إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إفريقيا تتغير.. أي موقع لتونس فيها؟

بقلم:ريم بالخذيري

*المتهم في كل هذا الاستعمار الغربي الذي دخل افريقيا منذ أكثر من قرن ونصف ولم تتحرر بلدانها منه الى اليوم بعد استبدال احتلال الأرض باستعمار آخر أشد وطأة أفقر القارة وجوعها ومنع تطورها.

مجمل هذه المواقف والمواقف المضادة اضافة الى الدور الواضح والمؤكد لروسيا في هذا الانقلاب يؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت تخاض على أكثر من جبهة ومن بينها أهم جبهاتها القارة الافريقية.

تعد القارة الافريقية من أقدم القارات اكتشافا وهي بالتالي مهد الحضارات والاكتشافات البشرية.

وهي كذلك القارة الفتية التي تزود العالم على مر العقود باليد العاملة. الأفارقة بالتالي فضلهم على البشرية كبير وهم من بنوا عديد الحضارات أو ساهموا كثيرا في بنائها. و تبقى الولايات المتحدة الأمريكية خير مثال وكذلك فرنسا وايطاليا وألمانيا والقارة الافريقية هي قارة المتناقضات بامتياز حيث أنها تعد الأكثر شبابا بنسبة شباب تناهز السبعين بالمائة لكن نسبة الوفايات فيها مرتفعة ومعدل الحياة لا يتجاوز 60 سنة فضلا على أنها الأولى في عدد وفايات الأطفال والرضع.

إفريقيا أيضا هي القارة الافقر على الاطلاق رغم تربعها على أكبر مناجم الذهب واليورانيوم والحديد في العالم.

ومن الناحية الحضارية فالشعوب الافريقية تعد نسيجا متجانسا خاصة في افريقيا السوداء لكنها مثال سيء للتشتت والفرقة والحروب الأهلية.

المتهم في كل هذا الاستعمار الغربي الذي دخل افريقيا منذ أكثر من قرن ونصف ولم تتحرر بلدانها منه الى اليوم بعد استبدال احتلال الأرض باستعمار آخر أشد وطأة أفقر القارة وجوعها ومنع تطورها.

فالقارة تتعرض الى أبشع أنواع الاستغلال و الابتزاز وتمارس على دولها عبودية كبيرة استهدفت العقول وطوعتها لخدمة مصالحها فاضحى الأفارقة "عبيدا" في أراضيهم يستخرجون خيراتها لمنحها للغرب ولا ينالون مقابل ذلك سوى الفتات.وذلك بايعاز ومساعدة من سماسرة أفارقة مع الاسف هم عدد غير قليل من الرؤساء وشيوخ القبائل من الذين راكموا ثروات ضخمة لاتساوي شيئا أمام بيعهم لثروات شعوبهم للغرب واستعباد مواطنيهم لخدمة المستثمرين الأجانب.

إفريقيا تتغير...

مما لاشك فيه أن العشرية الأخيرة شكلت المنعرج في علاقة إفريقيا بالغرب وتحديدا بأوروبا حيث ظهرت طبقة سياسية ومثقفة في مختلف الدول من الذين قرروا دون اتفاق إنهاء الهيمنة على قارتهم وإيقاف نزيف الاستغلال الذي تتعرض له دولهم..

وبالتالي فقد بدأت الأصوات تتعالى للبحث عن علاقات أخرى خارج المربعين الأمريكي و الأوروبي. وقامت بعض الدول بإقامة علاقات تجارية وطيدة مع إسرائيل التي نزلت بثقلها في دول مثل اثيوبيا وجنوب السودان والمغرب. فيما فتحت دولا أخرى الباب واسعا للاتراك أما النصيب الأكبر فكان من نصيب الصين وروسيا.

النيجر ....المنعرج

مثل الانقلاب الذي قام به ضباط من الحرس الرئاسي في النيجر على الرئيس المنتخب ديمقراطيا منذ سنتين الزلزال الذي ضرب دولا أوروبية كثيرة تعتبر هذا البلد آخر حصون أوروبا في افريقيا. كما كانت له ارتدادات كبيرة على التكتلات الرسمية كالأتحاد الافريقي الذي لم يعترف بهذا الانقلاب وأمهل الانقلابيين أسبوعين لإعادة الرئيس المخلوع وعودة الجنود الى ثكناتهم. فيما هددت مجموعة " إيكواس" بالتدخل العسكري لإعادة الديمقراطية في النيجر لكن العملية تبدو محفوفة بالمخاطر بعد تهديد دول جارة مثل بوركينا فاسو ومالي بالتصدي لأي تدخل عسكري خارجي في النيجر سواء كان من أفريقيا أو فرنسا أو أي جهة أخرى .

