عشاءٌ في خاصرة الإليزيه أشعل موجة احتقانٍ جديدة ، بدل تهدئة الأوضاع الداخلية التي يعيشها الفرنسيون والمقيمون
بقلم: أحمد الجديدي
زيارة ملكية أداها الملك شارلز الثالث الأسبوع الفارط لفرنسا بعد توليه العرش البريطاني، كانت قد تأجلت منذ أشهر لما شاهدته فرنسا من اضطرابات واحتجاجات في الفترة الأخيرة منها الإحتجاجات حول قانون التقاعد وحالة الانفلات التي حصُلت عقب مقتل الشاب "نايل" حيث أعادت طرح قضية العنصرية من جديد وبشكل عنيف وحاد ضد الفرنسيين من أصول عربية وإفريقية.
زيارة مخملية لم تخلو من الرمزية والقصدية والتبجح الفخري ، كان كل شئ فيها مدروس حتى الخطوات والتوجهات والأماكن فإلتقت فيه الملكية بالجمهورية واستُحضرت أمجاد العهود المنقضية زمن كانت الملكية سيدة أوروبا. حلّ شارلز بأنفة الملك في جادة الشانزيليزيه وكانت مراسم الاستقبال ترتكز أساساً على تبيان عميق الروابط البريطانية الفرنسية من ناحية التاريخية الملكية صراعاً وتحالفاً ، دينياً ولائكياً ... زيارة الى قبر الجندي المجهول تحت قوس النصر الذي يختزل اختلاط دماء التحالف بينهما، ثم إلى قصر الإليزيه في طريق مغاير بعيداً عن ساحة الكونكورد التي تختزل نهاية الملكية الفرنسية-التي ربما لم تسقط بالتقادم- ثم عشاء على شرف الملك بقصر فرساي هناك حيث سبقته إليه والدته الملكة إليزابيث وقبلها الملكة فيكتوريا ،فكان عشاءً مخملياً برجوازياً استحضرت فيه كل أبعاد البرجوازية والنبولية, فأسال حبر الجرائد الفرنسية نقداً وتكلم التلفزيون عن العشاء الذي تكلف ملايين الأوروهات وعن قنانين نبيذ بوردو الفاخر والعتيق الذي وصلت قيمته 440 ألف أورو في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفرنسي من ارتفاع الأسعار وأزمة البنزين وترفيع سن التقاعد والتضخم وأزمة 75% من الطلبة الذي يعيشون على معونات الأكل وأزمة الهجرة .
الزيارة الملكية فجرت تناقض الممارسة "الديمقراطية " وكيفية التعامل الهووي لروح الجمهورية الفرنسية التي طوال ما تغنت باللائكية مع القضايا الحصرية ،فمنذ الثلاثة أسابيع منع وزير التعليم الفرنسي إرتداء العباءة بعد طرد تلميذة فرنسية من أصول مغربية من المعهد بسبب ارتداءها العباءة "العباية" تحت شعار التمسك بلائكية الدولة وروح الجمهورية الفرنسية ،لكن كما قلت أن الزيارة لم تخلو من الرمزية والقصدية فقد حضرت الملكة كاميليا زوجة الملك شارلز الثالث حفل العشاء في قصر فرساي وهي مرتدية عباءة طويلة زرقاء اللون ما أثار جدلاً واسعاً في الشارع الفرنسي ووسائل التواصل الاجتماعي حيث تساءل أغلبية المدونين والناشطون "ماهو الفرق بين عباءة الملكة البريطانية وبين العباءات المحضورة في المدارس الفرنسية؟" الأمر الذي جعل الأمين العام للأمم المتحدة يلقي كلمة في الجمعية العامة باللغة الفرنسية يتضامن فيها مع حرية الفتيات الفرنسيات في طريقة اختيار لباسهن ويشير لتناقضات الممارسة الديمقراطية التي قد تكون حسب الانتماء أو الجهة أو التوجه وهو تناقض ممارسة يضع مبادئ الجمهورية في ميزان مصداقية الجدل التكييفي للمفهوم الديمقراطي.
