في ندوة مركز الحوار العربي بواشنطن.. الوزير والنائب اللبناني السابق بشارة مرهج: لبنان ليس فندقاً يغادره أبناؤه في أوقات الخطر بل أرضا وكيانا يتشبثون به ويذودون عنه بأغلى ما يملكون.."
في إطار الندوات الأسبوعية لمركز الحوار العربي "الحوار اون لاين" في واشنطن قدم الوزير والنائب اللبناني الأسبق بشارة مرهج مداخلة بعنوان "هل من أمل بمستقبل أفضل لشعب لبنان.. وكيف يمكن تحقيقه؟" الندوة اختتمت بنقاش موسع حول الخيارات المطروحة لإخراج لبنان من الانهيار بمشاركة ثلة من الأكاديميين والخبراء العرب الأمريكيين من واشنطن ومن دول عربية بينهم جمال البرغوثي وجرجس جرجس ومعن بشور. وقال صبحي غندور مدير مركز الحوار العربي في مستهل اللقاء "إن فهم ما يحدث في لبنان الذي تعصف به أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية يستوجب فهم ما يحدث في محيط لبنان الذي بات وطنا ينهار اقتصاديا "معتبرا أن لبنان وطن مثقل بالأزمات وفيه ملايين اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والمهجرين"، مشددا على أن لبنان وطن تحكمه قوى طائفية ومذهبية تعطل كل مسار للوحدة الوطنية وترفض وجود دستور مدني"..
وفي قراءته الدقيقة للمشهد اللبناني قال بشارة مرهج الذي سبق أن تولى وزارة الإصلاح الإداري في لبنان ووزارة الداخلية وكان نائبا في المجلس النيابي وهو من شق القوميين وأنصار المقاومة "إن لبنان واعتمادا على المعطيات الحالية، غير قادر ذاتياً على النهوض من المستنقع العالق فيه وذلك بسبب ممارسات أركان السلطة على مدى عقود، وإصرارها على تقاسم ثروات البلاد واستغلال الدولة ومواردها، والتعدي على حقوق وأموال المؤسسات والأفراد اللبنانيين والعرب، المقيمين منهم والمغتربين.
وأضاف قائلا:"لقد أفرغوا الدولة من إمكانياتها، واستنزفوا المجتمع من مجمل طاقاته وأرغموا نخبة أبنائه من الشباب، خاصة، على الهجرة بحثاً عن السلام والأمن وفرص العمل".
-حقائق مفجعة
واستطرد مرهج ليقدم جملة من المعلومات المفجعة قائلا:"اليوم إذ تستقر الجماعات الحاكمة على عرشها غير آبهة بالجرائم والمخازي التي ترتكبها بالتنسيق مع الطغمة السياسية وأصحاب المصارف وحاكمية البنك المركزي وأعوانهم في الخارج والداخل تبدو هذه المنظومة عاجزة تماماً عن اتخاذ أي إجراء إصلاحي أو تدبير وقائي يهيئ المسرح لحركة إيجابية تبث الأمل في النفوس، على الرغم من وجود عدة طرق ووسائل لوقف الانهيار والعودة إلى طريق البناء والأعمار. فالحقيقة المفجعة أن هذه المنظومة التي تعودت على الاستحواذ على المال الفاحش واستخدام الموجود والموروث لمصلحتها ليس في أجندتها سوى بند واحد وهو شراء الوقت، وانتظار المساعدات من الخارج، جرياً على عادتها في الاستقراض والهدر والتبذير، دون أن تعترف بالتغييرات التي حصلت على صعيد الأقاليم والعالم، والتي تشير إلى توقف البرامج المجانية وربط القروض ببرامج محلية تحتم استخدام هذه الإمكانات بصورة اقتصادية متفق عليها، على أن تسدد الديون حكماً في إطار جدول محدد ومعلن مما يلقي على أي فئة تختار هذا الطريق مسؤولية العمل الجدي الخاضع للرقابة والمعايير الدولية، وهذا ما لا طاقة لها به.