اضافة الى التزام دول افريقية أخرى الصمت وهي إشارة الى موافقتها الضمنية على خلع آخر حلفاء الغرب في الغرب الافريقي الرئيس النيجري محمد بازوم.

مجمل هذه المواقف والمواقف المضادة اضافة الى الدور الواضح والمؤكد لروسيا في هذا الانقلاب يؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت تخاض على أكثر من جبهة ومن بينها أهم جبهاتها القارة الافريقية والقرن الافريقي تحديدا الفضاء التاريخي للغرب. وهي سياسية روسية أيضا لارهاق الاوروبيين وتهديدهم في أهم حدائقم الخلفية.

الاوضاع في النيجر اذن لاتهمه فقط وانما تداعياتها ستهز غرب القارة الافريقية برمتها وكل القارة .

وتثبيت الانقلاب هو انتصار للروس لن يرضى به الاوروبيون والامريكان وبالتالي فلابد من البحث عن حلول أخرى غير التدخل العسكري الذي ستتضرر منه الشعوب الافريقية والتي ستزداد فقرا وجوعا.

انقلاب النيجر هو انذار للغرب ورسالة وجب تلقيها وفهمها. فإفريقيا تنتفض اليوم ضد من جوعوها وابتزوها ولم يقدموا لها شيئا بالمقابل.

وعلى الغرب أن يحارب الروس بنفس سلاحهم في النيجر وإفريقيا وهو التخلي عن العلاقة العمودية واستبدالها بشراكة شاملة ومشاريع تنموية حقيقية في التعليم والصحة والمجتمع.

بهذا وحده تستعيد أوروبا ثقة الافارقة وتنتصر على المد الروسي الصيني.

أما الحرب على النيجر فستفتح جبهات وحروب أخرى في الكونغو ومالي القرن الافريقي كله.

تونس وافريقيا

في خضم هذه التفاعلات المتسارعة والبوصلة الافريقية المتجهة الى روسيا والصين والتي لن تكون بالصورة الوردية التي يسوق لها أنصار هذا التوجه الجديد فالتجارب السابقة للافارقة مع الأوروبيين والأتراك الإسرائيليين أثبتت أن الكل يريد أخذ أكبر قدر من الكعكة الافريقية. والكل ينظرون الى هاته الشعوب على أنها قاصرة ويجب أن يكون عليهم وصيا.

وتجد اليوم تونس نفسها معنية بهذه التجاذبات وما الحملة المحمومة على بلادنا في الآونة الاخيرة فيما يخص ملف الأفارقة المهاجرين الغير شرعيين سوى محاولة من لوبيات معروفة بسمسرتها بالدول الافريقية سوى دليل من أدلة كثيرة على أنها محاولات لارباك الديبلوماسية النشطة لبلادنا منذ تولي وزير الخارجية الجديد نبيل عمار مهامه. فالرجل ومن ورائه تونس ترفض التخندق الاعمى وتريد أن يكون لها كيانها المستقل عن أوروبا وروسيا وامريكا وهي على ذات المسافة معهم اليوم أو هكذا يجب أن تكون الديبلوماسية الحديثة التي لا تصنعها الايديولوجيا ولا الولاءات العمياء والمصالح الضيقة وانما تصنعها المصلحة الوطنية والبراغماتية والتوازن في الميزان التجاري واحترام السيادة الوطنية وتبنى على علاقة أفقية لاعمودية.

لكن وجب التنبيه على أن هذه السياسة المتبعة أو التي يجب أن تتبع لن ترضي القوى التي نتعامل معها وبالتالي فسيكون لها ثمن وجب أن يدفع وتضحية شعبية في سبيل ترسيخ الشخصية التونسية الجديدة القائمة على ما ذكرنا فضلا على المحافظة على العمق الافريقي.

