نفعي مفرط، أو من خلال ردود الفعل السلبية، مثل " ازمة التعليم لا تعنيني " وفي هذه الحالة يكتفي التربوي فقط بتنفيذ التعليمات والتطبيق الميكانيكي والجامد دون أدني اجتهاد.
يُنظر إلى المجلس الأعلى للتربية باعتباره المجال الحيوي «لإصلاح التعليم" والفضاء الملائم الذي يوثق الصلة بين الفاعل التربوي،وصانع القرار السياسي، ومن خلال تحالف هذه القوى من حيث التكامل، وليس التفوق أو الارتباك ولكن من خلال خلق الذكاء التعاوني، يمكن أن تتحسن جودة التعليم في تونس تدريجياً لمواجهة التحديات المجتمعية التي تواجهنا اليوم في مختلف المجالات.
وإذا كان الاجماع منعقدا حول حاجة التربية الى مجلس اعلى فانه ينتظر منه ان يضمن تحقيق ما هو موجود بالفعل في ميدان الخبرة والمعرفة والتعرف على الاتجاهات التي يقوم عليها واقع المدرسة التونسية في شموليتها والسير حثيثا نحو المستقبل أي استشراف مستقبل التربية في علاقته بمستقبل البناء المجتمعي ككل.