إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أي مستقبل للصحافة التقليدية في مواجهة الصحافة الالكترونية

 

 

بقلم د. الصحراوي قمعون

استطاعت الصحافة الورقية التأقلم مع الأوضاع والانتقال إلى الصحافة الالكترونية ولكن الكثيرين يعتقدون أن القادم سيكون قرن الوسائط المتعددة والذكاء الاصطناعي الذي سيغزو كل القطاعات ومن بينها قطاع الصحافة

صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة

      تبدو الصحافة المكتوبة كائنا حيا، كالطائر الأسطوري العنقاء أثبتت ديمومتها رغم التحديات العاصفة التي تعرض لها، ورغم التنبؤات العديدة خلال السنوات الأخيرة باضمحلال الصحافة التقليدية الورقية.

    ويلمس المرء ذلك في تعدد العناوين الصحفية المتواجدة منذ أكثر من قرنين في الأكشاك وفي البوابات الالكترونية، على غرار ما يلمسه القارئ من التواجد المتوازي للكتب الصادرة في المكتبات التقليدية وفي المكتبات الالكترونية عبر(أمازون) أو في مجال السينما بأشرطتها في القاعات المتجددة ثلاثية الأبعاد أو في الموقع الالكتروني (ناتفليكس) العالمي .

سر استدامة الصحافة التقليدية

     وفي البلدان الغربية التي حققت فيها صحافتها بنجاح انتقالها الرقمي من الورقي إلى الالكتروني ،أصبحت الصحيفة أو المجلة تجد تأكيدا لها ولوجودها من خلال قراءها متعددي المشارب، الذين يتلقون الرسالة الإعلامية فيتفاعلون معها بأساليب مختلفة. ولكن الهدف يبقي نفسه منذ قرون ومنذ ظهور أول صحيفة في أوروبا وهي "لاغازيت" الفرنسية عام 1630، وهو ضمان وفاء القراء لصحيفتهم ورقية كانت أو الكترونية ومدى إقبالهم على شرائها كل يوم أو الدخول الأوتوماتيكي إلى موقعها الالكتروني ومطالعتها مجانا أو بمقابل مقبول إجمالي أو بالقطعة، بهدف الاستنارة ومحاولة فهم الأحداث السياسية وغيرها التي يجد القارئ نفسه غير قادر على فهم مستجداتها وخلفياتها وطلاسمها للكثير منهم .

  ومنذ ظهورها، تنوعت الصحافة وتطورت أساليبها في كل بلد حسب خصوصياته التاريخية والحضارية. ولم تعرف الصحافة في العالم العربي إلا بتأخير قرنين عن أوروبا بظهور أول صحيفة في العالم العربي وهي "الرائد التونسي" عام 1860، وبتأخير قرنين أيضا عن ظهور المطبعة في العالم العربي التي حرمها السلطان العثماني حتى لا تتسبب في تحريف القرآن الكريم عند طبعه أليّا عوض النسخ اليدوي المتعارف والمتعود عليه.

  لقد استطاعت الصحافة التقليدية أن تقاوم كل التحديات التي واجهتها خلال القرون الأربعة الأخيرة من عمرها واستطاعت الصمود حتى أيامنا هذه، بعد ظهور الوسائط المتعددة للإعلام وخاصة الأنترنات . واستطاعت الصحافة الورقية التأقلم مع الأوضاع والانتقال إلى الصحافة الالكترونية . ولكن الكثيرين يعتقدون أن بقية القرن الحالي 21 والقادم سيكون قرن الوسائط المتعددة والذكاء الاصطناعي الذي سيغزو كل القطاعات ومن بينها قطاع الصحافة والكتابة الصحفية بمختلف أجناسها المتعارفة والقادمة سواء على مهل أو على عجل .

      وكانت الصحافة بلغت أوجها مع القرن التاسع عشر، في حين كان القرن العشرون قرن الإذاعة والتلفزيون دون منازع، ودون أن يقضيا على صاحبة الجلالة.

      ويقارن بعض المؤرخين بين هذا المسار للصحافة ومسار التطور التكنولوجي للسكك الحديدية والفحم وصناعة الصلب حتى القرن التاسع عشر وبداية مزاحمتها مع القرن العشرين بواسطة صناعة السيارات والبترول وصناعة البلاستيك. إنها مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية مثل مرورها من الحقبة الرعوية (بَاسْتُورَالِيسْ) إلى الحقبة الزراعية (أغْرَارِيَا)، إلى الحقبة الصناعية (إنْدُوسْتْرِيَا) إلى الحقبة المعلوماتية (أنْفُورْمَاتِيكَا) حاليا ومستقبلا والتي تتحكم فيها مستقبلا تطبيقات خوارزمية أبي جعفر الخوارزمي.

