أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق السنة القضائية الجديدة ومازالت انتظارات عائلات ضحايا انتهاكات الماضي "عالقة" أمام مسار عدالة انتقالية معطل منذ خمس سنوات..هذه العدالة التي عرفها المشرع التونسي على أنها "مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان".. ولكنها ظلت عدالة منقوصة وعرجاء تراوح مكانها منذ سنوات ولم يتم إنصاف الضحية ولم يعتذر الجلاد.
مفيدة القيزاني
الحركة القضائية ومسار العدالة الانتقالية..
منذ انطلاق عمل الدوائر القضائية المتخصصة مثلت الحركة السنوية للقضاء كابوسا للضحايا، حيث أن نقلة القضاة الجالسين في الدوائر القضائية تعني حتمية تأخر استئناف الدوائر لعملها وذلك لإلزامية تلقي القضاة الجالسين في ملفات العدالة الانتقالية تدريبا خاصا بهذا المسار إضافة الى الزمن المستوجب للاطلاع على الملفات والأعمال المنجزة.
ويبدو أن الحركة القضائية لسنة 2023- 2024 لم تخرج عن هذا المسار وأثارت الكثير من الجدل والانتقادات فبعد جمعية القضاة وعدد من الفروع الجهوية للمحامين عبرت الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية عن عدم رضاها واستيائها من الحركة القضائية في علاقة بقضايا العدالة الانتقالية باعتبار أن عددا من القضاة المختصين في العدالة الانتقالية تمت نقلتهم.
واعتبرت الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية أن هذه الحركة جاءت في وقت بلغت فيه العديد من القضايا آخر مراحلها وبدأ أصحابها يترقبون الأحكام التي من شانها ان تسترد حقوقهم وحقوق ذويهم وترد لهم الاعتبار وتحفظ ذاكرة الانتهاكات المرتكبة.. إلا أنه تم تغيير تركيبة نصف الدوائر تقريبا ونقلة رؤسائها على غرار دائرة تونس والمتعهدة بأكثر من %60 من جملة الملفات المحالة على الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية أين بلغت قضية شهيد ثورة الحرية والكرامة مجدي المنصري مرحلة الترافع وأصبحت جاهزة للبت.
قضايا الفساد المالي..
كما تنظر دائرة المحكمة الابتدائية بتونس والتي تشهد اليوم شغورا نظرا لنقلة رئيستها، في قضايا فساد مالي واعتداء على المال العام المنسوب لبن علي وعائلته والمقربين منه والتي سبق للائتلاف المدني المدافع عن العدالة الانتقالية التنديد بالتراخي الملحوظ من مختلف أجهزة الدولة، وهو ما يعني حرمان الشعب التونسي من استرداد الأموال التي نهبت منه في الوقت الذي يؤكد فيه الخطاب الرسمي على أهمية استرداد هذه الأموال. علاوة على ذلك فإن النقلة شملت كل الدوائر التي تنظر في القضايا التي بلغت الأطوار النهائية وأصبحت جاهزة للبت على غرار قضية كمال المطماطي في قابس ونبيل بركاتي في الكاف ومجدي المنصري في تونس.
تجنب نكران العدالة..
وقد سبق لأعضاء الائتلاف المدني المدافع عن العدالة الانتقالية التنديد بهذا التعطيل المتكرر لعمل الدوائر واقتراح تثبيت القضاة الجالسين في قضايا العدالة الانتقالية مع تمتيعهم بترقياتهم وذلك لتجنب إمكانية إطالة هذا المسار والتسريع في البت في هذه القضايا وذلك حماية لحق الضحايا والمنسوب إليهم الانتهاك في المحاكمة العادلة خاصة أن إطالة آجال التقاضي في حد ذاته يعتبر نكرانا للعدالة في حق كل الأطراف المتقاضية.
قلق..
وعبر الإتلاف المدني المدافع عن العدالة الانتقالية عن قلقه الشديد "من مواصلة السلطة القائمة في محاولاتها المتكررة لتفكيك هذا المسار وإنكار العدالة لضحايا الاستبداد بدءا بتعيين منسوب إليهم الانتهاك في وظائف حساسة في وزارة سيادية إلى محاولة إرساء مسار مواز يتعارض مع فلسفة العدالة الانتقالية لاسترداد الأموال المنهوبة (لجنة الصلح الجزائي) والذي لم يتمكن من استرجاع أي مبلغ سلب من الشعب، وصولا للتهاون في تنفيذ بطاقات الجلب الصادرة في حق المنسوب إليهم الانتهاك مما أدى إلى تمكين المنسوب إليهم الانتهاك المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الماضي والإفلات من العقاب..بالإضافة الى ذلك فإن رفض الدولة التونسية تفعيل صندوق الكرامة ومحاولة تعويضه بمؤسسة تنكر حقوق ضحايا الاستبداد والاقتصار على جبر ضرر ضحايا الثورة دون غيره يبعث برسالة مضمونة الوصول بأن المنظومة الحالية لا ترى كشف الحقيقة وتفكيك منظومة الاستبداد أولوية، بل تبقى أولويتها الأساسية هي تكريس سياسة الإفلات من العقاب وحماية منظومة القمع والفساد".
