إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

يعد المشروع والرهان الأهم.. أي إصلاح تربوي نريد؟

 

تونس-الصباح

في لقائه مؤخرا مع رئيس الحكومة الجديد وعدد من الوزراء تم التطرف إلى موضوع الاستشارة الوطنية حول إصلاح التربية والتعليم. وقد أكد رئيس الدولة على أنه من بين أولويات المرحلة إرساء نظام تربوي جديد.

وفعلا تعد مسألة الإصلاح التربوي أولوية الأولويات في ظل التدهور الخطير والمستمر للمؤسسة التربوية في بلادنا وتراجع مستوى التعليم والمتعلمين في بلد لا رهان له سابقا وحاضرا ومستقبلا، إلا رهان التعليم والاستثمار في الذكاء والموارد البشرية.

ولعل الأهم عند تناول موضوع الإصلاح التربوي هو الإجابة بدقة عن سؤال أي إصلاح نريد؟ بعيدا عن أية حسابات وبغية هدف وحيد وواضح هو تجديد وتطوير  رسالة المدرسة والتربية ووظائفها انسجاما مع المتغيرات العالمية والوطنية والاستثمار في التعليم كمدخل للنهوض والرفاه الاجتماعي والمالي والاقتصادي  والسياسي.

لأن السقوط والانهيار تكون مؤشراته وبوادره من المدرسة ومستوى التعليم وطريق النهوض والتقدم يبدأ أيضا من  المؤسسة التعليمية ومن المنظومة التربوية.

وللأسف يتفق الجميع أن منظومتنا التعليمية انهارت ولاحت بوادر أزمتها وفشلها منذ سنوات دون أن تتوفر على امتداد الفترة الأخيرة  الإرادة السياسية للمضي في مشروع الإصلاح التربوي والنأي به عن كل التجاذبات والحسابات السياسية والحزبية والشخصية على اعتبار مسألة مراجعة المنظومة التربوية هو مشروع للوطن وللأجيال القادمة وهو سبيل النجاة الوحيد لضمان مستقبل أفضل.

ورغم الوضع الراهن المعقد وتخبط البلاد في أزمات سياسية ومالية اقتصادية واجتماعية خانقة وغياب أي منجز حقيقي إلى حد الآن في جميع هذه المجالات ،إلا أن وضع مسار إصلاح التربية والتعليم على السكة الصحيحة والتقدم في هذا المشروع بثبات مع ما يتطلبه ذلك من مشاركة حقيقية واستشارات معمقة، إذا ما نجح، سيكون الانجاز والرهان الأهم بكل المقاييس للنظام الراهن.

تعليمنا عليل ومدرستنا مريضة

منظومتنا التعليمية عليلة ومدرستنا مريضة وأبرز دليل على ذلك نتائج مؤسساتنا التعليمية في التصنيفات العالمية لجودة التعليم، فعلى سبيل الذكر نشير إلى  ما أكّدته مناظرات "بيزا" لتصنّف مؤسّسات التعليم العالي، التي بيّنت أنّ تونس" تحتل المراتب الأخيرة على مستوى جودة التعلمات في مستوى اللغات والعلوم من 2003 إلى 2015 إذا لم يتجاوز ترتيب الجامعات التونسية المشاركة في هذه المناظرة المرتبة 66 على 70 جامعة".

ويمكن تلخيص أوجه الأزمة في منظومتنا التعليمية  في تخلف المناهج التعليمية على مواكبة التطورات وما يحتاجه سوق الشغل ومشاكل الزمن المدرسي إلى جانب  تردّي أوضاع المدارس ومحيطها على مستوى البناءات والتجهيزات والأمن وكذلك مستوى  كفاءة الإطار المشرف وضعف علاقة الأسرة والولي بالمدرسة مع تراجع المكانة الاعتبارية للمدرسة والمربي وانتشار ظاهرة سوق الدروس الخصوصية التي تعتبر أحد مؤشرات فشل التعليم في تونس.

وطريق الإصلاح التربوي يمر حتما في اعتقاد الكثير من المختصين عبر مراجعة المناهج التربوية، ومنظومة التقييم، وتقييم المدرّسين والزمن المدرسي. إلى جانب مواكبة التطور التكنولوجي ومقتضيات سوق الشغل ومهم المستقبل والذكاء الاصطناعي.

وفي تقييمه لمستوى المدرسة اليوم صرح  وزير التربية السابق فتحي السلاوتي بأن وضعية المدرسة العمومية في حاجة إلى إصلاح جذري وشامل، مؤكدا أنّ "برامج سنة 2002 لم تعد متماشية مع العصر، مع  ضرورة مراجعتها والتخفيض في عدد الكتب وفي الزمن المدرسي"

كما اعتبر السلاوتي أن التعليم بكل مراحله في حاجة إلى أن يتطور وإلى مواكبة العصر" وضعية المدرسة العمومية في تونس اليوم لا يمكن أن تحتمل الوقوف على الربوة، ويجب إحداث إصلاح جذري وشامل للمنظومة فالبرامج الحالية لم تعد متماشية مع الواقع بالمرّة لأنّها لا تجذب التلميذ، وهي حشو للأدمغة وتفتقر إلى عديد المسائل المهمة اليوم على غرار مشكلة تغير المناخ والبيئة وقيم المواطنة والديمقراطية كما تفتقر أيضا إلى مسائل علمية تتعلق بالتكنولوجيا".

