إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

صباح الجمعة .. بائع الملصوقة الذي أصبح كاتبا (1)

يكتبها: محمد معمري

 

لم يدر بخلد ذلك الصبي وهو يجلس وراء صندوقه وقد تزين بوعاء يحمل ورق الملصوقة وآخر به "الحمص المنفخ" وسلة للبيض ينتظر قدوم الزبائن لشراء بضاعته وصوته يعلو صائحا من حين إلى آخر "ملصوقة دياري"، لم يكن يدور بخلده أن هذه الصحيفة التي يتأمل أوراقها دون إدراك كبير لمحتواها انه سيصبح ذات يوما من الكتاب الذين تنشر صورهم فيها. نعم لقد كان طفلا محبّا للمطالعة والدرس، يذكر أنه في السنة الرابعة من التعليم الابتدائي ذهب إلى المكتبة العمومية في موطنه ينشد قراءة بعض القصص، فكان يأخذ القصة ويتصفحها قارئا لأسطرها التي لا تتجاوز الثلاثين سطرا ويعود ليتناول أخرى من رفوف الكتب وكأنه يلتهم أفضل ما تجود به الموائد السلطانية، حركته لفتت انتباه أمين المكتبة فناداه:هل تقرأ هذه الكتب حقيقة أم تكتفي بتصفحها؟، فأومأ برأسه بأن نعم هو يقرأ هذه الكتب، فعاد أمين المكتبة وسأله، هذه الأقصوصة التي بين يديك عما تتحدث؟، نظر إليها وكان عنوانها "محمد بن عبد الله" وأجاب:هذه تتحدث عن الرسول محمد وعن صفاته وأهمها انه لم يشرب الخمر يوما، ابتسم أمين المكتبة وقال له: سأمنحك اشتراكا مجانيا في المكتبة.. فكانت واحدة من المكافآت الكبرى التي نالها نتيجة حبّه للكتاب، هل لهذا السبب أصبح كاتبا؟

ربما، فقد كان حلمه صغيرا وهو يتجول في سوق بلدته في شهر رمضان يبيع الملصوقة والحمص والبيض ويحصّل بعض الأموال مفتخرا بما حصله مقارنة بزملاء السوق، كان حلمه أن يبيع أكبر قدر ممكن من الملصوقة والحمص والبيض، كان سعر "طزينة الملصوقة" حينها 180 مليما وكان هو يتذاكى في بعض الأحيان ويبيعها لمن يشعر أنه لا يعرف الأسعار الحقيقة بـ240 مليما وكان يغيض أقرانه بذلك، ورغم انه يرفع الأسعار لكنه محظوظ، يعرف إقبالا على بضاعته فسّره البعض بما بدا عليه من مظاهر النظافة في اليدين والهندام تريح الزبون الذي يُقبل على بضاعته رغم ارتفاع أسعارها مقارنة ببقية البائعين.

هل كان يتوقع أن يصبح كاتبا،لا أظن ذلك فقد كان الطموح السائد حينها ينطلق بشكل تصاعدي من معلم إلى أستاذ فمهندس فمحام، فطبيب، عندما يتذكر ذلك الآن يشتاق إلى بساطته التي افتقدها، فذلك الطفل بائع الملصوقة كان منتهى سعادته أن يبيع 25 "طزينة ملصوقة" وعشرة كؤوس من "الحمص المنفخ" وثلاثين بيضة فيعود إلى منزله مزهوا بما حصّل من أرباح لا تتجاوز في الحقيقة ثلاثة دنانير، لكنها دنانير ثمينة تجعله يشعر بأنه ينحت في الصخر من أجل أن يكون وهو تحد له بين أقرانه أن يكون متميزا في دراسته وتجارته،إنها جنات عدن.

يذكر اليوم أصدقاء الطفولة ومرحهم في حديقة مدينتهم في القيلولة وسرقتهم لشجرة توت مدير مكتب البريد فيتنهد بعد أن حقق الكثير ويقول ورغم ذلك كانت أياما سعيدة يملؤها الفرح والبراءة والبساطة، في الحقيقة لم يكن في حاجة إلى هذا العمل الموسمي في أشهر رمضان الصيفية لكنه كان يجد متعة في ذلك لا تضاهيها متعة فهو يجلس في السوق مراقبا سلوك البائعين والمشترين ويجد بعض المتعة في هذه الأجواء الرمضانية الصاخبة التي يتخللها يوميا عراكا بين المشترين بسبب ما يسمونه "حشيشة رمضان" التي سمع عنها الكثير ولم يرها يوما، وكانت صراعات السوق اليومية كثيرا ما تنتهي بجمل حفظها عن ظهر قلب "صلوا على النبي راهو شهر فضيل" فتعود الحركة في السوق إلى هدوئها العادي وينبعث صوته شاديا "ملصوقة دياري".  

