إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

حقوقيون وجامعيون وناشطون في المجتمع المدني: الدفاع عن استقلالية القضاء ضمان للحقوق والحريات وتحقيق للعدالة

 

تونس- الصباح

نظمت اللجنة المدنية للدفاع عن استقلالية القضاء بالشراكة مع الأورومتوسطية للحقوق ومنظمة محامون بلاحدود واللجنة الدولية للحقوقيين والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب والمعهد الدانماركي لمناهضة التعذيب ومنظمة "هيومن راتس ووتش" أمس بالعاصمة ندوة دولية حول استقلالية القضاء.

ودعا الجامعيون والقضاة والمحامون والناشطون في المجتمع المدني المشاركون في هذه الندوة جميع التونسيين إلى الدفاع عن استقلالية القضاء من أجل تحقيق العدالة وضمان الحقوق والحريات، كما طالبوا الدولة بتوفير ضمانات استقلالية القضاء وتحدثوا عن استقلالية القضاء في دساتير 1959 و2014 و2022 وعن محاولات السلطة في عهد الرئيس بورقيبة ثم في عهد بن علي وبعد الثورة وإثر 25 جويلية وضع اليد على القضاء، وانتقدوا المراسيم التي أصدرها رئيس الجمهورية قيس سعيد المتعلقة بالمجلس الأعلى المؤقت للقضاء وقرارات عزل 57 قاض دفعة واحدة والتي أربكت غيرهم من القضاة وبثت في صفوفهم الرعب من مواجهة نفس المصير، وهناك منهم من تحدثوا عن المحاكمات الأخيرة لعدد من السياسيين وعددوا ما وصفوه بالخروقات. ولكن هناك في المقابل من أشاروا إلى أن القضاة هم المدعوون بدرجة أولى إلى التمسك بشدة بالقضاء كسلطة وليس مجرد وظيفة أو مرفق، وبينوا أن القاضي هو الذي يجب عليه أن يناضل من أجل تكريس استقلالية القضاء، وعليه أن لا يستسلم للضغوطات أيا كان مأتاها، وعليه أن يرفض التعليمات لأن القاضي الذي يخضع للإملاءات خوفا من فقدان الامتيازات التي يتمتع بها لا يستحق أن يكون قاضيا، وعليه أن يدرك أن القاضي الشريف حتى وإن ظلم وحتى وإن تعرض لقرار جائر بالعزل فهو عندما يغادر المحكمة سيجد المجتمع المدني في صفه أما القاضي الذي لا يحكم وجدانه وضميره فعليه أن ينظر جيدا إلى وجهه في المرآة وأن يراجع نفسه. ولاحظوا أن صياغة الدساتير تحكمها دائما موازين القوى السياسية ولكن الدساتير ليست هي التي تصنع قاض مستقل.

من دستور.. إلى آخر

وفي تقرير قدمته الأستاذة الجامعية سناء بن عاشور حول استقلالية القضاء في تونس من دستور إلى آخر، حاولت أن تبسط للمتابعين من غير المختصين في القانون معاني استقلالية القضاء في دستور غرة جوان 1959 وفي دستور 2014 ثم في دستور قيس سعيد حسب وصفها. وبينت أنه بالعودة إلى دستور 1959 نجذ أنه تمت عنونة الباب الرابع بالسلطة القضائية ونص على أن الأحكام تصدر باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية وعلى أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأن تسمية القضاة تكون بأمر من رئيس الجمهورية، وأحال الدستور ترشيح القضاة وكيفية انتدابهم والضمانات من حيث التعيين والترقية والنقلة والتأديب إلى المجلس الأعلى للقضاء يضبط القانون تركيبته واختصاصه كما نص دستور 1959 على المحكمة العليا التي تتكون عند اقتراف الخيانة العظمى. وكانت هناك محاكمات للعديد من المعارضين ومنهم على سبيل الذكر أحمد بن صالح وإدريس قيقة كما كانت هناك 19 محاكمة شهيرة وتم استهداف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وافتقدت المحاكمات لشروط المحاكمة العادلة.

