إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي لـ"الصباح": سنقترح على رئيس الجمهورية خارطة طريق لحلحلة الأزمة المغاربية

 

ـ تونس مدعوة إلى لعب دور الوساطة بين الجزائر والمغرب

 ـ المطلوب من وزارة الخارجية التركيز أكثر مما مضى على البعد المغاربي

تونس: الصباح

قال الدكتور حبيب حسن اللولب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ورئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي إن تونس في سياستها الخارجية مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى تركيز جهودها على دعم البعد المغاربي والعمل خاصة على لعب دور الوساطة بين الجزائر والمغرب من أجل حلحلة الخلافات القائمة بين البلدين.

 وأضاف في تصريح لـ "الصباح" أن الجمعية أعدت بالشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث الانسانية مدى بالمغرب مقترحا يتمثل في خارطة طريق لحلحة الأزمة المغاربية، وانبثقت هذه الفكرة عن التوصيات التي خلص إليها العديد من الجامعيين والباحثين والناشطين السياسيين من تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا في ندوة علمية تم تنظيمها مؤخرا عن بعد حول تجليات الأزمة المغاربية والمسالك الممكنة.

وبين أنه سيتم إرسال خارطة الطريق إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد وإلى رئاسة الحكومة ووزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج وكذلك إلى سفراء البلدان المغاربية في تونس وعبر عن أمله في أن تبذل تونس كل ما في وسعها لايقاف الصراع بين البلدين إذ أنه حسب تعبيره يتطور بكيفية تبعث على القلق.

وذكر أن خارطة الطريق شارك في صياغتها العديد من النخب والأساتذة الجامعيين من الجزائر والمغرب إلى جانب مفكرين وناشطين سياسيين ووزراء سابقين من مختلف البلدان المغاربية، وبين أنهم طالبوا من خلال هذه المبادرة بالتحرك الفوري والعاجل لجميع أطياف النخب المغاربية من أجل إنهاء التوتر والتصعيد بين المغرب والجزائر.

وأضاف رئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي أن المبادرة المذكورة تدعو إلى الحوار والمصالحة والمحافظة على موروث الوحدة بين البلدان المغاربية وشعوبها وهي تترجم عن مدى وعي النخب المغاربية بضرورة وقف التوتر والتصعيد بين المغرب والجزائر، وأهمية الحوار البناء من أجل تحقيق المصالحة الحكيمة لإعادة المنطقة المغاربية إلى وحدتها الأصيلة.

تحقيق المصالحة

وبالإطلاع على مضامين مبادرة خارطة الطريق تجدر الإشارة إلى أنها نصت على ضرورة وضع حد لجميع الخلافات وذلك من خلال القيام بالخطوات التالية، أولا من خلال تجميد الخلافات والوقف الفوري للحملات الإعلامية المغرضة، وثانيا:البحث بالحوار عن الحلول للمشاكل المغاربية العالقة، وثالثا : الدعوة إلى عقد قمة مصالحة مغاربية بين القادة في الدول المغاربية بتونس، ورابعا: دعوة الإخوة في ليبيا الشقيقة إلى تكريس خيار ومنطلقات السلم والتصالح والوحدة ضدا عن غيرها من الخيارات المناهضة لتطلعات الشعب الليبي، وخامسا: الدعوة إلى تسوية تاريخية تؤدي إلى قمة مصالحة بين الجزائر والمغرب وتغليب صوت العقل والحكمة وسد كل الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وسادسا: تفعيل ميثاق مؤسسة الاتحاد المغرب العربي والدعوة إلى تنشيط مؤسساته، وسابعا: تشكيل لجنة أو مجلس حكماء المغرب العربي الكبير واللجوء إليه للفصل في الخلافات وتسوية النزاعات المغاربية.

