فهي الطريقة الأكثر عقلانية التي نعرفها لممارسة السيطرة الحتمية على البشر.
دولة بيروقراطية مثقلة بالقوانين ترى أن كسب الثروة جريمة أهم من إنتاجها .
بعض ما نعيشه من أحداث يومية ومستجدات تتّجه بنا إلى نوع من الإحالة على الواقع التونسي الراهن الموصوف، بما يغلّب النزعة السوداوية الكافكاوية على ما عداها .
البيروقراطية والجمود الإداري في المؤسسات من أهم ما ينخر إداراتنا ويعطّل محركات النمو وإنتاج الثروة، بل يدمّر حتى ما هو قائم وموجود بعد .
استشهد بحادثتين رواهما لي هذه الأيام شخصان محترمان، من أصحاب المبادرات، من أولئك الذين لا يزالون يعتقدون انّه لا يزال هنالك مجال للعمل والمبادرة والاستثمار في تونس.
الرجل الأول أجنبي، انطلق في الاستثمار في مجالات التعليم والتكوين، اضطرّته إجراءات ترتيب وضعه القانوني أن يتّجه في نهاية شهر سبتمبر من السنة الماضية 2022، إلى إدارة السجل الوطني للمؤسسات، قدم ملفه، بقي يرتقب الحصول على ورقة التسجيل محيّنة، لمّا تأخر الرد تحوّل شخصيا إلى الإدارة، قال انه تنقل إلى المقرّ الموجود بمنطقة المركز العمراني الشمالي5 مرات ثمّ إلى الإدارة المركزية 4 مرات، لكن لا حياة لمن تنادي، حتى يئس صاحب المبادرة هذا الشخص الأجنبي فهدّد باللّجوء للقضاء، لتتغيّر المعاملة وتستجيب الإدارة لمعالجة ملفّه ويتسلّم شهادته في بداية شهر مارس الحالي، بمعنى بقيت مصالحه معطلة لأكثر من خمسة أشهر من أجل مجرّد ورقة يتسلّمها أي مستثمر في بلد آخر في نفس لحظة تقديم الطلب وهو لا يزال واقفا أمام شباك الخدمة ..
الرجل الثاني، عصامي، آمن بجهته وقدرة أبنائها على البذل والعمل، اجتهد وثابر في صمت ليبعث مشاريع متطورة في مسقط الرأس تحديدا بالقيروان باستثمارات لم يقدم عليها أي ابن من أبناء جهته من قبل، بمائات المليارات وطاقة تشغيلية مباشرة وغير مباشرة بآلاف العمال، أقام إدارة عصرية لما تدخلها تعتقد نفسك في نيويورك أو لندن..، لكن الأهم تمكن بفضل خبرته وذكائه من اختراعات علمية تكنولوجية أذهلت كل من اطلع عليها خاصة الأجانب.
صاحب المبادرة ما فتئ يتوسع في أعماله، انطلق في مشروع ضخم جديد سيوفر ثروة ليس لمنطقته فقط بل للبلاد خاصة من العملة الصعبة
صاحبنا هذا الوطني الصادق لم يستدن أو يطلب قروضا أو منحا أو امتيازات من الدولة، أو أن يراهن على الربح السهل بالتهريب و"الكونترا"، بل انطلق بإمكانياته الخاصة، جهز بنفسه مشروعه من بنايات وتجهيزات وآلات وعشرات الشاحنات الضخمة والجرارات والعربات بأعداد لا نراها في أي بلدية من بلديات الجمهورية، انفق قرابة المائة مليار من مليماتنا لأجل هذا المشروع الجديد، لم يتبق له للانطلاق في العمل وتشغيل مئات الشباب العاطل بجهة القيروان إلا مجرّد ورقة تعطيها له "الهيئة الوطنية للاستثمار"، ورقة بقي يترقبها رغم انّه مرّت أكثر من سنة على تقديم ملفّه .
الأمثلة بالعشرات من المشاريع المعطلة ..
حتى المشاريع الممنوحة لتونس في شكل هبات من قبل دول شقيقة على غرار مستشفى الملك سلمان بن عبد العزيز بالقيروان وتمويلاته بحدود 85 مليون دولار مدفوعة مسبقا وموجودة لم تشيد فيه لحدّ اليوم لبنة واحدة، بقي ملفّه يراوح مكانه منذ سنة 2017، اكتفي بالقول إن الأمر يعود لأسباب بيروقراطية رافضة لكل خير لهذه البلاد .
البيروقراطية هي أساسا فنّ التخريب وهدر الإمكانيات ومنع الخير والثروة عن الشعوب، تبرز عندما لا يكون هناك إحساس بالمسؤولية وبالكفاءة وبالفاعلية، عندما يتفنّن البعض في استخدام استراتيجيات غير تقليدية لتأخير الإجراءات غير المبررة وتعطيل مصالح الناس .
البيروقراطية هي أم الفساد ومصدر كلّ البلاء لأي انجاز استثماري أو اقتصادي .
البيروقراطية هي المرض التنكسي للإدارات، وهي تحدث دمارا أكثر ممّا تحدثه الفيروسات في جسم الإنسان.
