إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد تراجع حضور المرأة في المشهد السياسي والمدني.. أكثر من 20 جمعية ومنظمة في "جبهة نسوية" بحثا عن المعادلة المفقودة

 

*مسألة مراجعة وإعادة التنظم والهيكلة بالنسبة للمنظمات والجمعيات التي تعنى بالنساء تعد اليوم ضرورية

تونس – الصباح

لئن عبرت بعض الجهات المدنية والسياسية عن ترحيبها بمبادرة أكثر من 20 جمعية ومنظمة مدنية وغيرها من الهياكل المختلفة المتمثلة في بعث جبهة المساواة وحقوق النساء، في بحر هذا الأسبوع، تزامنا مع إحياء الذكرى الرابعة لفاجعة حادثة سبالة أولاد عسكر بسيدي بوزيد التي أودت بحياة عدد من العاملات في قطاع الفلاحة، فإن هذه المبادرة تطرح في جانب آخر منها وضعية المرأة في تونس اليوم بشكل عام والهياكل والجمعيات والمنظمات النسوية بشكل خاص، رغم تأكيد وإجماع عديد الجهات على أنه ليس هناك أي خطر أو محاولة للمساس بحقوق المرأة ومكتسباتها من قبل منظومة الحكم الحالية بشكل مباشر، وأن دستور أوت 2022 يكفل جميع هذه الحقوق وينص عليها.

وتحيل هذه المبادرة في أبعادها إلى أهمية ودوافع إعادة التنظم بالنسبة لمثل هذه الهياكل الخاصة بالمرأة وتعزيز آليات التشبيك وتوسيعها فيما بينها من ناحية أو عبر الانفتاح على المنظمات وغيرها من الهياكل التي تعنى بالحقوق والدفاع عن الحريات، لاسيما في هذه المرحلة الانتقالية بالأساس وما يكتنفها من غموض، رغم ما تضمنه دستور الجمهورية الجديدة من خطوط عريضة واضحة لسياسة الدولة، إضافة إلى ذلك تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد عن رؤيته للجمهورية الجديدة والممارسة السياسية في أكثر من مناسبة، فضلا عن حديث المقربين من سعيد والفاعلين في "حملته التفسيرية" عن برنامجه ومشروعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يعزز الخوف لدى فئة أخرى من المجتمع ليس السياسي فحسب بل وأيضا الناشطين في المجتمع المدني بما في ذلك الهياكل والجمعيات والمنظمات التي تعنى بالمرأة وقضاياها المتعددة والمتشعبة.

وتأتي محاولة الجمعيات والمنظمات النسوية والحقوقية المتواصلة بهدف البحث أو السعي لخلق توازنات جديدة على ضوء التغييرات التي ما انفكت تشهدها بلادنا سياسيا ودستوريا واقتصاديا واجتماعيا في مرحلة ما بعد مرحلة 25 جويلية 2021، خاصة أمام ما تم تسجيله من تراجع كبير لحضور المرأة في المشهدين العام والسياسي، إذ كانت المرأة الغائب البارز في هذا الجانب. ومن بين هذه الهياكل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية أصوات نساء وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية وغيرها من المنظمات النسوية والحقوقية.

 ولم يخف تعيين سعيد لامرأة على رأس حكومته منذ أكتوبر 2021، الخوف من تراجع مكاسب المرأة رغم أن حكومة بودن منحت أيضا 9 حقائب وزارية لنساء أي أن حضور المرأة بلغ نسبة38.46% في حكومتها، بشكل غير مسبوق مقارنة بالحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال إلى حدود تلك الفترة، جراء توفر جملة من العوامل والمعطيات عززت هذا الخوف ولعل أبرزها عدم وضع شرط التناصف في القانون الانتخابي الذي تم اعتماده في الانتخابات التشريعية الأخيرة، إضافة إلى الحضور الضئيل للمرأة في تركيبة مجلس النواب الحالي والتي قدرت بـ24 نائبة أي بنسبة 14.91%. وقد اعتبرت عديد الجهات بما في ذلك بعض الجمعيات والمنظمات الطرف في هذه الديناميكية النسوية المستقلة، هذه النسبة والتمشي المعتمد في هذه المرحلة بدءا بالقانون الانتخابي، مؤشرات خطيرة تحسب لسياسة التعاطي مع المرأة وتحدد مدى حضورها في الجمهورية الجديدة، الأمر الذي يستوجب مراجعة الجهات الرسمية لسياستها وانتهاج الوضوح في هذا الجانب لاسيما في ظل ما يتم تداوله حول مشروع سعيد المعادي للحريات والمرأة بشكل خاص.  