-الهروب إلى الأمام
واعتبر مرهج أنه وفي مرحلة شراء الوقت استمر نفس النهج حيث تم السطو على أموال الدعم وأموال منصة صيرفة رغم أن المقصود منهما كان مساعدة المواطنين الأشد فقراً، والمودعين الذين تبخرت أموالهم بفضل ممارسات أصحاب المصارف والبنك المركزي والفئات الحاكمة على حد سواء. وترافق ذلك مع عملية طبع العملة من قبل حاكم البنك المركزي، الملاحق اليوم من الانتربول، بحيث ارتفع مستوى التضخم إلى معدلات خيالية فقدت معها الليرة اللبنانية 98% من قيمتها الشرائية، وتقلصت ديون الدولة والبنوك والمصرف المركزي بشكل مفتعل إلى حدود متدنية.
واستطرد بأنه فيما كان مثلث الشر يرفض توزيع الخسائر وإعادتها ويمعن تهجماً على خطة التعافي المالي التي أعدتها حكومة حسان دياب وصولاً إلى رفض طلبات صندوق النقد الدولي الخاصة بالإصلاحات والتشريعات، كان المواطن يئن تحت وطأة أسوأ أزمة مرت على لبنان، وكانت المؤسسات تتراجع في أدائها أو تتعطل بذاتها أو تتفكك في بنيتها وكان الشغور يسود الموقف سواء في سدة الرئاسة أو الإدارة حتى كادت الدولة أن تغيب لولا وجود الجيش وقوى الأمن مع حكومة تصريف أعمال ومجلس نيابي يتنافسان في إهمال مصالح الناس والاستهتار بالإصلاح.
-لبنان المحاصر
وأضاف أنه في ظل الحصار الأميركي، سياسياً ومالياً، والذي وصل إلى حد حرمان لبنان من غاز مصر وكهرباء الأردن، وفي ظل انقطاع المساعدات والهبات العربية التي تعودت عليها الفئات الحاكمة، وفي ظل إحجام الدولة عن اتخاذ أي مبادرة للإصلاح، وفي ظل المحاولات الإسرائيلية المتواصلة لخرق الأمن اللبناني أصبحت البلاد تعيش على شفير الفوضى والمجاعة والانهيار التام لولا مبادرات المغتربين وبعض الأوساط العربية ولولا إصرار اللبنانيين المتضررين والمنهوبين على الصمود ومقاومة الاستغلال والاستلاب والعمل على ضوء الشموع وبنوبات مضاعفة بأجور لا تذكر لإبقاء المستشفيات والمدارس والجامعات والأسواق والمؤسسات على قيد الحياة.
وعلى عكس الفئات الحاكمة التي تجاوزت الرقم القياسي في استهتارها واستبدادها وجشعها عضّ شعبنا على جراحه مودعاً أبناءه على الموانئ والمطارات، عاملاً في الليل والنهار، مستحثاً الموظفين على مداومة العمل، مكتفياً أحياناً بكسرة الخبز وجرعة المياه، مبرهناً بنضاله وتضحياته أنه صاحب البلد الحقيقي يتمسك به، يضحي من أجله، ويسعى لقيامته مهما تألب عليه الأعداء ومهما اشتدت عليه الأنواء. فلبنان بالنسبة لشعبنا لم يكن يوماً فندقاً يغادره إذا حاقه الخطر وإنما هو أرض وكيان ورسالة يتشبث به ويذود عنه بأغلى ما يملك.
-هل من أمل بنهوض لبنان؟
وتساءل مرهج إن كان هناك أمل بنهوض لبنان والأحداث الأمنية تتوالى على أرضه من عين الحلوة إلى عين أبل، إلى الكحالة قارعة ناقوس الخطر منذرة بأسوإ منها فيما لو لم يتم تداركها بإحياء القضاء وتفعيله لكشف الجناة وتبديد البلبلة وتهدئة النفوس!
وهل يمكن التوصل إلى ما نبتغيه دون صون الجيش والقوى الأمنية وتمكينهم من القيام بدورهم دفاعاً عن الحدود وتصدياً للفوضى وخلايا الإرهاب النائمة وخلايا العمالة للعدو الصهيوني في الداخل؟!