كما تضمن نص المبادرة التي سيقع توجيهها إلى رئيس الجمهورية ديباجة جاء فيها ما يلي:"منذ أن استرجعت دول المغرب العربي الكبير سيادتها واستقلالها، تفرغت لإعادة ترميم البنية التحتية وبناء المدارس والجامعات ونشر التعليم والمعرفة لإعداد الإنسان المغاربي، وبناء المؤسسات لغرض التنمية الاقتصادية وكلها طموح وآمال في التخلص من رواسب الاستعمار، وحلمها الأكبر تحقيق الوحدة المغاربية، التي ناضلت من أجلها الحركات الوطنية المغاربية، والاستئناس بما أسست له ندوة تونس في أكتوبر 1956، والتي اقترحت على الدول المغاربية تأسيس كنفدرالية أو إتحاد. لكن كل هذه الآمال والطموحات اصطدمت بواقع مرير أفرزه الإرث الاستعماري الذي ترك وراءه ألغاما نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، قابلة للانفجار في أي زمان ومكان متى توفرت الأسباب والظروف. ولئن كانت الحكمة وصوت العقل ديدن القيادات والزعامات المغاربية، مكنها من نزع فتيل التوتر والخلافات في الكثير من الفترات، فإن أثارها لازالت كامنة، وها هي تطل بشهابها من جديد في أفق بعض الدول المغاربية لتلوث المناخ السياسي والاجتماعي المغاربي، وإذا ما تفاقمت ستؤدي إلى أضرار جسيمة وتطيح بما تبقى من فرص وآمال تحقيق التنمية والتقدم والازدهار والرفاهية والسلام، وتحرم المنطقة من توطين دولة المواطنة المغاربية. وأمام هذه الأخطار المحدقة بأمن واستقرار بلداننا المغاربية وحيال صمت النخب المغاربية بكل أطيافها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والمؤسسات والجمعيات الإنسانية المغاربية، أصبحت هناك اليوم دعوة ملحة إلى معالجة المشاكل العالقة بين الدول المغاربية بالحوار والحكمة المطلوبة في أفق تحقيق المصالحة الشاملة، وتخليص شعوبنا من وزر مخلفات المرحلة الاستعمارية، وتحصين بلداننا أمام تدخلات القوى الأجنبية الرامية إلى إدامة التوتر في المنطقة، لتأسيس مناخ سياسي معكر لضمان نفوذها وهيمنتها ومزيد من النهب لثروات شعوبنا والتموقع في مفاصل ودواليب حكوماتنا، مما يؤدي إلى تبعية وإدامة حالة استتباع دولنا وشعوبنا لهذه القوى الأجنبية، المستثمرة في واقع الانقسام والخلاف والتصدع الذي طال أمده بين دولنا المغاربية، وتعمل على توتير العلاقات بينها من خلال استراتيجيات إطالة عمر الأزمات لمزيد من التحكم في مصير دولنا وشعوبنا. غير أن واقع الاختلافات بين دولنا، وواقع تنامي التدخلات الأجنبية في شؤوننا المغاربية ليس قدرا محتوما علينا، وما كان له أن يبلغ مداه، لو تم تغليب مصالح شعوبنا والحرص على استقرارها وضمان استقلاليتها ورخائها. ولاشك أن استقرار دولنا وشعوبنا مرهون بالوعي بلحظتها التاريخية في سياق يموج بالصراع والتنافس بين مختلف القوى الدولية، ومرهون كذلك بالقدرة على تملك الرغبة والإرادة في تجاوز مخلفات الماضي وطي صفحته، والتطلع إلى حاضر عاجل تزاح فيه كل الخلافات ومستقبل آمن ومزدهر يليق بطموحات وآمال شعوبنا، بالاستئناس بكل الكفاءات الوطنية المغاربية كل في مجال تخصصه لوضع الخطط والإستراتجيات من تقريب الرؤى وتوحيد السياسات لتجاوز كل الخلافات بهدف تحقيق الكرامة والديمقراطية والتنمية للشعوب المغاربية. ولذا أصبح هذا المسعى واجبا أخلاقيا ملقى على عاتق ضمائر النخب المغاربية من أجل العمل على تفعيل هذه المبادرة المغاربية الرامية إلى تعزيز التعاون وتكثيف الجهود في هذا الزمن الحرج لتغليب لغة الحوار وسلطة الحكمة بين كل أطياف المجتمعات المغاربية، وعدم الانسياق نحو تعميق الخلافات، التي تؤدي إلى خطر الصراع،الذي كما هو معلوم يؤدي إلى مآس للشعوب ودولنا المغاربية".

تغليب صوت الحكمة

وطالب الجامعيون والباحثون والناشطون في المجتمع المدني الموقعون على مقترح خارطة الطريق لحلحة الأزمة المغاربية قادة الدول المغاربية الخمس بتغليب صوت الحكمة والحوار والاحتكام لمصالح الشعوب المغاربية والتي عبرت في كل مناسبات على ما يوحدها من جذور حضارية متعددة وبنفس القوة، وعلى إصرارها وتعلقها بمآلها المشترك في الوحدة والشراكة والتعاون والاندماج وإنقاذ المنطقة المغاربية من الفتنة والمستقبل المجهول الذي لا يحمد عقباه.

