إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عين على الحدث: مناورة.. اختبار.. أم ميلاد شرق أوسط جديد.. هل باتت المملكة قريبة من التطبيع مع إسرائيل؟

 

لم يحدث أن أثارت تصريحات مسؤول خليجي ما أثارته تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حول التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي

تونس الصباح

 لم يحدث أن أثارت تصريحات مسؤول خليجي ما أثارته تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي بدأ يظهر في المشهد قبل سبع سنوات بشأن موقفه من التطبيع الذي أثار ولا يزال يثير الجدل ويسيل الحبر ويؤثث حلقات النقاش في مختلف المنابر الإعلامية دوليا وعربيا ويفرز ردود أفعال متباينة بين التشكيك في توجهات المملكة وبين الرفض والتحسر على الفرص الضائعة في عالم عربي مشتت الأهداف والجهود، ولعل ما يمكن الإشارة إليه على وقع الحوار الذي استمر نحو الساعة وتعرض لملفات ساخنة في الجزيرة العربية ما يتعلق بشكل الحوار وطريقة إخراجه قبل التوقف عند الحوار الذي انفردت به شبكة "فوكس نيوز" مع الأمير السعودي الحاكم الفعلي للمملكة والذي يعد نجاحا اتصاليا، بعد أن تداولته مختلف وسائل الإعلام وسوقت لشخصه في صورة المسؤول غير النمطي في إتقانه للتواصل بخطاب انجليزي بارع، والمتحفز أيضا للتغيير داخل المملكة اقتصاديا وثقافيا والترويج للتطور الاقتصادي المسجل في هذا البلد النفطي الثري بثرواته الطبيعية ولكن أيضا بموقعه ومكانته الدينية التي تمن عليه سنويا بالمعتمرين والحجاج وهذا طبعا على مستوى الشكل وهو ما يحسب للأمير الشاب صاحب الطموحات العالية والذي بات يتمتع بشعبية في المملكة .

ولكن ما يثير الانتباه وهنا الأمر يتعلق بما تضمنه الحوار على قناة "فوكس نيوز" من إثارة لا سيما في علاقة بنقطتين أساسيتين، أما الأولى فتتعلق بنفي الأمير بوضوح توقف مسار التطبيع على عكس ما كشفته قبل أيام مصادر عن مسؤول في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ناتنياهو عندما عبر عن أسفه لتوقف المحادثات، والثانية في علاقة بالمشروع النووي الإيراني إلى جانب ما أشار إليه الأمير محمد بن سلمان من ملفات أخرى تتعلق بإنهاء الحرب في اليمن ...

وللوهلة الأولى يبدو وكأن الأمر يتعلق على الأرجح بخطاب سياسي موجه للغرب بأن المملكة يمكنها لعب دور مهم في مسار السلام المحنط في الشرق الأوسط، وأنها يمكن أن تقبل بالتطبيع في حالات معينة، وحتى الآن فان الأمر لا يتجاوز حدود التصريحات وإطلاق بالونات اختبار ورسائل الطمأنة ربما في انتظار أن تحقق الرياض مطالبها بشأن البرنامج النووي الذي تسعى إليه كخطوة على البرنامج الإيراني ولكن أيضا كشريك ضمن الحلف الأطلسي لإزالة مخاوف المملكة الأمنية... لا نريد الانسياق إلى الأوهام ولكن لا شيء يمكن أن يدفع المملكة إلى رهان التطبيع المجاني دون الحصول على ضمانات أو تنازلات أو اتفاقات تضمن على الأقل الحد الأدنى للشعب الفلسطيني خاصة وأن المملكة لم تتخلف عن تجديد التزامها في هذا الشأن، والأرجح أن ولي العهد الذي اظهر نضجا سياسيا في التعاطي مع الأحداث الكبرى وتحقيق ما يهدف إليه من طموحات لا يمكن أن يسقط من حسابه تداعيات الانسياق إلى تطبيع مع الكيان الإسرائيلي على أساس صك على بياض فلا المنطق ولا العاطفة تقبل ذلك ولا شيء يمكن أن يضع المملكة رهن الابتزاز على الأقل في هذا المرحلة ..