وهل من أمل بوجود فئات حاكمة تتشبث بالسلطة وتستخدم السلطة في عز الأزمات لمراكمة الثروة وتوسيع النفوذ؟
وهل من أمل دون إجراء حوار وطني واسع يراجع تجربة الطائف بثغراتها التي يجب أن تُعالج، وايجابياتها التي يجب أن تُعزز بسلوك الطريق الديمقراطي طريقاً وحيداً لحل الخلافات بين اللبنانيين توصلاً إلى تفاهمات تُخرج لبنان من الطائفية السياسية، وتقر قانوناً انتخابياً عصرياً يرتكز على النسبية والدائرة الانتخابية الموسعة التي تحفظ الحياة النيابية من شر المذهبية والشرذمة السياسية وتُسقط دعوات التقسيم والفدرالية وتفتح الطريق نحو لامركزية إدارية موسعة وإنشاء مجلس شيوخ وتكريس مبدأ الجدارة والاستحقاق في الإدارة اللبنانية؟
وهل من أمل بمستقبل أفضل لشعب لبنان والقوى الشعبية الديمقراطية مترددة حتى اليوم في تشكيل جبهة وطنية عريضة تتخطى المذاهب والمناطق لمجابهة السلطة الفاسدة والطغمة المالية المتكبرة؟
وهل من أمل والمشروع الصهيوني يهدد بلسان وزير دفاعه بإعادة لبنان إلى العصر الحجري بالتزامن مع تهجير ملايين الفلسطينيين إلى الأردن ولبنان وسوريا.
-لبنان بين الانزلاق والصمود
والجواب حسب مرهج يفترض أن لبنان الجريح ينزف اليوم كما لم ينزف من قبل ويبدو مُعرّضاً لمخاطر الانزلاق إلى مهاوي الفوضى والتفكك لكنه من ناحية ثانية مرشح للصمود بوجه العاصفة العاتية والنهوض من أشداق المحنة. لأن شعبه رغم ما يعانيه من انقسامات وتوترات ومآسي يرفض رفضاً قاطعاً التخلي عن لبنان الوطن إرثاً وفكرة وانتماء ودولة أو الاستسلام للأمر الواقع أو الانصياع لأغراض الغير ويملك في الوقت نفسه تجربة عريقة ومريرة تعلم منها أن لا بديل عن وحدته وإصلاح دولته والتغلب على دعوات الانقسام والفتنة.
ثم إن للشعب اللبناني المنتشر بقوة وفعالية في مختلف أصقاع الأرض خبرة في التعامل مع الأحداث الجسام ودرء الأخطار وابتكار وسائل المقاومة لكل ما يهدد أرضه ووحدته واستقلاله وانتماءه.
إن لبنان رغم كل ما أصابه من سهام لا زالت جعبته غنية بالوسائل والإمكانيات التي تؤمن له الحصانة الإستراتيجية وتكفل نهوضه من بين الأشلاء والأنقاض. وخلص إلى أن هذا الموقف ليس اعتماداً على الخيال وإنما استناداً إلى وقائع تشع بالأمل وتخالف الكثير من التوقعات، المغرض منها والبريء.
إن تدفق المغتربين ومعهم أشقاء عرب إلى لبنان بصورة فاقت كل الحسابات والتوقعات رغم الأزمة التي يعانيها على صعيد الكهرباء والمواصلات والخدمات على المكانة التي يحتلها لبنان في قلوب أبنائه وأشقائه، دليل على المحبة التي يكنّها أبناؤه وأشقاؤه له، خاصة في الملمات والمحن، وبرهان على قوة لبنان وقدرته على مواجهة الصعاب سواء كان مصدرها الخارج أو الداخل.
إن سقوط رياض سلامة وتواريه عن الأنظار تفادياً للقبض عليه بموجب البطاقة الحمراء الدولية التي عممها الانتربول بناء على التحقيقات الأوروبية يدلان على أمرين رئيسين من بين أمور كثيرة:
- إن إصرار الشعب وممثليه الحقيقيين على التصدي لسرقة العصر ومهندسها رغم حلقات التأييد القوية لسلامة في القضاء والدولة والإعلام لا بد وأن يؤتي ثماره لا كما أدعى كثيرون بأن رياض سلامة محصن ضد العدالة ويستحيل أن يتخلى عنه حماته. كما أن الصوت الشعبي الصادق مهما ظهر خافتاً ومعزولاً في بعض المراحل فإنه يفعل فعله كبقعة الزيت وينال من أخصامه في نهاية الأمر عندما يقرر المجابهة.
