إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سينما الهواية.. البداية والنهاية..

 

 

بقلم: محمد السبوعي(*)

لم تصلنا دعوة أو خبر كما قال شاعر تونس الخالد أولاد أحمد...ولم نعلم بانعقاد مهرجان قليبية للسينمائيين الهواة ..لا في وسائل الإعلام.. ولا في وسائط التواصل الاجتماعي... ولكن جلسة جمعتني بأصدقاء من أهل الاختصاص في القطاع  السمعي البصري جعلتني  أفتح ملف السينما التونسية خصوصا ونحن ننتظر دورة استثنائية  لأيام قرطاج السينمائية.

حركة السينمائيين الهواة حركة متجذّرة في المشهد السينمائي التونسي وإحدى الخصوصيات الفارقة لذلك المشهد. فقد تفتّق  خيال بعض روّاد الحراك الثقافي في بداية ستينيات القرن الماضي على إيجاد بديل للإنتاج السينمائي التقليدي (فريق من المحترفين ،معدّات ثقيلة، التعامل مع مخابر، العرض في المسالك التجاريّة). وقد وجد هذا التوجّه صدى إيجابيا لدى عدد من مسؤولي العمل الثقافي فدعموه مثل الراحلين الطاهر الشريعة وعبد الحقّ الأسود والنوري الزنزوري.

وقد أتاحت منتجات شركة KODAK العملاقة إمكانية المضيّ في ذلك التوجّه فقد وفّرت أشرطة في المتناول وأجهزة يمكنها تأمين التصوير وتسجيل الصوت والمونتاج فضلا عن طبع المادة المصورة بمجرد إرسالها بالبريد لفرنسا ذلك أن ثمن التحميض وطبع الأشرطة كان متضمّنا في ثمن شراء الأشرطة الخام. كلّ هذه العناصر اجتمعت لتساعد على إنشاء حركة سينمائية فريدة تنعم إلى جانب ما سلف ذكره من أسباب موضوعية بمناخ إيجابي يحدو الجميع ويدفع إلى البناء والإبداع وخصوصا المدرسين في المدارس والمعاهد والمنشطّين في دور الثقافة والشباب الذين كان لهم دور في تأطير الناشئة وتعهّد ميولاتهم الفنية والإبداعية.

وبالتوازي مع بواكير إنتاج نوادي السينمائيين الهواة والتي تمّت هيكلتها في جامعة على الصعيد الوطني تحكمها لوائح ديمقراطية صارمة، تمّ بعث مهرجان قليبية الدولي لأفلام الهواة سنة 1964 فاجتمعت الأسباب لتكون للحركة أرضية مناسبة للانطلاق وحاضنة شعبية ورسمية تقدّم لها الدعم المعنوي والمالي.

وعرفت الجامعة عصرها الذهبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي  وتمكنت من أن تفرض نفسها مخاطَبا كفؤا ورافدا من روافد حركة الطليعة الأدبية والفنية التي عاشتها تونس. وبفضل إنتاجاتها التي كانت تراوغ أجهزة الرقابة استطاعت أن تؤسّس لها نهجا له طروحاته وجمالياته المخصوصة وأنتجت أفلاما أحرجت السلطة ك"عتبات ممنوعة "لرضا الباهي و"النفق" لرضا بن حليمة ومحمد عبد السلام.

مع بداية الألفية الثالثة والتحوّل الرقمي الذي عرفه العالم بدأت الحركة تفقد بريقها والعديد من خصوصياتها بل بدت وكأنها تنخرط في منطق التحصيل الحاصل والبهرج والإنفاق العشوائي والركون إلى مسايرة المزاج العام.

   لا جدال في أنّ حركة السينمائيين الهواة مثّلت رافدا هامّا للحركة السينمائية التونسية من حيث إنتاجها لعدد هام من الأفلام اللافتة بجرأة كتابتها المتماسكة والمتّسقة : " عتبات ممنوعة" لرضا الباهي، "الدمية "لأحمد الخشين " الوهم الكبير" لفتحي كميشة، " الملك" للمنصف بن مراد ، "كابوس" لراضي تريمش، " الغرابيل" لمهدي مليكة، " الأحجار المتحركة" لحمادي  بوعبيد ، " النفق" لرضا بن حليمة ومحمد عبد السلام.

كما ساهمت في تكوين كثير من المنخرطين الذين أمكن لهم أن يدلفوا إلى الاحتراف كسلمى بكار ومنصف ذويب ومحمد دمق وفريد بوغدير ورضا الباهي وأحمد لخشين وغيرهم.