يرويها: أبو بكر الصغير
البيروقراطية في الجمهورية استبداد في الدولة .
فهي الطريقة الأكثر عقلانية التي نعرفها لممارسة السيطرة الحتمية على البشر.
دولة بيروقراطية مثقلة بالقوانين ترى أن كسب الثروة جريمة أهم من إنتاجها .
بعض ما نعيشه من أحداث يومية ومستجدات تتّجه بنا إلى نوع من الإحالة على الواقع التونسي الراهن الموصوف، بما يغلّب النزعة السوداوية الكافكاوية على ما عداها .
البيروقراطية والجمود الإداري في المؤسسات من أهم ما ينخر إداراتنا ويعطّل محركات النمو وإنتاج الثروة، بل يدمّر حتى ما هو قائم وموجود بعد .
استشهد بحادثتين رواهما لي هذه الأيام شخصان محترمان، من أصحاب المبادرات، من أولئك الذين لا يزالون يعتقدون انّه لا يزال هنالك مجال للعمل والمبادرة والاستثمار في تونس.
الرجل الأول أجنبي، انطلق في الاستثمار في مجالات التعليم والتكوين، اضطرّته إجراءات ترتيب وضعه القانوني أن يتّجه في نهاية شهر سبتمبر من السنة الماضية 2022، إلى إدارة السجل الوطني للمؤسسات، قدم ملفه، بقي يرتقب الحصول على ورقة التسجيل محيّنة، لمّا تأخر الرد تحوّل شخصيا إلى الإدارة، قال انه تنقل إلى المقرّ الموجود بمنطقة المركز العمراني الشمالي5 مرات ثمّ إلى الإدارة المركزية 4 مرات، لكن لا حياة لمن تنادي، حتى يئس صاحب المبادرة هذا الشخص الأجنبي فهدّد باللّجوء للقضاء، لتتغيّر المعاملة وتستجيب الإدارة لمعالجة ملفّه ويتسلّم شهادته في بداية شهر مارس الحالي، بمعنى بقيت مصالحه معطلة لأكثر من خمسة أشهر من أجل مجرّد ورقة يتسلّمها أي مستثمر في بلد آخر في نفس لحظة تقديم الطلب وهو لا يزال واقفا أمام شباك الخدمة ..
الرجل الثاني، عصامي، آمن بجهته وقدرة أبنائها على البذل والعمل، اجتهد وثابر في صمت ليبعث مشاريع متطورة في مسقط الرأس تحديدا بالقيروان باستثمارات لم يقدم عليها أي ابن من أبناء جهته من قبل، بمائات المليارات وطاقة تشغيلية مباشرة وغير مباشرة بآلاف العمال، أقام إدارة عصرية لما تدخلها تعتقد نفسك في نيويورك أو لندن..، لكن الأهم تمكن بفضل خبرته وذكائه من اختراعات علمية تكنولوجية أذهلت كل من اطلع عليها خاصة الأجانب.
صاحب المبادرة ما فتئ يتوسع في أعماله، انطلق في مشروع ضخم جديد سيوفر ثروة ليس لمنطقته فقط بل للبلاد خاصة من العملة الصعبة
صاحبنا هذا الوطني الصادق لم يستدن أو يطلب قروضا أو منحا أو امتيازات من الدولة، أو أن يراهن على الربح السهل بالتهريب و"الكونترا"، بل انطلق بإمكانياته الخاصة، جهز بنفسه مشروعه من بنايات وتجهيزات وآلات وعشرات الشاحنات الضخمة والجرارات والعربات بأعداد لا نراها في أي بلدية من بلديات الجمهورية، انفق قرابة المائة مليار من مليماتنا لأجل هذا المشروع الجديد، لم يتبق له للانطلاق في العمل وتشغيل مئات الشباب العاطل بجهة القيروان إلا مجرّد ورقة تعطيها له "الهيئة الوطنية للاستثمار"، ورقة بقي يترقبها رغم انّه مرّت أكثر من سنة على تقديم ملفّه .
الأمثلة بالعشرات من المشاريع المعطلة ..
حتى المشاريع الممنوحة لتونس في شكل هبات من قبل دول شقيقة على غرار مستشفى الملك سلمان بن عبد العزيز بالقيروان وتمويلاته بحدود 85 مليون دولار مدفوعة مسبقا وموجودة لم تشيد فيه لحدّ اليوم لبنة واحدة، بقي ملفّه يراوح مكانه منذ سنة 2017، اكتفي بالقول إن الأمر يعود لأسباب بيروقراطية رافضة لكل خير لهذه البلاد .
البيروقراطية هي أساسا فنّ التخريب وهدر الإمكانيات ومنع الخير والثروة عن الشعوب، تبرز عندما لا يكون هناك إحساس بالمسؤولية وبالكفاءة وبالفاعلية، عندما يتفنّن البعض في استخدام استراتيجيات غير تقليدية لتأخير الإجراءات غير المبررة وتعطيل مصالح الناس .
البيروقراطية هي أم الفساد ومصدر كلّ البلاء لأي انجاز استثماري أو اقتصادي .
البيروقراطية هي المرض التنكسي للإدارات، وهي تحدث دمارا أكثر ممّا تحدثه الفيروسات في جسم الإنسان.