لم يختلف تقرير البنك العالمي الذي صدر أمس حول إصلاح منظومة دعم الطاقة في تونس عن برنامج الحكومة الإصلاحي في ما يتعلق بالمعطيات والحلول وحجم النفقات التي بلغت مستويات مخيفة وأنهكت ميزانية الدولة، لكن الأرقام والتحاليل بمفردها لن تعالج مشكلة المالية العمومية مهما اختلفت مصادرها خاصة أن لكل جهة رأيها في التمعين والتبصير باعتبار أن الاقتصاد مرآة مفتوحة، بل إن الإشكال الذي لم تمر عليه هذه الجهات يتعلق بمدى قدرة الحكومة التونسية اليوم على تفعيل ترسانة الإصلاحات التي أعلن عنها سابقا.
فاليوم بات الجميع واعيا بحجم استنزاف منظومة دعم الطاقة لميزانية الدولة حتى أخلت بكل توازنات البلاد المالية خلال السنوات العشر الأخيرة، بعد أن استحوذت نفقاتها على 5.3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام و15 بالمائة من مجموع النفقات العمومية، كما فاق العجز الطاقي الـ 50 بالمائة بما يفسر التبعية الطاقية المتنامية للدولة في ما يتعلق بوارداتها من الطاقة..
ولئن اعتبر التونسيون أن المساس بمنظومة الدعم، باعتباره المكسب الاجتماعي الأبرز منذ ثمانيات القرن، من "المحرمات " وسبب مباشر لزعزة السلم الاجتماعي، فضلا عن الدفاع المستميت للعديد من المنظمات المدنية والاجتماعية في البلاد عن هذه المنظومة، إلا أن ذلك لا يبرر تعمد الحكومات المتعاقبة ترك هذا الملف وتجنب معالجته وإصلاحه وهي التي تعرف جيدا عدم مسايرته للواقع من خلال الخطط الإصلاحية والدراسات التقييمية التي بقيت مرصفة في الرفوف لسنوات.
واليوم، وبالرغم من الخطوة الايجابية التي قامت بها حكومة نجلاء بودن في تناولها لهذا الملف خلافا لبقية الحكومات السابقة ونفخ الغبار عليه باتجاه إصلاحه عن طريق آليات وإجراءات جاءت بها في برنامجها الإصلاحي والتي تهدف الى رفع دعم الطاقة على مواطنيها نهائيا، إلا أن النسق المتباطئ في تفعيل بنود البرنامج على ارض الواقع عاد بالملف محل التجاذب بين الأوساط التونسية، والسبب على الأرجح فشل نفس الحكومة في إيجاد آليات بديلة لمشروع إصلاح الدعم لصالح الفئات الضعيفة والفقيرة ...
فمن غير المنطقي أن تقرر الدولة التخلي عن منظومة الدعم بصفة نهائية وفي ظرف تعرف فيه كل المؤشرات الاقتصادية ارتفاعا متواصلا مقابل تدني قدرة مواطنيها الشرائية، دون أن تجهز أرضية بديلة لحماية هذه الفئات، وحتى الآليات التي أوجدتها مصاحبة لبرنامجها الإصلاحي في هذا الجانب لن تكون مجدية، فكيف لها اليوم ان توزع تحويلات نقدية لمستحقي الدعم دون القيام فعليا بمسح اجتماعي دقيق لتحديد هذه الفئات التي تستحق دعم الطاقة من بين بقية فئات المجتمع؟
وفاء بن محمد
تونس-الصباح
لم يختلف تقرير البنك العالمي الذي صدر أمس حول إصلاح منظومة دعم الطاقة في تونس عن برنامج الحكومة الإصلاحي في ما يتعلق بالمعطيات والحلول وحجم النفقات التي بلغت مستويات مخيفة وأنهكت ميزانية الدولة، لكن الأرقام والتحاليل بمفردها لن تعالج مشكلة المالية العمومية مهما اختلفت مصادرها خاصة أن لكل جهة رأيها في التمعين والتبصير باعتبار أن الاقتصاد مرآة مفتوحة، بل إن الإشكال الذي لم تمر عليه هذه الجهات يتعلق بمدى قدرة الحكومة التونسية اليوم على تفعيل ترسانة الإصلاحات التي أعلن عنها سابقا.
فاليوم بات الجميع واعيا بحجم استنزاف منظومة دعم الطاقة لميزانية الدولة حتى أخلت بكل توازنات البلاد المالية خلال السنوات العشر الأخيرة، بعد أن استحوذت نفقاتها على 5.3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام و15 بالمائة من مجموع النفقات العمومية، كما فاق العجز الطاقي الـ 50 بالمائة بما يفسر التبعية الطاقية المتنامية للدولة في ما يتعلق بوارداتها من الطاقة..
ولئن اعتبر التونسيون أن المساس بمنظومة الدعم، باعتباره المكسب الاجتماعي الأبرز منذ ثمانيات القرن، من "المحرمات " وسبب مباشر لزعزة السلم الاجتماعي، فضلا عن الدفاع المستميت للعديد من المنظمات المدنية والاجتماعية في البلاد عن هذه المنظومة، إلا أن ذلك لا يبرر تعمد الحكومات المتعاقبة ترك هذا الملف وتجنب معالجته وإصلاحه وهي التي تعرف جيدا عدم مسايرته للواقع من خلال الخطط الإصلاحية والدراسات التقييمية التي بقيت مرصفة في الرفوف لسنوات.
واليوم، وبالرغم من الخطوة الايجابية التي قامت بها حكومة نجلاء بودن في تناولها لهذا الملف خلافا لبقية الحكومات السابقة ونفخ الغبار عليه باتجاه إصلاحه عن طريق آليات وإجراءات جاءت بها في برنامجها الإصلاحي والتي تهدف الى رفع دعم الطاقة على مواطنيها نهائيا، إلا أن النسق المتباطئ في تفعيل بنود البرنامج على ارض الواقع عاد بالملف محل التجاذب بين الأوساط التونسية، والسبب على الأرجح فشل نفس الحكومة في إيجاد آليات بديلة لمشروع إصلاح الدعم لصالح الفئات الضعيفة والفقيرة ...
فمن غير المنطقي أن تقرر الدولة التخلي عن منظومة الدعم بصفة نهائية وفي ظرف تعرف فيه كل المؤشرات الاقتصادية ارتفاعا متواصلا مقابل تدني قدرة مواطنيها الشرائية، دون أن تجهز أرضية بديلة لحماية هذه الفئات، وحتى الآليات التي أوجدتها مصاحبة لبرنامجها الإصلاحي في هذا الجانب لن تكون مجدية، فكيف لها اليوم ان توزع تحويلات نقدية لمستحقي الدعم دون القيام فعليا بمسح اجتماعي دقيق لتحديد هذه الفئات التي تستحق دعم الطاقة من بين بقية فئات المجتمع؟