إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ممنوع من الحياد | العالم بين الذكاء الاصطناعي والحرب في السودان؟ ...

 

بيننا وبين العالم المتقدم سنوات ضوئية فرضتها العلوم والمعارف والتكنولوجيا الحديثة التي تجعل الشعوب والمجتمعات العربية مجتمعات في أسفل الترتيب، مجتمعات استهلاكية تستورد  رفاهيتها وتخصص الجزء الأكبر من مواردها لتوريد ما تجود به عقول ومصانع التكنولوجيا الحديثة من السيارات والحواسيب ووسائل التواصل الحديثة إلى أدوات السلاح وكل ما يرتبط بالحروب والنزاعات والصراعات والمآسي والاقتتال والموت..، العالم يناقش حرب المستقبل أو حرب الذكاء الاصطناعي التي ستفرض هيمنة المتحكم فيها وقد لا نبالغ إذا اعتبرنا أن جزءا من الحرب في أوكرانيا يدور حول هذه الحرب حرب الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن يحققه المتحكم فيها من مكاسب لفرض السيطرة على العالم..، وقد جاءت استقالة جيفري هينتون الأب الروحي من العملاق الأميركي، على خلفية مخاطر الذكاء الاصطناعي الذي دخل مرحلة قد لا يكون بالإمكان تحكم الإنسان فيها لتذكرنا بهذه الحقائق المغيبة عن اهتماماتنا.. وهي مخاطر حقيقية والأمر لا يتعلق بخسارة آلاف مواطن الشغل وتفاقم جيوش العاطلين عن العمل ولكن الأمر يتعلق بما هو أبشع وربما بما كان قرأه وتابعه الملايين عن فيلم فرانكشتاين الخيالي عندما تتحول التكنولوجيا إلى وحش آلي لا يمكن التحكم فيه...، وهذه المرحلة التي يحذر منها هينتون ناجمة عن دخول التنافس بين عمالقة التكنولوجيا الكبرى مرحلة قد لا يكون بالإمكان توقع تداعياتها على المجتمعات وعلى العالم أيضا مع الفشل في استباق الكثير من المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وهي أن تصبح التكنولوجيا أكثر ذكاء من البشر.. وقد اعتبر جيفري هينتون أن الأمل الوحيد في تجنب الخطر هو أن يعمل أهم العلماء في العالم يدا بيد لإيجاد حلول للتحكم في الذكاء الاصطناعي.. ويشير هينتون انه حتى العام الماضي، لم يكن يعتبر هذا التقدم خطيرا، لكن رأيه تغير عندما طورت غوغل و"أوبن إيه آي"OpenAI أنظمة عصبية قادرة على معالجة كميات كبيرة جدا من البيانات، التي يمكن أن تجعل هذه الأنظمة أكثر كفاءة من الدماغ البشري، وبالتالي فهي خطيرة للغاية.