كما مثّلت الحركة منبرا للتعبير الحرّ والممارسة الديمقراطية في انتخاب من يتولّى التسيير في وقت كان فيه منطق الحزب الواحد هو المهيمن وكان الشباب لا يجد مجالات إبداعية يفتّق فيها مواهبه.

لكن الارتجال والتخبّط حلّ محلّ التسيير المستبصر والناجع. فقد تمّ بعث مهرجان وطني ينظّم بالتناوب مع المهرجان الدولي. مهرجان متنقْل يركّز على التكوين وتعميق الخبرات وقد تمّ تنظيمه في ولايات مختلفة لتقريب التجربة من شباب الجهات فقد نظّم في قصور الساف وفي المنستير والمهدية وجهات أخرى لكنّ هذه التجربة الرائدة سرعان ما انكفأت تحت الرغبة الجامحة في جعل المهرجان الدولي سنويا فتمّت التضحية بالمهرجان الوطني الذي كان يمكن أن ينهض بالتكوين في الجهات وبنشر تجربة سينما الهواة على نطاق واسع.

والمتابع لمسار الحركة يلاحظ، دون عناء، أنها عجزت عن تغيير جلدها وركنت إلى الرضاء عن النفس دونما سعي للتأقلم مع المتغيّرات التي عرفها المشهد السمعي البصري. فقد أصبح التصوير والمونتاج متاحا للجميع بعد الثورة الرقمية وأصبح بالإمكان تصوير أفلام بأقلّ التكاليف بواسطة الهاتف الجوّال وهو ما جعل البساط يسحب من تحت أقدام الحركة التي فرضت نفسها فيما مضى بديلا للسينما الصناعية التي تتطلب معدّات ومخابر وأموالا. غدا المهرجان الذي واكب تطوّرها تظاهرة باهتة وهلامية تسرّب إليها البهرج وتأسّست فيه زبونية مقيته فتحوّل المهرجان إلى ما يشبه مصيفا لا ينفذ إليه إلّا أصحاب الحظوة من أمثال فلان وعلّان. وقد وقع المهرجان في مطبّ العيش على أمجاد الماضي ورصيد الحركة المضيء وهو رصيد يتآكل دورة بعد أخرى لأنّ الحركة أصابها الركود فأصبح الإنتاج فيها شحيحا بل إنها أصبحت مضطرّة لبرمجة أفلام المدارس التي ينجزها طلبة درسوا السينما دراسة أكاديمية وهو ما يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها الحركة وهي تكوين شباب من خلال تطوّع المؤطرين وتدريب أولئك الشباب على التصوير الفوتوغرافي التقليدي، منطلق التكوين الصحيح. إلّا أنّ ما يحدث اليوم هو الاعتماد الكلي على الفيديو  واللجوء إلى تصيّد أفلام أنجزت خارج إطار الهواية بعد أن تكون قد شبعت عرضا في مناسبات وفضاءات عديدة.

إن الحركة في حاجة للتفكير في إعادة النظر في ماهيتها والتركيز على جوانب هامة من التكوين مثل كتابة السيناريو من خلال تنظيم ورشات ومن خلال التدريب الجادّ والمتين. كما ينبغي إعادة الاعتبار للإنتاج والقطع مع مظاهر الإسراف في البهرج والإبهار والتقليص من المدعوين الذين لا يضيفون شيئا سوى إثقال كاهل المهرجان. 

رصيد الحركة ورصيد المهرجان في تآكل من دَورة إلى أخرى ولا بدّ من مواجهة الأسئلة الحارقة من قبيل :

ما مستقبل الحركة في ظلّ انتفاء الحدود بين الهواية والاحتراف؟

أيّ دور للتكوين في ظلّ انتشار مؤسسات التكوين العمومي والخاص في المجال السمعي البصري ؟

ما مصير تراث الحركة ورصيدها من الأفلام. وما حظّ ذلك الرصيد من الرقمنة وما نصيبه من الاعتمادات التي ترصدها منظمات دولية لإنقاذ الأرشيف السينمائي الإنساني ؟ وما هي قدرة الجامعة على إعداد ملفات تقنع الجهات المانحة لإنقاذ تراثها؟ تلك بعضٌ من مسائل هامّة قد لا تخطر على بال مسيّري الجامعة لأنّهم منشغلون بقضايا أخرى.