مسار معطل..
انطلقت الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية في عملها منذ يوم 29 ماي 2018 ولكن الى اليوم لم يصدر أي حكم في قضايا الانتهاكات والتعذيب حيث بلغ عدد الملفات المنشورة امام الدوائر 205 ملف كما أن هناك 237 بطاقة جلب لم تنفذ وقد لجأ القضاة إلى كل الوسائل الممكنة في مجلة الإجراءات الجزائية، وعدم التوقف على بطاقات الجلب، من ذلك وضع أملاك المنسوب إليهم الانتهاك تحت الائتمان العدلي، حسب مقتضيات الفصل 142من مجلة الإجراءات الجزائية، وهي من الإجراءات التي يخولها القانون إذا كان الشخص فارا من العدالة.
وهو إجراء من شأنه أن يجبر المتهمين على الوقوف أمام القضاء خاصة وأنه ومن بين حوالي 1500 شخص وجهت لهم التهم، فإن نسبة الحضور والمثول أمام القضاء لم تتجاوز الـ10 بالمائة وعلى الرغم من أن المحكمة يمكن أن تصدر حكما غيابيا إلا أنه وفي محاكمات العدالة الانتقالية فإن كشف الحقيقة والاعتراف هو جزء رئيسي من المسار.
ملفات فساد..
فضلا عن ملفات العدالة الانتقالية فإن هناك ملفات فساد مالي منشورة ضمن قانون العدالة الانتقالية، وعددها 54 ملفا على غرار ملف "اسمنت قرطاج" و"وكالة الاتصال الخارجي" إلى جانب ما يعرف بالملف 31 وهو من أضخم الملفات ويضم عددا هاما من رموز الفساد في عهد النظام السابق.
ملفات عالقة..
رغم مرورأكثر من 12سنة منذ اندلاع الثورة الا ان ضحايا الاستبداد بمختلف توجهاتهم مازالوا لم يحصلوا على حقوقهم بعد ومازالت ملفات كثيرة عالقة امام دوائر العدالة الانتقالية على غرار ملفات أحمد العمري ..الطيب الخماسي ..سحنون الجوهري..مروان بن زينب وغيرهم.
ويعتبر ملف فيصل بركات واحد من الملفات الاولى التي تم نشرها امام الدوائر المتخصصة والتي تعطل مساره حيث تم فتحه منذ سنة 2009 ولأول مرة في القضاء التونسي يتم فتح الملف في أربع مناسبات في عهد الرئيس الراحل بن علي ولكن رغم ذلك لم يتم كشف الحقيقة إلى اليوم.
وقد مر الملف من مسار القضاء العادي وصولا إلى القضاء الجالس ليتم التخلي عنه لفائدة الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية لكن حتى الدوائر المتخصصة ورغم مرور سنوات على انعقادها الا أنها لم تسجل أي تقدم في هذا الملف رغم أن خاصية العدالة الانتقالية انها عدالة استثنائية وسريعة في الفصل لا تأخذ وقتا طويلا لتفصل في ملفات واضحة وقع تدارسها في السابق ولكن للأسف لم يقع الفصل في اي ملف خاصة في الملفات التي تتعلق بجرائم ضد الانسانية مثل جرائم القتل ومن بين الإشكاليات المطروحة كذلك غياب المنسوب إليهم الإنتهاك عن الجلسات رغم صدور بطاقات جلب في حقهم ووضع أملاك بعضهم قيد الائتمان الا انهم يرفضون المثول أمام المحكمة في أغلب القضايا المنشورة أمام العدالة الانتقالية.
وقد شملت الأبحاث في قضية فيصل بركات الرئيس الراحل بن علي وعبد الله القلال والصادق شعبان والبشير التكاري وكمال مرجان ورفيق الحاج قاسم ومستشارين سابقين وكوادر أمنية .
