تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تسفر عنه زيارة العمل التي يؤديها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار، في جولته الخليجية الجديدة التي تنطلق بشكل رسمي اليوم وتتواصل إلى غاية 20 من الشهر الجاري، وتشمل كل من السعودية والإمارات والكويت، لاسيما أنها تعد الزيارة الرسمية الأولى له إلى هذه البلدان منذ تقلده مهام الدبلوماسية على رأس الوزارة في فيفري الماضي، وتتزامن مع ما يشهده العالم من موجة تغيرات جيوسياسية وتغيرات جيواستراتيجية في سياق تحالفات جديدة تضطلع بلدان الخليج ومجموعة "البريكس" بدور محوري في الخارطة العالمية الجديدة، إضافة إلى سياسة الدولة الخارجية في تونس اليوم المبنية على دعم وتكريس السيادة الوطنية وتعزيز فرص برامج ومشاريع التعاون والاستثمار دوليا. وذلك في ظل ما تزخر به بلادنا من ثروات طبيعية وكفاءات واستعداد لتعزيز العلاقات الثنائية واستحثاث نسق التعاون معها في كافّة المجالات والرُقي به إلى مستوى العلاقات السياسية المتميّزة. وقد أجمع أغلب الخبراء والمختصين في الاقتصاد ومستثمرين على ضرورة مراجعة التشريعات والمنظومة المعتمدة في بلادنا من أجل فتح فرص أكبر للاستثمار الأجنبي في بلادنا. وهو ما أكدت عدة جهات رسمية على المضي قدما في تنفيذه منذ مدة ضمن البرنامج الإصلاحي الموسع للحكومة وفي انتظار حسم البرلمان الحالي في مشاريع أخرى في تناغم مع هذا التوجه.
وما يعزز تطلعات التونسيين بشكل خاص والمتابعين للشأن الوطني والإقليمي بشكل عام، إلى النتائج المرتقبة لهذه الجولة خاصة في ظل العلاقات المتينة التي تربط بلادنا بهذه البلدان الثلاث محور الزيارة، هو حالة "شبه الجفاء" التي طبعت علاقة تونس ببعض هذه البلدان في مراحل مختلفة خلال العشرية الماضية إضافة إلى اتفاق هذه البلدان النفطية حول طريقتها في تقديم المساعدات للدول العربية والنامية سواء تعلق الأمر بالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية" أو الصندوق السعودي للتنمية أو جهاز الإمارات للاستثمار، وذلك باعتماد برامج الاستثمار والتعاون والشراكة أو ما يصنفه البعض في خانة الدعم والمساعدة المشروطة، ليكون بديلاً لطريقتها السابقة المتمثلة في تقديم المساعدات المالية المباشرة.
ويذكر أن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات أعلن منذ أيام قليلة عن نتائج دراسة أجراها حول رأي التونسيين في الدول التي يجب أن تعزز تونس التعاون والشراكة معها، فجاءت دول الخليج العربي في المركز الثالث بنسبة 75.62 % بعد الاتحاد الأوروبي الذي يعد الشريك الاستراتجي الأول لتونس ثم الصين التي تمثل أحد أطراف القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم والتي تواصل الامتداد داخل القارة الإفريقية تحديدا.
وقد أجمع أغلب المتابعين للشأن الوطني على نجاعة نبيل عمار في مستوى السياسة الخارجية لتونس وقدرته على تغيير المعادلات لفائدة بلادنا في ظرف وجيز. فبعد إعادة فتح أبواب الحوار مع الجهات الأوروبية والتوصل إلى الاتفاق حول جملة من برامج ومشاريع التعاون والشراكة والاستثمار من ناحية ووضع ملف الهجرة غير النظامية الحارق على طاولة الحوار التونسية الأوروبية، فضلا عن الدخول على خط المجال القاري في العمق الإفريقي ليختار نبيل عمار التوجه إلى خط استراتيجي آخر على غاية من الأهمية وذلك بعد الانطلاق في سد وتدارك الشغورات المسجلة في الدبلوماسية التونسية الخارجية في مستوى السفراء والقناصل، كان التوجه اليوم إلى فتح مجال الحوار مع بعض البلدان الخليجية. خاصة أن هناك عدة مشاريع استثمارية كبرى وغيرها من مشاريع التعاون بين تونس وهذه البلدان لا تزال معلقة وتنتظر طريقها للتنفيذ والدخول في المراحل العملية.