-ولي العهد ومؤسسة توني بلير

مؤشرات كثيرة تؤكد أن ولي العهد السعودي اليوم ليس ولي العهد الذي بدأ يظهر في الساحة السياسية قبل سبع سنوات، تقول صحيفة التايمز البريطانية ولي العهد السعودي اعتمد على مؤسسة رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، التي تقدم له المشورة والنصح خاصة في رسم الأهداف المستقبلية وفي التعاطي مع الأحداث الكبرى وحتى في تنظيم المهرجانات الثقافية والفنية وغيرها التي تحتضنها المملكة والتي باتت تسوق للوجه الجديد للسعودية المنفتح بعيدا عن قبضة الوهابية ومخاطر التطرف الذي انجرفت إليه طوال عقود... وحسب الصحيفة فان الشراكة مع مؤسسة توني بلير للتغيير العالمي بدأت أواخر 2017، ضمن اتفاقية لم يُكشف عنها النقاب مسبقا، باعتماد موظفين للعمل في وزارة الإعلام والثقافة السعودية للمساعدة في صياغة رؤية المملكة 2030، التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على مدى السنوات الست الماضية..

- مناورة أم توجه نحو التطبيع ؟

من خلال حواره مع فوكس نيوز حافظ الأمير بن سلمان على الغموض بشأن تصريحاته حول محادثات السلام بما يجعل كل التأويلات قائمة بقوله أن المملكة "تقترب بشكل مطرد من تطبيع العلاقات مع إسرائيل"، قبل أن يوضح بأن "القضية الفلسطينية مهمة للغاية، نحن بحاجة إلى حلها ولدينا مفاوضات جيدة مستمرة حتى الآن، وسنرى إلى أين سنتوصل في هذه المفاوضات".

وهو ما يجعل مسار التطبيع مرتبط بما سيحدث لاحقا "بما يمكن أن يعزز القناعة بان تصريحات الأمير السعودي تتنزل في إطار اختبار مهم للنوايا قد لا تتضح نتائجه في الحين وهي ربما تتنزل في إطار حسابات سياسية ولعبة مصالح تفترض الكثير من المكر السياسي والدهاء لفرض شروط المملكة قبل الانسياق إلى أي اتفاق، وربما تكون هذه التصريحات أيضا في إطار تقاسم للأدوار خاصة بعد أن سبق لوزير الخارجية السعودي أن صرح بأنه لا مجال للتطبيع دون حل للقضية الفلسطينية.. ولا نخال المملكة تتعجل اتفاقا مع الكيان الإسرائيلي لا يلبي شروطها ومطالبها في هذه الملفات ...

و من هذا المنطلق يمكن تفسير تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي كوهين الذي عجل بالتعليق على تصريحات ولي العهد السعودي مؤكدا بدوره أن "التطبيع سيستغرق وقتا لكن هناك تقدم حاصل"، قبل أن يضيف بأنه يتوقع أن يحصل التطبيع بين الرياض و تل أبيب خلال الربع الأول من عام 2024، بعد أربعة أو خمسة أشهر من الآن... وهو تفاؤل مبالغ فيه وربما وجد فيه الوزير الإسرائيلي ما يخفف وطأ صفعة الشارع الليبي بعد تسريب لقاءه بوزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في روما وما أثارته من غضب شعبي انتهى باختفاء الوزيرة وخروج الصراع داخل حكومة ناتنياهو إلى العلن بعد كشف ناتنياهو معارضته عن كشف لقاء روما... وبالعودة إلى حوار الأمير السعودي مع قناة "فوكس نيوز" فان الأرجح أن الآمر لن يتجاوز حدود التصريحات و تبادل رسائل الطمأنة ربما في انتظار أن تحقق الرياض مطالبها بشأن البرنامج النووي الذي تسعى إليه كخطوة على البرنامج الإيراني و لكن أيضا كشريك ضمن الحلف الأطلسي لإزالة مخاوف المملكة الأمنية ...