نعم الأمل ممكن وموجود لان أكثرية اللبنانيين تتمسك بلبنان ونظامه الديمقراطي وانتمائه العربي وترغب في العيش معاً تحت كنف الدستور والقانون والدولة العادلة.
الأمل ممكن وموجود لأن أخصام الوحدة ودعاة التقسيم وإن كانت أصواتهم عالية إلا إنهم مجرد أقلية غارقة في مستنقع الطائفية وعالقة بالثقافة الانعزالية ومبهورة بالتقاليد الأجنبية. وهذه الأقلية يمكن معالجة أوضاعها بالانفتاح والتفاعل والحوار وتعزيز الحياة اللبنانية المشتركة المرتكزة على مبادئ العدالة والمساواة.
الأمل ممكن وموجود لأن أغلبية اللبنانيين اختبرت مضار الانقسامات المذهبية التي لم تسفر إلا عن زيادة ثروات القادة المستفيدين من تأجيج الصراعات، والتي لم تؤد إلا إلى تعميق معاناة الناس بصرف النظر عن المنطقة أو الحزب أو المذهب.
الأمل ممكن وموجود لأن لبنان حتى في مرحلة التراجع والانتكاس وانحطاط السلطة قادر بفضل شعبه وجيشه ومقاومته أن يحافظ على الأمن الداخلي وأن يدافع عن بلاده بوجه الإرهاب. كما هو قادر على صد العدوان الصهيوني إذا اختار قادة تل أبيب تكرار محاولات الغزو التي انقلبت عليهم من قبل وبالاً وهزيمة يستشعر بها كل جندي وضابط في الجيش الإسرائيلي أو حرس الحدود...
الأمل ممكن وموجود لأن موازين القوة في العالم تشهد تغييراً ملموساً ينعكس في بروز التعددية القطبية من جديد كما ينعكس في تراجع قوة الولايات المتحدة تدريجاً مقابل الصين والتكتلات الدولية الأخرى مما يُضعف من قبضتها وهيمنتها على مختلف الدول ومن بينها لبنان الذي تضرب حوله حصاراً اقتصادياً وسياسياً لا يستهان به على الإطلاق.. بدوره دعا جمال البرغوثي إلى توحيد الصفوف وقال:"إذا لم يوحدنا العدو والتاريخ فليوحدنا الفساد والاستبداد والدكتاتورية الجاثمة على الشعوب..
اسيا العتروس
تونس الصباح
في إطار الندوات الأسبوعية لمركز الحوار العربي "الحوار اون لاين" في واشنطن قدم الوزير والنائب اللبناني الأسبق بشارة مرهج مداخلة بعنوان "هل من أمل بمستقبل أفضل لشعب لبنان.. وكيف يمكن تحقيقه؟" الندوة اختتمت بنقاش موسع حول الخيارات المطروحة لإخراج لبنان من الانهيار بمشاركة ثلة من الأكاديميين والخبراء العرب الأمريكيين من واشنطن ومن دول عربية بينهم جمال البرغوثي وجرجس جرجس ومعن بشور. وقال صبحي غندور مدير مركز الحوار العربي في مستهل اللقاء "إن فهم ما يحدث في لبنان الذي تعصف به أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية يستوجب فهم ما يحدث في محيط لبنان الذي بات وطنا ينهار اقتصاديا "معتبرا أن لبنان وطن مثقل بالأزمات وفيه ملايين اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والمهجرين"، مشددا على أن لبنان وطن تحكمه قوى طائفية ومذهبية تعطل كل مسار للوحدة الوطنية وترفض وجود دستور مدني"..
وفي قراءته الدقيقة للمشهد اللبناني قال بشارة مرهج الذي سبق أن تولى وزارة الإصلاح الإداري في لبنان ووزارة الداخلية وكان نائبا في المجلس النيابي وهو من شق القوميين وأنصار المقاومة "إن لبنان واعتمادا على المعطيات الحالية، غير قادر ذاتياً على النهوض من المستنقع العالق فيه وذلك بسبب ممارسات أركان السلطة على مدى عقود، وإصرارها على تقاسم ثروات البلاد واستغلال الدولة ومواردها، والتعدي على حقوق وأموال المؤسسات والأفراد اللبنانيين والعرب، المقيمين منهم والمغتربين.