وتمخضت فكرة إعداد خارطة الطريق على حد قول الدكتور حبيب حسن اللولب عن النقاشات التي دارت مؤخرا خلال ندوة علمية تحت عنوان "الإقليم المغاربي: تجليات الأزمة والمسالك الممكنة" والتي نظمتها جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي ومركز الدراسات والأبحاث الإنسانية، وشارك فيها العديد من الأساتذة الباحثين المختصين والخبراء والوزراء والسفراء السابقين من الجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا وتونس، وذكر أن الندوة خلصت إلى جملة من التوصيّات الرامية إلى احياء المغرب العربي الكبير..

 وتتمثل هذه التوصيات أولا في التركيز على الضرورة التاريخية والمجتمعية لتوحيد الفضاء المغاربي وفق إقرار حقوق المواطن المغاربي في التنقل، والإقامة، والعمل، والملكية، والمشاركة في الانتخابات، بين البلدان المغاربية الخمسة؛ خصوصا أن دول الاتحاد المغاربي هي الأضعف بين التكتلات الإقليمية والعالميّة المتعددة، والحال أن غياب الاندماج يكبد هذه الدول خسائر اقتصادية واجتماعية باهظة، وثانيا في ضرورة تنشيط الاندماج لخلق دينامية تنموية تفضي إلى رفع النمو وخلق فرص العمل للشباب والحد من الفقر والتفاوت في شتى أشكاله، والعمل على تكوين قطب اقتصادي إقليمي يتوفر على كل مقومات النهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتطور الحضاري. كما أوصى المشاركون في الندوة العلمية بإيلاء الأولوية المطلقة للتحاور غير المشروط حول القضايا الخلافيّة وفتح قنوات الحوار السياسي وتجاوز التوترات البينية، ودعوا إلى تفعيل دور الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات وهيئات مهنية وجمعيات في المجتمع المدني المغاربي من أجل التأثير الإيجابي والمساهمة في إيجاد مخارج وحلول لتجاوز الوضعية الحالية، إلى جانب تعزيز دور الشباب ودعم قدراته ومهاراته للقيام بأدوار متقدمة في إدارة الشأن العام وتشجيع العلاقات وربط الصلات بينه في المنطقة المغاربيّة.

ومن بين التوصيات الأخرى، تشجيع الأنشطة السياسية لجيل الشباب حتى يكون قوة اقتراح وتنفيذ من أجل تجسيد مبادئ إعلان مراكش، وتدعيم مساهمة القوى الحيّة في المجتمعات المغاربيّة من الفئات المثقفة والشبابية في بناء المجتمع المدني المغاربي وفي تجسير الفجوة بين السلطات السياسية في البلدان المغاربية. كما تمت دعوة الأحزاب المؤمنة بالاتحاد المغاربي وجدواه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى الدفع نحو استكمال البناء المؤسساتي للاتحاد وإدراج الاندماج ضمن أولويات نضالها، وهناك توصية أخرى بدعم التشبيك بين منظمات المجتمع المدني المغاربي ومنها خاصة منظمات الشباب والطلبة والمرأة ومنظمات حقوق الإنسان والفرق الرياضية والفنية والثقافية مع الحرص على إنشاء واقع شعبي وشبابي ومدني يتخطى كل المعيقات والخلافات ويوفر كل ظروف تأسيس الاندماج على أرض الواقع بتشبيك مختلف القطاعات والمكونات.

وعبر المشاركون في الندوة عن رفضهم الشديد خطاب الكراهية الذي تكرسه بعض المنابر الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، واقترحوا تجريمه، كما أكدوا على أهمية انخراط النخب المثقفة في التعريف بمقومات المنطقة المغاربية الطبيعيّة والديموغرافيّة والثقافيّة وحجم الهدر الذي يخلفه جمود الاتحاد المغاربيّ يوما بعد يوم.

