إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الإصلاح التربوي … ضرورة وسيرورة … (2/2)

الإصلاح التربوي وإصدار القانون التوجيهي انتقل بالتعليم في تونس من عملية تلقينية والتي انطلقت منذ 1991 إلى تعليم يكون التلميذ فيه مركز للعملية التعليمية

المازري طبقة

باحث أكاديمي في علوم التربية

جودة الحياة المدرسية تتطلّب توفير أُطر تربوية على درجة عالية من الحرفيّة والدراية ولكن ايضا يتطلّب توفير بُنية تحتية تليق بالفضاء المدرسي وفضاءات تستقطب التلميذ خارج اوقات التعلّم ومنها قاعات المراجعة والتي اقترحت سابقا تغيير تسميتها لتصبح "فضاء التلميذ" تغيير في التسمية يتبعه بالأكيد تغيير في شكل ومضمون الفضاء ليتحول من فضاء للمراجعة او لاحتواء التلاميذ خلال الساعات الجوفاء او غياب الأساتذة الى فضاء يجلب التلميذ ويقصده خارج أوقات الدراسة وعليه فان تشريك التلميذ في تأثيث "فضاء التلميذ" سيكون له دور في خلق علاقة قوية بينهما، كما يمكن التفكير جديّا في عقد اتفاقيات بين وزارة التربية ووزارة الثقافة تخول على اثرها لأساتذة التنشيط الثقافي امكانية الاشراف على ادارة "فضاء التلميذ" بالاشتراك مع التلميذ لتدريبه على إدارة شؤونه والعمل ضمن مجموعة والتأقلم في فضاء خارج أطار القسم وقوانينه، وتبقى التفاصيل التي تهم هذا المقترح متوفّرة لكل من يشاء الاطلاع عليها، لكن يبقى من المهم الاشارة الى أن تحسين جودة الحياة المدرسية وتوفير فضاء يجلب التلميذ داخل المدرسة وخارج أوقات التعلّم وتوفير التكوين العلمي اللازم والمستمر لكل من يحيطون بالتلميذ خلال حياته المدرسية من شانه ان يعيد العلاقة بين التلميذ ومدرسته إلى مستويات مرتفعة تجعل الترابط بينهما قوي وتجعل المدرسة ملجأ للتلميذ مهما كان تفوقه ومهما كانت ميولاته وخاصة مهما كانت البيئة التي ينتمي اليها.

