إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

التدْريسُ بالفرنسية = إعاقة دائمة ضدّ تأصيل إصلاح التعليم

 

 

نظام التعليم التونسي يتبنى التدريس بالفرنسية قبل نهاية التعليم الثانوي للاعتقاد في صوابه رغم الخطأ الواضح الذي تنفر من ارتكابه معظمُ أنظمة التعليم في العالم

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي – عالم الاجتماع – تونس

بدأ الحديث مجددا عن إصلاح منظومة التعليم في المجتمع التونسي انطلاقا من خطاب الرئيس في يوم العلم. وهو موضوع مطروح منذ سنوات دون الظفر بإصلاح يلبي الأسس الرئيسية التي يتطلب حضورَها الإصلاحُ التربوي الحقيقي. وبغياب هذه الأسس وُصف النقاشُ حول الإصلاح التعليمي بأنه يمثل حلقة مفرغة فارغة الوفاض.نقترح مفهوم الحجر اللغوي كأساس طبيعي صلب لإرساء منظومة تربوية وطنية وأصيلة ومثمرة على طول المدى وبالتالي رافعة لراية الإصلاح التربوي الحقيقي الذي تبقى عُراهُ متماسكة لا انفصام فيها.

الفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها

 يلاحظ في المجتمعات الأوروبية أن نظم تعليمها تعلّم تلاميذها اللغات الأجنبية لكنها لا تدرّسهم بها مواد التعليم على الأقل في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. أي أن تعلّم اللغات الأجنبية لا يعني ولا يُوجبُ التدريسَ بها في تلك المجتمعات. أما نظام التعليم في المجتمع التونسي فيعلّم التلاميذ اللغة الفرنسية ويدرّسهم بها اليوم ابتداء من المرحلة الثانوية - بعد أكثر من نصف قرن من 'الاستقلال' - المواد العلمية مثل العلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء بدلا عن اللغة العربية/الوطنية. ومن ثم، نشأت عقلية تونسية جماعية ومجتمعية مصابة بوسواس قهري يجعلها لا تكاد تفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها. فأصبحت تنظر إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية على أنه عينُ التخلف بينما يؤكد البحث العلمي الموضوعي أن اللغات تتقدم وتبلغ أعلى قدراتها في التعبير الشفوي والكتابي عندما تُستُعمِل بالكامل في جميع الميادين والأشياء في الحديث والكتابة في مجتمعاتها.تلك هي المعادلة الحقيقية لتقدم اللغات التي تثبتها بقوة علوم اللغة واللسانيات.

شعب يعتبر الخطأ عينَ الصواب

فعلماء النفس والاجتماع يبرزون أن عقول البشر والتركيبة النفسية لشخصياتهم تتأثر بقوة بالمنظومات الثقافية (الأعراف والقيم والتقاليد الثقافية) السائدة في مجتمعاتهم. أي أن توجهات تفكير العقول والسمات النفسية لشخصيات الأفراد هي وليدة المنظومات الثقافية المهيمنة في المجتمعات البشرية. فمعظم التونسيات والتونسيين أمس واليوم مثال نموذجي على غسل ثقافة مجتمعهم لعقولهم ونفوسهم التي ترى فضيلة لا عيبا في التدريس باللغة الفرنسية، وهو اعتقاد أساسه الجهل بحيثيات تعلّم اللغات ومنع أو قبول التدريس بها. فأنظمة التعليم الأوروبية لا تدرس باللغات الأجنبية خاصة في المراحل قبل الجامعية أما نظام التعليم التونسي فيتبنى التدريس بالفرنسية قبل نهاية التعليم الثانوي للاعتقاد في صوابه رغم الخطأ الواضح الذي تنفر من ارتباكه معظمُ أنظمة التعليم في العالم. فالتدريس باللغات الأجنبية يعتبر هتكا لطبيعة الأشياء في التعامل مع لغات الأم أو اللغات الوطنية. إذ تقول طبيعة الأشياء هذه أن الناس يجب أن يستعملوا فقط لغاتهم في كل شيء في الحديث والكتابة لأن اللغات تصبح متخلفة إذا لم تُستعمل وحدها من طرف أهلها في كل شؤون المواطنين والمجتمعات. وبعبارة أخرى، فالعلاقات الطبيعية مع لغات الأم أو اللغات الوطنية تتطلب ممارسة ما نسميه الحجر اللغوي في المجتمعات الإنسانية.