     وبالنسبة للإعلام والمعرفة، يشكل هذا التطور الإنساني الأخير، شبيها بما عرفته الإنسانية من اكتشاف المطبعة مع غوتمبارغ في القرن الخامس عشر وانتقال الإنسانية من المعرفة عبر النسخ اليدوي النخبوي المحدود إلى المرحلة المطبوعة الميكانيكية التي وفرت المعرفة الشعبية لأوسع شرائح المجتمعات الإنسانية .

      ومنذ عشرية التسعينات في القرن الماضي غيرت التقنيات ذات المحتوي الرقمي المشهد الإعلامي والصحفي بشكل جوهري، مما شكل ثورة معلوماتية غير مسبوقة انعكست علي سلوك الناس في تعاملهم مع المادة الإخبارية التي كانت موزعة بين الجريدة والإذاعة والتلفزيون والسينما، فأصبحت الأنترنات وعاءا مشتركا لها، مما شكل ميلاد ما أطلق عليه الجميع شبكة الشبكات والمحامل للذكاء الاصطناعي التي انصهرت فيها مختلف الأدوات الإعلامية وتتحكم في توجيهه الخوارزميات التي تيسر عمل الصحفي حسبما يطلبها منها.

  ومع التطورات المتسارعة خلال السنوات الأخيرة أصبح جهاز الكمبيوتر المحمول وجهاز الهاتف النقال حامل محتوى كل الأدوات الإعلامية من صحافة وإذاعة وتلفزة ومواقع الكترونية ومنتديات التواصل الاجتماعي والتدوين والتغريد. وأدت كل هذه التطورات إلى تراجع مكانة الصحافة التقليدية واضطرار الكثير من العناوين إلي تقليص حجم العاملين لديها من الصحافيين واضطر البعض الأخر إلى غلق الصحيفة أمام تراجع عدد القراء وانخفاض المداخيل الإشهارية التي أضحت تذهب إلى المواقع الالكترونية، حسب بعض المتشائمين من مصير الصحافة التقليدية.

     وفي مقابل ذلك يرى البعض من المتفائلين أن هذه الأدوات الرقمية الجديدة هي بداية عصر جديد للصحافة ،سيتكرس مع الأيام ويزيد من قيمتها ووزنها في المجتمع، رغم أنها ستقضي على كل ما هو ورقي . وستتحول بذلك الصحافة من مادة ملموسة عبر ورق الجرائد وحبرها الملوث إلى مادة منسابة عبر الشبكة العنكبوتية بأكثر سرعة ونجاعة وتأثيرا. وقد يعطي ذلك الصحافة عمرا جديدا تدخل به غمار عصر المعلومات الرقمية والذكاء الاصطناعي من بابه الكبير المؤثر في الرأي العام والمجتمع عموما .

مهن الإعلام الجديد

        في ظل التحولات الإعلامية والاتصالية التي توصف ب"الثورة المعرفية"، ظهرت على مدى العقود الماضية مهن جديدة في قطاع الصحافة والإعلام والاتصال. وكان البعض يتوقع أن تقضي الأنترنات على الصحافة المكتوبة وحتى على الإذاعة والتلفزة، وإذا بها تضيف إليها مجالات جديدة للنشاط وتفتح مهنا جديدة في عالم الصحافة الالكترونية .

    كما سمحت تلك التطورات بعد عقدين من ظهور محامل الملتيميديا اللاحقة للأنترنات من تنويع مصادر دخل الصحف التي كان البعض منها سباقة في تحقيق الانتقال المدروس من الورقي الى الالكتروني ، لتتطور من يوم إلى أخر فرص الصحافة الالكترونية عبر العديد من البوابات والمواقع الالكترونية للصحافة الورقية أو الصحف الالكترونية الناشئة التي تتوسع مع الأيام في اتجاه المستقبل الذي سيكون للصحافة الالكترونية بمهنها الجديدة ذات الصلة بالملتيميديا .

خصوصية الكتابة الصحفية في العصر الالكتروني

   وعلى مستوى المضامين أصبحت الكتابة على الصفحات الالكترونية تزاحم بشكل جدي وحاسم الكتابة على الصفحات الورقية لأنها تمتاز بالسرعة وسهولة النفاذ وتوفر النص والصورة والصوت في المقال المنشور إضافة إلي كونها تسمح بالنشر على نطاق واسع وعالمي يتخطي الحدود عبر الأنترنات. كما توفر إمكانية التفاعل الآني وفي نفس اللحظة مع المتلقي.

