التسريبات أصبحت كظاهرة مستجدة في الأوساط التونسية، آلية توظيف وتوجيه واستعمال بامتياز في الصراعات والأجندات السياسية
تونس – الصباح
لا ينكر أحد أن "التسريبات" شكلت احد العوامل المتحكمة والمؤثرة في المسارات والأحداث السياسية في تونس ما بعد ثورة 2011. وأصبحت كظاهرة مستجدة في الأوساط التونسية، آلية توظيف وتوجيه واستعمال بامتياز في الصراعات والأجندات السياسية بالأساس سواء داخل الحزب الواحد أو في المنظومة المتحكمة والمنفذة والفاعلة في المشهد العام خلال هذه المرحلة، لتشمل قطاعات ومجالات أخرى إعلامية كانت أم رياضية وفنية.. رغم اختلاف القراءات لهذه الظاهرة في أبعادها الأخلاقوية والقانونية والاستخباراتية خاصة أن البعض يعتبرها انتهاكا لحرمة الحريات الفردية واعتداء عليها بما يدفع لإعادة النظر فيما تنص عليه أخلاقيات المهنة الصحفية والقوانين المنظمة للمهنة خاصة عند انخراط أبناء القطاع في هذه العملية من ناحية فيما يرى البعض الآخر أن إحدى أدوات الحرب العصرية المعتمدة في السجال على قلب وكسب موازين القوى لاسيما أن التكنولوجيات الحديثة تتيح هذه العملية أكثر من أي وقت مضى.
وبقطع النظر عما تضمنته التسريبات الأخيرة لرئيس حركة النهضة بالنيابة الدكتور منذر الونيسي من معطيات واعترافات ضمنية تدين النهضة وبعض قياداتها خاصة أن جانبا مما كشف عنه في نفس التسريب من مكالمة هاتفية مسجلة من قبل صحفية تدين في أغلبها النهضة وتؤكد ما كان يتداول من قبل البعض في الأطر الضيقة والخفاء، وبعضها الآخر يعد محور اتهامات وملفات قضائية مرفوعة ضد بعض قياديي الحركة من قبيل تبييض الأموال والأذرع الخارجية والمال الأجنبي وتورط رجال أعمال وأطراف داخلية وخارجية لتغيير النظام أو الوصول للسلطة، رغم أن تأكيد صحة وصدقية مثل هذه المسائل يظل من مشمولات الجهات القضائية والأمنية.
فالتسريبات التي عرفتها بلادنا خلال المرحلة الماضية كان لها وقعها ودورها في تغيير وإنارة الرأي العام من ناحية والكشف عن حقائق وملفات على غاية من الخطورة خاصة أنها شملت تسجيلات صوتية ووثائق رسمية سرية وغيرها من الملفات والفديوهات المصورة والبيانات. إذ كثيرا ما ساهمت التسريبات في كشف جوانب من الحقائق والوقائع المخفية بعيدا عن مراوغات أصحابها أو الجهات الصادرة عنها. وكانت حركة النهضة حاضرة بقوة في جل التسريبات المسجلة خلال حقبة ما بعد الثورة، لعل أبرزها تسريب وثيقة أمنية سنة 2013 حذرت فيها المخابرات المركزية الأمريكية وزارة الداخلية التونسية من اغتيال الشهيد محمد البراهمي واعتبر ذلك مساسا بالأمن القومي. أو التسريبات المصورة للقاء الغنوشي سنة 2012 بعدد من السلفيين في تونس وتأكيده أن الجيش والإعلام غير مضمونين" وما أثاره من ضجة وردود أفعال واسعة وغيرها من التسريبات الخاصة برجل الأعمال فتحي دمق ومصطفى خذر وعلاقة ذلك بالجهاز السري وغيرهم.