*أديب وشاعر

 سينما الهواية..   البداية والنهاية..

 

 

بقلم: محمد السبوعي(*)

لم تصلنا دعوة أو خبر كما قال شاعر تونس الخالد أولاد أحمد...ولم نعلم بانعقاد مهرجان قليبية للسينمائيين الهواة ..لا في وسائل الإعلام.. ولا في وسائط التواصل الاجتماعي... ولكن جلسة جمعتني بأصدقاء من أهل الاختصاص في القطاع  السمعي البصري جعلتني  أفتح ملف السينما التونسية خصوصا ونحن ننتظر دورة استثنائية  لأيام قرطاج السينمائية.

حركة السينمائيين الهواة حركة متجذّرة في المشهد السينمائي التونسي وإحدى الخصوصيات الفارقة لذلك المشهد. فقد تفتّق  خيال بعض روّاد الحراك الثقافي في بداية ستينيات القرن الماضي على إيجاد بديل للإنتاج السينمائي التقليدي (فريق من المحترفين ،معدّات ثقيلة، التعامل مع مخابر، العرض في المسالك التجاريّة). وقد وجد هذا التوجّه صدى إيجابيا لدى عدد من مسؤولي العمل الثقافي فدعموه مثل الراحلين الطاهر الشريعة وعبد الحقّ الأسود والنوري الزنزوري.

وقد أتاحت منتجات شركة KODAK العملاقة إمكانية المضيّ في ذلك التوجّه فقد وفّرت أشرطة في المتناول وأجهزة يمكنها تأمين التصوير وتسجيل الصوت والمونتاج فضلا عن طبع المادة المصورة بمجرد إرسالها بالبريد لفرنسا ذلك أن ثمن التحميض وطبع الأشرطة كان متضمّنا في ثمن شراء الأشرطة الخام. كلّ هذه العناصر اجتمعت لتساعد على إنشاء حركة سينمائية فريدة تنعم إلى جانب ما سلف ذكره من أسباب موضوعية بمناخ إيجابي يحدو الجميع ويدفع إلى البناء والإبداع وخصوصا المدرسين في المدارس والمعاهد والمنشطّين في دور الثقافة والشباب الذين كان لهم دور في تأطير الناشئة وتعهّد ميولاتهم الفنية والإبداعية.

وبالتوازي مع بواكير إنتاج نوادي السينمائيين الهواة والتي تمّت هيكلتها في جامعة على الصعيد الوطني تحكمها لوائح ديمقراطية صارمة، تمّ بعث مهرجان قليبية الدولي لأفلام الهواة سنة 1964 فاجتمعت الأسباب لتكون للحركة أرضية مناسبة للانطلاق وحاضنة شعبية ورسمية تقدّم لها الدعم المعنوي والمالي.

وعرفت الجامعة عصرها الذهبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي  وتمكنت من أن تفرض نفسها مخاطَبا كفؤا ورافدا من روافد حركة الطليعة الأدبية والفنية التي عاشتها تونس. وبفضل إنتاجاتها التي كانت تراوغ أجهزة الرقابة استطاعت أن تؤسّس لها نهجا له طروحاته وجمالياته المخصوصة وأنتجت أفلاما أحرجت السلطة ك"عتبات ممنوعة "لرضا الباهي و"النفق" لرضا بن حليمة ومحمد عبد السلام.

مع بداية الألفية الثالثة والتحوّل الرقمي الذي عرفه العالم بدأت الحركة تفقد بريقها والعديد من خصوصياتها بل بدت وكأنها تنخرط في منطق التحصيل الحاصل والبهرج والإنفاق العشوائي والركون إلى مسايرة المزاج العام.

   لا جدال في أنّ حركة السينمائيين الهواة مثّلت رافدا هامّا للحركة السينمائية التونسية من حيث إنتاجها لعدد هام من الأفلام اللافتة بجرأة كتابتها المتماسكة والمتّسقة : " عتبات ممنوعة" لرضا الباهي، "الدمية "لأحمد الخشين " الوهم الكبير" لفتحي كميشة، " الملك" للمنصف بن مراد ، "كابوس" لراضي تريمش، " الغرابيل" لمهدي مليكة، " الأحجار المتحركة" لحمادي  بوعبيد ، " النفق" لرضا بن حليمة ومحمد عبد السلام.

كما ساهمت في تكوين كثير من المنخرطين الذين أمكن لهم أن يدلفوا إلى الاحتراف كسلمى بكار ومنصف ذويب ومحمد دمق وفريد بوغدير ورضا الباهي وأحمد لخشين وغيرهم.