أما في دستور 2014 فقد تم التنصيص على أن القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات، فالجديد الذي جاء به هذا الدستور حسب قول الجامعية سناء بن عاشور هو أن القضاء ضامن لحماية الحقوق والحريات، كما نص الدستور على مسألة على غاية من الأهمية وهي أن القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون، ويشترط فيه الكفاءة ويجب عليه الالتزام بالحياد والنزاهة وكل إخلال منه في أدائه لواجبه موجب للمساءلة، أما بالنسبة إلى المجلس الأعلى للقضاء فنص نفس الدستور على أن هذا المجلس يضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاليته وهو يتركب من مجلس القضاء العدلي ومجلس القضاء الإداري ومجلس القضاء المالي والجلسة العامة للمجالس القضائية وكل هيكل من هذه الهياكل فيه قضاة منتخبون وقضاة معينون بالصفة ومن غير القضاة.. كما نص دستور 2014 على المحكمة الدستورية وهي هيئة قضائية مستقلة لكن هذه المحكمة لم تر النور.

وأضافت الجامعية سناء بن عاشور أن دستور 2022 جعل القضاء وظيفة وليس سلطة ونص على أن القضاء وظيفة مستقلة يباشرها قضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون. وتصدر الأحكام باسم الشعب، وتنفذ باسم رئيس الجمهورية وينقسم القضاء إلى قضاء عدلي وقضاء إداري وقضاء مالي ويشرف على كلّ صنف من هذه الأقضية مجلس أعلى يتولى القانون ضبط تركيبته واختصاصاته. وبالنسبة إلى تسمية القضاة فتكون بأمر من رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى المعني.. كما أن المثير للانتباه، أن الدستور نص على شرط الكفاءة في القاضي وهو أمر بديهي هذا إضافة إلى الالتزام بالحياد والنزاهة، وإلى جانب ذلك نص على محكمة دستوريّة تتركب من تسعة أعضاء، ثلثهم الأوّل من أقدم رؤساء الدّوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني من أقدم رؤساء الدوائر التّعقيبية بالمحكـمة الإدارية، والثلث الثالث والأخير من أقدم أعضاء محكمة المحاسبات.

المجلس الأعلى للقضاء

ومن بين المحاور التي تم التطرق إليها خلال الندوة ما يتعلق بالتوظيف السياسي للقضاء، وفي هذا السياق تحدثت رفقة المباركي رئيسة اتحاد القضاة الإداريين عن المجلس الأعلى للقضاء حيث مثل إحداث المجلس مكسبا دستوريا مستحقا بعد أن كان مطلبا قارا للحراك القضائي الحقوقي زمن الاستبداد قبل الثورة واعتبر إحداثه عنوانا أساسيا في تأسيس المنظومة القضائية في تونس وهو القائم على الاستقلالية لكن بعد 25 جويلية تم التراجع عن الاستقلالية . وأقرت المباركي أن المشهد الديمقراطي للمجلس الأعلى كان منقوصا نظرا لصعوبة البدايات ولاختلاف القراءات حول المقتضيات الدستورية والقانونية كما أن المجلس كان يفتقد للنجاعة والفاعلية بسبب تنوع الفاعلين في الشأن القضائي بما أنشا تركيبة ثقيلة تتكون من 45 عضوا في الجلسة العامة وكان من تداعياتها تعطيل مسار الحركة القضائية واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتطوير القضاء. وأضافت المباركي أنه كان بالإمكان التوصل إلى حلول من خلال إدخال تنقيحات بسيطة على قانون المجلس الأعلى للقضاء لكن أمام وجود نزعة للاستحواذ على السلطة القضائية اضمحلت فرصة الإصلاح وقام رئيس الجمهورية بإصدار مرسوم يتعلق بالمجلس الأعلى المؤقت للقضاء.