قد يتساءل كثيرون وما الذي يعينا من حرب الذكاء الاصطناعي ونحن في عالم يعيش على هامش الأحداث وابعد ما نكون عن حرب التكنولوجيا الحديثة التي تقود العالم؟ والأكيد أن أكثر من سبب يفرض علينا الانتباه إلى ما يسمى بحرب الذكاء الاصطناعي التي تفرض علينا أن نكون حقل تجارب مفتوح لما تفرزه عقول ومصانع الحرب من تكنولوجيا في جميع المجالات ومن ذلك أيضا ما نعيش على وقعه اليوم من حرب استنزاف على ارض السودان أو بالأحرى ما بقي من السودان بعد تقسيمه إلى سودان شمالي مسلم وسودان جنوبي مسيحي تمهيدا ربما إلى مزيد التقسيمات المرتقبة لان أبناء البلد الواحد تحولوا إلى أعداء متناحرين بعد أن تمكنوا من تخزين ما يكفي من السلاح لتدمير وتخريب ما بقي من ارض السودان.. اليوم لا حديث في السودان إلا عن الجهود والآمال المرتبطة بمفوض الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، البريطاني مارتن غريفيث، الذي يرتبط اسمه بأكثر من أزمة وأكثر من وساطة من البحيرات الكبرى في إفريقيا إلى البلقان واليمن وسوريا قبل السودان في محاولة لجمع الفرقاء وتحقيق اتفاق للسلام بين الجيش السوداني بزعامة البرهان وقوات التدخل السريع بزعامة حميدتي..، دون أن ننسى أن غريفث يدير المعهد الأوروبي للسلام وقبل ذلك عمل كان كبير مستشارين لجمعية (Inter Mediate) وهي مؤسسة خيرية مقرها لندن تعمل على حل النزاعات والتفاوض والوساطة.. طبعا حتى هذه المرحلة لا احد يعرف إلى ما يمكن أن تؤدي إليه جهود الوساطة التي يقودها البريطاني غريفينث فمسيرته أظهرت أن انجازاته في هذا المجال تكاد تكون معدومة ولا أثر لها على الأرض وليس من المتوقع بالتالي أن تكون مهمته الجديدة في السودان مخالفة لما سبق من ادوار في مختلف الأزمات التي دخلها معها على الخط أو التي دفع ليكون الاسم والمرجع الظاهر لحل أزمة لا يملك مفاتيحها ولا يمكن بأي حال من الأحوال للزيارات المكوكية التي يقوم بها أن تعجل بحلها ونقصد بحل الأزمة في السودان التي يبقى مفتاح إيقاف النزيف بين يدي البرهان وحميدتي شرط أن يجعل كل منهما مسافة فاصلة بينه وبين القوى الإقليمية والدولية والإسرائيلية التي تشحذ عزيمة كل طرف وتعزز قدراته وتدفعه على مواصلة الحرب العبثية التي سيدفع ثمنها وتداعياتها الشعب السوداني كما دفع من قبل ثمن كل الحروب العبثية السابقة التي  جعلت السودان على ما هو عليه اليوم من مهانة  عليل يعاني الأوبئة والمجاعة والانهيار والشلل في كل مظاهر الحياة الاقتصادية والصحية والاجتماعية.. لا خلاف اليوم أن هناك حاجة للخروج من حالة الغيبوبة التي جعلت الأوطان والشعوب العربية تعيش حالة زهايمر عميق وتغرق في أوهام الماضي غير المشرق فلا هي تعيش حاضرها ولا هي تستعد لمستقبلها وسيتعين عليها فوق كل ذلك تحمل تداعيات ما ستفرزه حرب الذكاء الاصطناعي الذي لن يكون لها فيه دور ولكنها ستكون أول ضحاياه وأول من سيدفع ثمن الجهل الساكن فيها وثمن الغباء السياسي وبلادة العقول الجامدة التي تدفع إلى تدمير وتفكيك ما بقي منها ومواصلة تشريد المشردين والتائهين ...

اسيا العتروس

ممنوع من الحياد | العالم بين الذكاء الاصطناعي والحرب في السودان؟ ...

 

بيننا وبين العالم المتقدم سنوات ضوئية فرضتها العلوم والمعارف والتكنولوجيا الحديثة التي تجعل الشعوب والمجتمعات العربية مجتمعات في أسفل الترتيب، مجتمعات استهلاكية تستورد  رفاهيتها وتخصص الجزء الأكبر من مواردها لتوريد ما تجود به عقول ومصانع التكنولوجيا الحديثة من السيارات والحواسيب ووسائل التواصل الحديثة إلى أدوات السلاح وكل ما يرتبط بالحروب والنزاعات والصراعات والمآسي والاقتتال والموت..، العالم يناقش حرب المستقبل أو حرب الذكاء الاصطناعي التي ستفرض هيمنة المتحكم فيها وقد لا نبالغ إذا اعتبرنا أن جزءا من الحرب في أوكرانيا يدور حول هذه الحرب حرب الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن يحققه المتحكم فيها من مكاسب لفرض السيطرة على العالم..، وقد جاءت استقالة جيفري هينتون الأب الروحي من العملاق الأميركي، على خلفية مخاطر الذكاء الاصطناعي الذي دخل مرحلة قد لا يكون بالإمكان تحكم الإنسان فيها لتذكرنا بهذه الحقائق المغيبة عن اهتماماتنا.. وهي مخاطر حقيقية والأمر لا يتعلق بخسارة آلاف مواطن الشغل وتفاقم جيوش العاطلين عن العمل ولكن الأمر يتعلق بما هو أبشع وربما بما كان قرأه وتابعه الملايين عن فيلم فرانكشتاين الخيالي عندما تتحول التكنولوجيا إلى وحش آلي لا يمكن التحكم فيه...، وهذه المرحلة التي يحذر منها هينتون ناجمة عن دخول التنافس بين عمالقة التكنولوجيا الكبرى مرحلة قد لا يكون بالإمكان توقع تداعياتها على المجتمعات وعلى العالم أيضا مع الفشل في استباق الكثير من المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وهي أن تصبح التكنولوجيا أكثر ذكاء من البشر.. وقد اعتبر جيفري هينتون أن الأمل الوحيد في تجنب الخطر هو أن يعمل أهم العلماء في العالم يدا بيد لإيجاد حلول للتحكم في الذكاء الاصطناعي.. ويشير هينتون انه حتى العام الماضي، لم يكن يعتبر هذا التقدم خطيرا، لكن رأيه تغير عندما طورت غوغل و"أوبن إيه آي"OpenAI أنظمة عصبية قادرة على معالجة كميات كبيرة جدا من البيانات، التي يمكن أن تجعل هذه الأنظمة أكثر كفاءة من الدماغ البشري، وبالتالي فهي خطيرة للغاية.