"نقترب كل يوم أكثر فأكثر"، من تطبيع العلاقات مع إسرائيل هذا ما قاله بن سلمان قبل أن يستدرك "بالنسبة لنا، القضية الفلسطينية مهمة للغاية علينا حلها". و ربما ما يثير التساؤلات هنا أن ولي العهد السعودي لم يشر إلى اتفاقية الأمير عبد الله التي أطلقها في بيروت سنة 2000 تحت شعار الأرض مقابل السلام، ولكنه أشار إلى أن المملكة معنية بتحسين حياة الفلسطينيين وهذه مسألة مهمة وهدف فلسطيني أيضا على ألا يكون ذلك تحت الاحتلال، ولكن في ظل دولة فلسطينية قابلة للحياة..

قيادي فلسطيني وسفير سابق في نقاش حول التطبيع المرتقب بين السعودية وإسرائيل اعتبر أن الأمر لا يخل من مكر سياسي لولي العهد السعودي الذي برهن عن قدرة فائقة في المناورة وتسليط الأضواء على مكانة المملكة وثقلها الاقتصادي والأمني والديبلوماسي خليجيا وعربيا وحتى دوليا بعد التطبيع مع إيران وبعد دخول المملكة في شراكات اقتصادية ضمن "البريكس" ومجموعة الـ20 فضلا عن التقارب المهم مع الصين وروسيا والهند.. طبعا كل القراءات والتأويلات قائمة في انتظار أن تتضح الرؤية، وليس كل ما يدور خلف الكواليس يعلن وليس كل ما يعرف يقال.. حتى هذه المرحلة يبقى الغموض قائما وتبقى كل السيناريوهات محتملة ولا يمكن الجزم بان التطبيع بين السعودية وإسرائيل آن أوانه وإلا ما الذي كان يمنع المملكة من الانضمام إلى اتفاقية ابراهام غالى جانب الإمارات والبحرين والمغرب.. نقطة أخرى وجب التوقف عندها تتعلق بتوقيت هذه التصريحات التي تنشر بالتزامن مع أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة والدعوات المتواترة فلسطينيا وعربيا لإحياء عملية السلام، كما تأتي أيضا مع حلول الذكرى الثلاثين لاتفاقات اوسلو التي التفت عليها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وجعلتها منطلقا لمواصلة سياسة الاغتيالات والاقتحامات والتهويد وتوسيع الاستيطان على كل جزء من ارض فلسطين المحتلة بحيث يستحيل الربط بين كل المناطق أو إقامة الدولة الفلسطينية مستقبلا ...

لا خلاف أن أعين ولي العهد أيضا على الجار اللدود إيران وتأكيده أن احتمال حصول إيران على السلاح النووي يجعل المملكة مضطرة لأن تفعل الأمر نفسه.

حيث قال: "نحن قلقون من احتمال حصول دولة ما على سلاح نووي. هذا أمر سيئ"...لم يتأخر الموقف الإيراني إزاء التصريحات بشان التطبيع وقد حاول الرئيس الإيراني رئيسي عان يكون هادئا عندما سئل عن رأيه وهو في نيويورك لحضور أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث اعتبر أن علاقة بلاده مع السعودية تتطور وأنه لم يعلم بأي شيء من هذا القبيل قبل أن يضيف بالقول: "إن علاقة بين دول في المنطقة والكيان الصهيوني ستكون طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية".

