خارج مختبر أعماله المسرحية "الأرتيستو"، عرض غازي الزغباني أحدث انتاجاته "الفيرمة" ضمن فعاليات الدورة الرابعة لتظاهرة "الخروج إلى المسرح" ذات الشعار الرمزي "الخروج إلى الحياة" .. فكرة أمن بمعانيها وغاياتها غازي الزغباني والكثير من أبناء جيله ممّن تتلمذوا على ركح كبار مسرحي تونس .. "فالمسرح حياة" وعلى خشبته أدرك غازي الزغباني منذ بداية التجربة مشقة هذا الخيار ..
في هذا الراهن المتأزم يبحث الفنان عن مساحة للتعبير وتشكيل رؤيته للوطن وفي "الفيرمة" لم يتخل غازي الزغباني عن خياراته الفكرية والجمالية محافظا على هوية فضاء "الأرتيستو"، الصامد رغم صعوبات المشهد الثقافي وخاصة قطاع المسرح الخاص .. ينتج، يقترح ويفكر.
تلتقي تقنيات الركح، التي احترفها مخرج "الفيرمة" مع شغفه بالموسيقى وجماليات السينما لفنان أثرى تجربته البصرية في السنوات الأخيرة، خاض خلالها تجارب في عالم الفن السابع وطرح أولى أعماله الروائية الطويلة "الهربة" والتي سبق وقدمها للمسرح ..
هاجسه الوطن .. وفساد الساسة تيمة لا تغيب عن خيارات صاحب "الأرتيستو"، تحاكي نصوصه واقع محمل بالتناقضات الاجتماعية وتلوّن مشاهد مسرحياته أزمة ثقافية لا تقل أهمية عن تدهور الوضع الاقتصادي للتونسيين من وجهة نظره الفنية والفكرية ..
داخل "الفيرمة" تتصارع شخوص غازي الزغباني في خمس غرف (ديكور سليم الزغباني) تكبت أسرار البعض وأحلام البعض الآخر في معادلة الخير والشر، سلطة المجتمع، قيودها وأحلام أبنائها، الخوف من المواجهة ومعاني الحرية والأمل في مستقبل أكثر احتراما لقيمنا الإنسانية، في هذا العالم المصغر لتونس يتحكم "لمجد" رجل الأعمال الفاسد بمساعدة يده اليمنى في مصائر أفراد العائلة (أخ أصغر محب لموسيقى الجاز وعزف القيتار وزوجة في "مهب" نرجسيته وعقده الجنسية) ويزيح كل من يعترض طريقه وفي "الفيرمة" كانت ضحيته الناشطة الحقوقية "ميساء" ..
خمس شخوص شكلوا مشهدية بصرية تتصاعد أحداثها على امتداد ساعة وعشرين دقيقة، يحكم لوحاتها تفاعل الإيقاع والموسيقى الحية مع الإضاءة وأداء أبطال العمل محمد حسين قريّع، غازي الزغباني، إباء حملي، يسرى الطرابلسي وأسامة غلام.
منح محمد حسين قرّيع شخصية رجل الأعمال الفاسد "لمجد" والطامع في كرسي رئيس الدولة ألوان قاتمة لوظيفة الأخ الأكبر، الزوج والسياسي وأمتعنا بأدائه وتلونه على الركح من حالة نفسية وعاطفية إلى أخرى .. فأضحكنا حد الوجع، متعة لأدائه وألما على هذا الوطن الممزق بين أنياب أبنائه الفاسدين.
يتقن غازي الزغباني الفصل بين مساحات حضوره في مشاريعه الفنية فشغفه بالكتابة المسرحية وإخراج أعماله لا تؤثر على مهارته في إدارة ممثلي انتاجاته ولا أدائه لأحد الأدوار المجسدة في مسرحياته وفي "الفيرمة" حقق هذه المعادلة الصعبة عبر تقمصه لشخصية الأخ الأصغر "مجدي" في دلالة رمزية للفنان الحالم والمكسور الجناح يعيش في غيبوبة الفساد ويخشى المواجهة إلا أن يدفعه طغيان الظلم للحراك والثورة على واقعه .. شخصية تماهي حال المبدع في بلادنا.
تجربة الركح مغامرة جريئة للممثلة المجتهدة في خياراتها إباء حملي وفي هذا العمل المسرحي الجديد خلال مشوارها، الذي تطغى عليه الانتاجات الدرامية تتقمص إباء حملي شخصية "الزوجة" المهملة المنكسرة والخائفة من مواجهة سلطة الزوج والمجتمع وتغوص الممثلة الشابة أعمق عاكسة نضجا فنيا وبحثا عن المختلف من الأدوار والأعمال وبدورهما أجاد كل من يسرى الطرابلسي وأسامة غلام لعبة الركح بحرفية أبنائه المتمرسين.
"الفيرمة" لغازي الزغباني كتابة وإخراجا وموسيقى، عمل مسرحي يسائل الراهن، يتفاعل مع واقع مجتمعنا ويدعو رواد الفن الرابع للتفكير في طغيان الظلم، الفساد، مدى قدراتنا على مواجهة مخاوفنا مهما كانت عميقة ومفزعة .. هي تساؤلات طالما رافقت خيارات صاحب "الأرتيستو" الفنية، غازي الزغباني ومازالت هاجسا تدعوه للفعل الإبداعي في وطن سكنته الاوجاع ..
