لا خلاف في أن موضوع التطبيع كان ولا يزال محل تجاذب كبير ومنطلقا لحملات انتخابية عند البعض ومحور مزايدة عند البعض الآخر مما حوله إلى وسيط بين السياسي والناخب، حيث كان تجريم التطبيع حافزا انتخابيا لعموم التونسيين سنة 2019 لانتخاب المترشح قيس سعيد بعد رفعه لشعار "التطبيع خيانة".
ووجد التونسيون في سعيد ضالتهم "القومية" لتجريم التعامل التونسي مع الكيان بيد أن الرئيس لم يتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه منذ 25جويلية وحتى قبلها رغم الإمكانيات القانونية له في إصدار المراسيم الرئاسية مما دفع بخصومه للتساؤل عن الأسباب الحقيقية لتخلفه عن اتخاذه لنهج المبادرة بمشروع أو مرسوم قانون يجرم التطبيع.
ويعود نفس الموضوع ليطفو على سطح الأحداث بعد خبر انعقاد مؤتمر علمي بمدينة باريس، أيام 16 و17 و18 أفريل الجاري، تنظّمه "جمعية تاريخ يهود تونس" تحت عنوان:"اليهود والقانون في تونس من الحماية إلى الاستقلال"، تؤثّثه مداخلات لجامعيين تونسيين إلى جانب جامعيين من فرنسا وإيطاليا وآخرين من دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وخلق التطبيع الأكاديمي رفضا قاطعا لدى الأوساط التعليمية والسياسية والنقابية حيث أعربت الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي أمس الثلاثاء رفضها إدراج أسماء باحثين وباحثات من تونس مقرونة باسم مؤسساتهم الجامعية التونسية إلى جانب أسماء باحثين ينتمون إلى جامعات من دولة الاحتلال وذلك اثر علمها بانعقاد مؤتمر علمي بالعاصمة الفرنسية باريس.
ودعت الجامعة "الجامعيات والجامعيين التونسيين إلى مزيد التحوّط والتثبت قبل المشاركة في مثل هذه الملتقيات الدولية حتى لا يقعوا في فخ التطبيع الأكاديمي".
من جهته عبر الحزب الجمهوري عن "إدانته لتواصل صمت سلطة الأمر الواقع عما يرتكبه العدو الصهيوني من جرائم في حق الشعب الفلسطيني ومقدساته، وهو الذي رفع عاليا شعار "التطبيع خيانة عظمى" في حملته الانتخابية وفي تصريحاته الإعلامية المستهلكة.
كما ندد الحزب بالمشاركة التونسية بأشغال الندوة الدولية التي تنظمها جمعية تونسية تخضع لقانون الجمعيات التونسية ويشارك فيها باحثون يحملون صفات جامعية تونسية، ويعتبرها تطبيعا صريحا تحت غطاء أكاديمي.
ولم تكن دعوات الرفض الأولى من نوعها حيث كان بدايتها يوم 20ماي 2022 اثر "حادثة" زيارة الحجاج اليهود إلى معبد الغريبة وما رافقها من صورة محرجة للحكومة التونسية بعد أن ظهرت رئيسة الحكومة نجلاء بودن ووزير الشؤون الدينية إبراهيم الشايبي إلى جانب رئيس منتدى أئمة فرنسا حسن الشلغومي والمعروف بمواقفه المساندة للكيان وجيشه المحتل بالإضافة إلى دوره الكبير في ما بات يعرف بالديانة الإبراهيمية."
وحتى تتفادى الإحراج سارعت الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة برفع صورة بودن من الموقع الرسمي مع الإبقاء على صور بروتوكولية للزيارة.
ولئن نجحت بودن في إبعاد الصورة من الموقع الرسمي للحكومة فإنها نجحت أيضا في توحيد سقف المطالبين بإصدار قانون مناهضة التطبيع وتجريمه إلا أن ذلك لم يحصل.
كما كانت رئيسة الحكومة بتاريخ 9نوفمبر 2022 محور نقد لاذع بعد انتشار مقطع فيديو لها تبادلت من خلاله بودن "ابتسامات وحديث مع رئيس الكيان إسحاق هرتسوج في مؤتمر المناخ بمصر".