وإضافة إلى ذلك ونظرا إلى أهمّيّة التعليم ودوره الرائد في بناء المجتمعات وتطوّرها، تمت التوصية بضرورة الحرص على فتح مجال التعاون والتقارب بين المناهج التعليميّة والممارسات التربويّة في البلدان المغاربيّة من أجل التفاهم حول رسم ملامح خريجي التعليم في هذه البلدان حتى يكونوا في المستقبل القريب مؤهلين أكثر للاندماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

سعيدة بوهلال

 

 

 

 

 

 

رئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي لـ"الصباح":  سنقترح على رئيس الجمهورية خارطة طريق لحلحلة الأزمة المغاربية

 

ـ تونس مدعوة إلى لعب دور الوساطة بين الجزائر والمغرب

 ـ المطلوب من وزارة الخارجية التركيز أكثر مما مضى على البعد المغاربي

تونس: الصباح

قال الدكتور حبيب حسن اللولب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ورئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي إن تونس في سياستها الخارجية مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى تركيز جهودها على دعم البعد المغاربي والعمل خاصة على لعب دور الوساطة بين الجزائر والمغرب من أجل حلحلة الخلافات القائمة بين البلدين.

 وأضاف في تصريح لـ "الصباح" أن الجمعية أعدت بالشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث الانسانية مدى بالمغرب مقترحا يتمثل في خارطة طريق لحلحة الأزمة المغاربية، وانبثقت هذه الفكرة عن التوصيات التي خلص إليها العديد من الجامعيين والباحثين والناشطين السياسيين من تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا في ندوة علمية تم تنظيمها مؤخرا عن بعد حول تجليات الأزمة المغاربية والمسالك الممكنة.

وبين أنه سيتم إرسال خارطة الطريق إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد وإلى رئاسة الحكومة ووزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج وكذلك إلى سفراء البلدان المغاربية في تونس وعبر عن أمله في أن تبذل تونس كل ما في وسعها لايقاف الصراع بين البلدين إذ أنه حسب تعبيره يتطور بكيفية تبعث على القلق.

وذكر أن خارطة الطريق شارك في صياغتها العديد من النخب والأساتذة الجامعيين من الجزائر والمغرب إلى جانب مفكرين وناشطين سياسيين ووزراء سابقين من مختلف البلدان المغاربية، وبين أنهم طالبوا من خلال هذه المبادرة بالتحرك الفوري والعاجل لجميع أطياف النخب المغاربية من أجل إنهاء التوتر والتصعيد بين المغرب والجزائر.

وأضاف رئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي أن المبادرة المذكورة تدعو إلى الحوار والمصالحة والمحافظة على موروث الوحدة بين البلدان المغاربية وشعوبها وهي تترجم عن مدى وعي النخب المغاربية بضرورة وقف التوتر والتصعيد بين المغرب والجزائر، وأهمية الحوار البناء من أجل تحقيق المصالحة الحكيمة لإعادة المنطقة المغاربية إلى وحدتها الأصيلة.

تحقيق المصالحة

وبالإطلاع على مضامين مبادرة خارطة الطريق تجدر الإشارة إلى أنها نصت على ضرورة وضع حد لجميع الخلافات وذلك من خلال القيام بالخطوات التالية، أولا من خلال تجميد الخلافات والوقف الفوري للحملات الإعلامية المغرضة، وثانيا:البحث بالحوار عن الحلول للمشاكل المغاربية العالقة، وثالثا : الدعوة إلى عقد قمة مصالحة مغاربية بين القادة في الدول المغاربية بتونس، ورابعا: دعوة الإخوة في ليبيا الشقيقة إلى تكريس خيار ومنطلقات السلم والتصالح والوحدة ضدا عن غيرها من الخيارات المناهضة لتطلعات الشعب الليبي، وخامسا: الدعوة إلى تسوية تاريخية تؤدي إلى قمة مصالحة بين الجزائر والمغرب وتغليب صوت العقل والحكمة وسد كل الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وسادسا: تفعيل ميثاق مؤسسة الاتحاد المغرب العربي والدعوة إلى تنشيط مؤسساته، وسابعا: تشكيل لجنة أو مجلس حكماء المغرب العربي الكبير واللجوء إليه للفصل في الخلافات وتسوية النزاعات المغاربية.