وأشارت المباركي إلى أن حل المجلس الأعلى للقضاء لم يكن مفاجئا لممثلي القضاة لأنه سبقته خطة ممنهجة لهرسلة القضاة وتشويههم وانتقادات متكررة للقضاء من قبل رئيس الجمهورية فقد دعا المواطنين على التظاهر أمام مقر المجلس الأعلى للقضاء واعتبره في عداد الماضي وفي اليوم الموالي وقع منع رئيس المجلس والأعضاء من الدخول إلى مقر المجلس ثم سرعان ما صدر المرسوم المتعلق بالمجلس المؤقت وهو فاقد لأدنى معايير الاستقلالية وقوض حقوق القضاة في انتخاب ممثليهم في المجلس وفيه تدخل مباشر في المسارات المهنية للقضاة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تم حسب ذكرها تنقيح المرسوم في اتجاه يخول لرئيس الجمهورية إصدار قرارات إعفاء القضاة مع تحصين قراراته من أي طعن وفي هذا السياق وقع إعفاء 57 قاض. وبينت أن المجلس المؤقت لا يترأسه رئيس الجمهورية أو وزيرة العدل وهو اختيار يراد منه إيهام المجتمع الدولي بأنه مستقل وبان السلطة التنفيذية لا تضع يدها عليه والحال أن المجلس يخضع للسلطة التنفيذية من خلال آليات الإعفاء والإقالات.

وخلصت المباركي أن الحل لم يكن في حل المجلس الأعلى للقضاء وإنما في تغيير تركيبته المختلطة على مستوى الجلسة العامة والقيام بإصلاح شامل وعميق للقضاء في تونس لأن المجلس لم يكن سببا في مشاكل طول البت في القضايا بجميع أصنافها وإنما السلطة السياسية التي ترفض إصلاح القضاء هي السبب.

إعفاء القضاة

الأستاذ فوزي المعلاوي عضو لجنة الدفاع عن القضاة المعفيين قال إن قرارات الإعفاء هي مثال تطبيقي لكل الخروقات إذ هناك خروقات طالت الجوانب الشرعية الخارجية والجوانب الشرعية الداخلية ومنطلق هذه الخروقات يجد أساسه في بناء قانوني فوضوي، وفسر كيف أن الأمر عدد 117 المتعلق بالتدابير الاستثنائية حصن المراسيم ومنها المرسوم الذي على أساسه تم إعفاء القضاة من الطعن والحال أن الأمر أدنى درجة من المرسوم في سلم النصوص القانونية وذكر أنه هناك زخم من العبث القانوني كان مآله عبث على مستوى قرارات الإعفاء وما انطوت عليه من تعسف طال عدد من القضاة والمنظومة القانونية التونسية وكل مؤسسات العدالة وعدد من المعتقلين الذين يقبعون في السجون بلا جريمة. ولاحظ أن قرارات الإعفاء اتخذت قبل تنقيح المرسوم وقدم عضو هيئة الدفاع أدلة على ذلك بالعودة إلى ما جاء في عدد من خطابات رئيس الجمهورية قيس سعيد. وأضاف أن المرسوم هو عبارة عن سيف مسلط على رقاب القضاة المعفيين وكذلك المباشرين وحسب رأيه فإن الغاية من قرارات الإعفاء لا علاقة لها بتطهير القضاء وإصلاحه بل تتمثل في وضعه تحت السيطرة وتركيعه بما يتيح لاحقا تركيع المجتمع بمختلف موكناته السياسية والحقوقية والإعلامية.

