إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ضفتي الحياة السياسية: وهن.. فشل في جمع التناقضات وأزمة دون أفق

 

-أمام ضعف أداء السلطة وتراجع امتداد المعارضة يظل التونسي تحت رحمة التقاء الطرفين على طاولة الحوار

تونس-الصباح

نجح رئيس الجمهورية قيس سعيد في تقليص هامش المناورة أمام المعارضة بكامل تشكيلاتها من يمينها الى يسارها بعد أن فرض سلطته على الجميع وإقرار توجهاته بداية من الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 والمؤرخ في 22 سبتمبر 2021 والمتعلق بتدابير استثنائية مرورا بخطابه ليوم 13 ديسمبر من نفس السنة وكشفه عن خريطة الطريق ذات الاتجاه الواحد وصولا الى الانتخابات المحلية المقررة ليوم 24 ديمسبر القادم.

ولئن سبق سعيد خصومه في افتكاك بعض المربعات فإنه اصطدم واقعيا بجملة من الأرقام والمعطيات التي سلطت الضوء عن ضعف الأداء السياسي والاجتماعي لرئيس الدولة بعد أن كشفت منظمة "أنا يقظ" في آخر تقرير لها عن مدى التزام الرئيس بتنفيذ الوعود التي التزم بها منذ 25 جويلية 2021.

وأحصت المنظمة 49 وعدا أطلقه سعيد يتعلق بالمجال السياسي والتشريعي واستقلال القضاء وضمان الحقوق والحريات والصحة والتعليم وتعزيز القدرة الشرائية للتونسيين نجح من خلالها الرئيس في تنفيذ 5 فقط.

أما في مجال القضاء ومجال المرأة والشباب وتوفير المواد الأساسية، فإن الحصيلة تعتبر سلبية، ذلك أن 100 في المائة من الوعود لم تتحقّق أو قام سعيد بعكسها تماما حسب آخر تقرير للمنظمة.

وختمت "أنا يقظ" تقريرها قائلة: "رغم إقرار رئيس الجمهورية تدابير استثنائية وجمعه للسلطات وإرساء المشروع الخاصّ وتطويعه لجميع الهياكل العمومية وتعيينه بصفة مباشرة لأعضاء الحكومة وتدخّله في تعيين أصحاب القرار في مختلف الهيئات والإدارات، إلّا أنّه فشل في تحقيق الوعود التي أطلقها طيلة سنتين كاملتين”.

واعتبر خصوم السلطة أن هذا الأداء وجد منذ بدايته مقاومة سياسية وتحركات متواصلة للمعارضة وهو ما دفع بالرئيس وسلطاته للالتجاء الى القضاء بغاية التأثير عن تحرك القادة السياسيين للحيلولة وتوسيع دوائر التأثير على الشارع بشقيه الاجتماعي والشعبي.

هكذا رأي كشفته اللقاءات والنقاط الإعلامية لهيئات الدفاع عن المساجين في ما بات يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة حيث طالبت هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين بالإفراج عن "السجناء السياسيين" و"رفع الضغط" عن القضاء، وذلك خلال تحرك أول أمس الخميس من أمام محكمة تونس بحضور أعضاء من الهيئة وعائلات معتقلين وشخصيات وطنية وحقوقية.

ويتقاطع موقف هيئة الدفاع مع بيان جمعية القضاة التونسيين الصادر بمناسبة الحركة القضائية لسبتمبر الجاري حيث أكدت على أن "الحركة القضائية السنوية" للقضاة العدليين، بموجب الأمر الرئاسي الصادر يوم 29اوت الماضي "كارثية وتمثل خطوة إضافية لمزيد من السيطرة على القضاة، وتكريس تدخل السلطة في الشأن القضائي".

وقال رئيس جمعية القضاة التونسيين، أنس الحمايدي، في تصريح إعلامي على هامش ندوة صحفية للجمعية إن "الحركة القضائية الأخيرة بعيدة كل البعد عن الشعار الذي تم رفعه لتطهير القضاء، وأنه لا يمكن تطهير البلاد إلا بتطهير القضاء، ولكن هذه الحركة كارثية"، مؤكدا أنها "مكافأة للموالين للسلطة التنفيذية".

وأضاف أن “أجهزة القضاء تعمل اليوم تحت الضغط وأن السلطة التنفيذية تضع يدها بالكامل على النيابة العمومية، وكذلك على القضاء الجالس".