وقد تم ايقاف فيصل بركات يوم 8 أكتوبر1991 بمدينة نابل واقتياده إلى مركز الحرس الوطني بنابل وتحديدا إلى مقر فرقة الأبحاث والتفتيش أين تم تعذيبه أشد التعذيب إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة تحت أنظار أكثر من 60 موقوفا من بينهم شقيقه جمال بركات يوم 11 أكتوبر1991 وقد تم الإعلام عن حادث مرور ووفاة لمترجل مجهول الهوية بتاريخ11 أكتوبر1991 بطريق«الغرابي» الرابطة بين منزل بوزلفة وشاطئ «سيدي الرايس» والايهام بأن الشهيد توفي اثر حادث مرور سجل ضد مجهول وتم حفظ القضية بتاريخ 30 مارس1992 لعدم التوصل للجاني.
قبل ان يتم سنة 2009 وبأمر من وزير العدل إلى الوكيل العام بنابل فتح تحقيق للمرة الرابعة في القضية بمحكمة قرمبالية كلف به قاضي التحقيق الأول الذي استقر رأيه على رفض إخراج الجثة متعللا بتحللها لمرور الزمن ولكن بعد الثورة قررت دائرة الاتهام إرجاع الملف إلى مكتب التحقيق المذكور الذي استدعى ستة شهود أكدوا أن فيصل بركات تعرض للتعذيب الوحشي طيلة ست ساعات تقريبا بمقر فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني بنابل مما تسبب في وفاته على عين المكان وتم فتح الملف مجددا.
ملف كمال المطماطي..
ملف كمال المطماطي واحد من الملفات التي مازالت تبحث عن الحقيقة على الرغم من مرور 32 عاما على قتله تحت التعذيب وهو واحد من أولى الملفات التي تم نشرها أمام دوائر العدالة الانتقالية الا ان البحث عن الحقيقة مازال متواصلا ومازال المطلب الأول لعائلته هو معرفة مكان الجثة والذي مازال مجهولا إلى اليوم.
وكانت هيئة الدفاع عن المطماطي تقدمت بجملة من الطلبات التحضيرية تتمثل في إشهار واقعة اختفائه وطلب أي معلومة عنه بجريدتين تونسيتين ونشر اعلانات بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة بالإضافة إلى تعهيد فرقة خاصة لاحضار المنسوب إليهم الانتهاك ومراسلة مصالح وزارة الداخلية المشرفة على المقابر والأموات لتحديد ان كان لهم علم بذلك وقائمة في الجثث التي وقع دفنها بتاريخ متزامن مع تاريخ وفاة الشهيد.
وقد شملت الأبحاث في قضية المطماطي الرئيس الراحل بن علي وعبد الله القلال بصفته وزيرًا للداخلية إبان الواقعة وعز الدين جنيح بصفته مديرًا لأمن الدولة حينها ومحمد علي القنزوعي بصفته مديرًا عامًا للمصالح المختصة زمن الحادثة وحسن عبيد بصفته مديرًا عامًا للاستعلامات حينها ورئيس مصلحة الفرقة المختصة بقابس زمن الحادثة
ورئيس فرقة الأبحاث الخاصة بقابس حينها وخمسة أعوان أمن من فرقة الأبحاث الخاصة بقابس زمن الحادثة وطبيبا.
وقد وجهت للمنسوب إليهم الانتهاك تهم القتل العمد المسبوق بجريمة التعذيب والمتبوع بجريمتي إخفاء ما تثبت به الجريمة وجثة المجني عليه وفق الفصل 204 من المجلة الجزائية والتعذيب الناجم عنه الموت على معنى الفصلين 101 مكرر و101 ثانيا من المجلة الجزائية والاختفاء القسري وفق أحكام المواد 1 و3 و6 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والإيقاف التعسفي والاحتجاز الذي تبعه موت وإخفاء ما تثبت به الجريمة واخفاء جثة والمشاركة في ذلك.
شهادة هامة..
ومن بين اهم المنعرجات التي عرفتها قضية الشهيد المطماطي شهادة هامة أدلى بها الأستاذ عبد الفتاح مورو خلال حضوره أمام الدائرة المتخصصة بالنظر في قضايا العدالة الانتقالية بالمحكمة الابتدائية بقابس حيث ذكر بأنه يعرف تاجرا منذ أكثر من 30 سنة ويميل هذا الاخير إلى الاتجاه الإسلامي وهو أيضا احد المقربين من القيادات الأمنية التي نفّذت العملية وقد أوقف التاجر المذكور في وقت من الأوقات وأصبح الامنيون يتصلون به وخاصة المدعو محمد الناصر وهو باحث في إدارة امن الدولة.