صباح الجمعة .. بائع الملصوقة الذي أصبح كاتبا (1)

يكتبها: محمد معمري

 

لم يدر بخلد ذلك الصبي وهو يجلس وراء صندوقه وقد تزين بوعاء يحمل ورق الملصوقة وآخر به "الحمص المنفخ" وسلة للبيض ينتظر قدوم الزبائن لشراء بضاعته وصوته يعلو صائحا من حين إلى آخر "ملصوقة دياري"، لم يكن يدور بخلده أن هذه الصحيفة التي يتأمل أوراقها دون إدراك كبير لمحتواها انه سيصبح ذات يوما من الكتاب الذين تنشر صورهم فيها. نعم لقد كان طفلا محبّا للمطالعة والدرس، يذكر أنه في السنة الرابعة من التعليم الابتدائي ذهب إلى المكتبة العمومية في موطنه ينشد قراءة بعض القصص، فكان يأخذ القصة ويتصفحها قارئا لأسطرها التي لا تتجاوز الثلاثين سطرا ويعود ليتناول أخرى من رفوف الكتب وكأنه يلتهم أفضل ما تجود به الموائد السلطانية، حركته لفتت انتباه أمين المكتبة فناداه:هل تقرأ هذه الكتب حقيقة أم تكتفي بتصفحها؟، فأومأ برأسه بأن نعم هو يقرأ هذه الكتب، فعاد أمين المكتبة وسأله، هذه الأقصوصة التي بين يديك عما تتحدث؟، نظر إليها وكان عنوانها "محمد بن عبد الله" وأجاب:هذه تتحدث عن الرسول محمد وعن صفاته وأهمها انه لم يشرب الخمر يوما، ابتسم أمين المكتبة وقال له: سأمنحك اشتراكا مجانيا في المكتبة.. فكانت واحدة من المكافآت الكبرى التي نالها نتيجة حبّه للكتاب، هل لهذا السبب أصبح كاتبا؟

ربما، فقد كان حلمه صغيرا وهو يتجول في سوق بلدته في شهر رمضان يبيع الملصوقة والحمص والبيض ويحصّل بعض الأموال مفتخرا بما حصله مقارنة بزملاء السوق، كان حلمه أن يبيع أكبر قدر ممكن من الملصوقة والحمص والبيض، كان سعر "طزينة الملصوقة" حينها 180 مليما وكان هو يتذاكى في بعض الأحيان ويبيعها لمن يشعر أنه لا يعرف الأسعار الحقيقة بـ240 مليما وكان يغيض أقرانه بذلك، ورغم انه يرفع الأسعار لكنه محظوظ، يعرف إقبالا على بضاعته فسّره البعض بما بدا عليه من مظاهر النظافة في اليدين والهندام تريح الزبون الذي يُقبل على بضاعته رغم ارتفاع أسعارها مقارنة ببقية البائعين.

هل كان يتوقع أن يصبح كاتبا،لا أظن ذلك فقد كان الطموح السائد حينها ينطلق بشكل تصاعدي من معلم إلى أستاذ فمهندس فمحام، فطبيب، عندما يتذكر ذلك الآن يشتاق إلى بساطته التي افتقدها، فذلك الطفل بائع الملصوقة كان منتهى سعادته أن يبيع 25 "طزينة ملصوقة" وعشرة كؤوس من "الحمص المنفخ" وثلاثين بيضة فيعود إلى منزله مزهوا بما حصّل من أرباح لا تتجاوز في الحقيقة ثلاثة دنانير، لكنها دنانير ثمينة تجعله يشعر بأنه ينحت في الصخر من أجل أن يكون وهو تحد له بين أقرانه أن يكون متميزا في دراسته وتجارته،إنها جنات عدن.

يذكر اليوم أصدقاء الطفولة ومرحهم في حديقة مدينتهم في القيلولة وسرقتهم لشجرة توت مدير مكتب البريد فيتنهد بعد أن حقق الكثير ويقول ورغم ذلك كانت أياما سعيدة يملؤها الفرح والبراءة والبساطة، في الحقيقة لم يكن في حاجة إلى هذا العمل الموسمي في أشهر رمضان الصيفية لكنه كان يجد متعة في ذلك لا تضاهيها متعة فهو يجلس في السوق مراقبا سلوك البائعين والمشترين ويجد بعض المتعة في هذه الأجواء الرمضانية الصاخبة التي يتخللها يوميا عراكا بين المشترين بسبب ما يسمونه "حشيشة رمضان" التي سمع عنها الكثير ولم يرها يوما، وكانت صراعات السوق اليومية كثيرا ما تنتهي بجمل حفظها عن ظهر قلب "صلوا على النبي راهو شهر فضيل" فتعود الحركة في السوق إلى هدوئها العادي وينبعث صوته شاديا "ملصوقة دياري".