 في غضون ذلك أعلنت واشنطن إقرار حزمة مبيعات عسكرية محتملة للسعودية بقيمة 500 مليون دولار، وقالت وكالة الأمن والتعاون الدفاعي الأمريكية التابعة للبنتاغون في بيان، إن هذه الصفقة المقترحة ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة وهو ما يعني أن العلاقات مع واشنطن في أفضل حالاتها وهذا أيضا ما يريده بايدن قبل خوض المعركة الانتخابية القادمة في 2024 والتي يأمل أن يكون متسلحا للفوز بها باتفاق التطبيع السعودي الإسرائيلي... وفي انتظار أن تتضح الرؤية يبقى الأكيد اليوم أن منطقة الشرق الأوسط ستكون مقبلة على تحولات خطيرة ومعقدة و أنه ربما هناك فرصة يمكن للسعودية الاستثمار فيها وتعزيز موقعها في المنطقة وفي العالم بفرض شروطها القوية والمشروعة قبل القبول بأي مشروع مجاني للتطبيع والانتصار لمبادرة الأمير عبد الله ومنع حصول الاهانة الأبدية للقضية الفلسطينية وتمريغ أنف الجميع في الوحل والأكيد أن المملكة ليست في حاجة لهذا الاتفاق بل إن الكيان الإسرائيلي من يحتاجه وهو اتفاق إن رأى النور سيعني بكل بساطة التخلي عن الشعب الفلسطيني والتنكر لنضالات أجيال وسيمكن الاحتلال من اكتساب شرعية مزيفة في المنطقة على جثث جيوش من الضحايا والشهداء الفلسطينيين على مر عقود طويل من الظلم بتوقيع المجتمع الدولي ...

أخيرا وليس آخرا ندرك جيدا أن قائمة رافضي التطبيع تتقلص وأن القضية الفلسطينية تفقد ورقة التضامن العربي، ولكن لا يزال هناك قناعة بأن السعودية لا يمكن أن تكون الخنجر الذي يطعن القضية وتتنازل عنها مجانا لوحش الاحتلال الصهيوني.. ولا يزال بإمكان السعودية أن تكون وسيطا وحكما مؤثرا يمكن أن يعيد توجيه البوصلة إلى حيث يجب أن تكون في مواجهة اختبار التطبيع وإعادة الاعتبار للحق الفلسطيني...

اسيا العتروس

 

 

 

عين على الحدث:  مناورة.. اختبار.. أم ميلاد شرق أوسط جديد..   هل باتت المملكة قريبة من التطبيع مع إسرائيل؟

 

لم يحدث أن أثارت تصريحات مسؤول خليجي ما أثارته تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حول التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي

تونس الصباح

 لم يحدث أن أثارت تصريحات مسؤول خليجي ما أثارته تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي بدأ يظهر في المشهد قبل سبع سنوات بشأن موقفه من التطبيع الذي أثار ولا يزال يثير الجدل ويسيل الحبر ويؤثث حلقات النقاش في مختلف المنابر الإعلامية دوليا وعربيا ويفرز ردود أفعال متباينة بين التشكيك في توجهات المملكة وبين الرفض والتحسر على الفرص الضائعة في عالم عربي مشتت الأهداف والجهود، ولعل ما يمكن الإشارة إليه على وقع الحوار الذي استمر نحو الساعة وتعرض لملفات ساخنة في الجزيرة العربية ما يتعلق بشكل الحوار وطريقة إخراجه قبل التوقف عند الحوار الذي انفردت به شبكة "فوكس نيوز" مع الأمير السعودي الحاكم الفعلي للمملكة والذي يعد نجاحا اتصاليا، بعد أن تداولته مختلف وسائل الإعلام وسوقت لشخصه في صورة المسؤول غير النمطي في إتقانه للتواصل بخطاب انجليزي بارع، والمتحفز أيضا للتغيير داخل المملكة اقتصاديا وثقافيا والترويج للتطور الاقتصادي المسجل في هذا البلد النفطي الثري بثرواته الطبيعية ولكن أيضا بموقعه ومكانته الدينية التي تمن عليه سنويا بالمعتمرين والحجاج وهذا طبعا على مستوى الشكل وهو ما يحسب للأمير الشاب صاحب الطموحات العالية والذي بات يتمتع بشعبية في المملكة .