     وأمام هذا الوضع الجديد التنافسي، أصبحت وسائل الإعلام التقليدية (الصحف والوكالات والإذاعات والتلفزيون) تعمد إلى استعمال آليات وتكنولوجيا الملتيميديا عبر فتح بوابات ومواقع الكترونية لها محيّنة على مدار الساعة .

      كما أصبح للصحافة الالكترونية بصحفها ومواقعها خصوصيات في الكتابة الصحفية سواء علي مستوى الشكل أو المضمون. وظهر الأسلوب الإلكتروني للكتابة قائما على جمل قصيرة ولغة مبسطة، إضافة إلى الإحالات على المواقع ذات الصلة بموضوع المقال الذي يكون مقال الواجهة (قصير) يحيل إلى مقالات فرعية (طويلة) يقع النفاذ إليها أو فتحها حسب رغبة القارئ أو المتصفح. وهي مقالات توثيقية تضم الكلمة والصوت والصورة والجداول والرسوم البيانية (أنفوغرافي) في مواقع مجانية أو بمقابل .

   وتتطلب الكتابة في الموقع الالكتروني حذق نفس آليات عمل الصحفي التقليدية وهي متابعة الأخبار والتثبت منها ومعالجتها قبل بثها . وهي تتطلب منه اليقظة والتجند كامل الوقت للتدخل في أية لحظة لتحيين الخبر أو المقال لدى حدوث جديد في مستجدات الموضوع . وكل تأخير في التحديث الآني يفقد الموقع مصداقيته وإشعاعه كمرجع وباعتبار الآنية الإخبارية الموثوقة، هي العنصر الأساسي في الموقع الالكتروني التنافسي.

وفي خضم ذلك تبدو الصحافة العربية مدعوة إلى إنجاح عمليتها المصيرية العاجلة للانتقال الرقمي الصحفي الذي سيسمح لها بضمان التواجد المستقبلي والحياة أو الذبول في عالم صحفي رقمي تنافسي لا يرحم في كل بلد ومع المجموعات الإقليمية القريبة أو البعيدة، يهدد فيه روبوت الذكاء الاصطناعي مولد النصوص الصحفية، بقتل كل من يتخلف عن ركبه الميمون.

 

 

 

 

 

 

 أي مستقبل للصحافة التقليدية في مواجهة الصحافة الالكترونية

 

 

بقلم د. الصحراوي قمعون

استطاعت الصحافة الورقية التأقلم مع الأوضاع والانتقال إلى الصحافة الالكترونية ولكن الكثيرين يعتقدون أن القادم سيكون قرن الوسائط المتعددة والذكاء الاصطناعي الذي سيغزو كل القطاعات ومن بينها قطاع الصحافة

صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة

      تبدو الصحافة المكتوبة كائنا حيا، كالطائر الأسطوري العنقاء أثبتت ديمومتها رغم التحديات العاصفة التي تعرض لها، ورغم التنبؤات العديدة خلال السنوات الأخيرة باضمحلال الصحافة التقليدية الورقية.

    ويلمس المرء ذلك في تعدد العناوين الصحفية المتواجدة منذ أكثر من قرنين في الأكشاك وفي البوابات الالكترونية، على غرار ما يلمسه القارئ من التواجد المتوازي للكتب الصادرة في المكتبات التقليدية وفي المكتبات الالكترونية عبر(أمازون) أو في مجال السينما بأشرطتها في القاعات المتجددة ثلاثية الأبعاد أو في الموقع الالكتروني (ناتفليكس) العالمي .

سر استدامة الصحافة التقليدية

     وفي البلدان الغربية التي حققت فيها صحافتها بنجاح انتقالها الرقمي من الورقي إلى الالكتروني ،أصبحت الصحيفة أو المجلة تجد تأكيدا لها ولوجودها من خلال قراءها متعددي المشارب، الذين يتلقون الرسالة الإعلامية فيتفاعلون معها بأساليب مختلفة. ولكن الهدف يبقي نفسه منذ قرون ومنذ ظهور أول صحيفة في أوروبا وهي "لاغازيت" الفرنسية عام 1630، وهو ضمان وفاء القراء لصحيفتهم ورقية كانت أو الكترونية ومدى إقبالهم على شرائها كل يوم أو الدخول الأوتوماتيكي إلى موقعها الالكتروني ومطالعتها مجانا أو بمقابل مقبول إجمالي أو بالقطعة، بهدف الاستنارة ومحاولة فهم الأحداث السياسية وغيرها التي يجد القارئ نفسه غير قادر على فهم مستجداتها وخلفياتها وطلاسمها للكثير منهم .