أما يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء المحلول أو كما تم تقديمه خلال الندوة برئيس مجلس القضاء الشرعي فبين أن تاريخ القضاء التونسي فيه سعي محموم للسيطرة عليه من قبل السلطة السياسية ففي زمن الاستقلال قيل إن استقلال القضاء ليس أولوية وبقيت مسارات القضاة المهنية والتأديبية في يد السلطة التنفيذية وتأخر تركيز المجلس الأعلى للقضاء 8 سنوات ولم تتنازل السلطة التنفيذية على موقعها على رأس مجالس القضاء رغبة في الهينة على القضاء، فرئيس الجمهورية يترأس مجلس القضاء العدلي وينوبه وزير العدل وتم إسناد السلطة التنفيذية سلطة إيقاف القاضي عن العمل وسلطة إحالته على مجلس التأديب وكذلك المجلس الأعلى للمحكمة الإدارية ومحكمة المحاسبات فيترأسهما الوزير الأول وينوبه رئيس المحكمة الإدارية أو رئيس محكمة المحاسبات وهما يعينان من قبل رئيس الجمهورية. ولاحظ بوزاخر أن هذا الوضع الذي خلق منذ الاستقلال لم يتغير كثير بعد 1987 وحتى بعد الثورة فإنه تم استهداف المسارات المهنية للقضاة بقرارات تعسفية وبعد 2011 سعت السلطة السياسية التي تحول ثقلها من قرطاج إلى باردو إلى الحيلولة دون استقلالية القضاء إذ تم إسقاط قانون برمته بسبب خلاف بين أعضاء المجلس التأسيسي وباقتراح من ويزر العدل تم إعفاء 80 قاض ولكن بفضل حراك المجتمع المدني تم فرض مفهوم استقلالية القضاء وتم تنزيل ذلك في دستور 2014 . وذكر بوزاخر أنه في سنة 2019 حصلت أزمة لان المجلس أصدر ثلاث قرارات لكن السلطة التنفيذية رفضت نشرها في الرائد الرسمي وبعد ذلك منح رئيس الجمهورية نفسه صلاحية إعفاء القضاة بأمر رئاسي غير قابل للطعن ولاحظ أن نقل الصلاحيات إلى رئيس الجمهورية في علاقة بالمسارات المهنية والتأديبية أنتج حالة من الرعب في صفوف القضاة خاصة بعد إعفاء 57 قاض في ليلة واحدة.

وفي مداخلة عن بعد، قالت بشرى بلحاج حميدة إن العدالة عندما تغيب فإن كل شيء يندثر، ولإقامة العدل لا بد حسب قولها من توفير مناخ متكامل، وبينت أنه لا يمكن إصلاح القضاء دون إصلاح مختلف مؤسسات الدولة بما فيها إصلاح الإعلام وترى أنه لا بد من منح الفرصة للشباب لكي يغير الوضع في البلاد فالشباب هو الذي يعطي الأمل من أجل تونس أفضل في المستقبل تونس للجميع.

سعيدة بوهلال

 

 

 

 

 

حقوقيون وجامعيون وناشطون في المجتمع المدني:  الدفاع عن استقلالية القضاء ضمان للحقوق والحريات وتحقيق للعدالة

 

تونس- الصباح

نظمت اللجنة المدنية للدفاع عن استقلالية القضاء بالشراكة مع الأورومتوسطية للحقوق ومنظمة محامون بلاحدود واللجنة الدولية للحقوقيين والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب والمعهد الدانماركي لمناهضة التعذيب ومنظمة "هيومن راتس ووتش" أمس بالعاصمة ندوة دولية حول استقلالية القضاء.

ودعا الجامعيون والقضاة والمحامون والناشطون في المجتمع المدني المشاركون في هذه الندوة جميع التونسيين إلى الدفاع عن استقلالية القضاء من أجل تحقيق العدالة وضمان الحقوق والحريات، كما طالبوا الدولة بتوفير ضمانات استقلالية القضاء وتحدثوا عن استقلالية القضاء في دساتير 1959 و2014 و2022 وعن محاولات السلطة في عهد الرئيس بورقيبة ثم في عهد بن علي وبعد الثورة وإثر 25 جويلية وضع اليد على القضاء، وانتقدوا المراسيم التي أصدرها رئيس الجمهورية قيس سعيد المتعلقة بالمجلس الأعلى المؤقت للقضاء وقرارات عزل 57 قاض دفعة واحدة والتي أربكت غيرهم من القضاة وبثت في صفوفهم الرعب من مواجهة نفس المصير، وهناك منهم من تحدثوا عن المحاكمات الأخيرة لعدد من السياسيين وعددوا ما وصفوه بالخروقات. ولكن هناك في المقابل من أشاروا إلى أن القضاة هم المدعوون بدرجة أولى إلى التمسك بشدة بالقضاء كسلطة وليس مجرد وظيفة أو مرفق، وبينوا أن القاضي هو الذي يجب عليه أن يناضل من أجل تكريس استقلالية القضاء، وعليه أن لا يستسلم للضغوطات أيا كان مأتاها، وعليه أن يرفض التعليمات لأن القاضي الذي يخضع للإملاءات خوفا من فقدان الامتيازات التي يتمتع بها لا يستحق أن يكون قاضيا، وعليه أن يدرك أن القاضي الشريف حتى وإن ظلم وحتى وإن تعرض لقرار جائر بالعزل فهو عندما يغادر المحكمة سيجد المجتمع المدني في صفه أما القاضي الذي لا يحكم وجدانه وضميره فعليه أن ينظر جيدا إلى وجهه في المرآة وأن يراجع نفسه. ولاحظوا أن صياغة الدساتير تحكمها دائما موازين القوى السياسية ولكن الدساتير ليست هي التي تصنع قاض مستقل.