وإذ أقرت الجمعية باستعمال القضاء لضرب الخصوم السياسيين ومعاقبة كل مخالفي أوامر السلطة التنفيذية باستعمال عصا الحركة القضائية .

فقد اختلف موقف نقابة القضاة في هذا السياق بعد أن ثمّن رئيس نقابة القضاة التونسيين، أيمن شطيبة الحركة واصفا إياها "بالحركة تاريخيّة، بالنظر إلى عدد القضاة المشمولين بها، حيث أنّها شملت أكثر من ألف قاض من مختلف الرتب والأصناف، فضلا عن أنّها تتعلّق بعدّة خطط ومسؤوليات قضائيّة''، وفق قول أيمن شطيبة الذي أشار إلى أنّ عديد المسؤوليات القضائية في عدّة محاكم، بقيت شاغرة طيلة سنتيْن، وبموجب هذه الحركة، تمّ سدّ الشغورات المسجّلة."

إحراج السلطة

ولئن أقر أنصار سعيد من أحزاب بنجاح الرئيس في إدارته للوضع السياسي فان هذا الرأي يجد ما يقوضه بعد أن نجحت هيئات الدفاع وعدد من الناشطين السياسيين والحقوقيين في إحراج السلطة أمام الرأي العام في الداخل والخارج وجرها الى منازلة خارجية.

ومن الواضح أن تفعيل الدور الدولي لنجدة الموقوفين لم يربك السلطة في تونس حيث ترى فيه ملفا قضائيا داخليا وهو ما دفع بوزير الخارجية نبيل عمار لتبني خيار الدفاع عن سلامة الإجراءات المتخذة قانونيا في حق من يصفهم الرئيس ومجموعاته السياسية "بالمتآمرين" كما كان الرئيس سعيد واضحا إزاء هذا الملف أين أعرب عن رفضه المطلق لأي تدخل أجنبي في هكذا مواضيع أو غيرها من المواضيع الأخرى.

السلطة والمعارضة.. عناوين أزمة

وعمليا لم يكن الأداء السياسي للرئيس وحده عنوان الأزمة في دوائر الحكم إذ تضاف إليه عوامل أخرى حيث الاقتصاد وما انجر عنه من تراخ في جلب الاستثمار وتحسن مناخاته وما شهده الدينار التوتسي من تراجع وضعف.

كما يشكل الوضع الاجتماعي واحدا من الأسباب المزعجة للسلطة بعد أن سجلت الحياة المعيشية للتونسيين ارتفاعا رهيبا للأسعار ونقصا فادحا في الكثير من المواد الغذائية.

وبالرغم من هذا الوهن المسجل عند السلطة لم تنجح المعارضة في ملء الفراغات بل على عكس من ذلك تراجع أدائها وتأثيرها بعد انقسامات حادة داخل صفوفها.

ولا تزال بعض الأطراف السياسية تصر على العزف منفردة في اعتقاد منها أنها قادرة على ذلك غير أنها لم تنتج سوى نشازا سياسيا فشلت المعارضات على تجاوزه.

وأضرت أحزاب المعارضة بوضعها العام حيث لم تنجح في توحيد الصف وحافظت بنجاح على تشتتها، تشتت أظهره أيضا سياسة المكيالين في الدفاع عن الموقوفين في قضايا التآمر حيث التمييز بين موقوفي النهضة والبقية اذ لم تعر أحزاب ولم تتبن مبدأ التضامن السياسي مع ما تعرض له صحيا الموقوف محمد بن سالم والموقوف احمد العماري وراشد الخياري.

وبعيدا عن وضع الموقوفين، مازالت التوابع الإيديولوجية تتحكم في التنافر الواضح بين المعارضة التونسية التي تعمل على إقصاء بعضها البعض رغم ما تدعيه من ديمقراطية.

وأمام ضعف أداء السلطة، وتراجع امتداد المعارضة وعجزهما مجتمعين على الخروج من الأزمة يظل التونسي تحت رحمة التقاء الطرفين على طاولة الحوار وانخفاض مستوى التوتر بين الجهتين.

