إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي.. الإنسان بين الحرية.. والأدلجة..!!

 

بقلم: جبران العكرمي (*)

قلما سعى المستشرقون خلف الحقيقة المجردة بل هم الذين ابتكروا مفهوم الآخر- الآخر المختلف والمتخلف حضارياً فوجب تحضيره و تعصيره، وليبرروا التفوق العرقي فرضوا علينا ) أي دول الجنوب( المركزية التي ندور في فلكها، لذا المؤرخون اللبراليون هم الذين يسعون خلف الحقيقة وهم الذين يكتبون التاريخ بعيداُ عن الأدلجة، لأن الأدلجة هي المصالح المغلفة، فالمؤرخ الحر لا يعنيه إلا الحقيقة المجردة دون سواها، فالأدلجة هي نوع من أنواع المصالح أكانت المادية أو المعنوية أو النفسية، لذا فهي وهم وضلال.

    لقد بنى الغرب هالة حول نفسه وشرعن تفوقه العرقي جاعلاً من المنطق الأرسطي المصدر الوحيد لجميع المعارف التي انطلق منها عصر النهضة، معتبراً عقلانية أرسطو أساس عصر النهضة وكل عكس ذلك مروق عن العقل والتاريخ، وما دام ذلك كذلك لماذا لم نر له أي نهضة بعد سقوط روما على يد قبائل الجرمان وقبائل الألمان في القرن الرابع الميلادي، حيث بعدها دخل الغرب في عصر الهمجية والتخلف.

إن التحايل على التاريخ ظل قائماً وممتداً نحو المستقبل اللامتناهي، وللسيطرة على الآخر جعل من ثقافته ميزة من مزايا عصرنا لا يرقى لها أي إنسان إلا بالتبعية والولاء وعليه أن يحذف الإنسان ماضيه من تراث وعادات وقيم ولغة، أي خلق ذاكرة جديدة تقوم على تزييف الوعي، حتى ظهور مؤرخين ليبراليين مثل "وول ديورانت" وغيرهم من الذين اعتبروا عصر النهضة ما هو إلا امتداد للحضارة العربية الإسلامية في كل شيء تقريباً حتى في المأكل والملبس.

 ولقد حاول عديد الكتاب والمؤرخين إثبات دور العرب الحضاري غير أن تلك المحاولات كانت تبوء بالفشل، وكثيراً ما كان نصيب أصحابها الازدراء، لا بل أُعتُبِرَت مروقاً عن الدين المسيحي نفسه، والحال أن الغرب لوقت قريب ظل يعتبر) القلب( المصدر الأساسي والوحيد للتفكير والتدبير، أما المسيحية منذ ظهورها كانت في تحالف مع الإقطاع، وعملت على تطويع الفرد ونسف حريته لصالح الإقطاعيين.

    غير أن عقلانية أرسطو والفكر المدرسي المرتبط بها ظل لقرون سائداً في الغرب لإثبات التفوق والرقي العرقي لا غير، فحينما ننظر إلى هذا المصطلح لا بد لنا من بعض المشكلات التي يثيرها، وهل الأمر هو حقيقة قوانين حتمية..؟ وهل هي قوانين تتحكم في أنواع التفكير..؟ أم أساس الصواب والخطأ الناس أنفسهم...؟ وهل هذه المصطلحات مطابقة للواقع التاريخي ..؟

غير أن التاريخانية المزعومة قد ضغطت على كل المصطلحات حول التفوق العرقي والتفوق اللغوي المزعوم لهذه اللغة أو تلك، ويبقى الارتباط وثيقاً بين اللغة والعقل، حتى قيل أن اللغة هي الوعاء الأساسي للعقل وهي الناقل الفعلي للقيم والعادات والتقاليد، وقيل لا منطق خارج اللغة، حتى قيل: كاد المنطق أن يكون لغة وكادت اللغة أن تكون منطقاً، لان سلامة التفكير من سلامة اللغة وصحتها، على اللفظ والمعنى معاً، لذا رفض العرب المنطق الأرسطي واعتبروه غير ملزمٍ لجميع الشعوب، حتى وإن كانت هناك قضايا واحدة عند جميع الأمم مثل أربعة وأربعة تساوي ثمانية، إلا أن التراث المنقول ليس واحداً، ومما لا شك فيه أن هناك جوانب مشتركة بين كل الشعوب، إلا أن هذه الجوانب لا تزيل الاختلاف، فلا يوجد لغة أكثر منطقية من أخرى أكانت يونانية أم فارسية أم عربية، أما الغرب الذي تطور مُدَّعياً أن للمنطق الأرسطي واللغة الهندأوروبية صلة بهذا التطور فما هو إلا عصر النهضة المقتبس من العصور العربية الإسلامية. والذي أنكر صلته به.

