إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

استمدت "شرعيتها" وقوتها من المواقف الأجنبية المنتقدة لسعيدّ.. أي مصير لـ"جبهة الخلاص" والقوى السياسية والمدنية بعد الاتفاقات التونسية مع الخارج؟

 

تونس – الصباح

 أي مصير للجبهات والأحزاب والسياسيين والجمعيات والمنظمات والهياكل المدنية وغيرها من القوى المعارضة لسياسية رئيس الجمهورية قيس سعيد ولمجريات الوضع في تونس اليوم خلال السنتين الأخيرتين، بعد التغيير المسجل في مواقف الجهات الأجنبية وتحول المنتقدين والرافضين لسياسة سعيد بالأمس إلى داعمين ومساندين وحلفاء وشركاء له اليوم؟

فهذه الجهات وفي مقدمتها "جبهة الخلاص" بما تضمه من تحالفات سياسية ومدنية وغيرها من التكتلات والجبهات والقوى والمنظمات الأخرى كانت تستمد وجودها وقوتها و"شرعيتها" للتحرك والنشاط من الجهات الأجنبية بعد أن وجدت نفسها دون حزام شعبي أو قاعدي رغم مراهنتها على ذلك في عديد المرات والمناسبات. وفي ظل هذا الوضع كان شق واسع من المعارضة للمسار يتحرك بناء على مواقف الجهات الأجنبية الرافضة لسياسة الدولة وراهنت على "عزلة" منظومة الحكم في الدولة وتواصل الأزمات واستفحالها نكاية في سعيد لا غير في سياق الصراع السياسي على الحكم بعد اختيار هذا الأخير إقصاء وإبعاد كل الأطراف التي كانت فاعلة في منظومة الحكم خلال عشرية ما بعد ثورة 2011 من دائرة السلطة والقرار على اعتبار أنها كلها تتحمل مسؤولية ما آلت إله الأوضاع من ترد ولرفضه منطق المحاصصة والتحالفات والتنازلات والوفاق والتوافق التي ميزت وطبعت منظومة الحكم التي وضع لها حدا منذ 25 جويلية 2021.

فهذه القوى كانت تتصيد وتترصد البيانات والبلاغات والمواقف والتصريحات الصادرة عن ممثلي الدول والمنظمات والهياكل الأجنبية المناهضة لسياسة الدولة وكل انتقاد موجه لبلادنا وتتعاطى معه "كدستور" لتوجيه بوصلة تحركاتها ومواقفها تجاه القضايا والمسائل والمستجدات الوطنية الصرفة. وهو ما شكل عاملا لتوسيع دائرة منتقديها في مختلف الأوساط والرافضين لأساليبها ومواقفها على مستوى وطني، بقطع النظر عن القضايا والملفات التي تتحرك من أجلها.

فـ"جبهة الخلاص الوطني" التي ضمت في تركيبتها "تلوينة سياسية ومدنية" من تيارات يمينية وتقدمية ويسارية مختلفة، شكلت قوة ضغط في محاولة منها لتعديل موازين القوى، كان خطابها وصوتها موجها بالأساس إلى الأجنبي بعد أن أوصد الشارع التونسي الأبواب في وجهها وتجسد ذلك بالأساس في العدد القليل من المشاركين في التحركات والوقفات الاحتجاجية التي نظمتها ودعت إليها القواعد الشعبية لمساندتها. وتقريبا ينسحب نفس الشيء على تنسيقية الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية التي تكونت من خمسة أحزاب وهي التيار الديمقراطي والحزب الجمهوري وحزب التكتل وحزب العمال والقطب الديمقراطي. لذلك شكلت مواقف الجهات الأجنبية المنتقدة أو المناهضة لسياسية تونس أو تعاطيها مع بعض الملفات والقضايا داخلية كانت أم غيرها عنوانا بارزا لأنشطة وتحركات هذه القوى وبرهانا يعتمده المتحدثون منها على مواقفهم الصائبة في معارضة سياسة سعيد وخياره رفض التشاركية في القرارات والاتفاقيات والخيارات والإصلاحات وغيرها من الإجراءات التي يعتبرونها تشكل خطرا على الحريات فيما ينزلها هو في سياق وضع لبنات الجمهورية الجديدة.