 

 

 

إفريقيا تتغير.. أي موقع لتونس فيها؟

بقلم:ريم بالخذيري

*المتهم في كل هذا الاستعمار الغربي الذي دخل افريقيا منذ أكثر من قرن ونصف ولم تتحرر بلدانها منه الى اليوم بعد استبدال احتلال الأرض باستعمار آخر أشد وطأة أفقر القارة وجوعها ومنع تطورها.

مجمل هذه المواقف والمواقف المضادة اضافة الى الدور الواضح والمؤكد لروسيا في هذا الانقلاب يؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت تخاض على أكثر من جبهة ومن بينها أهم جبهاتها القارة الافريقية.

تعد القارة الافريقية من أقدم القارات اكتشافا وهي بالتالي مهد الحضارات والاكتشافات البشرية.

وهي كذلك القارة الفتية التي تزود العالم على مر العقود باليد العاملة. الأفارقة بالتالي فضلهم على البشرية كبير وهم من بنوا عديد الحضارات أو ساهموا كثيرا في بنائها. و تبقى الولايات المتحدة الأمريكية خير مثال وكذلك فرنسا وايطاليا وألمانيا والقارة الافريقية هي قارة المتناقضات بامتياز حيث أنها تعد الأكثر شبابا بنسبة شباب تناهز السبعين بالمائة لكن نسبة الوفايات فيها مرتفعة ومعدل الحياة لا يتجاوز 60 سنة فضلا على أنها الأولى في عدد وفايات الأطفال والرضع.

إفريقيا أيضا هي القارة الافقر على الاطلاق رغم تربعها على أكبر مناجم الذهب واليورانيوم والحديد في العالم.

ومن الناحية الحضارية فالشعوب الافريقية تعد نسيجا متجانسا خاصة في افريقيا السوداء لكنها مثال سيء للتشتت والفرقة والحروب الأهلية.

المتهم في كل هذا الاستعمار الغربي الذي دخل افريقيا منذ أكثر من قرن ونصف ولم تتحرر بلدانها منه الى اليوم بعد استبدال احتلال الأرض باستعمار آخر أشد وطأة أفقر القارة وجوعها ومنع تطورها.

فالقارة تتعرض الى أبشع أنواع الاستغلال و الابتزاز وتمارس على دولها عبودية كبيرة استهدفت العقول وطوعتها لخدمة مصالحها فاضحى الأفارقة "عبيدا" في أراضيهم يستخرجون خيراتها لمنحها للغرب ولا ينالون مقابل ذلك سوى الفتات.وذلك بايعاز ومساعدة من سماسرة أفارقة مع الاسف هم عدد غير قليل من الرؤساء وشيوخ القبائل من الذين راكموا ثروات ضخمة لاتساوي شيئا أمام بيعهم لثروات شعوبهم للغرب واستعباد مواطنيهم لخدمة المستثمرين الأجانب.

إفريقيا تتغير...

مما لاشك فيه أن العشرية الأخيرة شكلت المنعرج في علاقة إفريقيا بالغرب وتحديدا بأوروبا حيث ظهرت طبقة سياسية ومثقفة في مختلف الدول من الذين قرروا دون اتفاق إنهاء الهيمنة على قارتهم وإيقاف نزيف الاستغلال الذي تتعرض له دولهم..

وبالتالي فقد بدأت الأصوات تتعالى للبحث عن علاقات أخرى خارج المربعين الأمريكي و الأوروبي. وقامت بعض الدول بإقامة علاقات تجارية وطيدة مع إسرائيل التي نزلت بثقلها في دول مثل اثيوبيا وجنوب السودان والمغرب. فيما فتحت دولا أخرى الباب واسعا للاتراك أما النصيب الأكبر فكان من نصيب الصين وروسيا.

النيجر ....المنعرج

مثل الانقلاب الذي قام به ضباط من الحرس الرئاسي في النيجر على الرئيس المنتخب ديمقراطيا منذ سنتين الزلزال الذي ضرب دولا أوروبية كثيرة تعتبر هذا البلد آخر حصون أوروبا في افريقيا. كما كانت له ارتدادات كبيرة على التكتلات الرسمية كالأتحاد الافريقي الذي لم يعترف بهذا الانقلاب وأمهل الانقلابيين أسبوعين لإعادة الرئيس المخلوع وعودة الجنود الى ثكناتهم. فيما هددت مجموعة " إيكواس" بالتدخل العسكري لإعادة الديمقراطية في النيجر لكن العملية تبدو محفوفة بالمخاطر بعد تهديد دول جارة مثل بوركينا فاسو ومالي بالتصدي لأي تدخل عسكري خارجي في النيجر سواء كان من أفريقيا أو فرنسا أو أي جهة أخرى .