محاور الإصلاح

وبشأن محاور الإصلاح الرئيسية المطلوبة من وجهة نظر المختصين في المجال التربوي يقول الدكتور مراد بهلول وهو خبير لدى اليونسكو وعدد من المنظّمات الأممية في مسائل التربية، أن محاور الإصلاح التربوي تتلخص في خمسة محاور كبرى، هي "المحتويات المدرسية والزمن المدرسي والحياة المدرسية أي ظروف التمدرس ومناخ التعايش داخل المدرسة بين التلاميذ والإطار المدرسي حتى تكون المدرسة فضاء مرغبا لا فضاء منفرا للتلميذ، علاوة على تأهيل بناءات وفضاءات التمدرس وخامسا الاهتمام بتطوير منظومة التكوين المستمر للمدرسين وتأهيلهم للعمل في ظروف معقدة".

من جهته يقول محمد بن فاطمة الخبير في النظم التربوية في إحدى دراساته المنشورة أن "النهوض بالمنظومة التربوية يقتضي تدخلا عاجلا على مستوي المندوبيات الجهوية وذلك من خلال بلورة سياسية علمية تقتضي مراجعة زمن الدراسة و تحسين مضامين البرامج الدراسية وأهدافها وربطها بسوق الشغل وبمتطلبات مجتمع المعلوماتية فضلا عن التقليص في عدد ساعات الدراسة لتوفير متّسع من الوقت للتلميذ وتنمية شخصيته. إضافة الى تحسين نوعية المدرسين وأجورهم واستقلاليتهم وإيجاد أفضل الوسائل لانتدابهم. كما يجب العمل على جذب التلاميذ الى المدرسة لتمضية مزيد من الوقت بها بحيث يُستثمر هذا الوقت على نحو أكثر فاعلية في تثقيفهم وتحصيلهم الدراسي مع ضرورة تشجيع النوادي والجمعيات على القيام بدورها التربوي والابتعاد عن التلقين والحفظ.."

م.ي

يعد المشروع  والرهان الأهم..   أي إصلاح تربوي نريد؟

 

تونس-الصباح

في لقائه مؤخرا مع رئيس الحكومة الجديد وعدد من الوزراء تم التطرف إلى موضوع الاستشارة الوطنية حول إصلاح التربية والتعليم. وقد أكد رئيس الدولة على أنه من بين أولويات المرحلة إرساء نظام تربوي جديد.

وفعلا تعد مسألة الإصلاح التربوي أولوية الأولويات في ظل التدهور الخطير والمستمر للمؤسسة التربوية في بلادنا وتراجع مستوى التعليم والمتعلمين في بلد لا رهان له سابقا وحاضرا ومستقبلا، إلا رهان التعليم والاستثمار في الذكاء والموارد البشرية.

ولعل الأهم عند تناول موضوع الإصلاح التربوي هو الإجابة بدقة عن سؤال أي إصلاح نريد؟ بعيدا عن أية حسابات وبغية هدف وحيد وواضح هو تجديد وتطوير  رسالة المدرسة والتربية ووظائفها انسجاما مع المتغيرات العالمية والوطنية والاستثمار في التعليم كمدخل للنهوض والرفاه الاجتماعي والمالي والاقتصادي  والسياسي.

لأن السقوط والانهيار تكون مؤشراته وبوادره من المدرسة ومستوى التعليم وطريق النهوض والتقدم يبدأ أيضا من  المؤسسة التعليمية ومن المنظومة التربوية.

وللأسف يتفق الجميع أن منظومتنا التعليمية انهارت ولاحت بوادر أزمتها وفشلها منذ سنوات دون أن تتوفر على امتداد الفترة الأخيرة  الإرادة السياسية للمضي في مشروع الإصلاح التربوي والنأي به عن كل التجاذبات والحسابات السياسية والحزبية والشخصية على اعتبار مسألة مراجعة المنظومة التربوية هو مشروع للوطن وللأجيال القادمة وهو سبيل النجاة الوحيد لضمان مستقبل أفضل.

ورغم الوضع الراهن المعقد وتخبط البلاد في أزمات سياسية ومالية اقتصادية واجتماعية خانقة وغياب أي منجز حقيقي إلى حد الآن في جميع هذه المجالات ،إلا أن وضع مسار إصلاح التربية والتعليم على السكة الصحيحة والتقدم في هذا المشروع بثبات مع ما يتطلبه ذلك من مشاركة حقيقية واستشارات معمقة، إذا ما نجح، سيكون الانجاز والرهان الأهم بكل المقاييس للنظام الراهن.