كما تضمن نص المبادرة التي سيقع توجيهها إلى رئيس الجمهورية ديباجة جاء فيها ما يلي:"منذ أن استرجعت دول المغرب العربي الكبير سيادتها واستقلالها، تفرغت لإعادة ترميم البنية التحتية وبناء المدارس والجامعات ونشر التعليم والمعرفة لإعداد الإنسان المغاربي، وبناء المؤسسات لغرض التنمية الاقتصادية وكلها طموح وآمال في التخلص من رواسب الاستعمار، وحلمها الأكبر تحقيق الوحدة المغاربية، التي ناضلت من أجلها الحركات الوطنية المغاربية، والاستئناس بما أسست له ندوة تونس في أكتوبر 1956، والتي اقترحت على الدول المغاربية تأسيس كنفدرالية أو إتحاد. لكن كل هذه الآمال والطموحات اصطدمت بواقع مرير أفرزه الإرث الاستعماري الذي ترك وراءه ألغاما نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، قابلة للانفجار في أي زمان ومكان متى توفرت الأسباب والظروف. ولئن كانت الحكمة وصوت العقل ديدن القيادات والزعامات المغاربية، مكنها من نزع فتيل التوتر والخلافات في الكثير من الفترات، فإن أثارها لازالت كامنة، وها هي تطل بشهابها من جديد في أفق بعض الدول المغاربية لتلوث المناخ السياسي والاجتماعي المغاربي، وإذا ما تفاقمت ستؤدي إلى أضرار جسيمة وتطيح بما تبقى من فرص وآمال تحقيق التنمية والتقدم والازدهار والرفاهية والسلام، وتحرم المنطقة من توطين دولة المواطنة المغاربية. وأمام هذه الأخطار المحدقة بأمن واستقرار بلداننا المغاربية وحيال صمت النخب المغاربية بكل أطيافها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والمؤسسات والجمعيات الإنسانية المغاربية، أصبحت هناك اليوم دعوة ملحة إلى معالجة المشاكل العالقة بين الدول المغاربية بالحوار والحكمة المطلوبة في أفق تحقيق المصالحة الشاملة، وتخليص شعوبنا من وزر مخلفات المرحلة الاستعمارية، وتحصين بلداننا أمام تدخلات القوى الأجنبية الرامية إلى إدامة التوتر في المنطقة، لتأسيس مناخ سياسي معكر لضمان نفوذها وهيمنتها ومزيد من النهب لثروات شعوبنا والتموقع في مفاصل ودواليب حكوماتنا، مما يؤدي إلى تبعية وإدامة حالة استتباع دولنا وشعوبنا لهذه القوى الأجنبية، المستثمرة في واقع الانقسام والخلاف والتصدع الذي طال أمده بين دولنا المغاربية، وتعمل على توتير العلاقات بينها من خلال استراتيجيات إطالة عمر الأزمات لمزيد من التحكم في مصير دولنا وشعوبنا. غير أن واقع الاختلافات بين دولنا، وواقع تنامي التدخلات الأجنبية في شؤوننا المغاربية ليس قدرا محتوما علينا، وما كان له أن يبلغ مداه، لو تم تغليب مصالح شعوبنا والحرص على استقرارها وضمان استقلاليتها ورخائها. ولاشك أن استقرار دولنا وشعوبنا مرهون بالوعي بلحظتها التاريخية في سياق يموج بالصراع والتنافس بين مختلف القوى الدولية، ومرهون كذلك بالقدرة على تملك الرغبة والإرادة في تجاوز مخلفات الماضي وطي صفحته، والتطلع إلى حاضر عاجل تزاح فيه كل الخلافات ومستقبل آمن ومزدهر يليق بطموحات وآمال شعوبنا، بالاستئناس بكل الكفاءات الوطنية المغاربية كل في مجال تخصصه لوضع الخطط والإستراتجيات من تقريب الرؤى وتوحيد السياسات لتجاوز كل الخلافات بهدف تحقيق الكرامة والديمقراطية والتنمية للشعوب المغاربية. ولذا أصبح هذا المسعى واجبا أخلاقيا ملقى على عاتق ضمائر النخب المغاربية من أجل العمل على تفعيل هذه المبادرة المغاربية الرامية إلى تعزيز التعاون وتكثيف الجهود في هذا الزمن الحرج لتغليب لغة الحوار وسلطة الحكمة بين كل أطياف المجتمعات المغاربية، وعدم الانسياق نحو تعميق الخلافات، التي تؤدي إلى خطر الصراع،الذي كما هو معلوم يؤدي إلى مآس للشعوب ودولنا المغاربية".

تغليب صوت الحكمة

وطالب الجامعيون والباحثون والناشطون في المجتمع المدني الموقعون على مقترح خارطة الطريق لحلحة الأزمة المغاربية قادة الدول المغاربية الخمس بتغليب صوت الحكمة والحوار والاحتكام لمصالح الشعوب المغاربية والتي عبرت في كل مناسبات على ما يوحدها من جذور حضارية متعددة وبنفس القوة، وعلى إصرارها وتعلقها بمآلها المشترك في الوحدة والشراكة والتعاون والاندماج وإنقاذ المنطقة المغاربية من الفتنة والمستقبل المجهول الذي لا يحمد عقباه.