اضافة الى التزام دول افريقية أخرى الصمت وهي إشارة الى موافقتها الضمنية على خلع آخر حلفاء الغرب في الغرب الافريقي الرئيس النيجري محمد بازوم.

مجمل هذه المواقف والمواقف المضادة اضافة الى الدور الواضح والمؤكد لروسيا في هذا الانقلاب يؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت تخاض على أكثر من جبهة ومن بينها أهم جبهاتها القارة الافريقية والقرن الافريقي تحديدا الفضاء التاريخي للغرب. وهي سياسية روسية أيضا لارهاق الاوروبيين وتهديدهم في أهم حدائقم الخلفية.

الاوضاع في النيجر اذن لاتهمه فقط وانما تداعياتها ستهز غرب القارة الافريقية برمتها وكل القارة .

وتثبيت الانقلاب هو انتصار للروس لن يرضى به الاوروبيون والامريكان وبالتالي فلابد من البحث عن حلول أخرى غير التدخل العسكري الذي ستتضرر منه الشعوب الافريقية والتي ستزداد فقرا وجوعا.

انقلاب النيجر هو انذار للغرب ورسالة وجب تلقيها وفهمها. فإفريقيا تنتفض اليوم ضد من جوعوها وابتزوها ولم يقدموا لها شيئا بالمقابل.

وعلى الغرب أن يحارب الروس بنفس سلاحهم في النيجر وإفريقيا وهو التخلي عن العلاقة العمودية واستبدالها بشراكة شاملة ومشاريع تنموية حقيقية في التعليم والصحة والمجتمع.

بهذا وحده تستعيد أوروبا ثقة الافارقة وتنتصر على المد الروسي الصيني.

أما الحرب على النيجر فستفتح جبهات وحروب أخرى في الكونغو ومالي القرن الافريقي كله.

تونس وافريقيا

في خضم هذه التفاعلات المتسارعة والبوصلة الافريقية المتجهة الى روسيا والصين والتي لن تكون بالصورة الوردية التي يسوق لها أنصار هذا التوجه الجديد فالتجارب السابقة للافارقة مع الأوروبيين والأتراك الإسرائيليين أثبتت أن الكل يريد أخذ أكبر قدر من الكعكة الافريقية. والكل ينظرون الى هاته الشعوب على أنها قاصرة ويجب أن يكون عليهم وصيا.

وتجد اليوم تونس نفسها معنية بهذه التجاذبات وما الحملة المحمومة على بلادنا في الآونة الاخيرة فيما يخص ملف الأفارقة المهاجرين الغير شرعيين سوى محاولة من لوبيات معروفة بسمسرتها بالدول الافريقية سوى دليل من أدلة كثيرة على أنها محاولات لارباك الديبلوماسية النشطة لبلادنا منذ تولي وزير الخارجية الجديد نبيل عمار مهامه. فالرجل ومن ورائه تونس ترفض التخندق الاعمى وتريد أن يكون لها كيانها المستقل عن أوروبا وروسيا وامريكا وهي على ذات المسافة معهم اليوم أو هكذا يجب أن تكون الديبلوماسية الحديثة التي لا تصنعها الايديولوجيا ولا الولاءات العمياء والمصالح الضيقة وانما تصنعها المصلحة الوطنية والبراغماتية والتوازن في الميزان التجاري واحترام السيادة الوطنية وتبنى على علاقة أفقية لاعمودية.

لكن وجب التنبيه على أن هذه السياسة المتبعة أو التي يجب أن تتبع لن ترضي القوى التي نتعامل معها وبالتالي فسيكون لها ثمن وجب أن يدفع وتضحية شعبية في سبيل ترسيخ الشخصية التونسية الجديدة القائمة على ما ذكرنا فضلا على المحافظة على العمق الافريقي.