وعلق الكاتب العام لنقابة السلك الدبلوماسي إبراهيم الرزقي حينها بالقول إن "رئيس إسرائيل ينادي بالسلام وإقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، وأن تونس ستذهب في مفاوضات سلام مع إسرائيل إذا طلبت السلطة الفلسطينية ذلك".
وعلى الرغم من الأسبقية السياسية على حساب المعارضة الوطنية بعد 25جويلية2021 لم ينجح "الحوار الوطني" داخل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة التي أذن سعيد بتكوينها في صياغة موقف صريح من التطبيع رغم تواجد قومين وجزء واسع من اليسار الوظيفي بلجان الهيئة.
ولم يكن تصريح رئيس اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية إبراهيم بودربالة حينها مخجلا له كعميد فحسب بل مثل أيضا خيبة أمل للأطراف القومية المشاركة في أشغال "الحوار الوطني".
وإذ اشترطت أحزاب الموالاة التنصيص عل مناهضة التطبيع في النسخة الجديدة لدستور 2021 وجد القوميون أنفسهم في تسلل بعد أن تغاضت مسودة الدستور عن موضوع التطبيع.
هكذا أمر أكده بودربالة حين كشف في لقاء إعلامي سابق "أنّه لم يتم التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع هذا الدستور الذي قدم إلى الرئيس قيس سعيّد".
وبرر بودربالة وقتها موقف رفض التنصيص بالقول: "التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع الدستور الجديد هو بصورة عكسية اعتراف بوجود الكيان الصهيوني وهذا الكيان هو أكبر مظلمة دولية لا بدّ أن تقوم بإصلاحها المؤسسات الدولية".
وإذ لا شك في صدقية التونسيين في علاقتهم بالقضية الفلسطينية ورفضهم للتطبيع فان الممارسة السياسية عكس ذلك تماما،فهل ينجح برلمان الرئيس في صياغة موقف ضد التطبيع مع الكيان الإسرائيلي؟
خليل الحناشي
تونس-الصباح
لا خلاف في أن موضوع التطبيع كان ولا يزال محل تجاذب كبير ومنطلقا لحملات انتخابية عند البعض ومحور مزايدة عند البعض الآخر مما حوله إلى وسيط بين السياسي والناخب، حيث كان تجريم التطبيع حافزا انتخابيا لعموم التونسيين سنة 2019 لانتخاب المترشح قيس سعيد بعد رفعه لشعار "التطبيع خيانة".
ووجد التونسيون في سعيد ضالتهم "القومية" لتجريم التعامل التونسي مع الكيان بيد أن الرئيس لم يتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه منذ 25جويلية وحتى قبلها رغم الإمكانيات القانونية له في إصدار المراسيم الرئاسية مما دفع بخصومه للتساؤل عن الأسباب الحقيقية لتخلفه عن اتخاذه لنهج المبادرة بمشروع أو مرسوم قانون يجرم التطبيع.
ويعود نفس الموضوع ليطفو على سطح الأحداث بعد خبر انعقاد مؤتمر علمي بمدينة باريس، أيام 16 و17 و18 أفريل الجاري، تنظّمه "جمعية تاريخ يهود تونس" تحت عنوان:"اليهود والقانون في تونس من الحماية إلى الاستقلال"، تؤثّثه مداخلات لجامعيين تونسيين إلى جانب جامعيين من فرنسا وإيطاليا وآخرين من دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وخلق التطبيع الأكاديمي رفضا قاطعا لدى الأوساط التعليمية والسياسية والنقابية حيث أعربت الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي أمس الثلاثاء رفضها إدراج أسماء باحثين وباحثات من تونس مقرونة باسم مؤسساتهم الجامعية التونسية إلى جانب أسماء باحثين ينتمون إلى جامعات من دولة الاحتلال وذلك اثر علمها بانعقاد مؤتمر علمي بالعاصمة الفرنسية باريس.
ودعت الجامعة "الجامعيات والجامعيين التونسيين إلى مزيد التحوّط والتثبت قبل المشاركة في مثل هذه الملتقيات الدولية حتى لا يقعوا في فخ التطبيع الأكاديمي".