لكن بعد دخول بلادنا في مرحلة متقدمة من الاتفاقات وبرامج الشراكة في مجالات اقتصادية وسياسية واجتماعية شاملة مع الاتحاد الأوروبي، الذي شكل في فترات ما ملاذا للقوى المعارضة، والمجال الذي يستمدون من مواقفه ومواقف الهياكل والبلدان المكونة له من قبيل برلمان الاتحاد الأوروبي، قوتهم وشرعيتهم في معارضة سياسة الدولة، يفقد هؤلاء أحد عوامل بقائهم. لتساهم بذلك الاتفاقيات التي تمت بين تونس وعدة بلدان وهياكل خليجية حول فتح آفاق ابرام تعاون وشراكة من شانها أن تتعزز في القريب العاجل بدخول بعضها حيز التفعيل في آجال قريبة، في تأزيم وضع هذه القوى المعارضة، خاصة أمام تواصل التقارب بين تونس والبلدان الإفريقية من ناحية وبلادنا والجانب الأمريكي والدور الكبير الذي تلعبه إيطاليا والاتحاد الأوروبي لتقريب وجهات النظر بين الجانبين التونسي وصندوق النقد الدولي حول القرض المنتظر.

لتتغير بذلك المعادلة التي انبنت عليها قواعد اللعبة في أوساط المعارضة لاسيما منها "جبهة الخلاص الوطني" التي تقودها حركة النهضة وقياداتها المستقيلة منها أو المتخلّية والتي كانت طرفا رئيسيا وفاعلا في منظومة الحكم خلال العشرية الماضية، إضافة إلى بعض الأطراف الأخرى التي كانت مستفيدة بشكل أو بآخر من المرحلة السابقة. الأمر الذي يجعل بقاء هذه القوى بالشكل الذي كانت عليه مسألة مستبعدة، نظرا لتغير العوامل والظروف وتبدل قواعد اللعبة والتوازنات خلال الفترة الأخيرة، ورغم توفر نفس الأهداف التي جمّعت هؤلاء ممن كانوا بالأمس القريب "فرقاء" وهو معاداة سعيد والنظام وعدم الاعتراف به، والعمل على إسقاطه باعتبار أن الجميع يعتبره "انقلابا" وليس تصحيح مسار مثلما يعتبر ذلك أغلبية التونسيين.

لذلك تبدو مهمة هذه القوى على غاية من التعقيد خاص أمام "الانتصارات" التي حققها سعيد على مستوى موازين القوى لفائدة منظومته إلى حد الآن في انتظار أن تدخل المشاريع والبرامج والاتفاقات والمساعدات حيز التنفيذ والتفعيل، خاصة أن هذه القوى والجهات المعارضة تراهن في جوانب ما من تحركاتها على حجم الصعوبات والمعاناة والأزمات التي تمر بها البلاد ومآلاتها اجتماعيا في صراعها مع منظومة الحكم القائمة اليوم.

وهو ما يدفع هذه القوى إلى مراجعة جذرية لآليات تجمّعها وأدوات ممارستها السياسية بعد أن فقدت "حزام" المواقف الأجنبية المعادية لتونس وخسرت أيضا ورقة بعض الملفات الأخرى وفي مقدمتها ما يتعلق بالهجرة غير النظامية ووضعية الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء بتونس. خاصة أن الحديث حول تغيير نظام الأحزاب والجمعيات مسألة ورادة ويعتبرها البعض من الأولويات الإصلاحية، ويرشح أن نسجيل تغييرات بالجملة في المشهد الحزبي في تونس إذا ما تخلى الجميع عن "العقلية النمطية والتقليدية" في الممارسة السياسية وتكوين الأحزاب. ويكفي العودة إلى مشاريع الأحزاب التي ظهرت في تونس في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021 ليتأكد الجميع أن رياح التغيير آتية وهي حقيقة إذا ما رام السياسيون مسايرة التغيرات والوضع لاسيما المسكنون بمسألة "الزعاماتية".

