المسرح التونسي اليوم يعاني من ندرة النصوص المبتكرة التي تتناول واقعنا
**" قطيع " ...رسالتي الى المجتمع الذي فقد بوصلته
المسرحيون مسؤولون عمّا وصل إليه المسرح في تونس
**نعيش اليوم ثقافة التنكر والجحود ...لما سبق
**أبارك استعادة المسرح الوطني الاشراف على تنظيم أيام قرطاج المسرحية
**الاقتباس من حق الهواة فقط ...والاخراج المسرحي فكر وابتكار
حوار محسن بن احمد
هو أحد رواد المسرح في تونس والوطن العربي ...يحمل على كاهله ارثا ابداعيا مسرحيا متفردا في رؤاه وأهدافه ومضامينه ...واحد من الذين صنعوا مجد المسرح التونسي وهو الذي كان احد ابرز مؤسسي المسرح الوطني وايام قرطاج المسرحية سنة 1983
حمادي المزي رجل ثقافة مسرحية وابداعية وصاحب مشروع مترابطة حلقاته ينتصر في اعماله المسرحية للنصوص المبتكرة التي يرى انها الخالدة على اعتبار التصاقها بالواقع وانصهارها التام والكامل في المجتمع وهموم واحلام وطموحات واماني الانسان فيها.
حمادي المزي احتفى مؤخرا بعمله المسرحي الجديد " قطيع" الذي ينضاف الى مجموعة اعماله التي يتابعها الجمهور بشغف لما تحمله في طياتها من تجديد وتطوير على مستوى المشهدية الركحية وعمق في المضامين الإنسانية.
حمادي المزي تحدث لنا في هذا اللقاء عن " قطيع" وكشف لنا عن الكثير من هواجسه الإبداعية في العملية المسرحية
**المعروف عن حمادي المزي في كل اعماله المسرحية إيلاء العناوين أهمية كبرى واعتقد ان اختيار " قطيع" اسما لعملك الجديد لم يكن من السهل تحديده ؟
-فعلا المسرحية كان عنوانها " كاترسيس " ثم تحولت الى " قطيع" لان هناك النص المكتوب على الورق وله قانون خاص والركح يُعد الفيصل للفرجة المسرحية الكاملة والمعروف عني انني اشتغل مع خيرة خريجي المعهد العالي للفن المسرحي فتم اختيار 7 ممثلين يمكن القول انهم من أجيال مختلفة هناك من اشتغلت معه في عدة اعمال مثل الأستاذ يحي الفائدي في 4 مسرحيات والأستاذ مروان الميساوي في 3 أعمال وهناك من اشتغلت معه في عملين مثل الأستاذة شيماء بلحاج اما في ما يخص محمد كواص وعزالدين بشيري وأصالة كواص فاني اشتغلت معهم لأول مرة .
**من هذا المنطلق كيف تحوّل العنوان من " كاترسيس" الى "قطيع" ؟
-انطلقت من مقولة للمسرحي الكبير " ارتو" " لن تعود للمسرح قواه المؤثرة ما لم تعد له لغته" من هذا المنطلق فانا الى جانبي 7 حساسيات مختلفة " وهم الممثلون في هذا العمل وكان علينا التخيل كل حسب مرجعيته ومخيلته في تفجير النص الذي هو نص مبتكر فتحول العمل الى ديناميكية جديدة ونوقشت كل النقاط التي حددتها مسبقا وهي
1تعايش الاضداد la coexistence des contraires فكانت الآراء مختلفة وطرح موضوع مراجعة العنوان وتوصلنا الى تعديله واستبداله بـ"قطيع "
