شهر واحد فصل بين انقلاب النيجر وبين انقلاب الغابون الذي وضع حدا لخمسة وخمسين عاما من حكم آل بنغو من الأب عمر بنغو الى الابن علي بنغو أو هذا على الأقل ما يبدو ظاهريا على اعتبار علاقة القرب والولاء للجنرال نغيما الذي يبدو ان الأمور تتجه لتمكينه من السلطة مطلع الأسبوع القادم في هذا البلد الإفريقي الذي لا يزيد عدد سكانه عن المليوني ساكن والذي يزخر بثروات طبيعية ونفطية كان يمكن أن تجعل منه بلدا أقرب الى الدول النفطية الخليجية على الأقل في ضمان رفاهية العيش لمواطنيها.
عدوى الانقلابات التي نشطت في المدة الأخيرة تفرض أكثر من نقطة استفهام حول محركي اللعبة وما إذا كان الأمر مرتبطا بالقوى العسكرية في الداخل أو ما إذا كان الأمر مرتبطا بتداخل ودعم لقوى إقليمية وخارجية متنافسة باتت تقدر أنه آن الأوان لإنهاء هيمنة فرنسا وحضورها عسكريا وأمنيا واقتصاديا في القارة وفتح المجال للقوى التي تعتبر أن للقارة شأنا ووزنا مهما مستقبلا باعتبارها لا خزانا للثروات الباطنية والمعادن الثمينة فقط ولكن أيضا باعتبارها سوقا استهلاكية واعية بالنظر الى أن إفريقيا برغم ما ترزأ تحته من فقر وتخلف تبقى قارة شابة ويمكن أن تكون البديل في زمن الذكاء الاصطناعي الذي تحتاجه القوى الكبرى لتحقيق ما تتطلع إليه من مصالح إستراتيجية.. فليس سرا أن إفريقيا اليوم تبقى قبلة أمريكا التي وجدت في القمة الإفريقية-الأمريكية عنوانا مغريا للتغلغل الى القارة وقبل ذلك الصين التي دأبت على المنتدى الإفريقي الصيني واليابان وتركيا وإسرائيل دون أن ننسى روسيا المنافس الجديد لفرنسا ولبقية القوى الكبرى في إفريقيا.. وقد انتبه الكثيرون الى رفع المتظاهرين في النيجر العلم الروسي وهم يساندون المجموعة الانقلابية ويرددون اسم بوتين ويطالبون بحضور فاغنر.. ويمكن اعتبار أن عنوان المرحلة بات يختزل في البحث عن بديل يحل محل الحليف الفرنسي رمز المرحلة الاستعمارية السابقة وهي متلازمة جديدة سيتعين البحث عن مصطلح يتفق مع أهدافها وقد تكون متلازمة الانتقام من سطوة وغطرسة الاستعمار القديم بآخر قد لا يكون بالضرورة أكثر إنسانية أو عدالة.. فليس سرا اليوم أن روسيا باتت حاضرة بقوة في إفريقيا وأن الحرب الروسية في أوكرانيا لم تؤثر على هذا الحضور الذي منح فاغنر مجالا أوسع للتحرك من ليبيا الى السودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو ولم يمنع روسيا أيضا من توقيع اتفاقات عسكرية لتوفير السلاح لنحو عشر دول إفريقية.. وكأنه لا ينقص الشعوب الإفريقية التي يعاني نصف سكانها من الجوع والمرض والصراعات الدموية والحروب غير السلاح الذي يكاد يجعل من إفريقيا أكبر مخزن للسلاح ما صلح منه وما فسد في العالم ..
الحقيقة أن مشهد الفرح والتعاطف والتأييد الشعبي للانقلابيين يدفع بدوره للبحث في نفسية الشعوب الإفريقية التي ترقص على وقع الانقلابات وما إذا كان ذلك يعكس حالة من اليأس وانعدام الأمل نهائيا من أي قائد أو زعيم أو مسؤول يمكن أن يخرج هذه الدول من السيناريوهات المألوفة ويرتقي بها الى مرتبة المواطنة والمسؤولية ..
ما يحدث في إفريقيا وتحديدا غرب إفريقيا التي شهدت ثمانية انقلابات خلال السنوات الثلاثة الماضية من بوركينا فاسو الى غينيا والتشاد ومالي والسودان والنيجر وسرعة صعود الانقلابيين الى المشهد في أكثر من بلد مسألة أعجزت المحللين والخبراء.. طبعا ليست الأسباب والمبررات والدوافع هي التي تغيب عن الأذهان ولكن الأمر يتعلق بالفشل في الخروج من هذه الدائرة.. الأكيد اليوم انه أمام فشل منظمة الاتحاد الإفريقي بكل هياكله كما فشل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في التأثير على الجماعات الانقلابية أو دفعها الى العودة الى المؤسسات الدستورية ما يعني أن ميثاق التأسيس للاتحاد الإفريقي نفسه الذي يرفض في البند الرابع منه بل ويدين أي تغيير غير دستوري للحكومات، في إشارة صريحة إلى مناهضة الانقلابات العسكرية التي تقع في دول القارة السمراء بين الفينة والأخرى باتت مسألة محرجة للاتحاد.. تماما كما أن خيار تعليق عضوية ومشاركة الدول التي شهدت انقلابات في أنشطتها مسألة لا يبدو أن لها أدنى تأثير على المنقلبين حتى الآن.. فهل نحن إزاء مشهد جديد يعكس تطلع الشعوب الإفريقية الى التحليق عاليا مع الحرية والقطع مع هيمنة رموز الاستعمار السابق أم أنه توجه لاستبدال حضور أجنبي بآخر قد لا يختلف عن سابقه كثيرا..