قد يتساءل كثيرون وما الذي يعينا من حرب الذكاء الاصطناعي ونحن في عالم يعيش على هامش الأحداث وابعد ما نكون عن حرب التكنولوجيا الحديثة التي تقود العالم؟ والأكيد أن أكثر من سبب يفرض علينا الانتباه إلى ما يسمى بحرب الذكاء الاصطناعي التي تفرض علينا أن نكون حقل تجارب مفتوح لما تفرزه عقول ومصانع الحرب من تكنولوجيا في جميع المجالات ومن ذلك أيضا ما نعيش على وقعه اليوم من حرب استنزاف على ارض السودان أو بالأحرى ما بقي من السودان بعد تقسيمه إلى سودان شمالي مسلم وسودان جنوبي مسيحي تمهيدا ربما إلى مزيد التقسيمات المرتقبة لان أبناء البلد الواحد تحولوا إلى أعداء متناحرين بعد أن تمكنوا من تخزين ما يكفي من السلاح لتدمير وتخريب ما بقي من ارض السودان.. اليوم لا حديث في السودان إلا عن الجهود والآمال المرتبطة بمفوض الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، البريطاني مارتن غريفيث، الذي يرتبط اسمه بأكثر من أزمة وأكثر من وساطة من البحيرات الكبرى في إفريقيا إلى البلقان واليمن وسوريا قبل السودان في محاولة لجمع الفرقاء وتحقيق اتفاق للسلام بين الجيش السوداني بزعامة البرهان وقوات التدخل السريع بزعامة حميدتي..، دون أن ننسى أن غريفث يدير المعهد الأوروبي للسلام وقبل ذلك عمل كان كبير مستشارين لجمعية (Inter Mediate) وهي مؤسسة خيرية مقرها لندن تعمل على حل النزاعات والتفاوض والوساطة.. طبعا حتى هذه المرحلة لا احد يعرف إلى ما يمكن أن تؤدي إليه جهود الوساطة التي يقودها البريطاني غريفينث فمسيرته أظهرت أن انجازاته في هذا المجال تكاد تكون معدومة ولا أثر لها على الأرض وليس من المتوقع بالتالي أن تكون مهمته الجديدة في السودان مخالفة لما سبق من ادوار في مختلف الأزمات التي دخلها معها على الخط أو التي دفع ليكون الاسم والمرجع الظاهر لحل أزمة لا يملك مفاتيحها ولا يمكن بأي حال من الأحوال للزيارات المكوكية التي يقوم بها أن تعجل بحلها ونقصد بحل الأزمة في السودان التي يبقى مفتاح إيقاف النزيف بين يدي البرهان وحميدتي شرط أن يجعل كل منهما مسافة فاصلة بينه وبين القوى الإقليمية والدولية والإسرائيلية التي تشحذ عزيمة كل طرف وتعزز قدراته وتدفعه على مواصلة الحرب العبثية التي سيدفع ثمنها وتداعياتها الشعب السوداني كما دفع من قبل ثمن كل الحروب العبثية السابقة التي  جعلت السودان على ما هو عليه اليوم من مهانة  عليل يعاني الأوبئة والمجاعة والانهيار والشلل في كل مظاهر الحياة الاقتصادية والصحية والاجتماعية.. لا خلاف اليوم أن هناك حاجة للخروج من حالة الغيبوبة التي جعلت الأوطان والشعوب العربية تعيش حالة زهايمر عميق وتغرق في أوهام الماضي غير المشرق فلا هي تعيش حاضرها ولا هي تستعد لمستقبلها وسيتعين عليها فوق كل ذلك تحمل تداعيات ما ستفرزه حرب الذكاء الاصطناعي الذي لن يكون لها فيه دور ولكنها ستكون أول ضحاياه وأول من سيدفع ثمن الجهل الساكن فيها وثمن الغباء السياسي وبلادة العقول الجامدة التي تدفع إلى تدمير وتفكيك ما بقي منها ومواصلة تشريد المشردين والتائهين ...

اسيا العتروس