إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

صفاقس.. حجر زاوية التوازنات التونسية

يقول العرب القدامى أن الكلام عن الكلام صعب. قد يكون هذا القول صحيحا ولكن ما هو أشد صعوبة أن نتحدث أو نكتب عن أشياء وأماكن وأشخاص تربطنا بها وشائج وجدانية. وهذا ما ينتابني وأنا أسعى للكتابة عن مدينة صفاقس التي ولدت فيها ولي فيها ذكريات وأقارب وأصدقاء. العوامل الذاتية لا تمنح لوحدها أحقية الكتابة عن صفاقس. وهنا من الضروري الإشارة إلى أن الكتابة عن صفاقس لا يحركها منطق جهوي أو مناطقي لأننا ننزل هذه المقاربة ضمن رؤية تهمها وحدة تونس ترابا وشعبا وتؤمن أن لبعض المدن دورا في تكريس هذه الوحدة لأن إشعاعها ودورها الاقتصادي والثقافي والسياسي يتجاوز حدود المنطقة التي توجد بها ويصل إلى أبعاد عالمية. يمكن أن نذكر مدن تونس والكاف ونابل والقيروان وسوسة وقفصة وقابس وبنزرت على سبيل الذكر لا الحصر. 

ولا شك أنه يصعب الإتيان على كل ما يميز مدينة صفاقس وهي التي كان لها دائما دور حاسم وقول فصل في أهم التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع التونسي. يمكن الاكتفاء هنا بالإشارة إلى دور صفاقس في النضال ضد الاستعمار الفرنسي وإلى دور مؤتمر صفاقس سنة 1954 في حسم مستقبل زعامة تونس ما بعد الاستقلال من خلال تغليب كفة الحبيب بورقيبة على صالح بن يوسف. وقد ساهمت صفاقس بقسط وافر في ما تحقق في تونس من تنمية وأثرت الحياة الثقافية والفكرية بأسماء أضافت الكثير للثقافة في تونس والعالم. وقد ساهم تهميش النظام السابق لمدينة صفاقس في انهياره ولا يختلف اثنان في أن تحرك صفاقس يوم 12 جانفي 2011 هو الذي كان علامة نهاية حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. ولكن تنطبق على مدينة صفاقس تلك العبارة " ما أكثر ما أعطى وما أقلّ ما أخذ" سنوات ما بعد 14 جانفي 2011 كانت سنوات عجاف على المستوى التنموي ويبدو المنجز ضعيفا ، حتى لا نقول منعدما في كل الولايات، ولكن غيابه في صفاقس أكبر  وأوضح. مدينة صفاقس تبدو اليوم أشبه بمدينة منكوبة وبمدينة تتكثف فيها كل سلبيات ونقائص النمط التنموي منذ الاستقلال إلى حد الآن وخاصة سلبيات العشرية الأخيرة. غياب غير مفهوم للوالي الذي يمثل السلطة المركزية ومشاريع كبرى  معطلة وتدهور لافت للبنية التحتية ، هذا دون أن ننسى أكداس النفايات المتراكمة وتنامي النزوح إلى جانب "زحف " جنوب- صحراوي يطرح أكثر من سؤال. 

ضعف المنجز والإهمال الممنهج لصفاقس يفتح تساؤلات حول أسبابه قد تدفع محاولة التعمق في الإجابة عنها إلى حد تبني المقاربات التآمرية خاصة وأن أصواتا قد أشارت منذ النظام السابق إلى خطورة التهميش الممنهج لصفاقس وأشير هنا إلى الصديق العزيز منصف خماخم، الذي يتعين إنصافه، لأنه كان ينزل تفعيل دور صفاقس ضمن تنشيط التنمية في الجنوب التونسي مع ما في ذلك من مواجهة لكل الأخطار الاجتماعية التي تنجر عن تعميق التفاوت بين الفئات والجهات. وفي ذات السياق يمكن التذكير بمشروعين استبسل منصف خماخم في الدفاع عنهما وهما مشروع تبرورة الذي وقع مسخه في مستوى التصور ويواجه حاليا عدة تعقيدات في الإنجاز ومشروع منطقة حرة في ميناء صفاقس شبيهة بالمنطقة الحرة لجبل علي في دولة الإمارات العربية المتحدة. مشروع رفض فاعلون في النظام السابق مجرد الخوض فيه لأن اعتبارات جهوية كانت تطغى على رؤيتهم لشؤون الدولة. حاليا لا تبدو الرؤية التي تقود القائمين على شؤون الدولة واضحة ولكن ما هو بارز وجلي أنهم لا يملكون رؤية تنموية ولا يقدرون جيدا خطورة تهميش المدن المحركة للاقتصاد والتنمية. صفاقس هي العمود الفقري لكل التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع التونسي وللكيان التونسي الموحد. وهذا ما يعني أن عدم مراجعة الموقف من صفاقس يوفر أرضية خصبة لمحاولة استهداف هذا التماسك وهذه الوحدة ولا يمكن استبعاد أن يكون للزحف الجنوب- صحراوي على صفاقس علاقة بما تطبخه بعض الدوائر من مخططات لإعادة هيكلة الكيانات السياسية في المنطقة. نقول محاولة لأن وطنية أبناء وبنات صفاقس هي الصخرة التي تنكسر عليها كل محاولات الإيقاع بينها وبين تونس بكيانها وشعبها. 