علما أن رئيس الجمهورية قيس سعيد كان قد استقبل يوم 5 جوان الماضي بقصر قرطاج، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي. وكانت تلك الزيارة بمثابة تأكيد لعلاقة عملية بين تونس بلدان التعاون الخليجي لاسيما أن البديوي عبر عن الاستعداد لحسن توظيف الإمكانيات والفرص المتوفرة للجانبين والاستفادة من الخبرات والتجارب المتبادلة واستئناف النسق العادي للتعاون الاقتصادي والاستثماري والمالي التونسي الخليجي. كما أن رئاسة الجمهورية سبق أن أكدت على صفحتها الرسمية، أثناء لقاء قيس سعيد بالأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بالمملكة العربية السعودية أثناء مشاركته في قمة الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية في ماي الماضي، على الاتفاق بين الطرفين على تمتين علاقات الأخوة والتعاون وعلى "الحرص المشترك على مزيد تعزيزها وتنويعها مستقبلا، لا سيما على المستويات الاقتصادية والاستثمارية، لما فيه خير ومصلحة البلدين والشعبين الشقيقين".
لذلك تحمل هذه الزيارة رسائل عديدة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، للداخل التونسي والخارج باعتبار أن أعداد كبيرة من الجالية التونسية توجد داخل هذه البلدان فضلا عن صعوبة التوصل إلى اتفاق مع المانحين الدوليين للحصول على قرض تعد بلدنا في أمس الحاجة له للخروج من أزماتها الخانقة التي تمر بها، وتعدد محاولات البحث عن برامج ومشاريع كفيلة بالخروج منها بأوفر الحظوظ من برامج التنمية والاستثمار بالأساس خاصة في سياق هذه المرحلة السياسية الجديدة للدولة التونسية، ونظرا لأهمية وقيمة ودور كل من الكويت والإمارات والسعودية كقوى اقتصادية وازنة في المنطقة والعالم. فهل ينجح في تغيير معادلة الدبلوماسية التونسية الخليجية بما يفتح مسارات التعاون والاستثمار بين الطرفين عنوانا كبيرا للمرحلة القريبة القادمة؟
نزيهة الغضباني
تونس – الصباح
تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تسفر عنه زيارة العمل التي يؤديها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار، في جولته الخليجية الجديدة التي تنطلق بشكل رسمي اليوم وتتواصل إلى غاية 20 من الشهر الجاري، وتشمل كل من السعودية والإمارات والكويت، لاسيما أنها تعد الزيارة الرسمية الأولى له إلى هذه البلدان منذ تقلده مهام الدبلوماسية على رأس الوزارة في فيفري الماضي، وتتزامن مع ما يشهده العالم من موجة تغيرات جيوسياسية وتغيرات جيواستراتيجية في سياق تحالفات جديدة تضطلع بلدان الخليج ومجموعة "البريكس" بدور محوري في الخارطة العالمية الجديدة، إضافة إلى سياسة الدولة الخارجية في تونس اليوم المبنية على دعم وتكريس السيادة الوطنية وتعزيز فرص برامج ومشاريع التعاون والاستثمار دوليا. وذلك في ظل ما تزخر به بلادنا من ثروات طبيعية وكفاءات واستعداد لتعزيز العلاقات الثنائية واستحثاث نسق التعاون معها في كافّة المجالات والرُقي به إلى مستوى العلاقات السياسية المتميّزة. وقد أجمع أغلب الخبراء والمختصين في الاقتصاد ومستثمرين على ضرورة مراجعة التشريعات والمنظومة المعتمدة في بلادنا من أجل فتح فرص أكبر للاستثمار الأجنبي في بلادنا. وهو ما أكدت عدة جهات رسمية على المضي قدما في تنفيذه منذ مدة ضمن البرنامج الإصلاحي الموسع للحكومة وفي انتظار حسم البرلمان الحالي في مشاريع أخرى في تناغم مع هذا التوجه.