وقال مورو "هذا الأخير اعلم التاجر الذي نقل لي المعطيات التي لا اعلم مدى صحّتها وأشعرني بان كمال المطماطي قتل تحت التعذيب في قابس ثم نقل إلى تونس وأريد قبوله في إدارة أمن الدولة ولكن المسؤولين هناك رفضوا ذلك فحصل ارتباك في تلك الفترة وبتعليمات من رئيس منطقة الأمن بقابس نبيل عبيد زمن الواقعة تم دفن المطماطي في خرسانة في قنطرة شارع الجمهورية وتحديدا القسط الأول منها المؤدي إلى مقرين وفق ما رواه لي التاجر الذي أطلعني فيما بعد على تلك القنطرة دون أن يحدّد لي مكان وجود الجثة لأنه لا يعلم بدوره".
اختطاف وتعذيب وحشي..
وقد ولد كمال المطماطي بمطماطة من ولاية قابس يوم 3 مارس 1956 ودرس علوم ورياضيات وعمل كمساعد مهندس بفرع شركة الكهرباء والغاز بقابس، نشط في العمل النقابي في تلك الشركة ونشط أيضا في العمل السياسي ضمن حركة الاتجاه الإسلامي بمسقط راسه بمطماطة وبمدينة قابس.
بتاريخ 7 أكتوبر 1991 قدم أعوان الامن الى مكتب مدير فرع شركة الكهرباء والغاز بقابس وقبضوا على كمال الذي كان خارجا من بيت الوضوء قرب مكتب المدير واقتادوه بالقوة الى الطريق العام واركبوه سيارة وتحولوا به مباشرة الى مكاتب المصلحة المختصة داخل مقر منطقة الشرطة بقابس. بمجرد وصوله تداول أعوان الامن بالمصلحة المختصة على ضرب كمال بقوة وعنف على مختلف انحاء الجسم فأغمي عليه نتيجة كسور لحقته بيديه.
وعاين أحد الموقوفين وكان طبيبا تلك الكسور لما طلب منه فحصه في المرة الأولى وأعلمهم بها لكن أصر الاعوان على مواصلة التنكيل به وواصلوا ضربه بعصا بقوة ووحشية فسقط مغشيا عليه وفارق الحياة نتيجة ذلك.
جرحى الثورة والقدر المحتوم..
جرحى الثورة الذين عانوا منذ 12 عاما وبعضهم اختطفه الموت بسبب وضعهم الصحي والبعض الاخر فارقوا الحياة عن طواعية حيث قرروا في لحظة يأس وضع حد لرحلة معاناة طويلة لم يتحملوا أعباءها مما دفع بهم للانتحار فيما يغادر آخرون الحياة بعد رحلة طويلة مع المرض لم يجنوا منها سوى التعب فيتساقط جرحى الثورة فيما لا تزال ملفاتهم القضائية والاجتماعية عالقة منذ سنوات.
منتصر الدخلاوي ..طارق الدزيري .. محمد الحنشي وغيرهم من جرحى الثورة الذين فارقوا الحياة ولم يعرفوا بعد من أصابهم بالرصاص ولم يعرفوا حقيقة مرتكبي الانتهاكات في حقهم..اما بقية الجرحى فبعضهم يعيش نصف حياة بسبب الإصابات التي لحقتهم وأغلبهم مازالوا يعالجون بالمستشفيات ويعيشون بمسكنات الاوجاع بعد أن حرمتهم الإصابات التي لحقتهم من ممارسة حياتهم بصفة عادية.
انتظارات..
كانت ولا زالت انتظارات الضحايا كبيرة من مسار العدالة الانتقالية ولئن كانوا يدركون أن لا شيء يعوض السنوات التي ضاعت من حياتهم والانتهاكات التي دمرت مساراتهم المهنية وحتى عائلاتهم.
ولئن كان التعويض المالي عن سنوات الانتهاكات يعتبر حقا من الحقوق المكفولة وطنيا ودوليا فإن التعويضات المعنوية من المطالب الأساسية للضحايا الذين يشعرون بجراح عميقة من تأثيرات الانتهاكات المسلطة عليهم ومن نظرة المجتمع لهم فهم لا ينتظرون سوى الاعتراف والاعتذار من المنسوب لهم الانتهاك ومحاسبة المسؤولين عن الظلم والاستبداد الذي لحق بهم لا سيما وان الاعتراف والاعتذار وجه من أوجه جبر الضرر.