كما برز هذا الغياب جليا في المشهد السياسي خلال مرحلة الحكم الاستثنائية للدولة بقيادة قيس سعيد، ليحتكر السياسيون التحرك الميداني والحضور في المشهد العام بشكل لافت مقابل حضور محتشم للمرأة سواء في مستوى لتمثيلية الحزبية أو المدنية. ليقتصر الحضور في المنظمات والجمعيات والهياكل الخاصة الجندرية بالأساس، رغم تأكيد عديد القراءات والآراء على الدور الكبير الذي لعبته المرأة خلال العشرية الماضية في التصدي للمشروع الظلامي المعادي للمرأة والحريات على حد السواء، مقابل إصرارها على فرض وتعزيز بعض المكاسب من قبيل "التناصف" و"المساواة" في الميراث التي لا تزال محل تجاذب، فضلا عن دورها الريادي في تحقيق المعادلة في تونس الدولة المدنية سياسيا ودستوريا واجتماعيا وثقافيا.

لتعيد بذلك "جبهة المساواة وحقوق النساء" الجديدة، بما تضمه من جمعيات نسوية مستقلة وأيضا الجمعيات الناشطة في مجالات حقوق النساء وفي التنمية وتناضل من أجل حقوق النساء والحرّيات، المرأة إلى واجهة النضال حول الحرية والمساواة وعدم التمييز واحترام الكرامة الإنسانية.

فوجود امرأة على رأس عدد من الأحزاب السياسية أو اعتماد جل مكونات المشهد الحزبي والمنظمات الوطنية والهياكل القطاعية على المرأة كعنصر أساسي في تركيبتها، لم ينف حجم التراجع المسجل لحضورها خلال هذه الفترة، رغم ما تزخر به بلادنا من كفاءات نسائية في مختلف المجالات العلمية والصناعية والتكنولوجية والثقافية والفكرية وفي الإدارة والتسيير. لذلك فإن مسألة مراجعة وإعادة التنظم والهيكلة بالنسبة للمنظمات والجمعيات التي تعنى بالنساء في أهدافها ومجالاتها المتعددة والمختلفة، تعد اليوم ضرورية في ظل الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به بلادنا وما يمكن أن تفرزه مسارات الإصلاح والتأسيس المرتقبة للجمهورية الجديدة، خاصة أمام مواصلة سعيد خيار القطع مع مكونات المشهد الحزبي والسياسي والمدني وعدم تشريكها في صياغة "آليات" إصلاح وتأسيس الجمهورية الجديدة، بما يضمن بقاءها كقوة اقتراح وفعل مدنية وازنة في المجتمع والدولة.

نزيهة الغضباني

بعد تراجع حضور المرأة في المشهد السياسي والمدني..  أكثر من 20 جمعية ومنظمة في "جبهة نسوية" بحثا عن المعادلة المفقودة

 

*مسألة مراجعة وإعادة التنظم والهيكلة بالنسبة للمنظمات والجمعيات التي تعنى بالنساء تعد اليوم ضرورية

تونس – الصباح

لئن عبرت بعض الجهات المدنية والسياسية عن ترحيبها بمبادرة أكثر من 20 جمعية ومنظمة مدنية وغيرها من الهياكل المختلفة المتمثلة في بعث جبهة المساواة وحقوق النساء، في بحر هذا الأسبوع، تزامنا مع إحياء الذكرى الرابعة لفاجعة حادثة سبالة أولاد عسكر بسيدي بوزيد التي أودت بحياة عدد من العاملات في قطاع الفلاحة، فإن هذه المبادرة تطرح في جانب آخر منها وضعية المرأة في تونس اليوم بشكل عام والهياكل والجمعيات والمنظمات النسوية بشكل خاص، رغم تأكيد وإجماع عديد الجهات على أنه ليس هناك أي خطر أو محاولة للمساس بحقوق المرأة ومكتسباتها من قبل منظومة الحكم الحالية بشكل مباشر، وأن دستور أوت 2022 يكفل جميع هذه الحقوق وينص عليها.

وتحيل هذه المبادرة في أبعادها إلى أهمية ودوافع إعادة التنظم بالنسبة لمثل هذه الهياكل الخاصة بالمرأة وتعزيز آليات التشبيك وتوسيعها فيما بينها من ناحية أو عبر الانفتاح على المنظمات وغيرها من الهياكل التي تعنى بالحقوق والدفاع عن الحريات، لاسيما في هذه المرحلة الانتقالية بالأساس وما يكتنفها من غموض، رغم ما تضمنه دستور الجمهورية الجديدة من خطوط عريضة واضحة لسياسة الدولة، إضافة إلى ذلك تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد عن رؤيته للجمهورية الجديدة والممارسة السياسية في أكثر من مناسبة، فضلا عن حديث المقربين من سعيد والفاعلين في "حملته التفسيرية" عن برنامجه ومشروعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يعزز الخوف لدى فئة أخرى من المجتمع ليس السياسي فحسب بل وأيضا الناشطين في المجتمع المدني بما في ذلك الهياكل والجمعيات والمنظمات التي تعنى بالمرأة وقضاياها المتعددة والمتشعبة.