وأضاف قائلا:"لقد أفرغوا الدولة من إمكانياتها، واستنزفوا المجتمع من مجمل طاقاته وأرغموا نخبة أبنائه من الشباب، خاصة، على الهجرة بحثاً عن السلام والأمن وفرص العمل".
-حقائق مفجعة
واستطرد مرهج ليقدم جملة من المعلومات المفجعة قائلا:"اليوم إذ تستقر الجماعات الحاكمة على عرشها غير آبهة بالجرائم والمخازي التي ترتكبها بالتنسيق مع الطغمة السياسية وأصحاب المصارف وحاكمية البنك المركزي وأعوانهم في الخارج والداخل تبدو هذه المنظومة عاجزة تماماً عن اتخاذ أي إجراء إصلاحي أو تدبير وقائي يهيئ المسرح لحركة إيجابية تبث الأمل في النفوس، على الرغم من وجود عدة طرق ووسائل لوقف الانهيار والعودة إلى طريق البناء والأعمار. فالحقيقة المفجعة أن هذه المنظومة التي تعودت على الاستحواذ على المال الفاحش واستخدام الموجود والموروث لمصلحتها ليس في أجندتها سوى بند واحد وهو شراء الوقت، وانتظار المساعدات من الخارج، جرياً على عادتها في الاستقراض والهدر والتبذير، دون أن تعترف بالتغييرات التي حصلت على صعيد الأقاليم والعالم، والتي تشير إلى توقف البرامج المجانية وربط القروض ببرامج محلية تحتم استخدام هذه الإمكانات بصورة اقتصادية متفق عليها، على أن تسدد الديون حكماً في إطار جدول محدد ومعلن مما يلقي على أي فئة تختار هذا الطريق مسؤولية العمل الجدي الخاضع للرقابة والمعايير الدولية، وهذا ما لا طاقة لها به.
-الهروب إلى الأمام
واعتبر مرهج أنه وفي مرحلة شراء الوقت استمر نفس النهج حيث تم السطو على أموال الدعم وأموال منصة صيرفة رغم أن المقصود منهما كان مساعدة المواطنين الأشد فقراً، والمودعين الذين تبخرت أموالهم بفضل ممارسات أصحاب المصارف والبنك المركزي والفئات الحاكمة على حد سواء. وترافق ذلك مع عملية طبع العملة من قبل حاكم البنك المركزي، الملاحق اليوم من الانتربول، بحيث ارتفع مستوى التضخم إلى معدلات خيالية فقدت معها الليرة اللبنانية 98% من قيمتها الشرائية، وتقلصت ديون الدولة والبنوك والمصرف المركزي بشكل مفتعل إلى حدود متدنية.
واستطرد بأنه فيما كان مثلث الشر يرفض توزيع الخسائر وإعادتها ويمعن تهجماً على خطة التعافي المالي التي أعدتها حكومة حسان دياب وصولاً إلى رفض طلبات صندوق النقد الدولي الخاصة بالإصلاحات والتشريعات، كان المواطن يئن تحت وطأة أسوأ أزمة مرت على لبنان، وكانت المؤسسات تتراجع في أدائها أو تتعطل بذاتها أو تتفكك في بنيتها وكان الشغور يسود الموقف سواء في سدة الرئاسة أو الإدارة حتى كادت الدولة أن تغيب لولا وجود الجيش وقوى الأمن مع حكومة تصريف أعمال ومجلس نيابي يتنافسان في إهمال مصالح الناس والاستهتار بالإصلاح.
-لبنان المحاصر
وأضاف أنه في ظل الحصار الأميركي، سياسياً ومالياً، والذي وصل إلى حد حرمان لبنان من غاز مصر وكهرباء الأردن، وفي ظل انقطاع المساعدات والهبات العربية التي تعودت عليها الفئات الحاكمة، وفي ظل إحجام الدولة عن اتخاذ أي مبادرة للإصلاح، وفي ظل المحاولات الإسرائيلية المتواصلة لخرق الأمن اللبناني أصبحت البلاد تعيش على شفير الفوضى والمجاعة والانهيار التام لولا مبادرات المغتربين وبعض الأوساط العربية ولولا إصرار اللبنانيين المتضررين والمنهوبين على الصمود ومقاومة الاستغلال والاستلاب والعمل على ضوء الشموع وبنوبات مضاعفة بأجور لا تذكر لإبقاء المستشفيات والمدارس والجامعات والأسواق والمؤسسات على قيد الحياة.