2 اعتمدنا ما يمكن ان نسميه الوثب الجدلي le saut dialectique نظرا لتباين في الآراء والأفكار فكان ان اخذ الجدل مسارات متعددة. ورغم ان العملية الاخراجية كانت دقيقة فيها تفكير وحفر لأبعاد النص توصلنا الى ما يمكن تسميته بالتوازن المتحرك l’équilibre instable والفن الذي يمكن ان يصل الى قلب المتفرج يحب ان تتوفر فيه النزاعات الثقافية والعلمية والاجتماعية والحضارية وكما يقول السينمائي الكبير الروسي " ايزنشتاين" لا وجود لفن بدون نزاع فهو اذن تقاليد وتحريض tradition et agitation. وفي هذا العمل جعلنا من الفضاء والمعدات الركحية تتسم بالدورة الخيالية la circulation imaginaire. ولعل الموضوع الذي اخترناه وهي مصحة للأمراض العقلية سمح لنا بالحفر في مخيّلة كل شخصيّة من الشّخوص الـ7 في المسرحية التي هي من واقعنا كما انها تراوح بين الواقع والمتخيل على حد قول " نيتشة " " الفن يعلّل الواقع "
**كيف كان تعاملك على مستوى القراءة الركحية لهذا العمل المسرحي الجديد ؟
-اعتمدنا كما قلت سابقا انطلاقا من مقولة " ارتو" " القوى المؤثرة للمسرحية ليست النص فقط بل مكونات الفرجة مكتملة بداية بالسينوغرافيا التي تعدّ نصا في حد ذاتها وهي التي سمحت لنا بخلق جدليّة بين النصّ المنطوق والسينوغرافيا كما انها سمحت لنا بالاعتماد على الأصوات وعلى التعبير الجسماني والرقص الذي اعتمد على مصطلح " البيو ميكانيك" وعلى الايماءات والاشارة والتلفّظ بمختلف تلويناته " "صياح...همس...تلكؤ في الكلام ..." حتى يصبح العمل " بوليفونيا مرئية"polyphonie visuelle .
**هذا الاحتفاء الكبير بـ" السينوغرافيا " في عملك المسرحي ...هل يؤشر لنهاية سلطة النّص في العملية المسرحية مستقبلا؟
-لا اخفي سرا اذا قلت ان النص في مسرحنا التونسي اليوم يعيش ازدواجية او نوعا من " السيكيزو فرينيا"
**كيف ذلك ؟
-نادرا ما نجد نصا تونسيا مبتكرا ولذا اكّدت وأؤكد ان " قطيع" نص مبتكر ...لا يمكن لنا ان نتحدث عن مسرح تونسي إذالم نبتكر نصا ينطلق من ثقافتنا وهمومنا ومشاغلنا
**لكن هناك من يلجأ الى الاقتباس ويعمل على " تونستها" وتوظيفها في عمله المسرحي ؟
-أرى ان الاقتباس هو للفرق التي تمارس الهواية في العملية المسرحية على اعتبار ان الاقتباس يوفر للفرق المسرحية الهاوية اكتشاف والتعرف على كتاب مسرحيين عالميين ومناهجهم كما يمكن لطلبة المعهد العالي للفن المسرحي الاقتباس فقط دون غيرهم.
**كأني بك تعلن الحرب على المسرحيين المحترفين الذين يلجؤون الى الاقتباس؟
-ليست حربا بل حقيقة لا بد من الاصداع بها ...على المسرحيين الذي لهم حضور كبير في المشهد المسرحي التونسي ان يعملوا على ابتكار مشاريع وان بدت متواضعة في الأول فبفضل الدربة سيصل الى النص المبتكر والمنشود
اعتقد ان هناك كسلا في مغامرة الكتابة والإخراج فهي قبل كل شيء وأساسا فكر وابتكار.
انا اكتب نصا كل عامين وذلك يتطلب جهدا وقراءة مختلفة للموضوع الذي سأتناوله مثل المسرحية التي الّفتها " قطيع" فقد عدت الى علم النّفس وخاصة وهو يتناول موضوع الجنون بداية من " كانديرا" و " نيتشة " و" شوبنهاور " وصولا الى الأبحاث والدراسات الجديدة حول هذا الموضوع وهي كثيرة جدا.