من دستور.. إلى آخر

وفي تقرير قدمته الأستاذة الجامعية سناء بن عاشور حول استقلالية القضاء في تونس من دستور إلى آخر، حاولت أن تبسط للمتابعين من غير المختصين في القانون معاني استقلالية القضاء في دستور غرة جوان 1959 وفي دستور 2014 ثم في دستور قيس سعيد حسب وصفها. وبينت أنه بالعودة إلى دستور 1959 نجذ أنه تمت عنونة الباب الرابع بالسلطة القضائية ونص على أن الأحكام تصدر باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية وعلى أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأن تسمية القضاة تكون بأمر من رئيس الجمهورية، وأحال الدستور ترشيح القضاة وكيفية انتدابهم والضمانات من حيث التعيين والترقية والنقلة والتأديب إلى المجلس الأعلى للقضاء يضبط القانون تركيبته واختصاصه كما نص دستور 1959 على المحكمة العليا التي تتكون عند اقتراف الخيانة العظمى. وكانت هناك محاكمات للعديد من المعارضين ومنهم على سبيل الذكر أحمد بن صالح وإدريس قيقة كما كانت هناك 19 محاكمة شهيرة وتم استهداف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وافتقدت المحاكمات لشروط المحاكمة العادلة.

أما في دستور 2014 فقد تم التنصيص على أن القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات، فالجديد الذي جاء به هذا الدستور حسب قول الجامعية سناء بن عاشور هو أن القضاء ضامن لحماية الحقوق والحريات، كما نص الدستور على مسألة على غاية من الأهمية وهي أن القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون، ويشترط فيه الكفاءة ويجب عليه الالتزام بالحياد والنزاهة وكل إخلال منه في أدائه لواجبه موجب للمساءلة، أما بالنسبة إلى المجلس الأعلى للقضاء فنص نفس الدستور على أن هذا المجلس يضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاليته وهو يتركب من مجلس القضاء العدلي ومجلس القضاء الإداري ومجلس القضاء المالي والجلسة العامة للمجالس القضائية وكل هيكل من هذه الهياكل فيه قضاة منتخبون وقضاة معينون بالصفة ومن غير القضاة.. كما نص دستور 2014 على المحكمة الدستورية وهي هيئة قضائية مستقلة لكن هذه المحكمة لم تر النور.

وأضافت الجامعية سناء بن عاشور أن دستور 2022 جعل القضاء وظيفة وليس سلطة ونص على أن القضاء وظيفة مستقلة يباشرها قضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون. وتصدر الأحكام باسم الشعب، وتنفذ باسم رئيس الجمهورية وينقسم القضاء إلى قضاء عدلي وقضاء إداري وقضاء مالي ويشرف على كلّ صنف من هذه الأقضية مجلس أعلى يتولى القانون ضبط تركيبته واختصاصاته. وبالنسبة إلى تسمية القضاة فتكون بأمر من رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى المعني.. كما أن المثير للانتباه، أن الدستور نص على شرط الكفاءة في القاضي وهو أمر بديهي هذا إضافة إلى الالتزام بالحياد والنزاهة، وإلى جانب ذلك نص على محكمة دستوريّة تتركب من تسعة أعضاء، ثلثهم الأوّل من أقدم رؤساء الدّوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني من أقدم رؤساء الدوائر التّعقيبية بالمحكـمة الإدارية، والثلث الثالث والأخير من أقدم أعضاء محكمة المحاسبات.