هشام الحاجي 

صفاقس.. حجر زاوية التوازنات التونسية

يقول العرب القدامى أن الكلام عن الكلام صعب. قد يكون هذا القول صحيحا ولكن ما هو أشد صعوبة أن نتحدث أو نكتب عن أشياء وأماكن وأشخاص تربطنا بها وشائج وجدانية. وهذا ما ينتابني وأنا أسعى للكتابة عن مدينة صفاقس التي ولدت فيها ولي فيها ذكريات وأقارب وأصدقاء. العوامل الذاتية لا تمنح لوحدها أحقية الكتابة عن صفاقس. وهنا من الضروري الإشارة إلى أن الكتابة عن صفاقس لا يحركها منطق جهوي أو مناطقي لأننا ننزل هذه المقاربة ضمن رؤية تهمها وحدة تونس ترابا وشعبا وتؤمن أن لبعض المدن دورا في تكريس هذه الوحدة لأن إشعاعها ودورها الاقتصادي والثقافي والسياسي يتجاوز حدود المنطقة التي توجد بها ويصل إلى أبعاد عالمية. يمكن أن نذكر مدن تونس والكاف ونابل والقيروان وسوسة وقفصة وقابس وبنزرت على سبيل الذكر لا الحصر. 

ولا شك أنه يصعب الإتيان على كل ما يميز مدينة صفاقس وهي التي كان لها دائما دور حاسم وقول فصل في أهم التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع التونسي. يمكن الاكتفاء هنا بالإشارة إلى دور صفاقس في النضال ضد الاستعمار الفرنسي وإلى دور مؤتمر صفاقس سنة 1954 في حسم مستقبل زعامة تونس ما بعد الاستقلال من خلال تغليب كفة الحبيب بورقيبة على صالح بن يوسف. وقد ساهمت صفاقس بقسط وافر في ما تحقق في تونس من تنمية وأثرت الحياة الثقافية والفكرية بأسماء أضافت الكثير للثقافة في تونس والعالم. وقد ساهم تهميش النظام السابق لمدينة صفاقس في انهياره ولا يختلف اثنان في أن تحرك صفاقس يوم 12 جانفي 2011 هو الذي كان علامة نهاية حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. ولكن تنطبق على مدينة صفاقس تلك العبارة " ما أكثر ما أعطى وما أقلّ ما أخذ" سنوات ما بعد 14 جانفي 2011 كانت سنوات عجاف على المستوى التنموي ويبدو المنجز ضعيفا ، حتى لا نقول منعدما في كل الولايات، ولكن غيابه في صفاقس أكبر  وأوضح. مدينة صفاقس تبدو اليوم أشبه بمدينة منكوبة وبمدينة تتكثف فيها كل سلبيات ونقائص النمط التنموي منذ الاستقلال إلى حد الآن وخاصة سلبيات العشرية الأخيرة. غياب غير مفهوم للوالي الذي يمثل السلطة المركزية ومشاريع كبرى  معطلة وتدهور لافت للبنية التحتية ، هذا دون أن ننسى أكداس النفايات المتراكمة وتنامي النزوح إلى جانب "زحف " جنوب- صحراوي يطرح أكثر من سؤال. 

ضعف المنجز والإهمال الممنهج لصفاقس يفتح تساؤلات حول أسبابه قد تدفع محاولة التعمق في الإجابة عنها إلى حد تبني المقاربات التآمرية خاصة وأن أصواتا قد أشارت منذ النظام السابق إلى خطورة التهميش الممنهج لصفاقس وأشير هنا إلى الصديق العزيز منصف خماخم، الذي يتعين إنصافه، لأنه كان ينزل تفعيل دور صفاقس ضمن تنشيط التنمية في الجنوب التونسي مع ما في ذلك من مواجهة لكل الأخطار الاجتماعية التي تنجر عن تعميق التفاوت بين الفئات والجهات. وفي ذات السياق يمكن التذكير بمشروعين استبسل منصف خماخم في الدفاع عنهما وهما مشروع تبرورة الذي وقع مسخه في مستوى التصور ويواجه حاليا عدة تعقيدات في الإنجاز ومشروع منطقة حرة في ميناء صفاقس شبيهة بالمنطقة الحرة لجبل علي في دولة الإمارات العربية المتحدة. مشروع رفض فاعلون في النظام السابق مجرد الخوض فيه لأن اعتبارات جهوية كانت تطغى على رؤيتهم لشؤون الدولة. حاليا لا تبدو الرؤية التي تقود القائمين على شؤون الدولة واضحة ولكن ما هو بارز وجلي أنهم لا يملكون رؤية تنموية ولا يقدرون جيدا خطورة تهميش المدن المحركة للاقتصاد والتنمية. صفاقس هي العمود الفقري لكل التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع التونسي وللكيان التونسي الموحد. وهذا ما يعني أن عدم مراجعة الموقف من صفاقس يوفر أرضية خصبة لمحاولة استهداف هذا التماسك وهذه الوحدة ولا يمكن استبعاد أن يكون للزحف الجنوب- صحراوي على صفاقس علاقة بما تطبخه بعض الدوائر من مخططات لإعادة هيكلة الكيانات السياسية في المنطقة. نقول محاولة لأن وطنية أبناء وبنات صفاقس هي الصخرة التي تنكسر عليها كل محاولات الإيقاع بينها وبين تونس بكيانها وشعبها. 

هشام الحاجي