نجلاء قموع
تونس - الصباح
خارج مختبر أعماله المسرحية "الأرتيستو"، عرض غازي الزغباني أحدث انتاجاته "الفيرمة" ضمن فعاليات الدورة الرابعة لتظاهرة "الخروج إلى المسرح" ذات الشعار الرمزي "الخروج إلى الحياة" .. فكرة أمن بمعانيها وغاياتها غازي الزغباني والكثير من أبناء جيله ممّن تتلمذوا على ركح كبار مسرحي تونس .. "فالمسرح حياة" وعلى خشبته أدرك غازي الزغباني منذ بداية التجربة مشقة هذا الخيار ..
في هذا الراهن المتأزم يبحث الفنان عن مساحة للتعبير وتشكيل رؤيته للوطن وفي "الفيرمة" لم يتخل غازي الزغباني عن خياراته الفكرية والجمالية محافظا على هوية فضاء "الأرتيستو"، الصامد رغم صعوبات المشهد الثقافي وخاصة قطاع المسرح الخاص .. ينتج، يقترح ويفكر.
تلتقي تقنيات الركح، التي احترفها مخرج "الفيرمة" مع شغفه بالموسيقى وجماليات السينما لفنان أثرى تجربته البصرية في السنوات الأخيرة، خاض خلالها تجارب في عالم الفن السابع وطرح أولى أعماله الروائية الطويلة "الهربة" والتي سبق وقدمها للمسرح ..
هاجسه الوطن .. وفساد الساسة تيمة لا تغيب عن خيارات صاحب "الأرتيستو"، تحاكي نصوصه واقع محمل بالتناقضات الاجتماعية وتلوّن مشاهد مسرحياته أزمة ثقافية لا تقل أهمية عن تدهور الوضع الاقتصادي للتونسيين من وجهة نظره الفنية والفكرية ..
داخل "الفيرمة" تتصارع شخوص غازي الزغباني في خمس غرف (ديكور سليم الزغباني) تكبت أسرار البعض وأحلام البعض الآخر في معادلة الخير والشر، سلطة المجتمع، قيودها وأحلام أبنائها، الخوف من المواجهة ومعاني الحرية والأمل في مستقبل أكثر احتراما لقيمنا الإنسانية، في هذا العالم المصغر لتونس يتحكم "لمجد" رجل الأعمال الفاسد بمساعدة يده اليمنى في مصائر أفراد العائلة (أخ أصغر محب لموسيقى الجاز وعزف القيتار وزوجة في "مهب" نرجسيته وعقده الجنسية) ويزيح كل من يعترض طريقه وفي "الفيرمة" كانت ضحيته الناشطة الحقوقية "ميساء" ..
خمس شخوص شكلوا مشهدية بصرية تتصاعد أحداثها على امتداد ساعة وعشرين دقيقة، يحكم لوحاتها تفاعل الإيقاع والموسيقى الحية مع الإضاءة وأداء أبطال العمل محمد حسين قريّع، غازي الزغباني، إباء حملي، يسرى الطرابلسي وأسامة غلام.
منح محمد حسين قرّيع شخصية رجل الأعمال الفاسد "لمجد" والطامع في كرسي رئيس الدولة ألوان قاتمة لوظيفة الأخ الأكبر، الزوج والسياسي وأمتعنا بأدائه وتلونه على الركح من حالة نفسية وعاطفية إلى أخرى .. فأضحكنا حد الوجع، متعة لأدائه وألما على هذا الوطن الممزق بين أنياب أبنائه الفاسدين.
يتقن غازي الزغباني الفصل بين مساحات حضوره في مشاريعه الفنية فشغفه بالكتابة المسرحية وإخراج أعماله لا تؤثر على مهارته في إدارة ممثلي انتاجاته ولا أدائه لأحد الأدوار المجسدة في مسرحياته وفي "الفيرمة" حقق هذه المعادلة الصعبة عبر تقمصه لشخصية الأخ الأصغر "مجدي" في دلالة رمزية للفنان الحالم والمكسور الجناح يعيش في غيبوبة الفساد ويخشى المواجهة إلا أن يدفعه طغيان الظلم للحراك والثورة على واقعه .. شخصية تماهي حال المبدع في بلادنا.
تجربة الركح مغامرة جريئة للممثلة المجتهدة في خياراتها إباء حملي وفي هذا العمل المسرحي الجديد خلال مشوارها، الذي تطغى عليه الانتاجات الدرامية تتقمص إباء حملي شخصية "الزوجة" المهملة المنكسرة والخائفة من مواجهة سلطة الزوج والمجتمع وتغوص الممثلة الشابة أعمق عاكسة نضجا فنيا وبحثا عن المختلف من الأدوار والأعمال وبدورهما أجاد كل من يسرى الطرابلسي وأسامة غلام لعبة الركح بحرفية أبنائه المتمرسين.
"الفيرمة" لغازي الزغباني كتابة وإخراجا وموسيقى، عمل مسرحي يسائل الراهن، يتفاعل مع واقع مجتمعنا ويدعو رواد الفن الرابع للتفكير في طغيان الظلم، الفساد، مدى قدراتنا على مواجهة مخاوفنا مهما كانت عميقة ومفزعة .. هي تساؤلات طالما رافقت خيارات صاحب "الأرتيستو" الفنية، غازي الزغباني ومازالت هاجسا تدعوه للفعل الإبداعي في وطن سكنته الاوجاع ..