**" قطيع " لمن تتوجه بها ؟
-أتوجه بها الى الانسان في مجتمع فقد البوصلة من الحاكم الى المحكوم ويضع نقطة استفهام حول وضع الانسان مستقبلا
*من عطًّل ثورة المسرحيين في تونس بعد 2011؟
-احمًّل مسؤولية ذلك للمسرحيين انفسهم رغم ان هناك كثيرا من الاكراهات واصبح من الضروري ومن اوكد الأمور إعادة تنظيم القطاع المسرحي بمختلف درجاته بداية باسناد بطاقة الاحتراف ومن الواجب الأكيد مراجعة كلية لذلك على اعتبار ان الدخلاء والمتسلطين على المسرح كثيرون " يلزم نظفو قدام دارنا "
ومن أوكد الأمور أيضا مراجعة سياسة الدعم من خلال الاخذ بعين الاعتبار للتوقيت وربط ذلك بتظاهراتنا المسرحية الجهوية والوطنية والدولية
هناك لجنة وطنيّة تعمل على منح التأشيرة القانونية للأعمال الجديدة من خلال تقييماتها ...وعليه ان المسرحيات المتميّزة من يفترض برمجتها في فضاءات تتوفر فيها شروط الفرجة وهذا يتم بالتنسيق المحكم مع المندوبيات الجهوية للثقافة في الولايات وبين المشرفين على البرمجة المسرحية في الجهات لان ما نشاهده اليوم غيابا يكاد يكون تاما للجمهور الا في بعض المهرجانات المعروفة
**ارتفعت أصوات المسرحيين في تونس معبرة عن الاستياء من موقف مهرجانات هذه الصائفة التي اقصت المسرح ...كيف تقرا الامر؟
-بكل اسف أقول اننا اليوم في تونس نعيش ثقافة التنكر والجحود لما سبق
كانت لنا مهرجانات مسرحية معتبرة بداية من مهرجان دقة الدولي ومهرجان المغرب العربي بالمنستير ومهرجان باجة للمسرح ذو توجه مغاربي وهو ببادرة من فرقة الحبيب الحداد ومهرجان بلاريجيا ومهرجان البحر الأبيض المتوسط بحلق الوادي واسبوع المسرح الى مهرجان 24 ساعة مسرح بالكاف ومهرجان نيابوليس بنابل ومهرجان المسرح التجريبي بمدنين الذي اسسه المسرحي الكبير الصديق أنور الشعافي وغير ذلك ...هذه المهرجانات هي محصول تجارب جيدة متنوعة وخلقت ديناميكية مسرحية بالجهات لكنها لم تستمر في ذلك التمشي لعدة اعتبارات مالية وتنظيمية
في هذا المناخ اصبح المسرح مغيّبا في المهرجانات وهو غياب يبرره بعض المسؤولين " المعاصرين " بان الجمهور لا تستهويه العروض المسرحية في فصل الصيف وانا أوجه سؤالا لهؤلاء المسؤولين ..ماذا فعلتم لجلب الجمهور لفضاءاتكم التي تشرفون عليها والحال أنّ الدولة تموّل ذلك؟
**كيف تقرأ قرار وزارة الثقافة باستعادة الاشراف على أيام قرطاج المسرحية من خلال المسرح الوطني ؟
--كان لي الشّرف ان أكون احد مؤسسي المسرح الوطني سنة 1983 من خلال الاشراف على البرمجة والتنشيط ...واذكر في هذا المجال انه من خلال مناقشاتنا في اللجنة الاستشارية لهذا الهيكل العريق قررنا ان تكون بداية النشاط الرسمي للمسرح الوطني بتأسيس وتنظيم تظاهرة مسرحية ذات بعد عربي دولي فكانت "أيام قرطاج المسرحية " وتلك رسالة اردنا منها ان نقول ان المسرح ليس هيكلا للإنتاج والترويج فحسب بل هو هيكل أيضا للتنشيط المسرحي
واني احيّي وزارة الشؤون الثقافية التي استرجعت ذلك الإرث الوطني الهام واعادت هذه التظاهرة الى هذا الهيكل العتيد بإشراف المدير الأستاذ معز مرابط المسرحي الذي يعرف الميدان جيدا وهو محاط بفريق هامّ وينتظر الكثير من الدّورة بخصوص نوعية العروض المبرمجة والندوات الفكرية التي نرجو أن توجه فيها الدعوة لمن يساهم في التّفكّر بجدّ ومن منظور الاختصاص والكفاءة في المسرح العربي والإفريقي دون السقوط في المحاباة.
