إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

يحمل رهانات مكونات المشهد المدني والسياسي .. البرلمان أمام تحدي فتح قنوات التواصل وتحقيق "التوازن" المطلوب؟

 

تونس – الصباح

رغم تباين المواقف حول صلاحيات البرلمان الجديد التي نص عليها دستور 2022 مقارنة بالصلاحيات الواسعة للبرلمان المنحل، فإن عديد الجهات تراهن على دور مجلس نواب الشعب في نسخته الحالية في تحقيق جوانب من المعادلات المطلوبة في تونس في هذه المرحلة الجديدة، وذلك بأن يضطلع هذا البرلمان بدور كبير في فتح المجال وتمهيد الطريق لإعادة قنوات الاتصال بين المنظمات الوطنية ومختلف هياكل المجتمع المدني وغيرها من الهياكل القطاعية من ناحية والجهات الرسمية من ناحية ثانية.

يأتي ذلك بعد القطيعة المسجلة بين هذه الأطراف لاسيما في ظل قرار الجهات الرسمية مقاطعة بقية مكونات المجتمع المدني والمشهد السياسي ورفض كل مبادرات الحوار ومطالب المشاركة في صياغة الرؤى والبرامج والمشاريع الإصلاحية التي طالبت بها المنظمات والهياكل المدنية والقطاعية وغيرها من الجهات السياسية في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021 من قبل رئاسة الجمهورية باعتبارها الجهة الرسمية التي تمسك بزمام القرار والتدابير الاستثنائية وفقا لما نص عليه الأمر 117 الصادر في 22 سبتمبر 2021، كما هو الشأن تقريبا بالنسبة لحكومة نجلاء بودن منذ مباشرة مهامها في نوفمبر من نفس السنة.

 فمنذ مباشرة البرلمان لمهامه بداية من الأسبوع الجاري تحول الجدل إلى الخوض في مدى استقلالية المؤسسة التشريعية ودورها في تكريس دولة مدنية لا ينفرد فيها رئيس الجمهورية بالسلطات والقرار، خاصة أن القراءات تراوحت بين اعتبار سلطة أو وظيفة تشريعية في ظل ما ذهبت له القراءات المختلفة للدستور الجديد فيما يتعلق بطبيعة النظام في الجمهورية الجديدة والصلاحيات الواسعة التي منحها لرئيس الجمهورية والصلاحيات التي منحها للمؤسسة التشريعية في نسختها الحالية التي ستكون فيها بغرفتين وهما مجلس نواب الشعب الذي باشر مهامه ومجلس الأقاليم والجهات الذي تم الإعلان منذ أيام قليلة عن المسار التشريعي لتكوينه في غضون الأشهر القادمة. 

إذ بدأت الأنظار تتجه نحو "قٌبة بادرو" لتكون قبلة عديد الجهات المدنية والسياسية في محاولة للبحث عن مسالك  لـ"فك الحصار" على مكونات المشهد السياسي والمنظمات الوطنية والهياكل المدنية والخروج من حالة العزلة التي كبلتها منذ أكثر من سنة ونصف حيث كانت في وضعية أشبه بحالة "موت سريري" لم تسعفها كل المحاولات التي راهنت عليها للعودة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل دخول الدولة في مرحلة التدابير الاستثنائية. وما عزز تمسك هذه الجهات بهذا البرلمان أو المرحلة الجديدة في تاريخ تونس هو الخروج عمليا من مرحلة الاستثناء. وهو تقريبا الهاجس الذي تتقاطع حوله القوى السياسية والحزبية المعارضة للمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية أو تلك الداعمة له والمنخرطة عمليا في كامل محطات الروزنامة المحددة للمسار الاستثنائي.

