إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي .. معركة بنزرت بين الذاكرة الجماعيّة وسرديّة أبطالها: عزيّز بوستّة أنموذجا

 

بقلم: فوزي النوري* 

عادة ما ارتبطت معركة بنزرت في الذاكرة الجماعيّة وفي التاريخ الرّسمي بتاريخ 15 أكتوبر  1961 ذكرى جلاء المستعمر ولكنّ تلك المناسبة الرّسمية هي حصيلة معركة تاريخيّة دامية وملحمة بكلّ المقاييس اختلطت فيها الدماء بالأرض بين 17 و 21 جويلية1961 وحصيلة مناورة سياسيّة استثنائية قادها الزعيم الحبيب بورڤيبة و عدّة قادة نذكر منهم المنجي سليم الذي ساهم بشكل خاصّ في تدويل القضيّة و إحراج المستعمر الفرنسي و للتذكير سلّم عزيّز بوستّة للسلطات التونسية وثائق حصل عليها بعد أسر جنديين تظهر مخطّطات المستعمر تلك الوثائق قدّمها المنجي سليم للأمم المتحّدة للقوى الدولية.

في حديثه عن الدوافع المباشرة لانطلاق المعركة يوم 16 جويلية اعتبر المناضل عزيّز بوستًة أنّ العامل الحاسم كان توسيع مطار سيدي أحمد على حساب الأراضي  التونسية دون موافقة ودون ترخيص السلطات التونسيّة فقام الباهي الادغم وزير الدفاع آنذاك بزيارة لمنزل عبد الرّحمان للاطلاع على الأوضاع و صدرت الأوامر من القائد الأعلى للقوات المسلّحة بمنع تحرّكات الجيش الفرنسي و بإطلاق النّار على كلّ من يتحرّك برّا و بحرا و جوّا .

روى الأمني المناضل والحاصل على وسام الدمّ عزيّز بوستّة كيف بدأت الطائرات الفرنسيّة يوم 18 جويلية تحوم في سماء بنزرت و تقول بعمليّات إنزال للمضلّيين في جهات متفرّقة من ولاية بنزرت .

كانت ردّة فعل التونسيين حسب المناضل عزيّز بوستّة قويّة و قد قاد رشيد الترّاس رئيس بلدية بنزرت مظاهرة كبرى تعبيرا عن رفضهم لما أقدمت عليه سلطات الاحتلال وقد أبلت سريّة الدفاع الجوّي بقيادة محمّد الصادق سحنوت البلاء الحسن بشهادة السلطات  قوى الاحتلال  التي أعلنت أنّها وجدت مقاومة شرسة وأنّها تكبّدت خسائر كبرى عند هبوط المضليين و قد أمر الرائد البجاوي بضرب المطارات لمنع هبوط طائرات العدوّ و في الأثناء قام الحرس الوطني بإطلاق النار على المضلّيين و لم تستطع الطائرات الهبوط في مطار سيدي أحمد و كانت كلّ المدن مطوّقة بالتحصينات وقد وجّهت القوات الأمنية والعسكريّة التونسيّة ضربة موجعة للعدوّ و كبّدته خسائر بشريّة و مادّية عند محاولة اجتياز قنال بنزرت في اتجاه منزل عبد الرحمان و أدّى ذلك إلى ردّة فعل انتقاميّة للقوات الفرنسيّة لا تفرّق بين مدنيين وعسكريين وقد ذهب ضحيّتها الآلاف من الأبرياء واستشهد الآلاف من المتطوّعين بعد صدور الأوامر من قوات الاحتلال بإعدام (المضلّات الزرقاء) أي المتطّوعين الذين قدّموا من كلّ مناطق البلاد ولاحظ المناضل الشرس حضورا استثنائيا لولايتي باحة وجندوبة.

أثنى المناضل عزيّز بوستّة على الملازم نورالدين بوجلابية بشكل خاص و اعتبره القائد الميداني الذي منع جيش الاحتلال من احتلال مدينة بنزرت بعد استدراجهم والتحصّن بالمدينة العتيقة ببنزرت و التي لا يمكن اقتحامها بالمعدّات الثقيلة و بالتالي لا يمكن حسم المعركة .