تونس-الصباح
أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق السنة القضائية الجديدة ومازالت انتظارات عائلات ضحايا انتهاكات الماضي "عالقة" أمام مسار عدالة انتقالية معطل منذ خمس سنوات..هذه العدالة التي عرفها المشرع التونسي على أنها "مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان".. ولكنها ظلت عدالة منقوصة وعرجاء تراوح مكانها منذ سنوات ولم يتم إنصاف الضحية ولم يعتذر الجلاد.
مفيدة القيزاني
الحركة القضائية ومسار العدالة الانتقالية..
منذ انطلاق عمل الدوائر القضائية المتخصصة مثلت الحركة السنوية للقضاء كابوسا للضحايا، حيث أن نقلة القضاة الجالسين في الدوائر القضائية تعني حتمية تأخر استئناف الدوائر لعملها وذلك لإلزامية تلقي القضاة الجالسين في ملفات العدالة الانتقالية تدريبا خاصا بهذا المسار إضافة الى الزمن المستوجب للاطلاع على الملفات والأعمال المنجزة.
ويبدو أن الحركة القضائية لسنة 2023- 2024 لم تخرج عن هذا المسار وأثارت الكثير من الجدل والانتقادات فبعد جمعية القضاة وعدد من الفروع الجهوية للمحامين عبرت الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية عن عدم رضاها واستيائها من الحركة القضائية في علاقة بقضايا العدالة الانتقالية باعتبار أن عددا من القضاة المختصين في العدالة الانتقالية تمت نقلتهم.
واعتبرت الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية أن هذه الحركة جاءت في وقت بلغت فيه العديد من القضايا آخر مراحلها وبدأ أصحابها يترقبون الأحكام التي من شانها ان تسترد حقوقهم وحقوق ذويهم وترد لهم الاعتبار وتحفظ ذاكرة الانتهاكات المرتكبة.. إلا أنه تم تغيير تركيبة نصف الدوائر تقريبا ونقلة رؤسائها على غرار دائرة تونس والمتعهدة بأكثر من %60 من جملة الملفات المحالة على الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية أين بلغت قضية شهيد ثورة الحرية والكرامة مجدي المنصري مرحلة الترافع وأصبحت جاهزة للبت.
قضايا الفساد المالي..
كما تنظر دائرة المحكمة الابتدائية بتونس والتي تشهد اليوم شغورا نظرا لنقلة رئيستها، في قضايا فساد مالي واعتداء على المال العام المنسوب لبن علي وعائلته والمقربين منه والتي سبق للائتلاف المدني المدافع عن العدالة الانتقالية التنديد بالتراخي الملحوظ من مختلف أجهزة الدولة، وهو ما يعني حرمان الشعب التونسي من استرداد الأموال التي نهبت منه في الوقت الذي يؤكد فيه الخطاب الرسمي على أهمية استرداد هذه الأموال. علاوة على ذلك فإن النقلة شملت كل الدوائر التي تنظر في القضايا التي بلغت الأطوار النهائية وأصبحت جاهزة للبت على غرار قضية كمال المطماطي في قابس ونبيل بركاتي في الكاف ومجدي المنصري في تونس.
تجنب نكران العدالة..
وقد سبق لأعضاء الائتلاف المدني المدافع عن العدالة الانتقالية التنديد بهذا التعطيل المتكرر لعمل الدوائر واقتراح تثبيت القضاة الجالسين في قضايا العدالة الانتقالية مع تمتيعهم بترقياتهم وذلك لتجنب إمكانية إطالة هذا المسار والتسريع في البت في هذه القضايا وذلك حماية لحق الضحايا والمنسوب إليهم الانتهاك في المحاكمة العادلة خاصة أن إطالة آجال التقاضي في حد ذاته يعتبر نكرانا للعدالة في حق كل الأطراف المتقاضية.
قلق..
وعبر الإتلاف المدني المدافع عن العدالة الانتقالية عن قلقه الشديد "من مواصلة السلطة القائمة في محاولاتها المتكررة لتفكيك هذا المسار وإنكار العدالة لضحايا الاستبداد بدءا بتعيين منسوب إليهم الانتهاك في وظائف حساسة في وزارة سيادية إلى محاولة إرساء مسار مواز يتعارض مع فلسفة العدالة الانتقالية لاسترداد الأموال المنهوبة (لجنة الصلح الجزائي) والذي لم يتمكن من استرجاع أي مبلغ سلب من الشعب، وصولا للتهاون في تنفيذ بطاقات الجلب الصادرة في حق المنسوب إليهم الانتهاك مما أدى إلى تمكين المنسوب إليهم الانتهاك المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الماضي والإفلات من العقاب..بالإضافة الى ذلك فإن رفض الدولة التونسية تفعيل صندوق الكرامة ومحاولة تعويضه بمؤسسة تنكر حقوق ضحايا الاستبداد والاقتصار على جبر ضرر ضحايا الثورة دون غيره يبعث برسالة مضمونة الوصول بأن المنظومة الحالية لا ترى كشف الحقيقة وتفكيك منظومة الاستبداد أولوية، بل تبقى أولويتها الأساسية هي تكريس سياسة الإفلات من العقاب وحماية منظومة القمع والفساد".