من جهته عبر الحزب الجمهوري عن "إدانته لتواصل صمت سلطة الأمر الواقع عما يرتكبه العدو الصهيوني من جرائم في حق الشعب الفلسطيني ومقدساته، وهو الذي رفع عاليا شعار "التطبيع خيانة عظمى" في حملته الانتخابية وفي تصريحاته الإعلامية المستهلكة.
كما ندد الحزب بالمشاركة التونسية بأشغال الندوة الدولية التي تنظمها جمعية تونسية تخضع لقانون الجمعيات التونسية ويشارك فيها باحثون يحملون صفات جامعية تونسية، ويعتبرها تطبيعا صريحا تحت غطاء أكاديمي.
ولم تكن دعوات الرفض الأولى من نوعها حيث كان بدايتها يوم 20ماي 2022 اثر "حادثة" زيارة الحجاج اليهود إلى معبد الغريبة وما رافقها من صورة محرجة للحكومة التونسية بعد أن ظهرت رئيسة الحكومة نجلاء بودن ووزير الشؤون الدينية إبراهيم الشايبي إلى جانب رئيس منتدى أئمة فرنسا حسن الشلغومي والمعروف بمواقفه المساندة للكيان وجيشه المحتل بالإضافة إلى دوره الكبير في ما بات يعرف بالديانة الإبراهيمية."
وحتى تتفادى الإحراج سارعت الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة برفع صورة بودن من الموقع الرسمي مع الإبقاء على صور بروتوكولية للزيارة.
ولئن نجحت بودن في إبعاد الصورة من الموقع الرسمي للحكومة فإنها نجحت أيضا في توحيد سقف المطالبين بإصدار قانون مناهضة التطبيع وتجريمه إلا أن ذلك لم يحصل.
كما كانت رئيسة الحكومة بتاريخ 9نوفمبر 2022 محور نقد لاذع بعد انتشار مقطع فيديو لها تبادلت من خلاله بودن "ابتسامات وحديث مع رئيس الكيان إسحاق هرتسوج في مؤتمر المناخ بمصر".
وعلق الكاتب العام لنقابة السلك الدبلوماسي إبراهيم الرزقي حينها بالقول إن "رئيس إسرائيل ينادي بالسلام وإقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، وأن تونس ستذهب في مفاوضات سلام مع إسرائيل إذا طلبت السلطة الفلسطينية ذلك".
وعلى الرغم من الأسبقية السياسية على حساب المعارضة الوطنية بعد 25جويلية2021 لم ينجح "الحوار الوطني" داخل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة التي أذن سعيد بتكوينها في صياغة موقف صريح من التطبيع رغم تواجد قومين وجزء واسع من اليسار الوظيفي بلجان الهيئة.
ولم يكن تصريح رئيس اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية إبراهيم بودربالة حينها مخجلا له كعميد فحسب بل مثل أيضا خيبة أمل للأطراف القومية المشاركة في أشغال "الحوار الوطني".
وإذ اشترطت أحزاب الموالاة التنصيص عل مناهضة التطبيع في النسخة الجديدة لدستور 2021 وجد القوميون أنفسهم في تسلل بعد أن تغاضت مسودة الدستور عن موضوع التطبيع.
هكذا أمر أكده بودربالة حين كشف في لقاء إعلامي سابق "أنّه لم يتم التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع هذا الدستور الذي قدم إلى الرئيس قيس سعيّد".
وبرر بودربالة وقتها موقف رفض التنصيص بالقول: "التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع الدستور الجديد هو بصورة عكسية اعتراف بوجود الكيان الصهيوني وهذا الكيان هو أكبر مظلمة دولية لا بدّ أن تقوم بإصلاحها المؤسسات الدولية".
وإذ لا شك في صدقية التونسيين في علاقتهم بالقضية الفلسطينية ورفضهم للتطبيع فان الممارسة السياسية عكس ذلك تماما،فهل ينجح برلمان الرئيس في صياغة موقف ضد التطبيع مع الكيان الإسرائيلي؟