وتمخضت فكرة إعداد خارطة الطريق على حد قول الدكتور حبيب حسن اللولب عن النقاشات التي دارت مؤخرا خلال ندوة علمية تحت عنوان "الإقليم المغاربي: تجليات الأزمة والمسالك الممكنة" والتي نظمتها جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي ومركز الدراسات والأبحاث الإنسانية، وشارك فيها العديد من الأساتذة الباحثين المختصين والخبراء والوزراء والسفراء السابقين من الجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا وتونس، وذكر أن الندوة خلصت إلى جملة من التوصيّات الرامية إلى احياء المغرب العربي الكبير..

 وتتمثل هذه التوصيات أولا في التركيز على الضرورة التاريخية والمجتمعية لتوحيد الفضاء المغاربي وفق إقرار حقوق المواطن المغاربي في التنقل، والإقامة، والعمل، والملكية، والمشاركة في الانتخابات، بين البلدان المغاربية الخمسة؛ خصوصا أن دول الاتحاد المغاربي هي الأضعف بين التكتلات الإقليمية والعالميّة المتعددة، والحال أن غياب الاندماج يكبد هذه الدول خسائر اقتصادية واجتماعية باهظة، وثانيا في ضرورة تنشيط الاندماج لخلق دينامية تنموية تفضي إلى رفع النمو وخلق فرص العمل للشباب والحد من الفقر والتفاوت في شتى أشكاله، والعمل على تكوين قطب اقتصادي إقليمي يتوفر على كل مقومات النهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتطور الحضاري. كما أوصى المشاركون في الندوة العلمية بإيلاء الأولوية المطلقة للتحاور غير المشروط حول القضايا الخلافيّة وفتح قنوات الحوار السياسي وتجاوز التوترات البينية، ودعوا إلى تفعيل دور الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات وهيئات مهنية وجمعيات في المجتمع المدني المغاربي من أجل التأثير الإيجابي والمساهمة في إيجاد مخارج وحلول لتجاوز الوضعية الحالية، إلى جانب تعزيز دور الشباب ودعم قدراته ومهاراته للقيام بأدوار متقدمة في إدارة الشأن العام وتشجيع العلاقات وربط الصلات بينه في المنطقة المغاربيّة.

ومن بين التوصيات الأخرى، تشجيع الأنشطة السياسية لجيل الشباب حتى يكون قوة اقتراح وتنفيذ من أجل تجسيد مبادئ إعلان مراكش، وتدعيم مساهمة القوى الحيّة في المجتمعات المغاربيّة من الفئات المثقفة والشبابية في بناء المجتمع المدني المغاربي وفي تجسير الفجوة بين السلطات السياسية في البلدان المغاربية. كما تمت دعوة الأحزاب المؤمنة بالاتحاد المغاربي وجدواه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى الدفع نحو استكمال البناء المؤسساتي للاتحاد وإدراج الاندماج ضمن أولويات نضالها، وهناك توصية أخرى بدعم التشبيك بين منظمات المجتمع المدني المغاربي ومنها خاصة منظمات الشباب والطلبة والمرأة ومنظمات حقوق الإنسان والفرق الرياضية والفنية والثقافية مع الحرص على إنشاء واقع شعبي وشبابي ومدني يتخطى كل المعيقات والخلافات ويوفر كل ظروف تأسيس الاندماج على أرض الواقع بتشبيك مختلف القطاعات والمكونات.

وعبر المشاركون في الندوة عن رفضهم الشديد خطاب الكراهية الذي تكرسه بعض المنابر الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، واقترحوا تجريمه، كما أكدوا على أهمية انخراط النخب المثقفة في التعريف بمقومات المنطقة المغاربية الطبيعيّة والديموغرافيّة والثقافيّة وحجم الهدر الذي يخلفه جمود الاتحاد المغاربيّ يوما بعد يوم.

وإضافة إلى ذلك ونظرا إلى أهمّيّة التعليم ودوره الرائد في بناء المجتمعات وتطوّرها، تمت التوصية بضرورة الحرص على فتح مجال التعاون والتقارب بين المناهج التعليميّة والممارسات التربويّة في البلدان المغاربيّة من أجل التفاهم حول رسم ملامح خريجي التعليم في هذه البلدان حتى يكونوا في المستقبل القريب مؤهلين أكثر للاندماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

سعيدة بوهلال