مسار معطل..
انطلقت الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية في عملها منذ يوم 29 ماي 2018 ولكن الى اليوم لم يصدر أي حكم في قضايا الانتهاكات والتعذيب حيث بلغ عدد الملفات المنشورة امام الدوائر 205 ملف كما أن هناك 237 بطاقة جلب لم تنفذ وقد لجأ القضاة إلى كل الوسائل الممكنة في مجلة الإجراءات الجزائية، وعدم التوقف على بطاقات الجلب، من ذلك وضع أملاك المنسوب إليهم الانتهاك تحت الائتمان العدلي، حسب مقتضيات الفصل 142من مجلة الإجراءات الجزائية، وهي من الإجراءات التي يخولها القانون إذا كان الشخص فارا من العدالة.
وهو إجراء من شأنه أن يجبر المتهمين على الوقوف أمام القضاء خاصة وأنه ومن بين حوالي 1500 شخص وجهت لهم التهم، فإن نسبة الحضور والمثول أمام القضاء لم تتجاوز الـ10 بالمائة وعلى الرغم من أن المحكمة يمكن أن تصدر حكما غيابيا إلا أنه وفي محاكمات العدالة الانتقالية فإن كشف الحقيقة والاعتراف هو جزء رئيسي من المسار.
ملفات فساد..
فضلا عن ملفات العدالة الانتقالية فإن هناك ملفات فساد مالي منشورة ضمن قانون العدالة الانتقالية، وعددها 54 ملفا على غرار ملف "اسمنت قرطاج" و"وكالة الاتصال الخارجي" إلى جانب ما يعرف بالملف 31 وهو من أضخم الملفات ويضم عددا هاما من رموز الفساد في عهد النظام السابق.
ملفات عالقة..
رغم مرورأكثر من 12سنة منذ اندلاع الثورة الا ان ضحايا الاستبداد بمختلف توجهاتهم مازالوا لم يحصلوا على حقوقهم بعد ومازالت ملفات كثيرة عالقة امام دوائر العدالة الانتقالية على غرار ملفات أحمد العمري ..الطيب الخماسي ..سحنون الجوهري..مروان بن زينب وغيرهم.
ويعتبر ملف فيصل بركات واحد من الملفات الاولى التي تم نشرها امام الدوائر المتخصصة والتي تعطل مساره حيث تم فتحه منذ سنة 2009 ولأول مرة في القضاء التونسي يتم فتح الملف في أربع مناسبات في عهد الرئيس الراحل بن علي ولكن رغم ذلك لم يتم كشف الحقيقة إلى اليوم.
وقد مر الملف من مسار القضاء العادي وصولا إلى القضاء الجالس ليتم التخلي عنه لفائدة الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية لكن حتى الدوائر المتخصصة ورغم مرور سنوات على انعقادها الا أنها لم تسجل أي تقدم في هذا الملف رغم أن خاصية العدالة الانتقالية انها عدالة استثنائية وسريعة في الفصل لا تأخذ وقتا طويلا لتفصل في ملفات واضحة وقع تدارسها في السابق ولكن للأسف لم يقع الفصل في اي ملف خاصة في الملفات التي تتعلق بجرائم ضد الانسانية مثل جرائم القتل ومن بين الإشكاليات المطروحة كذلك غياب المنسوب إليهم الإنتهاك عن الجلسات رغم صدور بطاقات جلب في حقهم ووضع أملاك بعضهم قيد الائتمان الا انهم يرفضون المثول أمام المحكمة في أغلب القضايا المنشورة أمام العدالة الانتقالية.
وقد شملت الأبحاث في قضية فيصل بركات الرئيس الراحل بن علي وعبد الله القلال والصادق شعبان والبشير التكاري وكمال مرجان ورفيق الحاج قاسم ومستشارين سابقين وكوادر أمنية .