وعلى عكس الفئات الحاكمة التي تجاوزت الرقم القياسي في استهتارها واستبدادها وجشعها عضّ شعبنا على جراحه مودعاً أبناءه على الموانئ والمطارات، عاملاً في الليل والنهار، مستحثاً الموظفين على مداومة العمل، مكتفياً أحياناً بكسرة الخبز وجرعة المياه، مبرهناً بنضاله وتضحياته أنه صاحب البلد الحقيقي يتمسك به، يضحي من أجله، ويسعى لقيامته مهما تألب عليه الأعداء ومهما اشتدت عليه الأنواء. فلبنان بالنسبة لشعبنا لم يكن يوماً فندقاً يغادره إذا حاقه الخطر وإنما هو أرض وكيان ورسالة يتشبث به ويذود عنه بأغلى ما يملك.
-هل من أمل بنهوض لبنان؟
وتساءل مرهج إن كان هناك أمل بنهوض لبنان والأحداث الأمنية تتوالى على أرضه من عين الحلوة إلى عين أبل، إلى الكحالة قارعة ناقوس الخطر منذرة بأسوإ منها فيما لو لم يتم تداركها بإحياء القضاء وتفعيله لكشف الجناة وتبديد البلبلة وتهدئة النفوس!
وهل يمكن التوصل إلى ما نبتغيه دون صون الجيش والقوى الأمنية وتمكينهم من القيام بدورهم دفاعاً عن الحدود وتصدياً للفوضى وخلايا الإرهاب النائمة وخلايا العمالة للعدو الصهيوني في الداخل؟!
وهل من أمل بوجود فئات حاكمة تتشبث بالسلطة وتستخدم السلطة في عز الأزمات لمراكمة الثروة وتوسيع النفوذ؟
وهل من أمل دون إجراء حوار وطني واسع يراجع تجربة الطائف بثغراتها التي يجب أن تُعالج، وايجابياتها التي يجب أن تُعزز بسلوك الطريق الديمقراطي طريقاً وحيداً لحل الخلافات بين اللبنانيين توصلاً إلى تفاهمات تُخرج لبنان من الطائفية السياسية، وتقر قانوناً انتخابياً عصرياً يرتكز على النسبية والدائرة الانتخابية الموسعة التي تحفظ الحياة النيابية من شر المذهبية والشرذمة السياسية وتُسقط دعوات التقسيم والفدرالية وتفتح الطريق نحو لامركزية إدارية موسعة وإنشاء مجلس شيوخ وتكريس مبدأ الجدارة والاستحقاق في الإدارة اللبنانية؟
وهل من أمل بمستقبل أفضل لشعب لبنان والقوى الشعبية الديمقراطية مترددة حتى اليوم في تشكيل جبهة وطنية عريضة تتخطى المذاهب والمناطق لمجابهة السلطة الفاسدة والطغمة المالية المتكبرة؟
وهل من أمل والمشروع الصهيوني يهدد بلسان وزير دفاعه بإعادة لبنان إلى العصر الحجري بالتزامن مع تهجير ملايين الفلسطينيين إلى الأردن ولبنان وسوريا.
-لبنان بين الانزلاق والصمود
والجواب حسب مرهج يفترض أن لبنان الجريح ينزف اليوم كما لم ينزف من قبل ويبدو مُعرّضاً لمخاطر الانزلاق إلى مهاوي الفوضى والتفكك لكنه من ناحية ثانية مرشح للصمود بوجه العاصفة العاتية والنهوض من أشداق المحنة. لأن شعبه رغم ما يعانيه من انقسامات وتوترات ومآسي يرفض رفضاً قاطعاً التخلي عن لبنان الوطن إرثاً وفكرة وانتماء ودولة أو الاستسلام للأمر الواقع أو الانصياع لأغراض الغير ويملك في الوقت نفسه تجربة عريقة ومريرة تعلم منها أن لا بديل عن وحدته وإصلاح دولته والتغلب على دعوات الانقسام والفتنة.
ثم إن للشعب اللبناني المنتشر بقوة وفعالية في مختلف أصقاع الأرض خبرة في التعامل مع الأحداث الجسام ودرء الأخطار وابتكار وسائل المقاومة لكل ما يهدد أرضه ووحدته واستقلاله وانتماءه.