ولكن ما يثير الانتباه وهنا الأمر يتعلق بما تضمنه الحوار على قناة "فوكس نيوز" من إثارة لا سيما في علاقة بنقطتين أساسيتين، أما الأولى فتتعلق بنفي الأمير بوضوح توقف مسار التطبيع على عكس ما كشفته قبل أيام مصادر عن مسؤول في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ناتنياهو عندما عبر عن أسفه لتوقف المحادثات، والثانية في علاقة بالمشروع النووي الإيراني إلى جانب ما أشار إليه الأمير محمد بن سلمان من ملفات أخرى تتعلق بإنهاء الحرب في اليمن ...

وللوهلة الأولى يبدو وكأن الأمر يتعلق على الأرجح بخطاب سياسي موجه للغرب بأن المملكة يمكنها لعب دور مهم في مسار السلام المحنط في الشرق الأوسط، وأنها يمكن أن تقبل بالتطبيع في حالات معينة، وحتى الآن فان الأمر لا يتجاوز حدود التصريحات وإطلاق بالونات اختبار ورسائل الطمأنة ربما في انتظار أن تحقق الرياض مطالبها بشأن البرنامج النووي الذي تسعى إليه كخطوة على البرنامج الإيراني ولكن أيضا كشريك ضمن الحلف الأطلسي لإزالة مخاوف المملكة الأمنية... لا نريد الانسياق إلى الأوهام ولكن لا شيء يمكن أن يدفع المملكة إلى رهان التطبيع المجاني دون الحصول على ضمانات أو تنازلات أو اتفاقات تضمن على الأقل الحد الأدنى للشعب الفلسطيني خاصة وأن المملكة لم تتخلف عن تجديد التزامها في هذا الشأن، والأرجح أن ولي العهد الذي اظهر نضجا سياسيا في التعاطي مع الأحداث الكبرى وتحقيق ما يهدف إليه من طموحات لا يمكن أن يسقط من حسابه تداعيات الانسياق إلى تطبيع مع الكيان الإسرائيلي على أساس صك على بياض فلا المنطق ولا العاطفة تقبل ذلك ولا شيء يمكن أن يضع المملكة رهن الابتزاز على الأقل في هذا المرحلة ..

-ولي العهد ومؤسسة توني بلير

مؤشرات كثيرة تؤكد أن ولي العهد السعودي اليوم ليس ولي العهد الذي بدأ يظهر في الساحة السياسية قبل سبع سنوات، تقول صحيفة التايمز البريطانية ولي العهد السعودي اعتمد على مؤسسة رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، التي تقدم له المشورة والنصح خاصة في رسم الأهداف المستقبلية وفي التعاطي مع الأحداث الكبرى وحتى في تنظيم المهرجانات الثقافية والفنية وغيرها التي تحتضنها المملكة والتي باتت تسوق للوجه الجديد للسعودية المنفتح بعيدا عن قبضة الوهابية ومخاطر التطرف الذي انجرفت إليه طوال عقود... وحسب الصحيفة فان الشراكة مع مؤسسة توني بلير للتغيير العالمي بدأت أواخر 2017، ضمن اتفاقية لم يُكشف عنها النقاب مسبقا، باعتماد موظفين للعمل في وزارة الإعلام والثقافة السعودية للمساعدة في صياغة رؤية المملكة 2030، التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على مدى السنوات الست الماضية..

- مناورة أم توجه نحو التطبيع ؟

من خلال حواره مع فوكس نيوز حافظ الأمير بن سلمان على الغموض بشأن تصريحاته حول محادثات السلام بما يجعل كل التأويلات قائمة بقوله أن المملكة "تقترب بشكل مطرد من تطبيع العلاقات مع إسرائيل"، قبل أن يوضح بأن "القضية الفلسطينية مهمة للغاية، نحن بحاجة إلى حلها ولدينا مفاوضات جيدة مستمرة حتى الآن، وسنرى إلى أين سنتوصل في هذه المفاوضات".