بعد أن استقدم الفرنسيون حاملة الطائرات لافايات  وقاموا بتدمير كلّ التحصينات وارتكبوا المجازر واستشهد الرائد البجاوي حاولوا إذلال السلطات التونسية والقبض على رموز السلطة منهم والي بنزرت آنذاك تمكّن المناضل عزيّز بوستّة من تهريب الوالي محمّد الأمين و محجوب بن علي و حسن الورداني  والعديد من رموز السلطة الجهويّة عبر البحر من منطقة منزل عبد الرحمان في اتّجاه تونس و قد تحدّث عن تفاصيل الأحداث التي حصلت في المعارك من بينها حينما طلب الفرنسيون من الأمنيين حمل الأعلام البيضاء في حين صدرت الأوامر بالمقاومة لم يستسلم إلاّ قلّة قليلة تمّ اعتبارها خائنة وأعدم معظمها لاحقا من السلطات التونسية.

توازيا مع المقاومة المسلّحة نجح الحبيب بورڤيبة في استقدام داڤ هامرشولد الأمين العام للأمم المتحدة للاطلاع على الجرائم التي ارتكبها الفرنسيون في بنزرت ونجح في تدويل القضية وكسب التعاطف الدّولي .

يرى المناضل عزيّز بوستّة أنّ هذه المعركة التاريخية لم يقع كتابتها و لا قراءتها بالشّكل المطلوب رغم الدماء التي سالت و رغم الأهميّة الإستراتيجية للمعركة و لمدينة بنزرت و رغم تداعيات المعركة على الوجود العسكري الفرنسي في البحر الأبيض المتوسّط والأهمّ من كلّ ذلك تثمين المعركة في الذاكرة الجماعية وفي الوعي الجمعي وذلك للحفاظ على الحسّ الوطني لدى الشباب لكي لا تضيع كلّ تلك التضحيات و الدماء وسط الهراء والثرثرة.

لا بدّ من إعادة قراءة هذه المعركة و إلقاء الضوء على تفاصيلها و إدماجها في البرامج التعليمية وتثبيت هذا الحسّ الوطني في الشخصيّة المجتمعيّة خاصّة في عاصفة العولمة التي أتت على النسيج المجتمعي منظومة القيم .

من زاوية أخرى لا بدّ من ترسيخ ثقافة الاعتراف بالجميل لمن ضحّوا بأرواحهم من أجل هذه الأرض من متطوّعين وأمنيين وعسكريين وسقوها بدمائهم حتّى يرفرف هذا العلم والاعتراف أيضا لمن لا يزالون على قيد الحياة والاستفادة من معايشتهم لمعركة بنزرت التاريخية.

*كاتب ومحلّل سياسي

رأي .. معركة بنزرت بين الذاكرة الجماعيّة وسرديّة أبطالها:    عزيّز بوستّة أنموذجا

 

بقلم: فوزي النوري* 

عادة ما ارتبطت معركة بنزرت في الذاكرة الجماعيّة وفي التاريخ الرّسمي بتاريخ 15 أكتوبر  1961 ذكرى جلاء المستعمر ولكنّ تلك المناسبة الرّسمية هي حصيلة معركة تاريخيّة دامية وملحمة بكلّ المقاييس اختلطت فيها الدماء بالأرض بين 17 و 21 جويلية1961 وحصيلة مناورة سياسيّة استثنائية قادها الزعيم الحبيب بورڤيبة و عدّة قادة نذكر منهم المنجي سليم الذي ساهم بشكل خاصّ في تدويل القضيّة و إحراج المستعمر الفرنسي و للتذكير سلّم عزيّز بوستّة للسلطات التونسية وثائق حصل عليها بعد أسر جنديين تظهر مخطّطات المستعمر تلك الوثائق قدّمها المنجي سليم للأمم المتحّدة للقوى الدولية.

في حديثه عن الدوافع المباشرة لانطلاق المعركة يوم 16 جويلية اعتبر المناضل عزيّز بوستًة أنّ العامل الحاسم كان توسيع مطار سيدي أحمد على حساب الأراضي  التونسية دون موافقة ودون ترخيص السلطات التونسيّة فقام الباهي الادغم وزير الدفاع آنذاك بزيارة لمنزل عبد الرّحمان للاطلاع على الأوضاع و صدرت الأوامر من القائد الأعلى للقوات المسلّحة بمنع تحرّكات الجيش الفرنسي و بإطلاق النّار على كلّ من يتحرّك برّا و بحرا و جوّا .

روى الأمني المناضل والحاصل على وسام الدمّ عزيّز بوستّة كيف بدأت الطائرات الفرنسيّة يوم 18 جويلية تحوم في سماء بنزرت و تقول بعمليّات إنزال للمضلّيين في جهات متفرّقة من ولاية بنزرت .