**تنادي العديد من المسرحيين بضرورة عودة الأيام الى صيغتها القديمة في التنظيم " دورة كل عامين" ...هل انت من مناصري هذا الراي ؟
-لما اعلنّا عن تأسيس أيام قرطاج المسرحية سنة 1983 قررنا ان يكون تنظيمها مرة كل سنتين حتى نتمكن من متابعة الانتاجات المسرحية التونسية والعربية بكل تروّ ونختار افضلها وحرصنا في هذا المجال على التنقل بين الدول العربية والمهرجانات العالمية على غرار مهرجان " افينيون " ومهرجان " ليموج " لانتقاء الاعمال التي تضمن الفرجة الممتعة والراقية لتاثيث برنامج الأيام الى جانب الحرصعلى حضور ابرز النجوم في المسرح ولذلك فان المسرح الوطني لم يشارك بإنتاج حتّى الدّورة الثانية في 1985 بمسرحية " احبك يا متنبي " التي الفتها واشرف على إخراجها نور الدّين المطماطي وقد مثلت تونس في تلك الدورة.
وجوابا على سؤالك حول دورية المهرجان أقول إنه اذا تم فسح المجال للقطاع الخاص لا أرى مانعا في التنظيم السنوي للايام على اعتبار ان المال قوّام الاعمال وبذلك يستعيد الجمهور الذي افتقدناه في محاضن دور الثقافة والمريدين للمسرح ...هناك فجوة كبيرة تفصلنا بين الامس واليوم وعلينا ان نعمل جميعا لاسترجاع الإرث الجماهيري الكبير.
المخرج المسرحي حمادي المزي لـ"الصباح ":
المسرح التونسي اليوم يعاني من ندرة النصوص المبتكرة التي تتناول واقعنا
**" قطيع " ...رسالتي الى المجتمع الذي فقد بوصلته
المسرحيون مسؤولون عمّا وصل إليه المسرح في تونس
**نعيش اليوم ثقافة التنكر والجحود ...لما سبق
**أبارك استعادة المسرح الوطني الاشراف على تنظيم أيام قرطاج المسرحية
**الاقتباس من حق الهواة فقط ...والاخراج المسرحي فكر وابتكار
حوار محسن بن احمد
هو أحد رواد المسرح في تونس والوطن العربي ...يحمل على كاهله ارثا ابداعيا مسرحيا متفردا في رؤاه وأهدافه ومضامينه ...واحد من الذين صنعوا مجد المسرح التونسي وهو الذي كان احد ابرز مؤسسي المسرح الوطني وايام قرطاج المسرحية سنة 1983
حمادي المزي رجل ثقافة مسرحية وابداعية وصاحب مشروع مترابطة حلقاته ينتصر في اعماله المسرحية للنصوص المبتكرة التي يرى انها الخالدة على اعتبار التصاقها بالواقع وانصهارها التام والكامل في المجتمع وهموم واحلام وطموحات واماني الانسان فيها.
حمادي المزي احتفى مؤخرا بعمله المسرحي الجديد " قطيع" الذي ينضاف الى مجموعة اعماله التي يتابعها الجمهور بشغف لما تحمله في طياتها من تجديد وتطوير على مستوى المشهدية الركحية وعمق في المضامين الإنسانية.