المجلس الأعلى للقضاء

ومن بين المحاور التي تم التطرق إليها خلال الندوة ما يتعلق بالتوظيف السياسي للقضاء، وفي هذا السياق تحدثت رفقة المباركي رئيسة اتحاد القضاة الإداريين عن المجلس الأعلى للقضاء حيث مثل إحداث المجلس مكسبا دستوريا مستحقا بعد أن كان مطلبا قارا للحراك القضائي الحقوقي زمن الاستبداد قبل الثورة واعتبر إحداثه عنوانا أساسيا في تأسيس المنظومة القضائية في تونس وهو القائم على الاستقلالية لكن بعد 25 جويلية تم التراجع عن الاستقلالية . وأقرت المباركي أن المشهد الديمقراطي للمجلس الأعلى كان منقوصا نظرا لصعوبة البدايات ولاختلاف القراءات حول المقتضيات الدستورية والقانونية كما أن المجلس كان يفتقد للنجاعة والفاعلية بسبب تنوع الفاعلين في الشأن القضائي بما أنشا تركيبة ثقيلة تتكون من 45 عضوا في الجلسة العامة وكان من تداعياتها تعطيل مسار الحركة القضائية واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتطوير القضاء. وأضافت المباركي أنه كان بالإمكان التوصل إلى حلول من خلال إدخال تنقيحات بسيطة على قانون المجلس الأعلى للقضاء لكن أمام وجود نزعة للاستحواذ على السلطة القضائية اضمحلت فرصة الإصلاح وقام رئيس الجمهورية بإصدار مرسوم يتعلق بالمجلس الأعلى المؤقت للقضاء.

وأشارت المباركي إلى أن حل المجلس الأعلى للقضاء لم يكن مفاجئا لممثلي القضاة لأنه سبقته خطة ممنهجة لهرسلة القضاة وتشويههم وانتقادات متكررة للقضاء من قبل رئيس الجمهورية فقد دعا المواطنين على التظاهر أمام مقر المجلس الأعلى للقضاء واعتبره في عداد الماضي وفي اليوم الموالي وقع منع رئيس المجلس والأعضاء من الدخول إلى مقر المجلس ثم سرعان ما صدر المرسوم المتعلق بالمجلس المؤقت وهو فاقد لأدنى معايير الاستقلالية وقوض حقوق القضاة في انتخاب ممثليهم في المجلس وفيه تدخل مباشر في المسارات المهنية للقضاة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تم حسب ذكرها تنقيح المرسوم في اتجاه يخول لرئيس الجمهورية إصدار قرارات إعفاء القضاة مع تحصين قراراته من أي طعن وفي هذا السياق وقع إعفاء 57 قاض. وبينت أن المجلس المؤقت لا يترأسه رئيس الجمهورية أو وزيرة العدل وهو اختيار يراد منه إيهام المجتمع الدولي بأنه مستقل وبان السلطة التنفيذية لا تضع يدها عليه والحال أن المجلس يخضع للسلطة التنفيذية من خلال آليات الإعفاء والإقالات.

وخلصت المباركي أن الحل لم يكن في حل المجلس الأعلى للقضاء وإنما في تغيير تركيبته المختلطة على مستوى الجلسة العامة والقيام بإصلاح شامل وعميق للقضاء في تونس لأن المجلس لم يكن سببا في مشاكل طول البت في القضايا بجميع أصنافها وإنما السلطة السياسية التي ترفض إصلاح القضاء هي السبب.