وتأتي محاولة الجمعيات والمنظمات النسوية والحقوقية المتواصلة بهدف البحث أو السعي لخلق توازنات جديدة على ضوء التغييرات التي ما انفكت تشهدها بلادنا سياسيا ودستوريا واقتصاديا واجتماعيا في مرحلة ما بعد مرحلة 25 جويلية 2021، خاصة أمام ما تم تسجيله من تراجع كبير لحضور المرأة في المشهدين العام والسياسي، إذ كانت المرأة الغائب البارز في هذا الجانب. ومن بين هذه الهياكل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية أصوات نساء وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية وغيرها من المنظمات النسوية والحقوقية.

 ولم يخف تعيين سعيد لامرأة على رأس حكومته منذ أكتوبر 2021، الخوف من تراجع مكاسب المرأة رغم أن حكومة بودن منحت أيضا 9 حقائب وزارية لنساء أي أن حضور المرأة بلغ نسبة38.46% في حكومتها، بشكل غير مسبوق مقارنة بالحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال إلى حدود تلك الفترة، جراء توفر جملة من العوامل والمعطيات عززت هذا الخوف ولعل أبرزها عدم وضع شرط التناصف في القانون الانتخابي الذي تم اعتماده في الانتخابات التشريعية الأخيرة، إضافة إلى الحضور الضئيل للمرأة في تركيبة مجلس النواب الحالي والتي قدرت بـ24 نائبة أي بنسبة 14.91%. وقد اعتبرت عديد الجهات بما في ذلك بعض الجمعيات والمنظمات الطرف في هذه الديناميكية النسوية المستقلة، هذه النسبة والتمشي المعتمد في هذه المرحلة بدءا بالقانون الانتخابي، مؤشرات خطيرة تحسب لسياسة التعاطي مع المرأة وتحدد مدى حضورها في الجمهورية الجديدة، الأمر الذي يستوجب مراجعة الجهات الرسمية لسياستها وانتهاج الوضوح في هذا الجانب لاسيما في ظل ما يتم تداوله حول مشروع سعيد المعادي للحريات والمرأة بشكل خاص.  

كما برز هذا الغياب جليا في المشهد السياسي خلال مرحلة الحكم الاستثنائية للدولة بقيادة قيس سعيد، ليحتكر السياسيون التحرك الميداني والحضور في المشهد العام بشكل لافت مقابل حضور محتشم للمرأة سواء في مستوى لتمثيلية الحزبية أو المدنية. ليقتصر الحضور في المنظمات والجمعيات والهياكل الخاصة الجندرية بالأساس، رغم تأكيد عديد القراءات والآراء على الدور الكبير الذي لعبته المرأة خلال العشرية الماضية في التصدي للمشروع الظلامي المعادي للمرأة والحريات على حد السواء، مقابل إصرارها على فرض وتعزيز بعض المكاسب من قبيل "التناصف" و"المساواة" في الميراث التي لا تزال محل تجاذب، فضلا عن دورها الريادي في تحقيق المعادلة في تونس الدولة المدنية سياسيا ودستوريا واجتماعيا وثقافيا.

لتعيد بذلك "جبهة المساواة وحقوق النساء" الجديدة، بما تضمه من جمعيات نسوية مستقلة وأيضا الجمعيات الناشطة في مجالات حقوق النساء وفي التنمية وتناضل من أجل حقوق النساء والحرّيات، المرأة إلى واجهة النضال حول الحرية والمساواة وعدم التمييز واحترام الكرامة الإنسانية.

فوجود امرأة على رأس عدد من الأحزاب السياسية أو اعتماد جل مكونات المشهد الحزبي والمنظمات الوطنية والهياكل القطاعية على المرأة كعنصر أساسي في تركيبتها، لم ينف حجم التراجع المسجل لحضورها خلال هذه الفترة، رغم ما تزخر به بلادنا من كفاءات نسائية في مختلف المجالات العلمية والصناعية والتكنولوجية والثقافية والفكرية وفي الإدارة والتسيير. لذلك فإن مسألة مراجعة وإعادة التنظم والهيكلة بالنسبة للمنظمات والجمعيات التي تعنى بالنساء في أهدافها ومجالاتها المتعددة والمختلفة، تعد اليوم ضرورية في ظل الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به بلادنا وما يمكن أن تفرزه مسارات الإصلاح والتأسيس المرتقبة للجمهورية الجديدة، خاصة أمام مواصلة سعيد خيار القطع مع مكونات المشهد الحزبي والسياسي والمدني وعدم تشريكها في صياغة "آليات" إصلاح وتأسيس الجمهورية الجديدة، بما يضمن بقاءها كقوة اقتراح وفعل مدنية وازنة في المجتمع والدولة.

نزيهة الغضباني