نزيهة الغضباني

 

 

استمدت "شرعيتها" وقوتها من المواقف الأجنبية المنتقدة لسعيدّ..   أي مصير لـ"جبهة الخلاص" والقوى السياسية والمدنية بعد الاتفاقات التونسية مع الخارج؟

 

تونس – الصباح

 أي مصير للجبهات والأحزاب والسياسيين والجمعيات والمنظمات والهياكل المدنية وغيرها من القوى المعارضة لسياسية رئيس الجمهورية قيس سعيد ولمجريات الوضع في تونس اليوم خلال السنتين الأخيرتين، بعد التغيير المسجل في مواقف الجهات الأجنبية وتحول المنتقدين والرافضين لسياسة سعيد بالأمس إلى داعمين ومساندين وحلفاء وشركاء له اليوم؟

فهذه الجهات وفي مقدمتها "جبهة الخلاص" بما تضمه من تحالفات سياسية ومدنية وغيرها من التكتلات والجبهات والقوى والمنظمات الأخرى كانت تستمد وجودها وقوتها و"شرعيتها" للتحرك والنشاط من الجهات الأجنبية بعد أن وجدت نفسها دون حزام شعبي أو قاعدي رغم مراهنتها على ذلك في عديد المرات والمناسبات. وفي ظل هذا الوضع كان شق واسع من المعارضة للمسار يتحرك بناء على مواقف الجهات الأجنبية الرافضة لسياسة الدولة وراهنت على "عزلة" منظومة الحكم في الدولة وتواصل الأزمات واستفحالها نكاية في سعيد لا غير في سياق الصراع السياسي على الحكم بعد اختيار هذا الأخير إقصاء وإبعاد كل الأطراف التي كانت فاعلة في منظومة الحكم خلال عشرية ما بعد ثورة 2011 من دائرة السلطة والقرار على اعتبار أنها كلها تتحمل مسؤولية ما آلت إله الأوضاع من ترد ولرفضه منطق المحاصصة والتحالفات والتنازلات والوفاق والتوافق التي ميزت وطبعت منظومة الحكم التي وضع لها حدا منذ 25 جويلية 2021.

فهذه القوى كانت تتصيد وتترصد البيانات والبلاغات والمواقف والتصريحات الصادرة عن ممثلي الدول والمنظمات والهياكل الأجنبية المناهضة لسياسة الدولة وكل انتقاد موجه لبلادنا وتتعاطى معه "كدستور" لتوجيه بوصلة تحركاتها ومواقفها تجاه القضايا والمسائل والمستجدات الوطنية الصرفة. وهو ما شكل عاملا لتوسيع دائرة منتقديها في مختلف الأوساط والرافضين لأساليبها ومواقفها على مستوى وطني، بقطع النظر عن القضايا والملفات التي تتحرك من أجلها.

فـ"جبهة الخلاص الوطني" التي ضمت في تركيبتها "تلوينة سياسية ومدنية" من تيارات يمينية وتقدمية ويسارية مختلفة، شكلت قوة ضغط في محاولة منها لتعديل موازين القوى، كان خطابها وصوتها موجها بالأساس إلى الأجنبي بعد أن أوصد الشارع التونسي الأبواب في وجهها وتجسد ذلك بالأساس في العدد القليل من المشاركين في التحركات والوقفات الاحتجاجية التي نظمتها ودعت إليها القواعد الشعبية لمساندتها. وتقريبا ينسحب نفس الشيء على تنسيقية الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية التي تكونت من خمسة أحزاب وهي التيار الديمقراطي والحزب الجمهوري وحزب التكتل وحزب العمال والقطب الديمقراطي. لذلك شكلت مواقف الجهات الأجنبية المنتقدة أو المناهضة لسياسية تونس أو تعاطيها مع بعض الملفات والقضايا داخلية كانت أم غيرها عنوانا بارزا لأنشطة وتحركات هذه القوى وبرهانا يعتمده المتحدثون منها على مواقفهم الصائبة في معارضة سياسة سعيد وخياره رفض التشاركية في القرارات والاتفاقيات والخيارات والإصلاحات وغيرها من الإجراءات التي يعتبرونها تشكل خطرا على الحريات فيما ينزلها هو في سياق وضع لبنات الجمهورية الجديدة.