الإصلاح التربوي لسنة 2022 وإصدار القانون التوجيهي كانت من بين أهدافه التقليص في محتوى البرامج التعليمية للتخفيف من الضغط المُسلّط على التلميذ كما أن من بين مميزاته أن انتقل بالتعليم في تونس من عملية تلقينية والتي انطلقت منذ الإصلاح التربوي لسنة 1991 إلى تعليم يكون التلميذ فيه مركز للعملية التعليمية وهو تماهي ذكي مع تطور علوم التربية على مستوى العالم و التغيّر الذي شهدته أساليب التعليم  وكذلك التقييم ولكن بقي الأمر مجرّد قوانين وتوصيات لم تتمكن من تجاوز مستوى الوثائق وبقي الأمر مرتبطا أساسا بمجهودات المربّي في متابعة التطورات الحاصلة عالميا في أساليب التعليم ونقل المعلومة في غياب غريب للتكوين العلمي للمربّي والذي انحصر ولعقود في لقاءات تكوينية اجبارية يشرف عليها متفقّد المادة و الذي بدوره لا يمتلك المؤهلات الأساسية التي تجعله متابعا ومتمكنا من كل ما يطرأ على اساليب التعليم في العالم ، فالمربّي في تونس لا يشترط في ان يكون مُطّلعا على العلوم الانسانية التي تخوّل له ممارسة عمله بكل احترافية مثل "ابستيمولوجية العلوم " وتقنيات "التعلّمات الجديدة" (La Didactique)  ولا دراية له بـ" طرق التعلّم" LesApproches d’apprentissage)    ولا بتعدد طرق نقل المعلومة للتلميذ وربما لا دراية للعديد منهم بان دور المربي الذي كان يعتبر قديما (على اعتبار ان هناك الجديد) مركز للمعلومة والمتمكن الوحيد منها ليصبح المشرف والمتابع للعملية التعليمية خلال ساعات الدرس على اعتبار ان المعلومة أصبحت متوفّرة للتلميذ من عدة مصادر وهي طريقة تمكّن التلميذ من ممارسة "مهنة التلميذ" وان يشارك في بناء المعرفة بطريقة تفاعلية وتشاركية مع بقية زملائه وهو الشيء الذي يمكّن من بناء تلميذ متّزن قادر على مقارعة الحجّة بالحجّة وقبول الاختلاف وتحصيل معرفة مجتمعية واثبات الذات وحسن استغلال ما تحصّل عليه من معرفة وهنا يكون الانتقال بدور التعليم من مجرّد تمكين التلميذ من العلم فقط (Le (savoir الى علم اثبات الذات (Le Savoir être ; Savoir faire … ) , وبالتالي فان اي حديث عن تطوير البرامج التعليمية،  وخاصة في المرحلة الابتدائية ومرحلة ما قبل الدراسة ( الحضانة) والتي تعدّ مرحلة مهمة للغاية بالنسبة للتلميذ ، في غياب اخصائيي التربية والتعلمات الجديدة (Didacticiens)   يعتبر غير مقبول وغير مجدٍ وفي هذا الاطار فان التفكير في بعث وحدات بحث تربوية صلب وزارة التربية يُعتبر أمرا مهما للغاية توكل له مهام العمل المستمر والدوري في متابعة تطور علوم التربية واساليبها في العالم دون أن ننسى ان لتونس كفاءات علمية كبيرة وكثيرة في علوم التربية سواء داخل البلاد أو خارجها كما يمكن التفكير في الاعتماد وتشريك مركز الدراسات التابع لرئاسة الجمهورية بما يمثله من مركز للبحوث العلمية وتبادل الخبرات مع مخابر بحث عالمية.

اصلاح المنظومة التربوية ليس بالأساس والضرورة ان يكون تحت اشراف حصري لوزارة التربية ونقابات التعليم بل هو في الأصل ورشة عمل تظم كل المتدخلين والذي يجب ان تتوسع الدائرة لتشمل الجميع ليس من باب التشريف بل من باب التكليف لان قطاع التربية وان كان قطاع غير منتج فان كلفته تمتد على مدى اجيال واجيال ولهذا يجب ان يخرج من ساحة التجاذبات والمزايدات السياسية و"العركات" النقابية لأنه ومن باب التكرار للأهمية هدف المنظومة التربوية ليس حشو الأدمغة بالعلوم والتي أصبحت متوفرة للجميع وبطرق مختلفة وذات مصداقية عالية في بعض الاحيان بل الهدف هو تكوين مواطن قادر على التفاعل مع المجتمع لإفادة الوطن وخلق انشطة فردية او جماعية ذات مردودية عالية للمجموعة اي للمجتمع والانخراط فعليا في تنمية مستدامة ونظرة شمولية                                         ( Approche Systémique ) تجعله قادر على الخلق والابداع واستعمال الحجّة للإقناع بعيد عن الدغمائية التي تتسبب في تحجّر العقول وتصلّبها وفي اخراج التلميذ في شكل قوالب غير قادرة على التأقلم والتطوّر وخاصة الافادة.

تونس من الدول الفقيرة من وجهة نظر المستثمرين في الثروات الطبيعية  ولكنّها غنية من وجهة نظر المستثمرين في "المادة الشخمة " التي اعتنت بها دولة الاستقلال واحسنت الاستثمار فيها وهو الشيء الذي علينا المواصلة في دربه لكي نحسن بناء الجمهورية الثانية ونضمن لها مخزونا كافية من الاطارات وخاصة المواطنين الفاعلين في مجتمعهم والقادرين على القيادة.