حمادي المزي تحدث لنا في هذا اللقاء عن " قطيع" وكشف لنا عن الكثير من هواجسه الإبداعية في العملية المسرحية
**المعروف عن حمادي المزي في كل اعماله المسرحية إيلاء العناوين أهمية كبرى واعتقد ان اختيار " قطيع" اسما لعملك الجديد لم يكن من السهل تحديده ؟
-فعلا المسرحية كان عنوانها " كاترسيس " ثم تحولت الى " قطيع" لان هناك النص المكتوب على الورق وله قانون خاص والركح يُعد الفيصل للفرجة المسرحية الكاملة والمعروف عني انني اشتغل مع خيرة خريجي المعهد العالي للفن المسرحي فتم اختيار 7 ممثلين يمكن القول انهم من أجيال مختلفة هناك من اشتغلت معه في عدة اعمال مثل الأستاذ يحي الفائدي في 4 مسرحيات والأستاذ مروان الميساوي في 3 أعمال وهناك من اشتغلت معه في عملين مثل الأستاذة شيماء بلحاج اما في ما يخص محمد كواص وعزالدين بشيري وأصالة كواص فاني اشتغلت معهم لأول مرة .
**من هذا المنطلق كيف تحوّل العنوان من " كاترسيس" الى "قطيع" ؟
-انطلقت من مقولة للمسرحي الكبير " ارتو" " لن تعود للمسرح قواه المؤثرة ما لم تعد له لغته" من هذا المنطلق فانا الى جانبي 7 حساسيات مختلفة " وهم الممثلون في هذا العمل وكان علينا التخيل كل حسب مرجعيته ومخيلته في تفجير النص الذي هو نص مبتكر فتحول العمل الى ديناميكية جديدة ونوقشت كل النقاط التي حددتها مسبقا وهي
1تعايش الاضداد la coexistence des contraires فكانت الآراء مختلفة وطرح موضوع مراجعة العنوان وتوصلنا الى تعديله واستبداله بـ"قطيع "
2 اعتمدنا ما يمكن ان نسميه الوثب الجدلي le saut dialectique نظرا لتباين في الآراء والأفكار فكان ان اخذ الجدل مسارات متعددة. ورغم ان العملية الاخراجية كانت دقيقة فيها تفكير وحفر لأبعاد النص توصلنا الى ما يمكن تسميته بالتوازن المتحرك l’équilibre instable والفن الذي يمكن ان يصل الى قلب المتفرج يحب ان تتوفر فيه النزاعات الثقافية والعلمية والاجتماعية والحضارية وكما يقول السينمائي الكبير الروسي " ايزنشتاين" لا وجود لفن بدون نزاع فهو اذن تقاليد وتحريض tradition et agitation. وفي هذا العمل جعلنا من الفضاء والمعدات الركحية تتسم بالدورة الخيالية la circulation imaginaire. ولعل الموضوع الذي اخترناه وهي مصحة للأمراض العقلية سمح لنا بالحفر في مخيّلة كل شخصيّة من الشّخوص الـ7 في المسرحية التي هي من واقعنا كما انها تراوح بين الواقع والمتخيل على حد قول " نيتشة " " الفن يعلّل الواقع "
**كيف كان تعاملك على مستوى القراءة الركحية لهذا العمل المسرحي الجديد ؟
-اعتمدنا كما قلت سابقا انطلاقا من مقولة " ارتو" " القوى المؤثرة للمسرحية ليست النص فقط بل مكونات الفرجة مكتملة بداية بالسينوغرافيا التي تعدّ نصا في حد ذاتها وهي التي سمحت لنا بخلق جدليّة بين النصّ المنطوق والسينوغرافيا كما انها سمحت لنا بالاعتماد على الأصوات وعلى التعبير الجسماني والرقص الذي اعتمد على مصطلح " البيو ميكانيك" وعلى الايماءات والاشارة والتلفّظ بمختلف تلويناته " "صياح...همس...تلكؤ في الكلام ..." حتى يصبح العمل " بوليفونيا مرئية"polyphonie visuelle .