أسبوعٌ ساخن ،مكتظ بالأحداث والمستجدات والانتقادات على الساحة الفرنسية وكل القضايا وجدت سبيلها للطرح متزاحمةً متسابقة لنيل أولوية النقاش والتعريف تزامناً مع زيارة الملك والتي ربما بدل إيجاد حلول على المستوى الخارجي ومنها الموضوع الأوكراني قد فجرت فتيل النقد والاحتقان في الداخل وحتى الخارج الفرنسي حيث تلقى ماكرون خبراً غير سار من قبل محكمة العدل الأوروبية التي أصدرت حكماً قضائيا يوم الخميس 21 سبتمبر 2023 يقضي بعدم شرعية القرار الفرنسي الذي يسمح للسلطات باحتجاز المهاجرين الغير شرعيين أو ترحيلهم إلى بلد أوروبي مجاور وكانت الداخلية الفرنسية قد أصدرت قراراً سنة 2015 يتيح لها وضع المهاجرين الغير شرعيين في أماكن احتجازٍ أو ترحيلهم الى دول غريبة مجاورة أو نحو بلدانهم لكن حكم محكمة العدل الأوروبية كسر هذا القرار وفرض على باريس إلغاءه وهو ما جعل رئيس حزب الجمهوريين إريك سيوتي يعرب عن استيائه ويعتبره تقييداً للإجراءات الفرنسية ضد ترحيل وطرد المهاجرين غير الشرعيين.
عشاءٌ في خاصرة الإليزيه أشعل موجة احتقانٍ جديدة ،بدل تهدئة الأوضاع الداخلية التي يعيشها الفرنسيين والمقيمون،فكما عودتنا المدرسة الإنجليزية بهدوئها الدبلوماسي عهدنا المدرسة الفرنسية صدامية حربية أو بالأحرى فلنقل بونابرتية ،كل هذا يبقى في ترابط وثيق ومتين أولاً بالإستراتيجية التي يتوخها الاثنين تجاه العملية الدائرة في أوكرانيا و الثانية مدى مراجعة الطرح الديمقراطي الذي بقيٓ رهين استحضار أمجاد الماضي الملكي فكان عشاءً بشوكة ملكية عادت فيه روح الملك الشمس زمن خاصرة ممزقة لشعب يرزح تحت خط المطلبة.
*كاتب وناشط سياسي
عشاءٌ في خاصرة الإليزيه أشعل موجة احتقانٍ جديدة ، بدل تهدئة الأوضاع الداخلية التي يعيشها الفرنسيون والمقيمون
بقلم: أحمد الجديدي
زيارة ملكية أداها الملك شارلز الثالث الأسبوع الفارط لفرنسا بعد توليه العرش البريطاني، كانت قد تأجلت منذ أشهر لما شاهدته فرنسا من اضطرابات واحتجاجات في الفترة الأخيرة منها الإحتجاجات حول قانون التقاعد وحالة الانفلات التي حصُلت عقب مقتل الشاب "نايل" حيث أعادت طرح قضية العنصرية من جديد وبشكل عنيف وحاد ضد الفرنسيين من أصول عربية وإفريقية.
زيارة مخملية لم تخلو من الرمزية والقصدية والتبجح الفخري ، كان كل شئ فيها مدروس حتى الخطوات والتوجهات والأماكن فإلتقت فيه الملكية بالجمهورية واستُحضرت أمجاد العهود المنقضية زمن كانت الملكية سيدة أوروبا. حلّ شارلز بأنفة الملك في جادة الشانزيليزيه وكانت مراسم الاستقبال ترتكز أساساً على تبيان عميق الروابط البريطانية الفرنسية من ناحية التاريخية الملكية صراعاً وتحالفاً ، دينياً ولائكياً ... زيارة الى قبر الجندي المجهول تحت قوس النصر الذي يختزل اختلاط دماء التحالف بينهما، ثم إلى قصر الإليزيه في طريق مغاير بعيداً عن ساحة الكونكورد التي تختزل نهاية الملكية الفرنسية-التي ربما لم تسقط بالتقادم- ثم عشاء على شرف الملك بقصر فرساي هناك حيث سبقته إليه والدته الملكة إليزابيث وقبلها الملكة فيكتوريا ،فكان عشاءً مخملياً برجوازياً استحضرت فيه كل أبعاد البرجوازية والنبولية, فأسال حبر الجرائد الفرنسية نقداً وتكلم التلفزيون عن العشاء الذي تكلف ملايين الأوروهات وعن قنانين نبيذ بوردو الفاخر والعتيق الذي وصلت قيمته 440 ألف أورو في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفرنسي من ارتفاع الأسعار وأزمة البنزين وترفيع سن التقاعد والتضخم وأزمة 75% من الطلبة الذي يعيشون على معونات الأكل وأزمة الهجرة .