ويبقى السؤال الأبرز من سيجمع المتناقضات على نفس الطاولة؟ وماهي تكاليف تأخير التهدئة السياسية في تونس؟

خليل الحناشي

 

 

 

 

في ضفتي الحياة السياسية:   وهن.. فشل في جمع التناقضات وأزمة دون أفق

 

-أمام ضعف أداء السلطة وتراجع امتداد المعارضة يظل التونسي تحت رحمة التقاء الطرفين على طاولة الحوار

تونس-الصباح

نجح رئيس الجمهورية قيس سعيد في تقليص هامش المناورة أمام المعارضة بكامل تشكيلاتها من يمينها الى يسارها بعد أن فرض سلطته على الجميع وإقرار توجهاته بداية من الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 والمؤرخ في 22 سبتمبر 2021 والمتعلق بتدابير استثنائية مرورا بخطابه ليوم 13 ديسمبر من نفس السنة وكشفه عن خريطة الطريق ذات الاتجاه الواحد وصولا الى الانتخابات المحلية المقررة ليوم 24 ديمسبر القادم.

ولئن سبق سعيد خصومه في افتكاك بعض المربعات فإنه اصطدم واقعيا بجملة من الأرقام والمعطيات التي سلطت الضوء عن ضعف الأداء السياسي والاجتماعي لرئيس الدولة بعد أن كشفت منظمة "أنا يقظ" في آخر تقرير لها عن مدى التزام الرئيس بتنفيذ الوعود التي التزم بها منذ 25 جويلية 2021.

وأحصت المنظمة 49 وعدا أطلقه سعيد يتعلق بالمجال السياسي والتشريعي واستقلال القضاء وضمان الحقوق والحريات والصحة والتعليم وتعزيز القدرة الشرائية للتونسيين نجح من خلالها الرئيس في تنفيذ 5 فقط.

أما في مجال القضاء ومجال المرأة والشباب وتوفير المواد الأساسية، فإن الحصيلة تعتبر سلبية، ذلك أن 100 في المائة من الوعود لم تتحقّق أو قام سعيد بعكسها تماما حسب آخر تقرير للمنظمة.

وختمت "أنا يقظ" تقريرها قائلة: "رغم إقرار رئيس الجمهورية تدابير استثنائية وجمعه للسلطات وإرساء المشروع الخاصّ وتطويعه لجميع الهياكل العمومية وتعيينه بصفة مباشرة لأعضاء الحكومة وتدخّله في تعيين أصحاب القرار في مختلف الهيئات والإدارات، إلّا أنّه فشل في تحقيق الوعود التي أطلقها طيلة سنتين كاملتين”.

واعتبر خصوم السلطة أن هذا الأداء وجد منذ بدايته مقاومة سياسية وتحركات متواصلة للمعارضة وهو ما دفع بالرئيس وسلطاته للالتجاء الى القضاء بغاية التأثير عن تحرك القادة السياسيين للحيلولة وتوسيع دوائر التأثير على الشارع بشقيه الاجتماعي والشعبي.

هكذا رأي كشفته اللقاءات والنقاط الإعلامية لهيئات الدفاع عن المساجين في ما بات يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة حيث طالبت هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين بالإفراج عن "السجناء السياسيين" و"رفع الضغط" عن القضاء، وذلك خلال تحرك أول أمس الخميس من أمام محكمة تونس بحضور أعضاء من الهيئة وعائلات معتقلين وشخصيات وطنية وحقوقية.

ويتقاطع موقف هيئة الدفاع مع بيان جمعية القضاة التونسيين الصادر بمناسبة الحركة القضائية لسبتمبر الجاري حيث أكدت على أن "الحركة القضائية السنوية" للقضاة العدليين، بموجب الأمر الرئاسي الصادر يوم 29اوت الماضي "كارثية وتمثل خطوة إضافية لمزيد من السيطرة على القضاة، وتكريس تدخل السلطة في الشأن القضائي".

وقال رئيس جمعية القضاة التونسيين، أنس الحمايدي، في تصريح إعلامي على هامش ندوة صحفية للجمعية إن "الحركة القضائية الأخيرة بعيدة كل البعد عن الشعار الذي تم رفعه لتطهير القضاء، وأنه لا يمكن تطهير البلاد إلا بتطهير القضاء، ولكن هذه الحركة كارثية"، مؤكدا أنها "مكافأة للموالين للسلطة التنفيذية".

وأضاف أن “أجهزة القضاء تعمل اليوم تحت الضغط وأن السلطة التنفيذية تضع يدها بالكامل على النيابة العمومية، وكذلك على القضاء الجالس".