  ومنذ ظهورها، تنوعت الصحافة وتطورت أساليبها في كل بلد حسب خصوصياته التاريخية والحضارية. ولم تعرف الصحافة في العالم العربي إلا بتأخير قرنين عن أوروبا بظهور أول صحيفة في العالم العربي وهي "الرائد التونسي" عام 1860، وبتأخير قرنين أيضا عن ظهور المطبعة في العالم العربي التي حرمها السلطان العثماني حتى لا تتسبب في تحريف القرآن الكريم عند طبعه أليّا عوض النسخ اليدوي المتعارف والمتعود عليه.

  لقد استطاعت الصحافة التقليدية أن تقاوم كل التحديات التي واجهتها خلال القرون الأربعة الأخيرة من عمرها واستطاعت الصمود حتى أيامنا هذه، بعد ظهور الوسائط المتعددة للإعلام وخاصة الأنترنات . واستطاعت الصحافة الورقية التأقلم مع الأوضاع والانتقال إلى الصحافة الالكترونية . ولكن الكثيرين يعتقدون أن بقية القرن الحالي 21 والقادم سيكون قرن الوسائط المتعددة والذكاء الاصطناعي الذي سيغزو كل القطاعات ومن بينها قطاع الصحافة والكتابة الصحفية بمختلف أجناسها المتعارفة والقادمة سواء على مهل أو على عجل .

      وكانت الصحافة بلغت أوجها مع القرن التاسع عشر، في حين كان القرن العشرون قرن الإذاعة والتلفزيون دون منازع، ودون أن يقضيا على صاحبة الجلالة.

      ويقارن بعض المؤرخين بين هذا المسار للصحافة ومسار التطور التكنولوجي للسكك الحديدية والفحم وصناعة الصلب حتى القرن التاسع عشر وبداية مزاحمتها مع القرن العشرين بواسطة صناعة السيارات والبترول وصناعة البلاستيك. إنها مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية مثل مرورها من الحقبة الرعوية (بَاسْتُورَالِيسْ) إلى الحقبة الزراعية (أغْرَارِيَا)، إلى الحقبة الصناعية (إنْدُوسْتْرِيَا) إلى الحقبة المعلوماتية (أنْفُورْمَاتِيكَا) حاليا ومستقبلا والتي تتحكم فيها مستقبلا تطبيقات خوارزمية أبي جعفر الخوارزمي.

     وبالنسبة للإعلام والمعرفة، يشكل هذا التطور الإنساني الأخير، شبيها بما عرفته الإنسانية من اكتشاف المطبعة مع غوتمبارغ في القرن الخامس عشر وانتقال الإنسانية من المعرفة عبر النسخ اليدوي النخبوي المحدود إلى المرحلة المطبوعة الميكانيكية التي وفرت المعرفة الشعبية لأوسع شرائح المجتمعات الإنسانية .

      ومنذ عشرية التسعينات في القرن الماضي غيرت التقنيات ذات المحتوي الرقمي المشهد الإعلامي والصحفي بشكل جوهري، مما شكل ثورة معلوماتية غير مسبوقة انعكست علي سلوك الناس في تعاملهم مع المادة الإخبارية التي كانت موزعة بين الجريدة والإذاعة والتلفزيون والسينما، فأصبحت الأنترنات وعاءا مشتركا لها، مما شكل ميلاد ما أطلق عليه الجميع شبكة الشبكات والمحامل للذكاء الاصطناعي التي انصهرت فيها مختلف الأدوات الإعلامية وتتحكم في توجيهه الخوارزميات التي تيسر عمل الصحفي حسبما يطلبها منها.

  ومع التطورات المتسارعة خلال السنوات الأخيرة أصبح جهاز الكمبيوتر المحمول وجهاز الهاتف النقال حامل محتوى كل الأدوات الإعلامية من صحافة وإذاعة وتلفزة ومواقع الكترونية ومنتديات التواصل الاجتماعي والتدوين والتغريد. وأدت كل هذه التطورات إلى تراجع مكانة الصحافة التقليدية واضطرار الكثير من العناوين إلي تقليص حجم العاملين لديها من الصحافيين واضطر البعض الأخر إلى غلق الصحيفة أمام تراجع عدد القراء وانخفاض المداخيل الإشهارية التي أضحت تذهب إلى المواقع الالكترونية، حسب بعض المتشائمين من مصير الصحافة التقليدية.