الزيارة الملكية فجرت تناقض الممارسة "الديمقراطية " وكيفية التعامل الهووي لروح الجمهورية الفرنسية التي طوال ما تغنت باللائكية مع القضايا الحصرية ،فمنذ الثلاثة أسابيع منع وزير التعليم الفرنسي إرتداء العباءة بعد طرد تلميذة فرنسية من أصول مغربية من المعهد بسبب ارتداءها العباءة "العباية" تحت شعار التمسك بلائكية الدولة وروح الجمهورية الفرنسية ،لكن كما قلت أن الزيارة لم تخلو من الرمزية والقصدية فقد حضرت الملكة كاميليا زوجة الملك شارلز الثالث حفل العشاء في قصر فرساي وهي مرتدية عباءة طويلة زرقاء اللون ما أثار جدلاً واسعاً في الشارع الفرنسي ووسائل التواصل الاجتماعي حيث تساءل أغلبية المدونين والناشطون "ماهو الفرق بين عباءة الملكة البريطانية وبين العباءات المحضورة في المدارس الفرنسية؟" الأمر الذي جعل الأمين العام للأمم المتحدة يلقي كلمة في الجمعية العامة باللغة الفرنسية يتضامن فيها مع حرية الفتيات الفرنسيات في طريقة اختيار لباسهن ويشير لتناقضات الممارسة الديمقراطية التي قد تكون حسب الانتماء أو الجهة أو التوجه وهو تناقض ممارسة يضع مبادئ الجمهورية في ميزان مصداقية الجدل التكييفي للمفهوم الديمقراطي.
أسبوعٌ ساخن ،مكتظ بالأحداث والمستجدات والانتقادات على الساحة الفرنسية وكل القضايا وجدت سبيلها للطرح متزاحمةً متسابقة لنيل أولوية النقاش والتعريف تزامناً مع زيارة الملك والتي ربما بدل إيجاد حلول على المستوى الخارجي ومنها الموضوع الأوكراني قد فجرت فتيل النقد والاحتقان في الداخل وحتى الخارج الفرنسي حيث تلقى ماكرون خبراً غير سار من قبل محكمة العدل الأوروبية التي أصدرت حكماً قضائيا يوم الخميس 21 سبتمبر 2023 يقضي بعدم شرعية القرار الفرنسي الذي يسمح للسلطات باحتجاز المهاجرين الغير شرعيين أو ترحيلهم إلى بلد أوروبي مجاور وكانت الداخلية الفرنسية قد أصدرت قراراً سنة 2015 يتيح لها وضع المهاجرين الغير شرعيين في أماكن احتجازٍ أو ترحيلهم الى دول غريبة مجاورة أو نحو بلدانهم لكن حكم محكمة العدل الأوروبية كسر هذا القرار وفرض على باريس إلغاءه وهو ما جعل رئيس حزب الجمهوريين إريك سيوتي يعرب عن استيائه ويعتبره تقييداً للإجراءات الفرنسية ضد ترحيل وطرد المهاجرين غير الشرعيين.
عشاءٌ في خاصرة الإليزيه أشعل موجة احتقانٍ جديدة ،بدل تهدئة الأوضاع الداخلية التي يعيشها الفرنسيين والمقيمون،فكما عودتنا المدرسة الإنجليزية بهدوئها الدبلوماسي عهدنا المدرسة الفرنسية صدامية حربية أو بالأحرى فلنقل بونابرتية ،كل هذا يبقى في ترابط وثيق ومتين أولاً بالإستراتيجية التي يتوخها الاثنين تجاه العملية الدائرة في أوكرانيا و الثانية مدى مراجعة الطرح الديمقراطي الذي بقيٓ رهين استحضار أمجاد الماضي الملكي فكان عشاءً بشوكة ملكية عادت فيه روح الملك الشمس زمن خاصرة ممزقة لشعب يرزح تحت خط المطلبة.