آسيا العتروس
شهر واحد فصل بين انقلاب النيجر وبين انقلاب الغابون الذي وضع حدا لخمسة وخمسين عاما من حكم آل بنغو من الأب عمر بنغو الى الابن علي بنغو أو هذا على الأقل ما يبدو ظاهريا على اعتبار علاقة القرب والولاء للجنرال نغيما الذي يبدو ان الأمور تتجه لتمكينه من السلطة مطلع الأسبوع القادم في هذا البلد الإفريقي الذي لا يزيد عدد سكانه عن المليوني ساكن والذي يزخر بثروات طبيعية ونفطية كان يمكن أن تجعل منه بلدا أقرب الى الدول النفطية الخليجية على الأقل في ضمان رفاهية العيش لمواطنيها.
عدوى الانقلابات التي نشطت في المدة الأخيرة تفرض أكثر من نقطة استفهام حول محركي اللعبة وما إذا كان الأمر مرتبطا بالقوى العسكرية في الداخل أو ما إذا كان الأمر مرتبطا بتداخل ودعم لقوى إقليمية وخارجية متنافسة باتت تقدر أنه آن الأوان لإنهاء هيمنة فرنسا وحضورها عسكريا وأمنيا واقتصاديا في القارة وفتح المجال للقوى التي تعتبر أن للقارة شأنا ووزنا مهما مستقبلا باعتبارها لا خزانا للثروات الباطنية والمعادن الثمينة فقط ولكن أيضا باعتبارها سوقا استهلاكية واعية بالنظر الى أن إفريقيا برغم ما ترزأ تحته من فقر وتخلف تبقى قارة شابة ويمكن أن تكون البديل في زمن الذكاء الاصطناعي الذي تحتاجه القوى الكبرى لتحقيق ما تتطلع إليه من مصالح إستراتيجية.. فليس سرا أن إفريقيا اليوم تبقى قبلة أمريكا التي وجدت في القمة الإفريقية-الأمريكية عنوانا مغريا للتغلغل الى القارة وقبل ذلك الصين التي دأبت على المنتدى الإفريقي الصيني واليابان وتركيا وإسرائيل دون أن ننسى روسيا المنافس الجديد لفرنسا ولبقية القوى الكبرى في إفريقيا.. وقد انتبه الكثيرون الى رفع المتظاهرين في النيجر العلم الروسي وهم يساندون المجموعة الانقلابية ويرددون اسم بوتين ويطالبون بحضور فاغنر.. ويمكن اعتبار أن عنوان المرحلة بات يختزل في البحث عن بديل يحل محل الحليف الفرنسي رمز المرحلة الاستعمارية السابقة وهي متلازمة جديدة سيتعين البحث عن مصطلح يتفق مع أهدافها وقد تكون متلازمة الانتقام من سطوة وغطرسة الاستعمار القديم بآخر قد لا يكون بالضرورة أكثر إنسانية أو عدالة.. فليس سرا اليوم أن روسيا باتت حاضرة بقوة في إفريقيا وأن الحرب الروسية في أوكرانيا لم تؤثر على هذا الحضور الذي منح فاغنر مجالا أوسع للتحرك من ليبيا الى السودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو ولم يمنع روسيا أيضا من توقيع اتفاقات عسكرية لتوفير السلاح لنحو عشر دول إفريقية.. وكأنه لا ينقص الشعوب الإفريقية التي يعاني نصف سكانها من الجوع والمرض والصراعات الدموية والحروب غير السلاح الذي يكاد يجعل من إفريقيا أكبر مخزن للسلاح ما صلح منه وما فسد في العالم ..
الحقيقة أن مشهد الفرح والتعاطف والتأييد الشعبي للانقلابيين يدفع بدوره للبحث في نفسية الشعوب الإفريقية التي ترقص على وقع الانقلابات وما إذا كان ذلك يعكس حالة من اليأس وانعدام الأمل نهائيا من أي قائد أو زعيم أو مسؤول يمكن أن يخرج هذه الدول من السيناريوهات المألوفة ويرتقي بها الى مرتبة المواطنة والمسؤولية ..
ما يحدث في إفريقيا وتحديدا غرب إفريقيا التي شهدت ثمانية انقلابات خلال السنوات الثلاثة الماضية من بوركينا فاسو الى غينيا والتشاد ومالي والسودان والنيجر وسرعة صعود الانقلابيين الى المشهد في أكثر من بلد مسألة أعجزت المحللين والخبراء.. طبعا ليست الأسباب والمبررات والدوافع هي التي تغيب عن الأذهان ولكن الأمر يتعلق بالفشل في الخروج من هذه الدائرة.. الأكيد اليوم انه أمام فشل منظمة الاتحاد الإفريقي بكل هياكله كما فشل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في التأثير على الجماعات الانقلابية أو دفعها الى العودة الى المؤسسات الدستورية ما يعني أن ميثاق التأسيس للاتحاد الإفريقي نفسه الذي يرفض في البند الرابع منه بل ويدين أي تغيير غير دستوري للحكومات، في إشارة صريحة إلى مناهضة الانقلابات العسكرية التي تقع في دول القارة السمراء بين الفينة والأخرى باتت مسألة محرجة للاتحاد.. تماما كما أن خيار تعليق عضوية ومشاركة الدول التي شهدت انقلابات في أنشطتها مسألة لا يبدو أن لها أدنى تأثير على المنقلبين حتى الآن.. فهل نحن إزاء مشهد جديد يعكس تطلع الشعوب الإفريقية الى التحليق عاليا مع الحرية والقطع مع هيمنة رموز الاستعمار السابق أم أنه توجه لاستبدال حضور أجنبي بآخر قد لا يختلف عن سابقه كثيرا..