وقد تم ايقاف فيصل بركات يوم 8 أكتوبر1991 بمدينة نابل واقتياده إلى مركز الحرس الوطني بنابل وتحديدا إلى مقر فرقة الأبحاث والتفتيش أين تم تعذيبه أشد التعذيب إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة تحت أنظار أكثر من 60 موقوفا من بينهم شقيقه جمال بركات يوم 11 أكتوبر1991 وقد تم الإعلام عن حادث مرور ووفاة لمترجل مجهول الهوية بتاريخ11 أكتوبر1991 بطريق«الغرابي» الرابطة بين منزل بوزلفة وشاطئ «سيدي الرايس» والايهام بأن الشهيد توفي اثر حادث مرور سجل ضد مجهول وتم حفظ القضية بتاريخ 30 مارس1992 لعدم التوصل للجاني.
قبل ان يتم سنة 2009 وبأمر من وزير العدل إلى الوكيل العام بنابل فتح تحقيق للمرة الرابعة في القضية بمحكمة قرمبالية كلف به قاضي التحقيق الأول الذي استقر رأيه على رفض إخراج الجثة متعللا بتحللها لمرور الزمن ولكن بعد الثورة قررت دائرة الاتهام إرجاع الملف إلى مكتب التحقيق المذكور الذي استدعى ستة شهود أكدوا أن فيصل بركات تعرض للتعذيب الوحشي طيلة ست ساعات تقريبا بمقر فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني بنابل مما تسبب في وفاته على عين المكان وتم فتح الملف مجددا.
ملف كمال المطماطي..
ملف كمال المطماطي واحد من الملفات التي مازالت تبحث عن الحقيقة على الرغم من مرور 32 عاما على قتله تحت التعذيب وهو واحد من أولى الملفات التي تم نشرها أمام دوائر العدالة الانتقالية الا ان البحث عن الحقيقة مازال متواصلا ومازال المطلب الأول لعائلته هو معرفة مكان الجثة والذي مازال مجهولا إلى اليوم.
وكانت هيئة الدفاع عن المطماطي تقدمت بجملة من الطلبات التحضيرية تتمثل في إشهار واقعة اختفائه وطلب أي معلومة عنه بجريدتين تونسيتين ونشر اعلانات بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة بالإضافة إلى تعهيد فرقة خاصة لاحضار المنسوب إليهم الانتهاك ومراسلة مصالح وزارة الداخلية المشرفة على المقابر والأموات لتحديد ان كان لهم علم بذلك وقائمة في الجثث التي وقع دفنها بتاريخ متزامن مع تاريخ وفاة الشهيد.
وقد شملت الأبحاث في قضية المطماطي الرئيس الراحل بن علي وعبد الله القلال بصفته وزيرًا للداخلية إبان الواقعة وعز الدين جنيح بصفته مديرًا لأمن الدولة حينها ومحمد علي القنزوعي بصفته مديرًا عامًا للمصالح المختصة زمن الحادثة وحسن عبيد بصفته مديرًا عامًا للاستعلامات حينها ورئيس مصلحة الفرقة المختصة بقابس زمن الحادثة
ورئيس فرقة الأبحاث الخاصة بقابس حينها وخمسة أعوان أمن من فرقة الأبحاث الخاصة بقابس زمن الحادثة وطبيبا.
وقد وجهت للمنسوب إليهم الانتهاك تهم القتل العمد المسبوق بجريمة التعذيب والمتبوع بجريمتي إخفاء ما تثبت به الجريمة وجثة المجني عليه وفق الفصل 204 من المجلة الجزائية والتعذيب الناجم عنه الموت على معنى الفصلين 101 مكرر و101 ثانيا من المجلة الجزائية والاختفاء القسري وفق أحكام المواد 1 و3 و6 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والإيقاف التعسفي والاحتجاز الذي تبعه موت وإخفاء ما تثبت به الجريمة واخفاء جثة والمشاركة في ذلك.
شهادة هامة..
ومن بين اهم المنعرجات التي عرفتها قضية الشهيد المطماطي شهادة هامة أدلى بها الأستاذ عبد الفتاح مورو خلال حضوره أمام الدائرة المتخصصة بالنظر في قضايا العدالة الانتقالية بالمحكمة الابتدائية بقابس حيث ذكر بأنه يعرف تاجرا منذ أكثر من 30 سنة ويميل هذا الاخير إلى الاتجاه الإسلامي وهو أيضا احد المقربين من القيادات الأمنية التي نفّذت العملية وقد أوقف التاجر المذكور في وقت من الأوقات وأصبح الامنيون يتصلون به وخاصة المدعو محمد الناصر وهو باحث في إدارة امن الدولة.