وهو ما يجعل مسار التطبيع مرتبط بما سيحدث لاحقا "بما يمكن أن يعزز القناعة بان تصريحات الأمير السعودي تتنزل في إطار اختبار مهم للنوايا قد لا تتضح نتائجه في الحين وهي ربما تتنزل في إطار حسابات سياسية ولعبة مصالح تفترض الكثير من المكر السياسي والدهاء لفرض شروط المملكة قبل الانسياق إلى أي اتفاق، وربما تكون هذه التصريحات أيضا في إطار تقاسم للأدوار خاصة بعد أن سبق لوزير الخارجية السعودي أن صرح بأنه لا مجال للتطبيع دون حل للقضية الفلسطينية.. ولا نخال المملكة تتعجل اتفاقا مع الكيان الإسرائيلي لا يلبي شروطها ومطالبها في هذه الملفات ...

و من هذا المنطلق يمكن تفسير تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي كوهين الذي عجل بالتعليق على تصريحات ولي العهد السعودي مؤكدا بدوره أن "التطبيع سيستغرق وقتا لكن هناك تقدم حاصل"، قبل أن يضيف بأنه يتوقع أن يحصل التطبيع بين الرياض و تل أبيب خلال الربع الأول من عام 2024، بعد أربعة أو خمسة أشهر من الآن... وهو تفاؤل مبالغ فيه وربما وجد فيه الوزير الإسرائيلي ما يخفف وطأ صفعة الشارع الليبي بعد تسريب لقاءه بوزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في روما وما أثارته من غضب شعبي انتهى باختفاء الوزيرة وخروج الصراع داخل حكومة ناتنياهو إلى العلن بعد كشف ناتنياهو معارضته عن كشف لقاء روما... وبالعودة إلى حوار الأمير السعودي مع قناة "فوكس نيوز" فان الأرجح أن الآمر لن يتجاوز حدود التصريحات و تبادل رسائل الطمأنة ربما في انتظار أن تحقق الرياض مطالبها بشأن البرنامج النووي الذي تسعى إليه كخطوة على البرنامج الإيراني و لكن أيضا كشريك ضمن الحلف الأطلسي لإزالة مخاوف المملكة الأمنية ...

"نقترب كل يوم أكثر فأكثر"، من تطبيع العلاقات مع إسرائيل هذا ما قاله بن سلمان قبل أن يستدرك "بالنسبة لنا، القضية الفلسطينية مهمة للغاية علينا حلها". و ربما ما يثير التساؤلات هنا أن ولي العهد السعودي لم يشر إلى اتفاقية الأمير عبد الله التي أطلقها في بيروت سنة 2000 تحت شعار الأرض مقابل السلام، ولكنه أشار إلى أن المملكة معنية بتحسين حياة الفلسطينيين وهذه مسألة مهمة وهدف فلسطيني أيضا على ألا يكون ذلك تحت الاحتلال، ولكن في ظل دولة فلسطينية قابلة للحياة..

قيادي فلسطيني وسفير سابق في نقاش حول التطبيع المرتقب بين السعودية وإسرائيل اعتبر أن الأمر لا يخل من مكر سياسي لولي العهد السعودي الذي برهن عن قدرة فائقة في المناورة وتسليط الأضواء على مكانة المملكة وثقلها الاقتصادي والأمني والديبلوماسي خليجيا وعربيا وحتى دوليا بعد التطبيع مع إيران وبعد دخول المملكة في شراكات اقتصادية ضمن "البريكس" ومجموعة الـ20 فضلا عن التقارب المهم مع الصين وروسيا والهند.. طبعا كل القراءات والتأويلات قائمة في انتظار أن تتضح الرؤية، وليس كل ما يدور خلف الكواليس يعلن وليس كل ما يعرف يقال.. حتى هذه المرحلة يبقى الغموض قائما وتبقى كل السيناريوهات محتملة ولا يمكن الجزم بان التطبيع بين السعودية وإسرائيل آن أوانه وإلا ما الذي كان يمنع المملكة من الانضمام إلى اتفاقية ابراهام غالى جانب الإمارات والبحرين والمغرب.. نقطة أخرى وجب التوقف عندها تتعلق بتوقيت هذه التصريحات التي تنشر بالتزامن مع أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة والدعوات المتواترة فلسطينيا وعربيا لإحياء عملية السلام، كما تأتي أيضا مع حلول الذكرى الثلاثين لاتفاقات اوسلو التي التفت عليها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وجعلتها منطلقا لمواصلة سياسة الاغتيالات والاقتحامات والتهويد وتوسيع الاستيطان على كل جزء من ارض فلسطين المحتلة بحيث يستحيل الربط بين كل المناطق أو إقامة الدولة الفلسطينية مستقبلا ...