ولم تكن التسجيلات تختلف في توظيفها عن بقية أنواع التسريبات الأخرى لوثائق وملفات، إذ سبق أن أكد رجل الأعمال الذي يقبع في السجن شفيق جراية في النصف الأول من سنة 2015 في ندوة صحفيه أنه كان محل ابتزاز من قبل بعض السياسيين من حزب نداء تونس عبر توظيف واستعمال تسجيلات صوتية وتنصت على مكالماته الهاتفية، وأنه رفع قضية في الغرض وتسجيلات لبعض الاجتماعات الحزبية والإعلامية "شبه الخاصة وشبه العامة المسربة من اجتماعات حركة النهضة وحركة نداء تونس.
ويكفي العودة إلى ما أثارته حرب التسريبات بين أبناء نداء تونس ودورها في تأجيج حرب الصراع داخل أجنحته وتداعياتها في ضرب قوة الحزب وهز استقراره فاندثاره. إضافة إلى التسجيلات والتسريبات الخاصة ببعض رجال الأعمال ونواب البرلمان ونبيل القروي ووثائق "ويكليكس" و"بنما" وما خلفته من جدل في الأوساط التونسية. كما عبر بعض السياسيين عن استنكارهم لما روجوا له من اعتماد أحد رؤساء الحكومات في العشرية الماضية سياسة "الابتزاز" عبر ملفات فساد المسربة لبعض رجال الأعمال.
فيما شكلت عملية تسجيل النائب في البرلمان المنحل رشاد الخياري للنائب بنفس البرلمان عن الكتلة الديمقراطية والناطق الرسمي للتيار الديمقراطي محمد عمار في بداية 2021 منعرجا جديدا في توظيف التسريبات بعد أن أكد الأول تعمده العملية في عقر دار مضيفه، وما خلفه ذلك من ردود أفعال وتداعيات كان من أبرزها قرار التيار الديمقراطي إقالة عمار من الحزب.
ولا تزال التسريبات الخاصة بمديرة الديوان الرئاسي السابقة نادية عكاشة محل جدل وتتبع قضائي، واستنكار وجدل في عدة أوساط في تونس على اعتبار أنها لم تعتمد واجب التحفظ وفيها مس من الأمن القومي والسيادة الوطنية. إضافة إلى التسريب الذي تضمنه وثائقي "ما خفي أعظم" حول التسفير إلى بؤر التوتر والإرهاب الذي بثته قناة "الجزيرة" في فيفري الماضي لمكالمات هاتفية وتسجيلات لأمنيين وغيرهم وما خلفه من جدل.
ورغم تأكيد عديد الجهات على أنه يصعب إخضاع التسريبات إلى الشروط والمقاييس المطلوبة من وضع التسريب في سياقه العام ومراعاة الأطراف المشاركة فيه وأن لا يكون التسريب معلومة مقتطفة أو مجتزأة عن سياقها، إلا أن جل التسريبات المعتمدة لاسيما منها الصوتية كثيرا ما تخضع لمنطق "التركيب" والإخراج في سياق التوظيف والاستعمالات الموجهة على غرار ما أكده أغلب متابعي التسريبات الصوتية المسجلة لرئيس حركة النهضة بالنيابة الأخيرة التي كان خروجها كفيلا بوضع حد لعاصفة صراع حاد داخل قيادات الحركة. إذ كثيرا ما أكد ونبه له أغلب من كانوا عرضة لهذه العملية.
فظاهرة التسريبات والتسجيلات أصبحت لدى البعض آلية للتشفي والإطاحة بالخصوم والابتزاز في عدة مجالات وفي مختلف الأوساط ولم تعد حكرا على السياسيين والمتنفذين ورجال الأعمال وشكلت أيضا عاملا هداما ومؤثرا في المسارات والأحداث. لاسيما أن البعض يعتبرها إفرازا وتأكيدا عمليا لدور الدولة العميقة في التدخل لعرقلة المسارات وتغيير وجهتها بما يخدم أجنداتها ومصالحها.