وقال مورو "هذا الأخير اعلم التاجر الذي نقل لي المعطيات التي لا اعلم مدى صحّتها وأشعرني بان كمال المطماطي قتل تحت التعذيب في قابس ثم نقل إلى تونس وأريد قبوله في إدارة أمن الدولة ولكن المسؤولين هناك رفضوا ذلك فحصل ارتباك في تلك الفترة وبتعليمات من رئيس منطقة الأمن بقابس نبيل عبيد زمن الواقعة تم دفن المطماطي في خرسانة في قنطرة شارع الجمهورية وتحديدا القسط الأول منها المؤدي إلى مقرين وفق ما رواه لي التاجر الذي أطلعني فيما بعد على تلك القنطرة دون أن يحدّد لي مكان وجود الجثة لأنه لا يعلم بدوره".
اختطاف وتعذيب وحشي..
وقد ولد كمال المطماطي بمطماطة من ولاية قابس يوم 3 مارس 1956 ودرس علوم ورياضيات وعمل كمساعد مهندس بفرع شركة الكهرباء والغاز بقابس، نشط في العمل النقابي في تلك الشركة ونشط أيضا في العمل السياسي ضمن حركة الاتجاه الإسلامي بمسقط راسه بمطماطة وبمدينة قابس.
بتاريخ 7 أكتوبر 1991 قدم أعوان الامن الى مكتب مدير فرع شركة الكهرباء والغاز بقابس وقبضوا على كمال الذي كان خارجا من بيت الوضوء قرب مكتب المدير واقتادوه بالقوة الى الطريق العام واركبوه سيارة وتحولوا به مباشرة الى مكاتب المصلحة المختصة داخل مقر منطقة الشرطة بقابس. بمجرد وصوله تداول أعوان الامن بالمصلحة المختصة على ضرب كمال بقوة وعنف على مختلف انحاء الجسم فأغمي عليه نتيجة كسور لحقته بيديه.
وعاين أحد الموقوفين وكان طبيبا تلك الكسور لما طلب منه فحصه في المرة الأولى وأعلمهم بها لكن أصر الاعوان على مواصلة التنكيل به وواصلوا ضربه بعصا بقوة ووحشية فسقط مغشيا عليه وفارق الحياة نتيجة ذلك.
جرحى الثورة والقدر المحتوم..
جرحى الثورة الذين عانوا منذ 12 عاما وبعضهم اختطفه الموت بسبب وضعهم الصحي والبعض الاخر فارقوا الحياة عن طواعية حيث قرروا في لحظة يأس وضع حد لرحلة معاناة طويلة لم يتحملوا أعباءها مما دفع بهم للانتحار فيما يغادر آخرون الحياة بعد رحلة طويلة مع المرض لم يجنوا منها سوى التعب فيتساقط جرحى الثورة فيما لا تزال ملفاتهم القضائية والاجتماعية عالقة منذ سنوات.
منتصر الدخلاوي ..طارق الدزيري .. محمد الحنشي وغيرهم من جرحى الثورة الذين فارقوا الحياة ولم يعرفوا بعد من أصابهم بالرصاص ولم يعرفوا حقيقة مرتكبي الانتهاكات في حقهم..اما بقية الجرحى فبعضهم يعيش نصف حياة بسبب الإصابات التي لحقتهم وأغلبهم مازالوا يعالجون بالمستشفيات ويعيشون بمسكنات الاوجاع بعد أن حرمتهم الإصابات التي لحقتهم من ممارسة حياتهم بصفة عادية.
انتظارات..
كانت ولا زالت انتظارات الضحايا كبيرة من مسار العدالة الانتقالية ولئن كانوا يدركون أن لا شيء يعوض السنوات التي ضاعت من حياتهم والانتهاكات التي دمرت مساراتهم المهنية وحتى عائلاتهم.
ولئن كان التعويض المالي عن سنوات الانتهاكات يعتبر حقا من الحقوق المكفولة وطنيا ودوليا فإن التعويضات المعنوية من المطالب الأساسية للضحايا الذين يشعرون بجراح عميقة من تأثيرات الانتهاكات المسلطة عليهم ومن نظرة المجتمع لهم فهم لا ينتظرون سوى الاعتراف والاعتذار من المنسوب لهم الانتهاك ومحاسبة المسؤولين عن الظلم والاستبداد الذي لحق بهم لا سيما وان الاعتراف والاعتذار وجه من أوجه جبر الضرر.