لا خلاف أن أعين ولي العهد أيضا على الجار اللدود إيران وتأكيده أن احتمال حصول إيران على السلاح النووي يجعل المملكة مضطرة لأن تفعل الأمر نفسه.

حيث قال: "نحن قلقون من احتمال حصول دولة ما على سلاح نووي. هذا أمر سيئ"...لم يتأخر الموقف الإيراني إزاء التصريحات بشان التطبيع وقد حاول الرئيس الإيراني رئيسي عان يكون هادئا عندما سئل عن رأيه وهو في نيويورك لحضور أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث اعتبر أن علاقة بلاده مع السعودية تتطور وأنه لم يعلم بأي شيء من هذا القبيل قبل أن يضيف بالقول: "إن علاقة بين دول في المنطقة والكيان الصهيوني ستكون طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية".

 في غضون ذلك أعلنت واشنطن إقرار حزمة مبيعات عسكرية محتملة للسعودية بقيمة 500 مليون دولار، وقالت وكالة الأمن والتعاون الدفاعي الأمريكية التابعة للبنتاغون في بيان، إن هذه الصفقة المقترحة ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة وهو ما يعني أن العلاقات مع واشنطن في أفضل حالاتها وهذا أيضا ما يريده بايدن قبل خوض المعركة الانتخابية القادمة في 2024 والتي يأمل أن يكون متسلحا للفوز بها باتفاق التطبيع السعودي الإسرائيلي... وفي انتظار أن تتضح الرؤية يبقى الأكيد اليوم أن منطقة الشرق الأوسط ستكون مقبلة على تحولات خطيرة ومعقدة و أنه ربما هناك فرصة يمكن للسعودية الاستثمار فيها وتعزيز موقعها في المنطقة وفي العالم بفرض شروطها القوية والمشروعة قبل القبول بأي مشروع مجاني للتطبيع والانتصار لمبادرة الأمير عبد الله ومنع حصول الاهانة الأبدية للقضية الفلسطينية وتمريغ أنف الجميع في الوحل والأكيد أن المملكة ليست في حاجة لهذا الاتفاق بل إن الكيان الإسرائيلي من يحتاجه وهو اتفاق إن رأى النور سيعني بكل بساطة التخلي عن الشعب الفلسطيني والتنكر لنضالات أجيال وسيمكن الاحتلال من اكتساب شرعية مزيفة في المنطقة على جثث جيوش من الضحايا والشهداء الفلسطينيين على مر عقود طويل من الظلم بتوقيع المجتمع الدولي ...

أخيرا وليس آخرا ندرك جيدا أن قائمة رافضي التطبيع تتقلص وأن القضية الفلسطينية تفقد ورقة التضامن العربي، ولكن لا يزال هناك قناعة بأن السعودية لا يمكن أن تكون الخنجر الذي يطعن القضية وتتنازل عنها مجانا لوحش الاحتلال الصهيوني.. ولا يزال بإمكان السعودية أن تكون وسيطا وحكما مؤثرا يمكن أن يعيد توجيه البوصلة إلى حيث يجب أن تكون في مواجهة اختبار التطبيع وإعادة الاعتبار للحق الفلسطيني...

اسيا العتروس