لكن بعد دخول بلادنا في مرحلة متقدمة من الاتفاقات وبرامج الشراكة في مجالات اقتصادية وسياسية واجتماعية شاملة مع الاتحاد الأوروبي، الذي شكل في فترات ما ملاذا للقوى المعارضة، والمجال الذي يستمدون من مواقفه ومواقف الهياكل والبلدان المكونة له من قبيل برلمان الاتحاد الأوروبي، قوتهم وشرعيتهم في معارضة سياسة الدولة، يفقد هؤلاء أحد عوامل بقائهم. لتساهم بذلك الاتفاقيات التي تمت بين تونس وعدة بلدان وهياكل خليجية حول فتح آفاق ابرام تعاون وشراكة من شانها أن تتعزز في القريب العاجل بدخول بعضها حيز التفعيل في آجال قريبة، في تأزيم وضع هذه القوى المعارضة، خاصة أمام تواصل التقارب بين تونس والبلدان الإفريقية من ناحية وبلادنا والجانب الأمريكي والدور الكبير الذي تلعبه إيطاليا والاتحاد الأوروبي لتقريب وجهات النظر بين الجانبين التونسي وصندوق النقد الدولي حول القرض المنتظر.

لتتغير بذلك المعادلة التي انبنت عليها قواعد اللعبة في أوساط المعارضة لاسيما منها "جبهة الخلاص الوطني" التي تقودها حركة النهضة وقياداتها المستقيلة منها أو المتخلّية والتي كانت طرفا رئيسيا وفاعلا في منظومة الحكم خلال العشرية الماضية، إضافة إلى بعض الأطراف الأخرى التي كانت مستفيدة بشكل أو بآخر من المرحلة السابقة. الأمر الذي يجعل بقاء هذه القوى بالشكل الذي كانت عليه مسألة مستبعدة، نظرا لتغير العوامل والظروف وتبدل قواعد اللعبة والتوازنات خلال الفترة الأخيرة، ورغم توفر نفس الأهداف التي جمّعت هؤلاء ممن كانوا بالأمس القريب "فرقاء" وهو معاداة سعيد والنظام وعدم الاعتراف به، والعمل على إسقاطه باعتبار أن الجميع يعتبره "انقلابا" وليس تصحيح مسار مثلما يعتبر ذلك أغلبية التونسيين.

لذلك تبدو مهمة هذه القوى على غاية من التعقيد خاص أمام "الانتصارات" التي حققها سعيد على مستوى موازين القوى لفائدة منظومته إلى حد الآن في انتظار أن تدخل المشاريع والبرامج والاتفاقات والمساعدات حيز التنفيذ والتفعيل، خاصة أن هذه القوى والجهات المعارضة تراهن في جوانب ما من تحركاتها على حجم الصعوبات والمعاناة والأزمات التي تمر بها البلاد ومآلاتها اجتماعيا في صراعها مع منظومة الحكم القائمة اليوم.

وهو ما يدفع هذه القوى إلى مراجعة جذرية لآليات تجمّعها وأدوات ممارستها السياسية بعد أن فقدت "حزام" المواقف الأجنبية المعادية لتونس وخسرت أيضا ورقة بعض الملفات الأخرى وفي مقدمتها ما يتعلق بالهجرة غير النظامية ووضعية الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء بتونس. خاصة أن الحديث حول تغيير نظام الأحزاب والجمعيات مسألة ورادة ويعتبرها البعض من الأولويات الإصلاحية، ويرشح أن نسجيل تغييرات بالجملة في المشهد الحزبي في تونس إذا ما تخلى الجميع عن "العقلية النمطية والتقليدية" في الممارسة السياسية وتكوين الأحزاب. ويكفي العودة إلى مشاريع الأحزاب التي ظهرت في تونس في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021 ليتأكد الجميع أن رياح التغيير آتية وهي حقيقة إذا ما رام السياسيون مسايرة التغيرات والوضع لاسيما المسكنون بمسألة "الزعاماتية".

نزيهة الغضباني