  الحجر اللغوي هو مفتاح التطبيع مع اللغات

 فجأة، هدتنا منافع الحجر الصحي ضدّ وباء الكورونا إلى حجر آخر له أيضا فوائد جمة رغم الاختلاف الكبير في طبيعتهما. نتيجة لذلك، ابتكرنا مفهوما جديدا لا يكاد يخطر على بال الخاصة ناهيك عن العامة. إنه مفهوم الحجر اللغوي: استعمال اللغة الأم أو الوطنية فقط في كل شيء بما فيه التدريس ابتداء من حاضنات صغار الأطفال وفي المراحل الثلاث للتعليم: الابتدائية والإعدادية والثانوية على الأقل. فالحجر اللغوي يساعد ،مثلا، على تفسير سلوكيات التونسيات والتونسيين غير السليمة مع اللغة العربية/الوطنية أو مع الدارجة التونسية النقية من الكلمات الفرنسية (لا يستعملون أيا منهما وحدها في الحديث والكتابة في كل شيء) . يعود ذلك إلى فقدان نظام التعليم التونسي بالكامل للحجر اللغوي. يتشابه الحجر اللغوي مع الحجر الصحي في تأثيرات كل منهما بقوة على المحجور (الصحة أو اللغات). فالإجراءات الصحية الشديدة ضد تفشي فيروس جائحة الكورونا (الابتعاد الاجتماعي ولباس الكمامات وغسل اليدين والعزل المنزلي...) تحمي الأفراد كثيرا من الإصابة بالكورونا. وبالمثل يحمي الحجر اللغوي لغات الأم أو اللغات الوطنية من تفشي فيروس انتشار استعمال اللغات الأجنبية في الحديث والكتابة. وهكذا، فسلامة صحة الأفراد وسلامة لغاتهم هما حصيلة لهذين النوعين من الحجر. بعد هذا الطرح الفكري لتشابه الحجر الصحي مع الحجر اللغوي يتضح أن هذا الأخير يؤدي بالملتزمين به إلى إنشاء علاقة طبيعية وثيقة أي سليمة مع لغاتهم.

سماتُ العلاقة السليمة مع اللغات

بناء على ما ذكرنا، تتمثل، إذن، العلاقة السليمة مع اللغات الوطنية أو لغات الأم في استعمال أي منهما فقط شفويا وكتابيا في كل شيء في طليعتها التدريس بها فقط في المراحل المذكورة. فالمجتمعات الأوروبية، مثلا، تدرس جميع المواد العلمية وغيرها بلغاتها الوطنية أو لغات الأم حتى نهاية مرحلة التعليم الثانوي على الأقل. أي أن طبيعة الأشياء مع اللغات تنادي بصوت عال باستعمال لغات الأم أو اللغات الوطنية وأن استعمال غيرها أمر غير طبيعي: أي أنه يمثل إقامة علاقة غير سليمة مع اللغات الوطنية أو لغات الأم. وبالتالي، يمكن اعتباره سلوكَ غش نحوها وكذلك نحو الوطنية اللغوية نفسها.

الحجر اللغوي والعلاقة مع اللغة الوطنية

   نذكر مثالين للعلاقة السليمة وغير السليمة التي ينشئها الحجر اللغوي أو فقدانه مع اللغة العربية في المجتمع التونسي بعد الاستقلال:

1-إن خريجي التعليم التونسي في ما سُمى 'شعبة أ' في مطلع الاستقلال في المجتمع التونسي مثال للآثار الايجابية للحجر اللغوي على العلاقة مع اللغة العربية/الوطنية والدارجة التونسية العربية. لقد درس هؤلاء التلاميذ التونسيون كل المواد باللغة العربية الفصحى أو الدارجة التونسية العربية فقط من المرحلة الابتدائية حتى السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية.

2-أما خريجو بقية التعليم التونسي – وهم اليوم أغلبية المتعلمين التونسيين- فهم فاقدون للحجر اللغوي، أي أنهم درسوا في الماضي أو يدرسون اليوم باللغة الفرنسية بعض المواد أو معظمها في تلك المراحل الثلاث المشار إليها:

أ- قد هيمنت اللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية الثنائية اللغة ( الفرنسية والعربية) قبل الاستقلال كوسيلة لتدريس التلاميذ التونسيين المواد المختلفة بما فيها تدريسهم أحيانا حتى النحو العربي باللغة الفرنسية خاصة من طرف بعض المُدرسين الفرنسيين.