غير أن الفكر المدرسي الذي ساد أوروبا انتقل إلينا في مطلع القرن الماضي لدى بعض )المفكرين( من أمثال الجابري الذي كان في تملق واضح للغرب حيث اعتبر سكان شمال إفريقيا هم ورثة عقلانية ابن رشد، فيما ذهب أبعد من ذلك معتبراً أن هناك عقل عربي خاص دون أن يأخذ في الحسبان أن العقل كلٌّ لا يتجزأ، أما العروي فقد اعتبر اللغة العربية سبباً رئيسياً في تخلف العرب وكأنه يأمرنا أن نتخلى عن لغتنا طوعاً أوكُرهاً إذا أردنا اللحاق بالشعوب الراقية، مدعيا أن التاريخانية "فلسفة التاريخ" أوحت له بذلك، أي طمس الهوية والإتيان بذاكرة جديدة، ناسياً أن الذاكرة هي التي تصور التعريف الذي كان قائماً فيما مضى بين الناس ويتم تصويره تصويراً صحيحاً، وإذا كان الناس يستعملون لغة مزدوجة سيكون التعريف غير مطابق للواقع، أي أن المتحدث إذا ما استعمل مفردات أجنبية وكان السامع لم يفهم المراد منها فلن يكون للكلام أي معنى..!! لأن التعريف لم يصور حالة قائمة لأن اللفظ المستخدم من خارج القاموس "الذاكرة" فالناس يتحدثون لغه معينة - ويكتبون بها - ويقرأون، ولهم مصطلحات ومفردات معجمية اختزلتها الذاكرة عبر العصور، فالذاكرة تتبع الاستعمال ولا تسبقه..؟ فالاستعمار عمل على محو هذه الذاكرة حتى يتسنى له النفاذ والسيطرة، معتبراٌ أن لغته لغة العلم، والحال أن هذا ضلال ووهم كما ذكرنا سابقاً، مْطالباً منا أن نستبدل لغتنا إن كنا نريد اللحاق بركبه، فالعقلانية لا تختص بلغه بعينها بل تختص بالعقل الإنساني الجامع بغض النظر عن اللغة المستخدمة فيه، فلا يمكن الجمع بين لغة وأخرى حسب رأي كل المناطقة واللغويين، إذ قالوا إن ما ينطبق على هذه اللغة لا ينطبق على غيرها، وصفوة القول إن ما يُلزم أهل اليونان لا يُلزم العرب ولا الفرس ولا الترك وغيرهم والعكس بالعكس.

لأن لكل لغة منطقها، ولكل منطق لغته الخاصة، ولأن سلامة اللغة حسب رأيهم من سلامة التفكير وصحته، وما عقلانية أرسطو إلا ديماغوجية غربية للسطو على التاريخ.

وكأن العالم لم يعرف حضارة غير الحضارة اليونانية فالفكر المدرسي الذي عُرفت به أوروبا في العصور الوسطى هو فكر لا يستند إلى أي تاريخانية بل هو فكر متحيز وينطوي إلى أبعد مدى على الكثير من العنصرية، لكن للأسف انتقل إلينا عبر مفكري شمال إفريقيا، ألم تكن حضارة اليونان امتداداً للحضارات السابقة كالمصرية والهندية والصينية وغيرها، غير أن الاستعمار وضع لنا القوالب الإيديولوجية الجاهزة عبر محو الذاكرة أي محو القاموس التعريفي للأشياء واستبداله بقاموس جديد ليتسنى له السيطرة معتبراً هذه الشعوب لا قيمة لها خارج حضارته وهي فاقدة للأهلية، معتبراً التفوق العرقي المزعوم أساس حركة التاريخ، فالعنصرية هي محرك الإيديولوجيا وقلبها.

لقد حاول الإخوان منذ مطلع القرن الماضي تحويل الإسلام إلى إيديولوجيا الأمر الذي عرَّض الدين كله للخطر، حتى عصفت به رياح الإرهاب وبات لكل انتهازي له فيه نصيب، فالإسلام عقيدة، بينما الأدلجة ليست هي المبادئ ولا هي القيم، لأن أصحابها انتهازيون لا هم لهم سوى مصالحهم، فيما العقيدة هي الحرية فكل شيء حر مرادفه العقلانية والمنطق ولقد تجلت الحرية في القرآن في أكثر من موضع.