**هذا الاحتفاء الكبير بـ" السينوغرافيا " في عملك المسرحي ...هل يؤشر لنهاية سلطة النّص في العملية المسرحية مستقبلا؟
-لا اخفي سرا اذا قلت ان النص في مسرحنا التونسي اليوم يعيش ازدواجية او نوعا من " السيكيزو فرينيا"
**كيف ذلك ؟
-نادرا ما نجد نصا تونسيا مبتكرا ولذا اكّدت وأؤكد ان " قطيع" نص مبتكر ...لا يمكن لنا ان نتحدث عن مسرح تونسي إذالم نبتكر نصا ينطلق من ثقافتنا وهمومنا ومشاغلنا
**لكن هناك من يلجأ الى الاقتباس ويعمل على " تونستها" وتوظيفها في عمله المسرحي ؟
-أرى ان الاقتباس هو للفرق التي تمارس الهواية في العملية المسرحية على اعتبار ان الاقتباس يوفر للفرق المسرحية الهاوية اكتشاف والتعرف على كتاب مسرحيين عالميين ومناهجهم كما يمكن لطلبة المعهد العالي للفن المسرحي الاقتباس فقط دون غيرهم.
**كأني بك تعلن الحرب على المسرحيين المحترفين الذين يلجؤون الى الاقتباس؟
-ليست حربا بل حقيقة لا بد من الاصداع بها ...على المسرحيين الذي لهم حضور كبير في المشهد المسرحي التونسي ان يعملوا على ابتكار مشاريع وان بدت متواضعة في الأول فبفضل الدربة سيصل الى النص المبتكر والمنشود
اعتقد ان هناك كسلا في مغامرة الكتابة والإخراج فهي قبل كل شيء وأساسا فكر وابتكار.
انا اكتب نصا كل عامين وذلك يتطلب جهدا وقراءة مختلفة للموضوع الذي سأتناوله مثل المسرحية التي الّفتها " قطيع" فقد عدت الى علم النّفس وخاصة وهو يتناول موضوع الجنون بداية من " كانديرا" و " نيتشة " و" شوبنهاور " وصولا الى الأبحاث والدراسات الجديدة حول هذا الموضوع وهي كثيرة جدا.
**" قطيع " لمن تتوجه بها ؟
-أتوجه بها الى الانسان في مجتمع فقد البوصلة من الحاكم الى المحكوم ويضع نقطة استفهام حول وضع الانسان مستقبلا
*من عطًّل ثورة المسرحيين في تونس بعد 2011؟
-احمًّل مسؤولية ذلك للمسرحيين انفسهم رغم ان هناك كثيرا من الاكراهات واصبح من الضروري ومن اوكد الأمور إعادة تنظيم القطاع المسرحي بمختلف درجاته بداية باسناد بطاقة الاحتراف ومن الواجب الأكيد مراجعة كلية لذلك على اعتبار ان الدخلاء والمتسلطين على المسرح كثيرون " يلزم نظفو قدام دارنا "
ومن أوكد الأمور أيضا مراجعة سياسة الدعم من خلال الاخذ بعين الاعتبار للتوقيت وربط ذلك بتظاهراتنا المسرحية الجهوية والوطنية والدولية
هناك لجنة وطنيّة تعمل على منح التأشيرة القانونية للأعمال الجديدة من خلال تقييماتها ...وعليه ان المسرحيات المتميّزة من يفترض برمجتها في فضاءات تتوفر فيها شروط الفرجة وهذا يتم بالتنسيق المحكم مع المندوبيات الجهوية للثقافة في الولايات وبين المشرفين على البرمجة المسرحية في الجهات لان ما نشاهده اليوم غيابا يكاد يكون تاما للجمهور الا في بعض المهرجانات المعروفة
**ارتفعت أصوات المسرحيين في تونس معبرة عن الاستياء من موقف مهرجانات هذه الصائفة التي اقصت المسرح ...كيف تقرا الامر؟
-بكل اسف أقول اننا اليوم في تونس نعيش ثقافة التنكر والجحود لما سبق