2- أما النظام التربوي التونسي منذ الاستقلال، فقد كرّس ويكرّس اليوم تواصل فقدان الحجر اللغوي. وهكذا، فالأجيال التونسية المتعلمة منذ الاستقلال هي أجيال محرومة من الحجر اللغوي. ومن ثم، يستمر اعتزازها بمرض فيروس عدوى استعمال الفرنسية (التلوث اللغوي) بين معظم فئات المجتمع التونسي. ومما يزيد الطين بلة في اتجاه معاكس للحجر اللغوي أن التلاميذ التونسيين يدرسون اليوم أسبوعيا مادة اللغة الفرنسية لمدة 8 ساعات و6 ساعات فقط لمادة اللغة العربية.

غياب الحجر اللغوي بعد الاستقلال

 إن ما يجمع بين شخصيات العهد الأول للاستقلال مثل بورقيبة ومن حكم معه أو جاء بعده أن تعليم معظم المتعلمين التونسيين هو تعليمهم ثنائي لغة التدريس حيث تهيمن الفرنسية على العربية كلغة تدريس. أي أنه نظام تعليم فاقد للحجر اللغوي لصالح العربية/الوطنية. وهكذا، فموقف أغلبية التونسيات والتونسيين اليوم يساند ذلك النظام التعليمي التونسي وتُعتبر إيجابيات هذا النظام التعليمي مسلمة من المسلمات غير قابلة للمساءلة والشك في أفضليتها ، رغم أن عددا ضخما من خريجيه ليست لهم علاقة سليمة مع لغتهم الوطنية أو الدارجة التونسية العربية التي طالما يعتبرونها نفسيا وفي الاستعمال في شؤونهم الشخصية والمجتمعية وكأنها لغة ثانية أو ثالثة.فالتعليم التونسي الفاقد للحجر اللغوي لصالح العربية لا يحمي التونسيات والتونسيين من معالم الاستلاب اللغوي. فخريجو المدرسة الصادقية ونظراؤهم المتعلمون في المدارس والمعاهد والجامعات التونسية في عهد الاستقلال يشكون من معالم الاستلاب اللغوي المهين بسبب فقدانهم لنظام تعليم يكون فيه الحجر اللغوي هو الأساس الطبيعي كما تفعل أنظمة التعليم في المجتمعات المتقدمة على الخصوص.

 

 

 

 

 

التدْريسُ بالفرنسية = إعاقة دائمة ضدّ تأصيل إصلاح التعليم

 

 

نظام التعليم التونسي يتبنى التدريس بالفرنسية قبل نهاية التعليم الثانوي للاعتقاد في صوابه رغم الخطأ الواضح الذي تنفر من ارتكابه معظمُ أنظمة التعليم في العالم

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي – عالم الاجتماع – تونس

بدأ الحديث مجددا عن إصلاح منظومة التعليم في المجتمع التونسي انطلاقا من خطاب الرئيس في يوم العلم. وهو موضوع مطروح منذ سنوات دون الظفر بإصلاح يلبي الأسس الرئيسية التي يتطلب حضورَها الإصلاحُ التربوي الحقيقي. وبغياب هذه الأسس وُصف النقاشُ حول الإصلاح التعليمي بأنه يمثل حلقة مفرغة فارغة الوفاض.نقترح مفهوم الحجر اللغوي كأساس طبيعي صلب لإرساء منظومة تربوية وطنية وأصيلة ومثمرة على طول المدى وبالتالي رافعة لراية الإصلاح التربوي الحقيقي الذي تبقى عُراهُ متماسكة لا انفصام فيها.

الفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها

 يلاحظ في المجتمعات الأوروبية أن نظم تعليمها تعلّم تلاميذها اللغات الأجنبية لكنها لا تدرّسهم بها مواد التعليم على الأقل في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. أي أن تعلّم اللغات الأجنبية لا يعني ولا يُوجبُ التدريسَ بها في تلك المجتمعات. أما نظام التعليم في المجتمع التونسي فيعلّم التلاميذ اللغة الفرنسية ويدرّسهم بها اليوم ابتداء من المرحلة الثانوية - بعد أكثر من نصف قرن من 'الاستقلال' - المواد العلمية مثل العلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء بدلا عن اللغة العربية/الوطنية. ومن ثم، نشأت عقلية تونسية جماعية ومجتمعية مصابة بوسواس قهري يجعلها لا تكاد تفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها. فأصبحت تنظر إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية على أنه عينُ التخلف بينما يؤكد البحث العلمي الموضوعي أن اللغات تتقدم وتبلغ أعلى قدراتها في التعبير الشفوي والكتابي عندما تُستُعمِل بالكامل في جميع الميادين والأشياء في الحديث والكتابة في مجتمعاتها.تلك هي المعادلة الحقيقية لتقدم اللغات التي تثبتها بقوة علوم اللغة واللسانيات.