فرغم إعلان أغلب المعارضين للمسار عن عدم الاعتراف بالبرلمان ورفضهم كل القرارات والمبادرات الصادرة عن "المسار" بتعلات مختلفة، إلا أن المراهنة على دور هذا البرلمان في تحقيق التوازن المنتظر والمطلوب سياسيا ومدنيا تعد من أبرز الأهداف أو ما ينتظره شق واسع من "المجلس" الجديد، وهو مطلب اختار البعض التصريح به في العلن فيما خير البعض الآخر عدم "إشهاره"، والأمر لا يعني المعارضة فحسب بل أيضا من قبل "أنصار" هذه المرحلة وداعميها، خاصة أن عددا كبيرا منهم يعتبر انتخاب إبراهيم بودربالة رئيسا للبرلمان دعامة كبيرة لتحقيق هذا التوازن المطلوب، وديدن الجميع في ذلك توفر عدة اعتبارات ترشح المؤسسة التشريعية لنجاحها في فتح قنوات التواصل بين الجهات الرسمية والمنظمات الوطنية ومكونات المشهد الحزبي والمدني في المرحلة القادمة، لعل من أبرزها الخلفية الحقوقية والثقافية والمهنية للعميد السابق للمحامين والرئيس الحالي للبرلمان من ناحية وتأكيد قيس سعيد في عديد المناسبات تمسكه بالدولة المدنية وكل ما يجسدها على أرض الواقع من حقوق وحريات وهياكل مدنية وحزبية. معتبرا أن عدم منع التحركات والوقفات الاحتجاجية واللقاءات والندوات التي تنظمها هذه الأحزاب خاصة منها المعارضة لسياسته تأكيد على عدم رفضه للحياة الحزبية، رغم تمسكه بعدم تشريكها في المسار أو القرارات التي اتخذها منذ مسكه بزمام السلطات منذ ما يقارب 20 شهرا. فضلا عن الخلفية السياسية للعشرات من نواب هذا البرلمان ممن سبق أن انتموا لأحزاب سياسية مختلفة قبل ثورة 2011 أو بعدها وتداعيات تلك "الترسبات" والخلفيات السياسية والنقابية والمدنية على أدائهم وأدوارهم في المرحلة القادمة ليس في المستوى التشريعي فحسب بل بتأثير ذلك أيضا على الحياة السياسية بشكل عام.

إذ من شأن ربط قنوات الاتصال والحوار بين الجهات الرسمية وبقية الفاعلين في المنظمات الوطنية والأحزاب السياسية وغيرها من الهياكل المدنية، أن يمكن سلطة الإشراف من مراجعة المسألة الاتصالية والضعف الكبير في هذا المستوى، خاصة أمام نزعة الجهات الرسمية للدخول في تنفيذ البرامج الإصلاحية والمشاريع التي تهدف لتكريس الجمهورية الجديدة والدولة الاجتماعية وذلك بوضع برامج كفيلة بمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالأساس وما تتطلبه العملية من القيام بمراجعات شاملة للتشريعات والمنظومات القانونية المطلوبة في الغرض.

نزيهة الغضباني

 يحمل رهانات مكونات المشهد المدني والسياسي  .. البرلمان أمام تحدي فتح قنوات التواصل وتحقيق "التوازن" المطلوب؟

 

تونس – الصباح

رغم تباين المواقف حول صلاحيات البرلمان الجديد التي نص عليها دستور 2022 مقارنة بالصلاحيات الواسعة للبرلمان المنحل، فإن عديد الجهات تراهن على دور مجلس نواب الشعب في نسخته الحالية في تحقيق جوانب من المعادلات المطلوبة في تونس في هذه المرحلة الجديدة، وذلك بأن يضطلع هذا البرلمان بدور كبير في فتح المجال وتمهيد الطريق لإعادة قنوات الاتصال بين المنظمات الوطنية ومختلف هياكل المجتمع المدني وغيرها من الهياكل القطاعية من ناحية والجهات الرسمية من ناحية ثانية.

يأتي ذلك بعد القطيعة المسجلة بين هذه الأطراف لاسيما في ظل قرار الجهات الرسمية مقاطعة بقية مكونات المجتمع المدني والمشهد السياسي ورفض كل مبادرات الحوار ومطالب المشاركة في صياغة الرؤى والبرامج والمشاريع الإصلاحية التي طالبت بها المنظمات والهياكل المدنية والقطاعية وغيرها من الجهات السياسية في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021 من قبل رئاسة الجمهورية باعتبارها الجهة الرسمية التي تمسك بزمام القرار والتدابير الاستثنائية وفقا لما نص عليه الأمر 117 الصادر في 22 سبتمبر 2021، كما هو الشأن تقريبا بالنسبة لحكومة نجلاء بودن منذ مباشرة مهامها في نوفمبر من نفس السنة.

 فمنذ مباشرة البرلمان لمهامه بداية من الأسبوع الجاري تحول الجدل إلى الخوض في مدى استقلالية المؤسسة التشريعية ودورها في تكريس دولة مدنية لا ينفرد فيها رئيس الجمهورية بالسلطات والقرار، خاصة أن القراءات تراوحت بين اعتبار سلطة أو وظيفة تشريعية في ظل ما ذهبت له القراءات المختلفة للدستور الجديد فيما يتعلق بطبيعة النظام في الجمهورية الجديدة والصلاحيات الواسعة التي منحها لرئيس الجمهورية والصلاحيات التي منحها للمؤسسة التشريعية في نسختها الحالية التي ستكون فيها بغرفتين وهما مجلس نواب الشعب الذي باشر مهامه ومجلس الأقاليم والجهات الذي تم الإعلان منذ أيام قليلة عن المسار التشريعي لتكوينه في غضون الأشهر القادمة. 