وإذ أقرت الجمعية باستعمال القضاء لضرب الخصوم السياسيين ومعاقبة كل مخالفي أوامر السلطة التنفيذية باستعمال عصا الحركة القضائية .

فقد اختلف موقف نقابة القضاة في هذا السياق بعد أن ثمّن رئيس نقابة القضاة التونسيين، أيمن شطيبة الحركة واصفا إياها "بالحركة تاريخيّة، بالنظر إلى عدد القضاة المشمولين بها، حيث أنّها شملت أكثر من ألف قاض من مختلف الرتب والأصناف، فضلا عن أنّها تتعلّق بعدّة خطط ومسؤوليات قضائيّة''، وفق قول أيمن شطيبة الذي أشار إلى أنّ عديد المسؤوليات القضائية في عدّة محاكم، بقيت شاغرة طيلة سنتيْن، وبموجب هذه الحركة، تمّ سدّ الشغورات المسجّلة."

إحراج السلطة

ولئن أقر أنصار سعيد من أحزاب بنجاح الرئيس في إدارته للوضع السياسي فان هذا الرأي يجد ما يقوضه بعد أن نجحت هيئات الدفاع وعدد من الناشطين السياسيين والحقوقيين في إحراج السلطة أمام الرأي العام في الداخل والخارج وجرها الى منازلة خارجية.

ومن الواضح أن تفعيل الدور الدولي لنجدة الموقوفين لم يربك السلطة في تونس حيث ترى فيه ملفا قضائيا داخليا وهو ما دفع بوزير الخارجية نبيل عمار لتبني خيار الدفاع عن سلامة الإجراءات المتخذة قانونيا في حق من يصفهم الرئيس ومجموعاته السياسية "بالمتآمرين" كما كان الرئيس سعيد واضحا إزاء هذا الملف أين أعرب عن رفضه المطلق لأي تدخل أجنبي في هكذا مواضيع أو غيرها من المواضيع الأخرى.

السلطة والمعارضة.. عناوين أزمة

وعمليا لم يكن الأداء السياسي للرئيس وحده عنوان الأزمة في دوائر الحكم إذ تضاف إليه عوامل أخرى حيث الاقتصاد وما انجر عنه من تراخ في جلب الاستثمار وتحسن مناخاته وما شهده الدينار التوتسي من تراجع وضعف.

كما يشكل الوضع الاجتماعي واحدا من الأسباب المزعجة للسلطة بعد أن سجلت الحياة المعيشية للتونسيين ارتفاعا رهيبا للأسعار ونقصا فادحا في الكثير من المواد الغذائية.

وبالرغم من هذا الوهن المسجل عند السلطة لم تنجح المعارضة في ملء الفراغات بل على عكس من ذلك تراجع أدائها وتأثيرها بعد انقسامات حادة داخل صفوفها.

ولا تزال بعض الأطراف السياسية تصر على العزف منفردة في اعتقاد منها أنها قادرة على ذلك غير أنها لم تنتج سوى نشازا سياسيا فشلت المعارضات على تجاوزه.

وأضرت أحزاب المعارضة بوضعها العام حيث لم تنجح في توحيد الصف وحافظت بنجاح على تشتتها، تشتت أظهره أيضا سياسة المكيالين في الدفاع عن الموقوفين في قضايا التآمر حيث التمييز بين موقوفي النهضة والبقية اذ لم تعر أحزاب ولم تتبن مبدأ التضامن السياسي مع ما تعرض له صحيا الموقوف محمد بن سالم والموقوف احمد العماري وراشد الخياري.

وبعيدا عن وضع الموقوفين، مازالت التوابع الإيديولوجية تتحكم في التنافر الواضح بين المعارضة التونسية التي تعمل على إقصاء بعضها البعض رغم ما تدعيه من ديمقراطية.

وأمام ضعف أداء السلطة، وتراجع امتداد المعارضة وعجزهما مجتمعين على الخروج من الأزمة يظل التونسي تحت رحمة التقاء الطرفين على طاولة الحوار وانخفاض مستوى التوتر بين الجهتين.

ويبقى السؤال الأبرز من سيجمع المتناقضات على نفس الطاولة؟ وماهي تكاليف تأخير التهدئة السياسية في تونس؟

خليل الحناشي