 

في الإصلاح التربوي … ضرورة وسيرورة … (2/2)

الإصلاح التربوي وإصدار القانون التوجيهي انتقل بالتعليم في تونس من عملية تلقينية والتي انطلقت منذ 1991 إلى تعليم يكون التلميذ فيه مركز للعملية التعليمية

المازري طبقة

باحث أكاديمي في علوم التربية

جودة الحياة المدرسية تتطلّب توفير أُطر تربوية على درجة عالية من الحرفيّة والدراية ولكن ايضا يتطلّب توفير بُنية تحتية تليق بالفضاء المدرسي وفضاءات تستقطب التلميذ خارج اوقات التعلّم ومنها قاعات المراجعة والتي اقترحت سابقا تغيير تسميتها لتصبح "فضاء التلميذ" تغيير في التسمية يتبعه بالأكيد تغيير في شكل ومضمون الفضاء ليتحول من فضاء للمراجعة او لاحتواء التلاميذ خلال الساعات الجوفاء او غياب الأساتذة الى فضاء يجلب التلميذ ويقصده خارج أوقات الدراسة وعليه فان تشريك التلميذ في تأثيث "فضاء التلميذ" سيكون له دور في خلق علاقة قوية بينهما، كما يمكن التفكير جديّا في عقد اتفاقيات بين وزارة التربية ووزارة الثقافة تخول على اثرها لأساتذة التنشيط الثقافي امكانية الاشراف على ادارة "فضاء التلميذ" بالاشتراك مع التلميذ لتدريبه على إدارة شؤونه والعمل ضمن مجموعة والتأقلم في فضاء خارج أطار القسم وقوانينه، وتبقى التفاصيل التي تهم هذا المقترح متوفّرة لكل من يشاء الاطلاع عليها، لكن يبقى من المهم الاشارة الى أن تحسين جودة الحياة المدرسية وتوفير فضاء يجلب التلميذ داخل المدرسة وخارج أوقات التعلّم وتوفير التكوين العلمي اللازم والمستمر لكل من يحيطون بالتلميذ خلال حياته المدرسية من شانه ان يعيد العلاقة بين التلميذ ومدرسته إلى مستويات مرتفعة تجعل الترابط بينهما قوي وتجعل المدرسة ملجأ للتلميذ مهما كان تفوقه ومهما كانت ميولاته وخاصة مهما كانت البيئة التي ينتمي اليها.