تعليمنا عليل ومدرستنا مريضة

منظومتنا التعليمية عليلة ومدرستنا مريضة وأبرز دليل على ذلك نتائج مؤسساتنا التعليمية في التصنيفات العالمية لجودة التعليم، فعلى سبيل الذكر نشير إلى  ما أكّدته مناظرات "بيزا" لتصنّف مؤسّسات التعليم العالي، التي بيّنت أنّ تونس" تحتل المراتب الأخيرة على مستوى جودة التعلمات في مستوى اللغات والعلوم من 2003 إلى 2015 إذا لم يتجاوز ترتيب الجامعات التونسية المشاركة في هذه المناظرة المرتبة 66 على 70 جامعة".

ويمكن تلخيص أوجه الأزمة في منظومتنا التعليمية  في تخلف المناهج التعليمية على مواكبة التطورات وما يحتاجه سوق الشغل ومشاكل الزمن المدرسي إلى جانب  تردّي أوضاع المدارس ومحيطها على مستوى البناءات والتجهيزات والأمن وكذلك مستوى  كفاءة الإطار المشرف وضعف علاقة الأسرة والولي بالمدرسة مع تراجع المكانة الاعتبارية للمدرسة والمربي وانتشار ظاهرة سوق الدروس الخصوصية التي تعتبر أحد مؤشرات فشل التعليم في تونس.

وطريق الإصلاح التربوي يمر حتما في اعتقاد الكثير من المختصين عبر مراجعة المناهج التربوية، ومنظومة التقييم، وتقييم المدرّسين والزمن المدرسي. إلى جانب مواكبة التطور التكنولوجي ومقتضيات سوق الشغل ومهم المستقبل والذكاء الاصطناعي.

وفي تقييمه لمستوى المدرسة اليوم صرح  وزير التربية السابق فتحي السلاوتي بأن وضعية المدرسة العمومية في حاجة إلى إصلاح جذري وشامل، مؤكدا أنّ "برامج سنة 2002 لم تعد متماشية مع العصر، مع  ضرورة مراجعتها والتخفيض في عدد الكتب وفي الزمن المدرسي"

كما اعتبر السلاوتي أن التعليم بكل مراحله في حاجة إلى أن يتطور وإلى مواكبة العصر" وضعية المدرسة العمومية في تونس اليوم لا يمكن أن تحتمل الوقوف على الربوة، ويجب إحداث إصلاح جذري وشامل للمنظومة فالبرامج الحالية لم تعد متماشية مع الواقع بالمرّة لأنّها لا تجذب التلميذ، وهي حشو للأدمغة وتفتقر إلى عديد المسائل المهمة اليوم على غرار مشكلة تغير المناخ والبيئة وقيم المواطنة والديمقراطية كما تفتقر أيضا إلى مسائل علمية تتعلق بالتكنولوجيا".

محاور الإصلاح

وبشأن محاور الإصلاح الرئيسية المطلوبة من وجهة نظر المختصين في المجال التربوي يقول الدكتور مراد بهلول وهو خبير لدى اليونسكو وعدد من المنظّمات الأممية في مسائل التربية، أن محاور الإصلاح التربوي تتلخص في خمسة محاور كبرى، هي "المحتويات المدرسية والزمن المدرسي والحياة المدرسية أي ظروف التمدرس ومناخ التعايش داخل المدرسة بين التلاميذ والإطار المدرسي حتى تكون المدرسة فضاء مرغبا لا فضاء منفرا للتلميذ، علاوة على تأهيل بناءات وفضاءات التمدرس وخامسا الاهتمام بتطوير منظومة التكوين المستمر للمدرسين وتأهيلهم للعمل في ظروف معقدة".

من جهته يقول محمد بن فاطمة الخبير في النظم التربوية في إحدى دراساته المنشورة أن "النهوض بالمنظومة التربوية يقتضي تدخلا عاجلا على مستوي المندوبيات الجهوية وذلك من خلال بلورة سياسية علمية تقتضي مراجعة زمن الدراسة و تحسين مضامين البرامج الدراسية وأهدافها وربطها بسوق الشغل وبمتطلبات مجتمع المعلوماتية فضلا عن التقليص في عدد ساعات الدراسة لتوفير متّسع من الوقت للتلميذ وتنمية شخصيته. إضافة الى تحسين نوعية المدرسين وأجورهم واستقلاليتهم وإيجاد أفضل الوسائل لانتدابهم. كما يجب العمل على جذب التلاميذ الى المدرسة لتمضية مزيد من الوقت بها بحيث يُستثمر هذا الوقت على نحو أكثر فاعلية في تثقيفهم وتحصيلهم الدراسي مع ضرورة تشجيع النوادي والجمعيات على القيام بدورها التربوي والابتعاد عن التلقين والحفظ.."

م.ي