نزيهة الغضباني
التسريبات أصبحت كظاهرة مستجدة في الأوساط التونسية، آلية توظيف وتوجيه واستعمال بامتياز في الصراعات والأجندات السياسية
تونس – الصباح
لا ينكر أحد أن "التسريبات" شكلت احد العوامل المتحكمة والمؤثرة في المسارات والأحداث السياسية في تونس ما بعد ثورة 2011. وأصبحت كظاهرة مستجدة في الأوساط التونسية، آلية توظيف وتوجيه واستعمال بامتياز في الصراعات والأجندات السياسية بالأساس سواء داخل الحزب الواحد أو في المنظومة المتحكمة والمنفذة والفاعلة في المشهد العام خلال هذه المرحلة، لتشمل قطاعات ومجالات أخرى إعلامية كانت أم رياضية وفنية.. رغم اختلاف القراءات لهذه الظاهرة في أبعادها الأخلاقوية والقانونية والاستخباراتية خاصة أن البعض يعتبرها انتهاكا لحرمة الحريات الفردية واعتداء عليها بما يدفع لإعادة النظر فيما تنص عليه أخلاقيات المهنة الصحفية والقوانين المنظمة للمهنة خاصة عند انخراط أبناء القطاع في هذه العملية من ناحية فيما يرى البعض الآخر أن إحدى أدوات الحرب العصرية المعتمدة في السجال على قلب وكسب موازين القوى لاسيما أن التكنولوجيات الحديثة تتيح هذه العملية أكثر من أي وقت مضى.
وبقطع النظر عما تضمنته التسريبات الأخيرة لرئيس حركة النهضة بالنيابة الدكتور منذر الونيسي من معطيات واعترافات ضمنية تدين النهضة وبعض قياداتها خاصة أن جانبا مما كشف عنه في نفس التسريب من مكالمة هاتفية مسجلة من قبل صحفية تدين في أغلبها النهضة وتؤكد ما كان يتداول من قبل البعض في الأطر الضيقة والخفاء، وبعضها الآخر يعد محور اتهامات وملفات قضائية مرفوعة ضد بعض قياديي الحركة من قبيل تبييض الأموال والأذرع الخارجية والمال الأجنبي وتورط رجال أعمال وأطراف داخلية وخارجية لتغيير النظام أو الوصول للسلطة، رغم أن تأكيد صحة وصدقية مثل هذه المسائل يظل من مشمولات الجهات القضائية والأمنية.
فالتسريبات التي عرفتها بلادنا خلال المرحلة الماضية كان لها وقعها ودورها في تغيير وإنارة الرأي العام من ناحية والكشف عن حقائق وملفات على غاية من الخطورة خاصة أنها شملت تسجيلات صوتية ووثائق رسمية سرية وغيرها من الملفات والفديوهات المصورة والبيانات. إذ كثيرا ما ساهمت التسريبات في كشف جوانب من الحقائق والوقائع المخفية بعيدا عن مراوغات أصحابها أو الجهات الصادرة عنها. وكانت حركة النهضة حاضرة بقوة في جل التسريبات المسجلة خلال حقبة ما بعد الثورة، لعل أبرزها تسريب وثيقة أمنية سنة 2013 حذرت فيها المخابرات المركزية الأمريكية وزارة الداخلية التونسية من اغتيال الشهيد محمد البراهمي واعتبر ذلك مساسا بالأمن القومي. أو التسريبات المصورة للقاء الغنوشي سنة 2012 بعدد من السلفيين في تونس وتأكيده أن الجيش والإعلام غير مضمونين" وما أثاره من ضجة وردود أفعال واسعة وغيرها من التسريبات الخاصة برجل الأعمال فتحي دمق ومصطفى خذر وعلاقة ذلك بالجهاز السري وغيرهم.