شعب يعتبر الخطأ عينَ الصواب

فعلماء النفس والاجتماع يبرزون أن عقول البشر والتركيبة النفسية لشخصياتهم تتأثر بقوة بالمنظومات الثقافية (الأعراف والقيم والتقاليد الثقافية) السائدة في مجتمعاتهم. أي أن توجهات تفكير العقول والسمات النفسية لشخصيات الأفراد هي وليدة المنظومات الثقافية المهيمنة في المجتمعات البشرية. فمعظم التونسيات والتونسيين أمس واليوم مثال نموذجي على غسل ثقافة مجتمعهم لعقولهم ونفوسهم التي ترى فضيلة لا عيبا في التدريس باللغة الفرنسية، وهو اعتقاد أساسه الجهل بحيثيات تعلّم اللغات ومنع أو قبول التدريس بها. فأنظمة التعليم الأوروبية لا تدرس باللغات الأجنبية خاصة في المراحل قبل الجامعية أما نظام التعليم التونسي فيتبنى التدريس بالفرنسية قبل نهاية التعليم الثانوي للاعتقاد في صوابه رغم الخطأ الواضح الذي تنفر من ارتباكه معظمُ أنظمة التعليم في العالم. فالتدريس باللغات الأجنبية يعتبر هتكا لطبيعة الأشياء في التعامل مع لغات الأم أو اللغات الوطنية. إذ تقول طبيعة الأشياء هذه أن الناس يجب أن يستعملوا فقط لغاتهم في كل شيء في الحديث والكتابة لأن اللغات تصبح متخلفة إذا لم تُستعمل وحدها من طرف أهلها في كل شؤون المواطنين والمجتمعات. وبعبارة أخرى، فالعلاقات الطبيعية مع لغات الأم أو اللغات الوطنية تتطلب ممارسة ما نسميه الحجر اللغوي في المجتمعات الإنسانية.

  الحجر اللغوي هو مفتاح التطبيع مع اللغات

 فجأة، هدتنا منافع الحجر الصحي ضدّ وباء الكورونا إلى حجر آخر له أيضا فوائد جمة رغم الاختلاف الكبير في طبيعتهما. نتيجة لذلك، ابتكرنا مفهوما جديدا لا يكاد يخطر على بال الخاصة ناهيك عن العامة. إنه مفهوم الحجر اللغوي: استعمال اللغة الأم أو الوطنية فقط في كل شيء بما فيه التدريس ابتداء من حاضنات صغار الأطفال وفي المراحل الثلاث للتعليم: الابتدائية والإعدادية والثانوية على الأقل. فالحجر اللغوي يساعد ،مثلا، على تفسير سلوكيات التونسيات والتونسيين غير السليمة مع اللغة العربية/الوطنية أو مع الدارجة التونسية النقية من الكلمات الفرنسية (لا يستعملون أيا منهما وحدها في الحديث والكتابة في كل شيء) . يعود ذلك إلى فقدان نظام التعليم التونسي بالكامل للحجر اللغوي. يتشابه الحجر اللغوي مع الحجر الصحي في تأثيرات كل منهما بقوة على المحجور (الصحة أو اللغات). فالإجراءات الصحية الشديدة ضد تفشي فيروس جائحة الكورونا (الابتعاد الاجتماعي ولباس الكمامات وغسل اليدين والعزل المنزلي...) تحمي الأفراد كثيرا من الإصابة بالكورونا. وبالمثل يحمي الحجر اللغوي لغات الأم أو اللغات الوطنية من تفشي فيروس انتشار استعمال اللغات الأجنبية في الحديث والكتابة. وهكذا، فسلامة صحة الأفراد وسلامة لغاتهم هما حصيلة لهذين النوعين من الحجر. بعد هذا الطرح الفكري لتشابه الحجر الصحي مع الحجر اللغوي يتضح أن هذا الأخير يؤدي بالملتزمين به إلى إنشاء علاقة طبيعية وثيقة أي سليمة مع لغاتهم.