*ناشط سياسي

رأي..   الإنسان بين الحرية.. والأدلجة..!!

 

بقلم: جبران العكرمي (*)

قلما سعى المستشرقون خلف الحقيقة المجردة بل هم الذين ابتكروا مفهوم الآخر- الآخر المختلف والمتخلف حضارياً فوجب تحضيره و تعصيره، وليبرروا التفوق العرقي فرضوا علينا ) أي دول الجنوب( المركزية التي ندور في فلكها، لذا المؤرخون اللبراليون هم الذين يسعون خلف الحقيقة وهم الذين يكتبون التاريخ بعيداُ عن الأدلجة، لأن الأدلجة هي المصالح المغلفة، فالمؤرخ الحر لا يعنيه إلا الحقيقة المجردة دون سواها، فالأدلجة هي نوع من أنواع المصالح أكانت المادية أو المعنوية أو النفسية، لذا فهي وهم وضلال.

    لقد بنى الغرب هالة حول نفسه وشرعن تفوقه العرقي جاعلاً من المنطق الأرسطي المصدر الوحيد لجميع المعارف التي انطلق منها عصر النهضة، معتبراً عقلانية أرسطو أساس عصر النهضة وكل عكس ذلك مروق عن العقل والتاريخ، وما دام ذلك كذلك لماذا لم نر له أي نهضة بعد سقوط روما على يد قبائل الجرمان وقبائل الألمان في القرن الرابع الميلادي، حيث بعدها دخل الغرب في عصر الهمجية والتخلف.

إن التحايل على التاريخ ظل قائماً وممتداً نحو المستقبل اللامتناهي، وللسيطرة على الآخر جعل من ثقافته ميزة من مزايا عصرنا لا يرقى لها أي إنسان إلا بالتبعية والولاء وعليه أن يحذف الإنسان ماضيه من تراث وعادات وقيم ولغة، أي خلق ذاكرة جديدة تقوم على تزييف الوعي، حتى ظهور مؤرخين ليبراليين مثل "وول ديورانت" وغيرهم من الذين اعتبروا عصر النهضة ما هو إلا امتداد للحضارة العربية الإسلامية في كل شيء تقريباً حتى في المأكل والملبس.

 ولقد حاول عديد الكتاب والمؤرخين إثبات دور العرب الحضاري غير أن تلك المحاولات كانت تبوء بالفشل، وكثيراً ما كان نصيب أصحابها الازدراء، لا بل أُعتُبِرَت مروقاً عن الدين المسيحي نفسه، والحال أن الغرب لوقت قريب ظل يعتبر) القلب( المصدر الأساسي والوحيد للتفكير والتدبير، أما المسيحية منذ ظهورها كانت في تحالف مع الإقطاع، وعملت على تطويع الفرد ونسف حريته لصالح الإقطاعيين.

    غير أن عقلانية أرسطو والفكر المدرسي المرتبط بها ظل لقرون سائداً في الغرب لإثبات التفوق والرقي العرقي لا غير، فحينما ننظر إلى هذا المصطلح لا بد لنا من بعض المشكلات التي يثيرها، وهل الأمر هو حقيقة قوانين حتمية..؟ وهل هي قوانين تتحكم في أنواع التفكير..؟ أم أساس الصواب والخطأ الناس أنفسهم...؟ وهل هذه المصطلحات مطابقة للواقع التاريخي ..؟

غير أن التاريخانية المزعومة قد ضغطت على كل المصطلحات حول التفوق العرقي والتفوق اللغوي المزعوم لهذه اللغة أو تلك، ويبقى الارتباط وثيقاً بين اللغة والعقل، حتى قيل أن اللغة هي الوعاء الأساسي للعقل وهي الناقل الفعلي للقيم والعادات والتقاليد، وقيل لا منطق خارج اللغة، حتى قيل: كاد المنطق أن يكون لغة وكادت اللغة أن تكون منطقاً، لان سلامة التفكير من سلامة اللغة وصحتها، على اللفظ والمعنى معاً، لذا رفض العرب المنطق الأرسطي واعتبروه غير ملزمٍ لجميع الشعوب، حتى وإن كانت هناك قضايا واحدة عند جميع الأمم مثل أربعة وأربعة تساوي ثمانية، إلا أن التراث المنقول ليس واحداً، ومما لا شك فيه أن هناك جوانب مشتركة بين كل الشعوب، إلا أن هذه الجوانب لا تزيل الاختلاف، فلا يوجد لغة أكثر منطقية من أخرى أكانت يونانية أم فارسية أم عربية، أما الغرب الذي تطور مُدَّعياً أن للمنطق الأرسطي واللغة الهندأوروبية صلة بهذا التطور فما هو إلا عصر النهضة المقتبس من العصور العربية الإسلامية. والذي أنكر صلته به.