إذ بدأت الأنظار تتجه نحو "قٌبة بادرو" لتكون قبلة عديد الجهات المدنية والسياسية في محاولة للبحث عن مسالك  لـ"فك الحصار" على مكونات المشهد السياسي والمنظمات الوطنية والهياكل المدنية والخروج من حالة العزلة التي كبلتها منذ أكثر من سنة ونصف حيث كانت في وضعية أشبه بحالة "موت سريري" لم تسعفها كل المحاولات التي راهنت عليها للعودة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل دخول الدولة في مرحلة التدابير الاستثنائية. وما عزز تمسك هذه الجهات بهذا البرلمان أو المرحلة الجديدة في تاريخ تونس هو الخروج عمليا من مرحلة الاستثناء. وهو تقريبا الهاجس الذي تتقاطع حوله القوى السياسية والحزبية المعارضة للمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية أو تلك الداعمة له والمنخرطة عمليا في كامل محطات الروزنامة المحددة للمسار الاستثنائي.

فرغم إعلان أغلب المعارضين للمسار عن عدم الاعتراف بالبرلمان ورفضهم كل القرارات والمبادرات الصادرة عن "المسار" بتعلات مختلفة، إلا أن المراهنة على دور هذا البرلمان في تحقيق التوازن المنتظر والمطلوب سياسيا ومدنيا تعد من أبرز الأهداف أو ما ينتظره شق واسع من "المجلس" الجديد، وهو مطلب اختار البعض التصريح به في العلن فيما خير البعض الآخر عدم "إشهاره"، والأمر لا يعني المعارضة فحسب بل أيضا من قبل "أنصار" هذه المرحلة وداعميها، خاصة أن عددا كبيرا منهم يعتبر انتخاب إبراهيم بودربالة رئيسا للبرلمان دعامة كبيرة لتحقيق هذا التوازن المطلوب، وديدن الجميع في ذلك توفر عدة اعتبارات ترشح المؤسسة التشريعية لنجاحها في فتح قنوات التواصل بين الجهات الرسمية والمنظمات الوطنية ومكونات المشهد الحزبي والمدني في المرحلة القادمة، لعل من أبرزها الخلفية الحقوقية والثقافية والمهنية للعميد السابق للمحامين والرئيس الحالي للبرلمان من ناحية وتأكيد قيس سعيد في عديد المناسبات تمسكه بالدولة المدنية وكل ما يجسدها على أرض الواقع من حقوق وحريات وهياكل مدنية وحزبية. معتبرا أن عدم منع التحركات والوقفات الاحتجاجية واللقاءات والندوات التي تنظمها هذه الأحزاب خاصة منها المعارضة لسياسته تأكيد على عدم رفضه للحياة الحزبية، رغم تمسكه بعدم تشريكها في المسار أو القرارات التي اتخذها منذ مسكه بزمام السلطات منذ ما يقارب 20 شهرا. فضلا عن الخلفية السياسية للعشرات من نواب هذا البرلمان ممن سبق أن انتموا لأحزاب سياسية مختلفة قبل ثورة 2011 أو بعدها وتداعيات تلك "الترسبات" والخلفيات السياسية والنقابية والمدنية على أدائهم وأدوارهم في المرحلة القادمة ليس في المستوى التشريعي فحسب بل بتأثير ذلك أيضا على الحياة السياسية بشكل عام.

إذ من شأن ربط قنوات الاتصال والحوار بين الجهات الرسمية وبقية الفاعلين في المنظمات الوطنية والأحزاب السياسية وغيرها من الهياكل المدنية، أن يمكن سلطة الإشراف من مراجعة المسألة الاتصالية والضعف الكبير في هذا المستوى، خاصة أمام نزعة الجهات الرسمية للدخول في تنفيذ البرامج الإصلاحية والمشاريع التي تهدف لتكريس الجمهورية الجديدة والدولة الاجتماعية وذلك بوضع برامج كفيلة بمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالأساس وما تتطلبه العملية من القيام بمراجعات شاملة للتشريعات والمنظومات القانونية المطلوبة في الغرض.

نزيهة الغضباني