سماتُ العلاقة السليمة مع اللغات

بناء على ما ذكرنا، تتمثل، إذن، العلاقة السليمة مع اللغات الوطنية أو لغات الأم في استعمال أي منهما فقط شفويا وكتابيا في كل شيء في طليعتها التدريس بها فقط في المراحل المذكورة. فالمجتمعات الأوروبية، مثلا، تدرس جميع المواد العلمية وغيرها بلغاتها الوطنية أو لغات الأم حتى نهاية مرحلة التعليم الثانوي على الأقل. أي أن طبيعة الأشياء مع اللغات تنادي بصوت عال باستعمال لغات الأم أو اللغات الوطنية وأن استعمال غيرها أمر غير طبيعي: أي أنه يمثل إقامة علاقة غير سليمة مع اللغات الوطنية أو لغات الأم. وبالتالي، يمكن اعتباره سلوكَ غش نحوها وكذلك نحو الوطنية اللغوية نفسها.

الحجر اللغوي والعلاقة مع اللغة الوطنية

   نذكر مثالين للعلاقة السليمة وغير السليمة التي ينشئها الحجر اللغوي أو فقدانه مع اللغة العربية في المجتمع التونسي بعد الاستقلال:

1-إن خريجي التعليم التونسي في ما سُمى 'شعبة أ' في مطلع الاستقلال في المجتمع التونسي مثال للآثار الايجابية للحجر اللغوي على العلاقة مع اللغة العربية/الوطنية والدارجة التونسية العربية. لقد درس هؤلاء التلاميذ التونسيون كل المواد باللغة العربية الفصحى أو الدارجة التونسية العربية فقط من المرحلة الابتدائية حتى السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية.

2-أما خريجو بقية التعليم التونسي – وهم اليوم أغلبية المتعلمين التونسيين- فهم فاقدون للحجر اللغوي، أي أنهم درسوا في الماضي أو يدرسون اليوم باللغة الفرنسية بعض المواد أو معظمها في تلك المراحل الثلاث المشار إليها:

أ- قد هيمنت اللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية الثنائية اللغة ( الفرنسية والعربية) قبل الاستقلال كوسيلة لتدريس التلاميذ التونسيين المواد المختلفة بما فيها تدريسهم أحيانا حتى النحو العربي باللغة الفرنسية خاصة من طرف بعض المُدرسين الفرنسيين.

2- أما النظام التربوي التونسي منذ الاستقلال، فقد كرّس ويكرّس اليوم تواصل فقدان الحجر اللغوي. وهكذا، فالأجيال التونسية المتعلمة منذ الاستقلال هي أجيال محرومة من الحجر اللغوي. ومن ثم، يستمر اعتزازها بمرض فيروس عدوى استعمال الفرنسية (التلوث اللغوي) بين معظم فئات المجتمع التونسي. ومما يزيد الطين بلة في اتجاه معاكس للحجر اللغوي أن التلاميذ التونسيين يدرسون اليوم أسبوعيا مادة اللغة الفرنسية لمدة 8 ساعات و6 ساعات فقط لمادة اللغة العربية.

غياب الحجر اللغوي بعد الاستقلال

 إن ما يجمع بين شخصيات العهد الأول للاستقلال مثل بورقيبة ومن حكم معه أو جاء بعده أن تعليم معظم المتعلمين التونسيين هو تعليمهم ثنائي لغة التدريس حيث تهيمن الفرنسية على العربية كلغة تدريس. أي أنه نظام تعليم فاقد للحجر اللغوي لصالح العربية/الوطنية. وهكذا، فموقف أغلبية التونسيات والتونسيين اليوم يساند ذلك النظام التعليمي التونسي وتُعتبر إيجابيات هذا النظام التعليمي مسلمة من المسلمات غير قابلة للمساءلة والشك في أفضليتها ، رغم أن عددا ضخما من خريجيه ليست لهم علاقة سليمة مع لغتهم الوطنية أو الدارجة التونسية العربية التي طالما يعتبرونها نفسيا وفي الاستعمال في شؤونهم الشخصية والمجتمعية وكأنها لغة ثانية أو ثالثة.فالتعليم التونسي الفاقد للحجر اللغوي لصالح العربية لا يحمي التونسيات والتونسيين من معالم الاستلاب اللغوي. فخريجو المدرسة الصادقية ونظراؤهم المتعلمون في المدارس والمعاهد والجامعات التونسية في عهد الاستقلال يشكون من معالم الاستلاب اللغوي المهين بسبب فقدانهم لنظام تعليم يكون فيه الحجر اللغوي هو الأساس الطبيعي كما تفعل أنظمة التعليم في المجتمعات المتقدمة على الخصوص.