     وفي مقابل ذلك يرى البعض من المتفائلين أن هذه الأدوات الرقمية الجديدة هي بداية عصر جديد للصحافة ،سيتكرس مع الأيام ويزيد من قيمتها ووزنها في المجتمع، رغم أنها ستقضي على كل ما هو ورقي . وستتحول بذلك الصحافة من مادة ملموسة عبر ورق الجرائد وحبرها الملوث إلى مادة منسابة عبر الشبكة العنكبوتية بأكثر سرعة ونجاعة وتأثيرا. وقد يعطي ذلك الصحافة عمرا جديدا تدخل به غمار عصر المعلومات الرقمية والذكاء الاصطناعي من بابه الكبير المؤثر في الرأي العام والمجتمع عموما .

مهن الإعلام الجديد

        في ظل التحولات الإعلامية والاتصالية التي توصف ب"الثورة المعرفية"، ظهرت على مدى العقود الماضية مهن جديدة في قطاع الصحافة والإعلام والاتصال. وكان البعض يتوقع أن تقضي الأنترنات على الصحافة المكتوبة وحتى على الإذاعة والتلفزة، وإذا بها تضيف إليها مجالات جديدة للنشاط وتفتح مهنا جديدة في عالم الصحافة الالكترونية .

    كما سمحت تلك التطورات بعد عقدين من ظهور محامل الملتيميديا اللاحقة للأنترنات من تنويع مصادر دخل الصحف التي كان البعض منها سباقة في تحقيق الانتقال المدروس من الورقي الى الالكتروني ، لتتطور من يوم إلى أخر فرص الصحافة الالكترونية عبر العديد من البوابات والمواقع الالكترونية للصحافة الورقية أو الصحف الالكترونية الناشئة التي تتوسع مع الأيام في اتجاه المستقبل الذي سيكون للصحافة الالكترونية بمهنها الجديدة ذات الصلة بالملتيميديا .

خصوصية الكتابة الصحفية في العصر الالكتروني

   وعلى مستوى المضامين أصبحت الكتابة على الصفحات الالكترونية تزاحم بشكل جدي وحاسم الكتابة على الصفحات الورقية لأنها تمتاز بالسرعة وسهولة النفاذ وتوفر النص والصورة والصوت في المقال المنشور إضافة إلي كونها تسمح بالنشر على نطاق واسع وعالمي يتخطي الحدود عبر الأنترنات. كما توفر إمكانية التفاعل الآني وفي نفس اللحظة مع المتلقي.

     وأمام هذا الوضع الجديد التنافسي، أصبحت وسائل الإعلام التقليدية (الصحف والوكالات والإذاعات والتلفزيون) تعمد إلى استعمال آليات وتكنولوجيا الملتيميديا عبر فتح بوابات ومواقع الكترونية لها محيّنة على مدار الساعة .

      كما أصبح للصحافة الالكترونية بصحفها ومواقعها خصوصيات في الكتابة الصحفية سواء علي مستوى الشكل أو المضمون. وظهر الأسلوب الإلكتروني للكتابة قائما على جمل قصيرة ولغة مبسطة، إضافة إلى الإحالات على المواقع ذات الصلة بموضوع المقال الذي يكون مقال الواجهة (قصير) يحيل إلى مقالات فرعية (طويلة) يقع النفاذ إليها أو فتحها حسب رغبة القارئ أو المتصفح. وهي مقالات توثيقية تضم الكلمة والصوت والصورة والجداول والرسوم البيانية (أنفوغرافي) في مواقع مجانية أو بمقابل .

   وتتطلب الكتابة في الموقع الالكتروني حذق نفس آليات عمل الصحفي التقليدية وهي متابعة الأخبار والتثبت منها ومعالجتها قبل بثها . وهي تتطلب منه اليقظة والتجند كامل الوقت للتدخل في أية لحظة لتحيين الخبر أو المقال لدى حدوث جديد في مستجدات الموضوع . وكل تأخير في التحديث الآني يفقد الموقع مصداقيته وإشعاعه كمرجع وباعتبار الآنية الإخبارية الموثوقة، هي العنصر الأساسي في الموقع الالكتروني التنافسي.

وفي خضم ذلك تبدو الصحافة العربية مدعوة إلى إنجاح عمليتها المصيرية العاجلة للانتقال الرقمي الصحفي الذي سيسمح لها بضمان التواجد المستقبلي والحياة أو الذبول في عالم صحفي رقمي تنافسي لا يرحم في كل بلد ومع المجموعات الإقليمية القريبة أو البعيدة، يهدد فيه روبوت الذكاء الاصطناعي مولد النصوص الصحفية، بقتل كل من يتخلف عن ركبه الميمون.