غير أن الفكر المدرسي الذي ساد أوروبا انتقل إلينا في مطلع القرن الماضي لدى بعض )المفكرين( من أمثال الجابري الذي كان في تملق واضح للغرب حيث اعتبر سكان شمال إفريقيا هم ورثة عقلانية ابن رشد، فيما ذهب أبعد من ذلك معتبراً أن هناك عقل عربي خاص دون أن يأخذ في الحسبان أن العقل كلٌّ لا يتجزأ، أما العروي فقد اعتبر اللغة العربية سبباً رئيسياً في تخلف العرب وكأنه يأمرنا أن نتخلى عن لغتنا طوعاً أوكُرهاً إذا أردنا اللحاق بالشعوب الراقية، مدعيا أن التاريخانية "فلسفة التاريخ" أوحت له بذلك، أي طمس الهوية والإتيان بذاكرة جديدة، ناسياً أن الذاكرة هي التي تصور التعريف الذي كان قائماً فيما مضى بين الناس ويتم تصويره تصويراً صحيحاً، وإذا كان الناس يستعملون لغة مزدوجة سيكون التعريف غير مطابق للواقع، أي أن المتحدث إذا ما استعمل مفردات أجنبية وكان السامع لم يفهم المراد منها فلن يكون للكلام أي معنى..!! لأن التعريف لم يصور حالة قائمة لأن اللفظ المستخدم من خارج القاموس "الذاكرة" فالناس يتحدثون لغه معينة - ويكتبون بها - ويقرأون، ولهم مصطلحات ومفردات معجمية اختزلتها الذاكرة عبر العصور، فالذاكرة تتبع الاستعمال ولا تسبقه..؟ فالاستعمار عمل على محو هذه الذاكرة حتى يتسنى له النفاذ والسيطرة، معتبراٌ أن لغته لغة العلم، والحال أن هذا ضلال ووهم كما ذكرنا سابقاً، مْطالباً منا أن نستبدل لغتنا إن كنا نريد اللحاق بركبه، فالعقلانية لا تختص بلغه بعينها بل تختص بالعقل الإنساني الجامع بغض النظر عن اللغة المستخدمة فيه، فلا يمكن الجمع بين لغة وأخرى حسب رأي كل المناطقة واللغويين، إذ قالوا إن ما ينطبق على هذه اللغة لا ينطبق على غيرها، وصفوة القول إن ما يُلزم أهل اليونان لا يُلزم العرب ولا الفرس ولا الترك وغيرهم والعكس بالعكس.

لأن لكل لغة منطقها، ولكل منطق لغته الخاصة، ولأن سلامة اللغة حسب رأيهم من سلامة التفكير وصحته، وما عقلانية أرسطو إلا ديماغوجية غربية للسطو على التاريخ.

وكأن العالم لم يعرف حضارة غير الحضارة اليونانية فالفكر المدرسي الذي عُرفت به أوروبا في العصور الوسطى هو فكر لا يستند إلى أي تاريخانية بل هو فكر متحيز وينطوي إلى أبعد مدى على الكثير من العنصرية، لكن للأسف انتقل إلينا عبر مفكري شمال إفريقيا، ألم تكن حضارة اليونان امتداداً للحضارات السابقة كالمصرية والهندية والصينية وغيرها، غير أن الاستعمار وضع لنا القوالب الإيديولوجية الجاهزة عبر محو الذاكرة أي محو القاموس التعريفي للأشياء واستبداله بقاموس جديد ليتسنى له السيطرة معتبراً هذه الشعوب لا قيمة لها خارج حضارته وهي فاقدة للأهلية، معتبراً التفوق العرقي المزعوم أساس حركة التاريخ، فالعنصرية هي محرك الإيديولوجيا وقلبها.

لقد حاول الإخوان منذ مطلع القرن الماضي تحويل الإسلام إلى إيديولوجيا الأمر الذي عرَّض الدين كله للخطر، حتى عصفت به رياح الإرهاب وبات لكل انتهازي له فيه نصيب، فالإسلام عقيدة، بينما الأدلجة ليست هي المبادئ ولا هي القيم، لأن أصحابها انتهازيون لا هم لهم سوى مصالحهم، فيما العقيدة هي الحرية فكل شيء حر مرادفه العقلانية والمنطق ولقد تجلت الحرية في القرآن في أكثر من موضع.

*ناشط سياسي