إن لبنان رغم كل ما أصابه من سهام لا زالت جعبته غنية بالوسائل والإمكانيات التي تؤمن له الحصانة الإستراتيجية وتكفل نهوضه من بين الأشلاء والأنقاض. وخلص إلى أن هذا الموقف ليس اعتماداً على الخيال وإنما استناداً إلى وقائع تشع بالأمل وتخالف الكثير من التوقعات، المغرض منها والبريء.
إن تدفق المغتربين ومعهم أشقاء عرب إلى لبنان بصورة فاقت كل الحسابات والتوقعات رغم الأزمة التي يعانيها على صعيد الكهرباء والمواصلات والخدمات على المكانة التي يحتلها لبنان في قلوب أبنائه وأشقائه، دليل على المحبة التي يكنّها أبناؤه وأشقاؤه له، خاصة في الملمات والمحن، وبرهان على قوة لبنان وقدرته على مواجهة الصعاب سواء كان مصدرها الخارج أو الداخل.
إن سقوط رياض سلامة وتواريه عن الأنظار تفادياً للقبض عليه بموجب البطاقة الحمراء الدولية التي عممها الانتربول بناء على التحقيقات الأوروبية يدلان على أمرين رئيسين من بين أمور كثيرة:
- إن إصرار الشعب وممثليه الحقيقيين على التصدي لسرقة العصر ومهندسها رغم حلقات التأييد القوية لسلامة في القضاء والدولة والإعلام لا بد وأن يؤتي ثماره لا كما أدعى كثيرون بأن رياض سلامة محصن ضد العدالة ويستحيل أن يتخلى عنه حماته. كما أن الصوت الشعبي الصادق مهما ظهر خافتاً ومعزولاً في بعض المراحل فإنه يفعل فعله كبقعة الزيت وينال من أخصامه في نهاية الأمر عندما يقرر المجابهة.
نعم الأمل ممكن وموجود لان أكثرية اللبنانيين تتمسك بلبنان ونظامه الديمقراطي وانتمائه العربي وترغب في العيش معاً تحت كنف الدستور والقانون والدولة العادلة.
الأمل ممكن وموجود لأن أخصام الوحدة ودعاة التقسيم وإن كانت أصواتهم عالية إلا إنهم مجرد أقلية غارقة في مستنقع الطائفية وعالقة بالثقافة الانعزالية ومبهورة بالتقاليد الأجنبية. وهذه الأقلية يمكن معالجة أوضاعها بالانفتاح والتفاعل والحوار وتعزيز الحياة اللبنانية المشتركة المرتكزة على مبادئ العدالة والمساواة.
الأمل ممكن وموجود لأن أغلبية اللبنانيين اختبرت مضار الانقسامات المذهبية التي لم تسفر إلا عن زيادة ثروات القادة المستفيدين من تأجيج الصراعات، والتي لم تؤد إلا إلى تعميق معاناة الناس بصرف النظر عن المنطقة أو الحزب أو المذهب.
الأمل ممكن وموجود لأن لبنان حتى في مرحلة التراجع والانتكاس وانحطاط السلطة قادر بفضل شعبه وجيشه ومقاومته أن يحافظ على الأمن الداخلي وأن يدافع عن بلاده بوجه الإرهاب. كما هو قادر على صد العدوان الصهيوني إذا اختار قادة تل أبيب تكرار محاولات الغزو التي انقلبت عليهم من قبل وبالاً وهزيمة يستشعر بها كل جندي وضابط في الجيش الإسرائيلي أو حرس الحدود...
الأمل ممكن وموجود لأن موازين القوة في العالم تشهد تغييراً ملموساً ينعكس في بروز التعددية القطبية من جديد كما ينعكس في تراجع قوة الولايات المتحدة تدريجاً مقابل الصين والتكتلات الدولية الأخرى مما يُضعف من قبضتها وهيمنتها على مختلف الدول ومن بينها لبنان الذي تضرب حوله حصاراً اقتصادياً وسياسياً لا يستهان به على الإطلاق.. بدوره دعا جمال البرغوثي إلى توحيد الصفوف وقال:"إذا لم يوحدنا العدو والتاريخ فليوحدنا الفساد والاستبداد والدكتاتورية الجاثمة على الشعوب..