ولم تكن التسجيلات تختلف في توظيفها عن بقية أنواع التسريبات الأخرى لوثائق وملفات، إذ سبق أن أكد رجل الأعمال الذي يقبع في السجن شفيق جراية في النصف الأول من سنة 2015 في ندوة صحفيه أنه كان محل ابتزاز من قبل بعض السياسيين من حزب نداء تونس عبر توظيف واستعمال تسجيلات صوتية وتنصت على مكالماته الهاتفية، وأنه رفع قضية في الغرض وتسجيلات لبعض الاجتماعات الحزبية والإعلامية "شبه الخاصة وشبه العامة المسربة من اجتماعات حركة النهضة وحركة نداء تونس.
ويكفي العودة إلى ما أثارته حرب التسريبات بين أبناء نداء تونس ودورها في تأجيج حرب الصراع داخل أجنحته وتداعياتها في ضرب قوة الحزب وهز استقراره فاندثاره. إضافة إلى التسجيلات والتسريبات الخاصة ببعض رجال الأعمال ونواب البرلمان ونبيل القروي ووثائق "ويكليكس" و"بنما" وما خلفته من جدل في الأوساط التونسية. كما عبر بعض السياسيين عن استنكارهم لما روجوا له من اعتماد أحد رؤساء الحكومات في العشرية الماضية سياسة "الابتزاز" عبر ملفات فساد المسربة لبعض رجال الأعمال.
فيما شكلت عملية تسجيل النائب في البرلمان المنحل رشاد الخياري للنائب بنفس البرلمان عن الكتلة الديمقراطية والناطق الرسمي للتيار الديمقراطي محمد عمار في بداية 2021 منعرجا جديدا في توظيف التسريبات بعد أن أكد الأول تعمده العملية في عقر دار مضيفه، وما خلفه ذلك من ردود أفعال وتداعيات كان من أبرزها قرار التيار الديمقراطي إقالة عمار من الحزب.
ولا تزال التسريبات الخاصة بمديرة الديوان الرئاسي السابقة نادية عكاشة محل جدل وتتبع قضائي، واستنكار وجدل في عدة أوساط في تونس على اعتبار أنها لم تعتمد واجب التحفظ وفيها مس من الأمن القومي والسيادة الوطنية. إضافة إلى التسريب الذي تضمنه وثائقي "ما خفي أعظم" حول التسفير إلى بؤر التوتر والإرهاب الذي بثته قناة "الجزيرة" في فيفري الماضي لمكالمات هاتفية وتسجيلات لأمنيين وغيرهم وما خلفه من جدل.
ورغم تأكيد عديد الجهات على أنه يصعب إخضاع التسريبات إلى الشروط والمقاييس المطلوبة من وضع التسريب في سياقه العام ومراعاة الأطراف المشاركة فيه وأن لا يكون التسريب معلومة مقتطفة أو مجتزأة عن سياقها، إلا أن جل التسريبات المعتمدة لاسيما منها الصوتية كثيرا ما تخضع لمنطق "التركيب" والإخراج في سياق التوظيف والاستعمالات الموجهة على غرار ما أكده أغلب متابعي التسريبات الصوتية المسجلة لرئيس حركة النهضة بالنيابة الأخيرة التي كان خروجها كفيلا بوضع حد لعاصفة صراع حاد داخل قيادات الحركة. إذ كثيرا ما أكد ونبه له أغلب من كانوا عرضة لهذه العملية.
فظاهرة التسريبات والتسجيلات أصبحت لدى البعض آلية للتشفي والإطاحة بالخصوم والابتزاز في عدة مجالات وفي مختلف الأوساط ولم تعد حكرا على السياسيين والمتنفذين ورجال الأعمال وشكلت أيضا عاملا هداما ومؤثرا في المسارات والأحداث. لاسيما أن البعض يعتبرها إفرازا وتأكيدا عمليا لدور الدولة العميقة في التدخل لعرقلة المسارات وتغيير وجهتها بما يخدم أجنداتها ومصالحها.