وما يعزز تطلعات التونسيين بشكل خاص والمتابعين للشأن الوطني والإقليمي بشكل عام، إلى النتائج المرتقبة لهذه الجولة خاصة في ظل العلاقات المتينة التي تربط بلادنا بهذه البلدان الثلاث محور الزيارة، هو حالة "شبه الجفاء" التي طبعت علاقة تونس ببعض هذه البلدان في مراحل مختلفة خلال العشرية الماضية إضافة إلى اتفاق هذه البلدان النفطية حول طريقتها في تقديم المساعدات للدول العربية والنامية سواء تعلق الأمر بالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية" أو الصندوق السعودي للتنمية أو جهاز الإمارات للاستثمار، وذلك باعتماد برامج الاستثمار والتعاون والشراكة أو ما يصنفه البعض في خانة الدعم والمساعدة المشروطة، ليكون بديلاً لطريقتها السابقة المتمثلة في تقديم المساعدات المالية المباشرة.
ويذكر أن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات أعلن منذ أيام قليلة عن نتائج دراسة أجراها حول رأي التونسيين في الدول التي يجب أن تعزز تونس التعاون والشراكة معها، فجاءت دول الخليج العربي في المركز الثالث بنسبة 75.62 % بعد الاتحاد الأوروبي الذي يعد الشريك الاستراتجي الأول لتونس ثم الصين التي تمثل أحد أطراف القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم والتي تواصل الامتداد داخل القارة الإفريقية تحديدا.
وقد أجمع أغلب المتابعين للشأن الوطني على نجاعة نبيل عمار في مستوى السياسة الخارجية لتونس وقدرته على تغيير المعادلات لفائدة بلادنا في ظرف وجيز. فبعد إعادة فتح أبواب الحوار مع الجهات الأوروبية والتوصل إلى الاتفاق حول جملة من برامج ومشاريع التعاون والشراكة والاستثمار من ناحية ووضع ملف الهجرة غير النظامية الحارق على طاولة الحوار التونسية الأوروبية، فضلا عن الدخول على خط المجال القاري في العمق الإفريقي ليختار نبيل عمار التوجه إلى خط استراتيجي آخر على غاية من الأهمية وذلك بعد الانطلاق في سد وتدارك الشغورات المسجلة في الدبلوماسية التونسية الخارجية في مستوى السفراء والقناصل، كان التوجه اليوم إلى فتح مجال الحوار مع بعض البلدان الخليجية. خاصة أن هناك عدة مشاريع استثمارية كبرى وغيرها من مشاريع التعاون بين تونس وهذه البلدان لا تزال معلقة وتنتظر طريقها للتنفيذ والدخول في المراحل العملية.
علما أن رئيس الجمهورية قيس سعيد كان قد استقبل يوم 5 جوان الماضي بقصر قرطاج، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي. وكانت تلك الزيارة بمثابة تأكيد لعلاقة عملية بين تونس بلدان التعاون الخليجي لاسيما أن البديوي عبر عن الاستعداد لحسن توظيف الإمكانيات والفرص المتوفرة للجانبين والاستفادة من الخبرات والتجارب المتبادلة واستئناف النسق العادي للتعاون الاقتصادي والاستثماري والمالي التونسي الخليجي. كما أن رئاسة الجمهورية سبق أن أكدت على صفحتها الرسمية، أثناء لقاء قيس سعيد بالأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بالمملكة العربية السعودية أثناء مشاركته في قمة الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية في ماي الماضي، على الاتفاق بين الطرفين على تمتين علاقات الأخوة والتعاون وعلى "الحرص المشترك على مزيد تعزيزها وتنويعها مستقبلا، لا سيما على المستويات الاقتصادية والاستثمارية، لما فيه خير ومصلحة البلدين والشعبين الشقيقين".
لذلك تحمل هذه الزيارة رسائل عديدة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، للداخل التونسي والخارج باعتبار أن أعداد كبيرة من الجالية التونسية توجد داخل هذه البلدان فضلا عن صعوبة التوصل إلى اتفاق مع المانحين الدوليين للحصول على قرض تعد بلدنا في أمس الحاجة له للخروج من أزماتها الخانقة التي تمر بها، وتعدد محاولات البحث عن برامج ومشاريع كفيلة بالخروج منها بأوفر الحظوظ من برامج التنمية والاستثمار بالأساس خاصة في سياق هذه المرحلة السياسية الجديدة للدولة التونسية، ونظرا لأهمية وقيمة ودور كل من الكويت والإمارات والسعودية كقوى اقتصادية وازنة في المنطقة والعالم. فهل ينجح في تغيير معادلة الدبلوماسية التونسية الخليجية بما يفتح مسارات التعاون والاستثمار بين الطرفين عنوانا كبيرا للمرحلة القريبة القادمة؟