كانت ردّة فعل التونسيين حسب المناضل عزيّز بوستّة قويّة و قد قاد رشيد الترّاس رئيس بلدية بنزرت مظاهرة كبرى تعبيرا عن رفضهم لما أقدمت عليه سلطات الاحتلال وقد أبلت سريّة الدفاع الجوّي بقيادة محمّد الصادق سحنوت البلاء الحسن بشهادة السلطات  قوى الاحتلال  التي أعلنت أنّها وجدت مقاومة شرسة وأنّها تكبّدت خسائر كبرى عند هبوط المضليين و قد أمر الرائد البجاوي بضرب المطارات لمنع هبوط طائرات العدوّ و في الأثناء قام الحرس الوطني بإطلاق النار على المضلّيين و لم تستطع الطائرات الهبوط في مطار سيدي أحمد و كانت كلّ المدن مطوّقة بالتحصينات وقد وجّهت القوات الأمنية والعسكريّة التونسيّة ضربة موجعة للعدوّ و كبّدته خسائر بشريّة و مادّية عند محاولة اجتياز قنال بنزرت في اتجاه منزل عبد الرحمان و أدّى ذلك إلى ردّة فعل انتقاميّة للقوات الفرنسيّة لا تفرّق بين مدنيين وعسكريين وقد ذهب ضحيّتها الآلاف من الأبرياء واستشهد الآلاف من المتطوّعين بعد صدور الأوامر من قوات الاحتلال بإعدام (المضلّات الزرقاء) أي المتطّوعين الذين قدّموا من كلّ مناطق البلاد ولاحظ المناضل الشرس حضورا استثنائيا لولايتي باحة وجندوبة.

أثنى المناضل عزيّز بوستّة على الملازم نورالدين بوجلابية بشكل خاص و اعتبره القائد الميداني الذي منع جيش الاحتلال من احتلال مدينة بنزرت بعد استدراجهم والتحصّن بالمدينة العتيقة ببنزرت و التي لا يمكن اقتحامها بالمعدّات الثقيلة و بالتالي لا يمكن حسم المعركة .

بعد أن استقدم الفرنسيون حاملة الطائرات لافايات  وقاموا بتدمير كلّ التحصينات وارتكبوا المجازر واستشهد الرائد البجاوي حاولوا إذلال السلطات التونسية والقبض على رموز السلطة منهم والي بنزرت آنذاك تمكّن المناضل عزيّز بوستّة من تهريب الوالي محمّد الأمين و محجوب بن علي و حسن الورداني  والعديد من رموز السلطة الجهويّة عبر البحر من منطقة منزل عبد الرحمان في اتّجاه تونس و قد تحدّث عن تفاصيل الأحداث التي حصلت في المعارك من بينها حينما طلب الفرنسيون من الأمنيين حمل الأعلام البيضاء في حين صدرت الأوامر بالمقاومة لم يستسلم إلاّ قلّة قليلة تمّ اعتبارها خائنة وأعدم معظمها لاحقا من السلطات التونسية.

توازيا مع المقاومة المسلّحة نجح الحبيب بورڤيبة في استقدام داڤ هامرشولد الأمين العام للأمم المتحدة للاطلاع على الجرائم التي ارتكبها الفرنسيون في بنزرت ونجح في تدويل القضية وكسب التعاطف الدّولي .

يرى المناضل عزيّز بوستّة أنّ هذه المعركة التاريخية لم يقع كتابتها و لا قراءتها بالشّكل المطلوب رغم الدماء التي سالت و رغم الأهميّة الإستراتيجية للمعركة و لمدينة بنزرت و رغم تداعيات المعركة على الوجود العسكري الفرنسي في البحر الأبيض المتوسّط والأهمّ من كلّ ذلك تثمين المعركة في الذاكرة الجماعية وفي الوعي الجمعي وذلك للحفاظ على الحسّ الوطني لدى الشباب لكي لا تضيع كلّ تلك التضحيات و الدماء وسط الهراء والثرثرة.

لا بدّ من إعادة قراءة هذه المعركة و إلقاء الضوء على تفاصيلها و إدماجها في البرامج التعليمية وتثبيت هذا الحسّ الوطني في الشخصيّة المجتمعيّة خاصّة في عاصفة العولمة التي أتت على النسيج المجتمعي منظومة القيم .

من زاوية أخرى لا بدّ من ترسيخ ثقافة الاعتراف بالجميل لمن ضحّوا بأرواحهم من أجل هذه الأرض من متطوّعين وأمنيين وعسكريين وسقوها بدمائهم حتّى يرفرف هذا العلم والاعتراف أيضا لمن لا يزالون على قيد الحياة والاستفادة من معايشتهم لمعركة بنزرت التاريخية.

*كاتب ومحلّل سياسي