إعفاء القضاة

الأستاذ فوزي المعلاوي عضو لجنة الدفاع عن القضاة المعفيين قال إن قرارات الإعفاء هي مثال تطبيقي لكل الخروقات إذ هناك خروقات طالت الجوانب الشرعية الخارجية والجوانب الشرعية الداخلية ومنطلق هذه الخروقات يجد أساسه في بناء قانوني فوضوي، وفسر كيف أن الأمر عدد 117 المتعلق بالتدابير الاستثنائية حصن المراسيم ومنها المرسوم الذي على أساسه تم إعفاء القضاة من الطعن والحال أن الأمر أدنى درجة من المرسوم في سلم النصوص القانونية وذكر أنه هناك زخم من العبث القانوني كان مآله عبث على مستوى قرارات الإعفاء وما انطوت عليه من تعسف طال عدد من القضاة والمنظومة القانونية التونسية وكل مؤسسات العدالة وعدد من المعتقلين الذين يقبعون في السجون بلا جريمة. ولاحظ أن قرارات الإعفاء اتخذت قبل تنقيح المرسوم وقدم عضو هيئة الدفاع أدلة على ذلك بالعودة إلى ما جاء في عدد من خطابات رئيس الجمهورية قيس سعيد. وأضاف أن المرسوم هو عبارة عن سيف مسلط على رقاب القضاة المعفيين وكذلك المباشرين وحسب رأيه فإن الغاية من قرارات الإعفاء لا علاقة لها بتطهير القضاء وإصلاحه بل تتمثل في وضعه تحت السيطرة وتركيعه بما يتيح لاحقا تركيع المجتمع بمختلف موكناته السياسية والحقوقية والإعلامية.

أما يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء المحلول أو كما تم تقديمه خلال الندوة برئيس مجلس القضاء الشرعي فبين أن تاريخ القضاء التونسي فيه سعي محموم للسيطرة عليه من قبل السلطة السياسية ففي زمن الاستقلال قيل إن استقلال القضاء ليس أولوية وبقيت مسارات القضاة المهنية والتأديبية في يد السلطة التنفيذية وتأخر تركيز المجلس الأعلى للقضاء 8 سنوات ولم تتنازل السلطة التنفيذية على موقعها على رأس مجالس القضاء رغبة في الهينة على القضاء، فرئيس الجمهورية يترأس مجلس القضاء العدلي وينوبه وزير العدل وتم إسناد السلطة التنفيذية سلطة إيقاف القاضي عن العمل وسلطة إحالته على مجلس التأديب وكذلك المجلس الأعلى للمحكمة الإدارية ومحكمة المحاسبات فيترأسهما الوزير الأول وينوبه رئيس المحكمة الإدارية أو رئيس محكمة المحاسبات وهما يعينان من قبل رئيس الجمهورية. ولاحظ بوزاخر أن هذا الوضع الذي خلق منذ الاستقلال لم يتغير كثير بعد 1987 وحتى بعد الثورة فإنه تم استهداف المسارات المهنية للقضاة بقرارات تعسفية وبعد 2011 سعت السلطة السياسية التي تحول ثقلها من قرطاج إلى باردو إلى الحيلولة دون استقلالية القضاء إذ تم إسقاط قانون برمته بسبب خلاف بين أعضاء المجلس التأسيسي وباقتراح من ويزر العدل تم إعفاء 80 قاض ولكن بفضل حراك المجتمع المدني تم فرض مفهوم استقلالية القضاء وتم تنزيل ذلك في دستور 2014 . وذكر بوزاخر أنه في سنة 2019 حصلت أزمة لان المجلس أصدر ثلاث قرارات لكن السلطة التنفيذية رفضت نشرها في الرائد الرسمي وبعد ذلك منح رئيس الجمهورية نفسه صلاحية إعفاء القضاة بأمر رئاسي غير قابل للطعن ولاحظ أن نقل الصلاحيات إلى رئيس الجمهورية في علاقة بالمسارات المهنية والتأديبية أنتج حالة من الرعب في صفوف القضاة خاصة بعد إعفاء 57 قاض في ليلة واحدة.

وفي مداخلة عن بعد، قالت بشرى بلحاج حميدة إن العدالة عندما تغيب فإن كل شيء يندثر، ولإقامة العدل لا بد حسب قولها من توفير مناخ متكامل، وبينت أنه لا يمكن إصلاح القضاء دون إصلاح مختلف مؤسسات الدولة بما فيها إصلاح الإعلام وترى أنه لا بد من منح الفرصة للشباب لكي يغير الوضع في البلاد فالشباب هو الذي يعطي الأمل من أجل تونس أفضل في المستقبل تونس للجميع.

سعيدة بوهلال