كانت لنا مهرجانات مسرحية معتبرة بداية من مهرجان دقة الدولي ومهرجان المغرب العربي بالمنستير ومهرجان باجة للمسرح ذو توجه مغاربي وهو ببادرة من فرقة الحبيب الحداد ومهرجان بلاريجيا ومهرجان البحر الأبيض المتوسط بحلق الوادي واسبوع المسرح الى مهرجان 24 ساعة مسرح بالكاف ومهرجان نيابوليس بنابل ومهرجان المسرح التجريبي بمدنين الذي اسسه المسرحي الكبير الصديق أنور الشعافي وغير ذلك ...هذه المهرجانات هي محصول تجارب جيدة متنوعة وخلقت ديناميكية مسرحية بالجهات لكنها لم تستمر في ذلك التمشي لعدة اعتبارات مالية وتنظيمية
في هذا المناخ اصبح المسرح مغيّبا في المهرجانات وهو غياب يبرره بعض المسؤولين " المعاصرين " بان الجمهور لا تستهويه العروض المسرحية في فصل الصيف وانا أوجه سؤالا لهؤلاء المسؤولين ..ماذا فعلتم لجلب الجمهور لفضاءاتكم التي تشرفون عليها والحال أنّ الدولة تموّل ذلك؟
**كيف تقرأ قرار وزارة الثقافة باستعادة الاشراف على أيام قرطاج المسرحية من خلال المسرح الوطني ؟
--كان لي الشّرف ان أكون احد مؤسسي المسرح الوطني سنة 1983 من خلال الاشراف على البرمجة والتنشيط ...واذكر في هذا المجال انه من خلال مناقشاتنا في اللجنة الاستشارية لهذا الهيكل العريق قررنا ان تكون بداية النشاط الرسمي للمسرح الوطني بتأسيس وتنظيم تظاهرة مسرحية ذات بعد عربي دولي فكانت "أيام قرطاج المسرحية " وتلك رسالة اردنا منها ان نقول ان المسرح ليس هيكلا للإنتاج والترويج فحسب بل هو هيكل أيضا للتنشيط المسرحي
واني احيّي وزارة الشؤون الثقافية التي استرجعت ذلك الإرث الوطني الهام واعادت هذه التظاهرة الى هذا الهيكل العتيد بإشراف المدير الأستاذ معز مرابط المسرحي الذي يعرف الميدان جيدا وهو محاط بفريق هامّ وينتظر الكثير من الدّورة بخصوص نوعية العروض المبرمجة والندوات الفكرية التي نرجو أن توجه فيها الدعوة لمن يساهم في التّفكّر بجدّ ومن منظور الاختصاص والكفاءة في المسرح العربي والإفريقي دون السقوط في المحاباة.
**تنادي العديد من المسرحيين بضرورة عودة الأيام الى صيغتها القديمة في التنظيم " دورة كل عامين" ...هل انت من مناصري هذا الراي ؟
-لما اعلنّا عن تأسيس أيام قرطاج المسرحية سنة 1983 قررنا ان يكون تنظيمها مرة كل سنتين حتى نتمكن من متابعة الانتاجات المسرحية التونسية والعربية بكل تروّ ونختار افضلها وحرصنا في هذا المجال على التنقل بين الدول العربية والمهرجانات العالمية على غرار مهرجان " افينيون " ومهرجان " ليموج " لانتقاء الاعمال التي تضمن الفرجة الممتعة والراقية لتاثيث برنامج الأيام الى جانب الحرصعلى حضور ابرز النجوم في المسرح ولذلك فان المسرح الوطني لم يشارك بإنتاج حتّى الدّورة الثانية في 1985 بمسرحية " احبك يا متنبي " التي الفتها واشرف على إخراجها نور الدّين المطماطي وقد مثلت تونس في تلك الدورة.
وجوابا على سؤالك حول دورية المهرجان أقول إنه اذا تم فسح المجال للقطاع الخاص لا أرى مانعا في التنظيم السنوي للايام على اعتبار ان المال قوّام الاعمال وبذلك يستعيد الجمهور الذي افتقدناه في محاضن دور الثقافة والمريدين للمسرح ...هناك فجوة كبيرة تفصلنا بين الامس واليوم وعلينا ان نعمل جميعا لاسترجاع الإرث الجماهيري الكبير.