كما مثّلت الحركة منبرا للتعبير الحرّ والممارسة الديمقراطية في انتخاب من يتولّى التسيير في وقت كان فيه منطق الحزب الواحد هو المهيمن وكان الشباب لا يجد مجالات إبداعية يفتّق فيها مواهبه.

لكن الارتجال والتخبّط حلّ محلّ التسيير المستبصر والناجع. فقد تمّ بعث مهرجان وطني ينظّم بالتناوب مع المهرجان الدولي. مهرجان متنقْل يركّز على التكوين وتعميق الخبرات وقد تمّ تنظيمه في ولايات مختلفة لتقريب التجربة من شباب الجهات فقد نظّم في قصور الساف وفي المنستير والمهدية وجهات أخرى لكنّ هذه التجربة الرائدة سرعان ما انكفأت تحت الرغبة الجامحة في جعل المهرجان الدولي سنويا فتمّت التضحية بالمهرجان الوطني الذي كان يمكن أن ينهض بالتكوين في الجهات وبنشر تجربة سينما الهواة على نطاق واسع.

والمتابع لمسار الحركة يلاحظ، دون عناء، أنها عجزت عن تغيير جلدها وركنت إلى الرضاء عن النفس دونما سعي للتأقلم مع المتغيّرات التي عرفها المشهد السمعي البصري. فقد أصبح التصوير والمونتاج متاحا للجميع بعد الثورة الرقمية وأصبح بالإمكان تصوير أفلام بأقلّ التكاليف بواسطة الهاتف الجوّال وهو ما جعل البساط يسحب من تحت أقدام الحركة التي فرضت نفسها فيما مضى بديلا للسينما الصناعية التي تتطلب معدّات ومخابر وأموالا. غدا المهرجان الذي واكب تطوّرها تظاهرة باهتة وهلامية تسرّب إليها البهرج وتأسّست فيه زبونية مقيته فتحوّل المهرجان إلى ما يشبه مصيفا لا ينفذ إليه إلّا أصحاب الحظوة من أمثال فلان وعلّان. وقد وقع المهرجان في مطبّ العيش على أمجاد الماضي ورصيد الحركة المضيء وهو رصيد يتآكل دورة بعد أخرى لأنّ الحركة أصابها الركود فأصبح الإنتاج فيها شحيحا بل إنها أصبحت مضطرّة لبرمجة أفلام المدارس التي ينجزها طلبة درسوا السينما دراسة أكاديمية وهو ما يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها الحركة وهي تكوين شباب من خلال تطوّع المؤطرين وتدريب أولئك الشباب على التصوير الفوتوغرافي التقليدي، منطلق التكوين الصحيح. إلّا أنّ ما يحدث اليوم هو الاعتماد الكلي على الفيديو  واللجوء إلى تصيّد أفلام أنجزت خارج إطار الهواية بعد أن تكون قد شبعت عرضا في مناسبات وفضاءات عديدة.

إن الحركة في حاجة للتفكير في إعادة النظر في ماهيتها والتركيز على جوانب هامة من التكوين مثل كتابة السيناريو من خلال تنظيم ورشات ومن خلال التدريب الجادّ والمتين. كما ينبغي إعادة الاعتبار للإنتاج والقطع مع مظاهر الإسراف في البهرج والإبهار والتقليص من المدعوين الذين لا يضيفون شيئا سوى إثقال كاهل المهرجان. 

رصيد الحركة ورصيد المهرجان في تآكل من دَورة إلى أخرى ولا بدّ من مواجهة الأسئلة الحارقة من قبيل :

ما مستقبل الحركة في ظلّ انتفاء الحدود بين الهواية والاحتراف؟

أيّ دور للتكوين في ظلّ انتشار مؤسسات التكوين العمومي والخاص في المجال السمعي البصري ؟

ما مصير تراث الحركة ورصيدها من الأفلام. وما حظّ ذلك الرصيد من الرقمنة وما نصيبه من الاعتمادات التي ترصدها منظمات دولية لإنقاذ الأرشيف السينمائي الإنساني ؟ وما هي قدرة الجامعة على إعداد ملفات تقنع الجهات المانحة لإنقاذ تراثها؟ تلك بعضٌ من مسائل هامّة قد لا تخطر على بال مسيّري الجامعة لأنّهم منشغلون بقضايا أخرى.

*أديب وشاعر