الإصلاح التربوي لسنة 2022 وإصدار القانون التوجيهي كانت من بين أهدافه التقليص في محتوى البرامج التعليمية للتخفيف من الضغط المُسلّط على التلميذ كما أن من بين مميزاته أن انتقل بالتعليم في تونس من عملية تلقينية والتي انطلقت منذ الإصلاح التربوي لسنة 1991 إلى تعليم يكون التلميذ فيه مركز للعملية التعليمية وهو تماهي ذكي مع تطور علوم التربية على مستوى العالم و التغيّر الذي شهدته أساليب التعليم  وكذلك التقييم ولكن بقي الأمر مجرّد قوانين وتوصيات لم تتمكن من تجاوز مستوى الوثائق وبقي الأمر مرتبطا أساسا بمجهودات المربّي في متابعة التطورات الحاصلة عالميا في أساليب التعليم ونقل المعلومة في غياب غريب للتكوين العلمي للمربّي والذي انحصر ولعقود في لقاءات تكوينية اجبارية يشرف عليها متفقّد المادة و الذي بدوره لا يمتلك المؤهلات الأساسية التي تجعله متابعا ومتمكنا من كل ما يطرأ على اساليب التعليم في العالم ، فالمربّي في تونس لا يشترط في ان يكون مُطّلعا على العلوم الانسانية التي تخوّل له ممارسة عمله بكل احترافية مثل "ابستيمولوجية العلوم " وتقنيات "التعلّمات الجديدة" (La Didactique)  ولا دراية له بـ" طرق التعلّم" LesApproches d’apprentissage)    ولا بتعدد طرق نقل المعلومة للتلميذ وربما لا دراية للعديد منهم بان دور المربي الذي كان يعتبر قديما (على اعتبار ان هناك الجديد) مركز للمعلومة والمتمكن الوحيد منها ليصبح المشرف والمتابع للعملية التعليمية خلال ساعات الدرس على اعتبار ان المعلومة أصبحت متوفّرة للتلميذ من عدة مصادر وهي طريقة تمكّن التلميذ من ممارسة "مهنة التلميذ" وان يشارك في بناء المعرفة بطريقة تفاعلية وتشاركية مع بقية زملائه وهو الشيء الذي يمكّن من بناء تلميذ متّزن قادر على مقارعة الحجّة بالحجّة وقبول الاختلاف وتحصيل معرفة مجتمعية واثبات الذات وحسن استغلال ما تحصّل عليه من معرفة وهنا يكون الانتقال بدور التعليم من مجرّد تمكين التلميذ من العلم فقط (Le (savoir الى علم اثبات الذات (Le Savoir être ; Savoir faire … ) , وبالتالي فان اي حديث عن تطوير البرامج التعليمية،  وخاصة في المرحلة الابتدائية ومرحلة ما قبل الدراسة ( الحضانة) والتي تعدّ مرحلة مهمة للغاية بالنسبة للتلميذ ، في غياب اخصائيي التربية والتعلمات الجديدة (Didacticiens)   يعتبر غير مقبول وغير مجدٍ وفي هذا الاطار فان التفكير في بعث وحدات بحث تربوية صلب وزارة التربية يُعتبر أمرا مهما للغاية توكل له مهام العمل المستمر والدوري في متابعة تطور علوم التربية واساليبها في العالم دون أن ننسى ان لتونس كفاءات علمية كبيرة وكثيرة في علوم التربية سواء داخل البلاد أو خارجها كما يمكن التفكير في الاعتماد وتشريك مركز الدراسات التابع لرئاسة الجمهورية بما يمثله من مركز للبحوث العلمية وتبادل الخبرات مع مخابر بحث عالمية.

اصلاح المنظومة التربوية ليس بالأساس والضرورة ان يكون تحت اشراف حصري لوزارة التربية ونقابات التعليم بل هو في الأصل ورشة عمل تظم كل المتدخلين والذي يجب ان تتوسع الدائرة لتشمل الجميع ليس من باب التشريف بل من باب التكليف لان قطاع التربية وان كان قطاع غير منتج فان كلفته تمتد على مدى اجيال واجيال ولهذا يجب ان يخرج من ساحة التجاذبات والمزايدات السياسية و"العركات" النقابية لأنه ومن باب التكرار للأهمية هدف المنظومة التربوية ليس حشو الأدمغة بالعلوم والتي أصبحت متوفرة للجميع وبطرق مختلفة وذات مصداقية عالية في بعض الاحيان بل الهدف هو تكوين مواطن قادر على التفاعل مع المجتمع لإفادة الوطن وخلق انشطة فردية او جماعية ذات مردودية عالية للمجموعة اي للمجتمع والانخراط فعليا في تنمية مستدامة ونظرة شمولية                                         ( Approche Systémique ) تجعله قادر على الخلق والابداع واستعمال الحجّة للإقناع بعيد عن الدغمائية التي تتسبب في تحجّر العقول وتصلّبها وفي اخراج التلميذ في شكل قوالب غير قادرة على التأقلم والتطوّر وخاصة الافادة.

تونس من الدول الفقيرة من وجهة نظر المستثمرين في الثروات الطبيعية  ولكنّها غنية من وجهة نظر المستثمرين في "المادة الشخمة " التي اعتنت بها دولة الاستقلال واحسنت الاستثمار فيها وهو الشيء الذي علينا المواصلة في دربه لكي نحسن بناء الجمهورية الثانية ونضمن لها مخزونا كافية من الاطارات وخاصة المواطنين الفاعلين في مجتمعهم والقادرين على القيادة.