إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

المجتمع المدني.. هل"ضاعت" بوصلته في "زحام" المعارك الحزبية والأجندات

تونس – الصباح

تتالت المستجدات الوطنية والإقليمية والدولية في تونس في الفترة الأخيرة، قبل أيام قليلة من مباشرة المؤسسة التشريعية لمهامها بعد اكتمال مسارات انتخاب مجلس نواب الشعب، في المقابل برز المجتمع المدني الغائب البارز رغم العدد الهائل للجمعيات والمنظمات والهياكل القطاعية والمدنية الناشطة في بلادنا أو تلك التي تنضوي في مهامها وأنشطتها ضمن برامج وتوجهات منظمات وهياكل دولية. إذ من شان هذا الفراغ أن يفتح المجال لتأسيس ودخول هياكل ومنظمات جديدة على الخط تماشيا مع متطلبات المرحلة وأهداف الجمهورية الجديدة، بما يساهم في تحقيق المعادلة المطلوبة خاصة في ظل التمشي الرسمي لتعديل ومراجعة التشريعات تأسيسا للجمهورية الجديدة تماشيا مع روح دستور 2022. لأن دور المجتمع المدني ضروري لتقديم وحماية المقاربات الضامنة للحريات والحقوق الفردية والجماعية والتصدي لكل محاولة لتكريس الديكتاتورية أو التصدي أيضا لمحاولة ضرب مقومات الدولة الديمقراطية مقابل المساهمة في وضع آليات تشريعية تضمن التطور والتقدم والازدهار للمواطن والمؤسسات والدولة على حد السواء بما يساهم في إنجاح المسار وتكريس سياسة إصلاح شاملة وهادفة. وقد تم تداول في المدة الأخيرة أخبارا عن تأسيس جمعيات وهياكل نقابية ومنظمات جديدة استنكرها البعض على اعتبار أنها تشكل بديلا لما هو موجود وتصب في خانة المنظومة الحالية للدولة التي بنيت بمقاييس ورؤية ما بعد 25 جويلية.

ويرجع هذا الغياب أو انسحاب المجتمع المدني المسجل اليوم وتخليه عن موقعه المدافع عن الوحدة الوطنية والانتصار للقضايا الجامعة والعادلة التي تثبت دوره في تحقيق المعادلة المطلوبة لاسيما في ظل الصعوبات التي تمر بها بلادنا في هذه المرحلة نتيجة عوامل داخلية وإقليمية وعالمية، إلى عدة عوامل متداخلة ومتشابكة، لعل أبرزها ما تعلق بطابع "التسييس" الذي طبع توجه ومواقف جل هذه "الأجسام" المدنية باختلاف توجهاتها ومجالات تخصصها وقد تجلى ذلك بالأساس في انحياز بعضها إن لم يكن مجملها لشق سياسي دون آخر، لتحصر نفسها في زاوية معينة  الأمر الذي جعلها تفقد جانب من "المصداقية" لدى البعض مما حد من مجال تدخلاتها وحال دون إمكانية إيصال صوتها إلى الجميع على النحو المطلوب، من ناحية وسياسة الدولة منذ ما بعد 25 جويلية 2021  التي اختارت تحييد هذا "العنصر" في الدولة بناء على العامل السابق، شأنه شأن الأحزاب والحركات السياسية، رغم فاعليته ودون مبالاة بأهمية دوره من ناحية ثانية إضافة إلى دور عملية الاستقطاب الواسعة للناشطين في المجتمع المدني في العشرية التي سبقت تلك المرحلة من قبل الأحزاب السياسية ومنظومة المسيرة للدولة والحكومات المتعاقبة على الحكم في خلال نفس الفترة من ناحية أخرى.

لذلك لم يستطع المجتمع المدني اليوم أن يذهب بعيدا في تعاطيه مع القضايا والمسائل الشائكة التي عرفتها بلادنا مؤخرا في علاقة بأزمة تراكم الأوساخ والفضلات وانتشار الفساد الذي تفشى في مختلف القطاعات تقريبا والاحتكار والارتفاع المسجل في الأسعار والبطالة ووضعيات التشغيل الهش للشباب والمرأة بالأساس وانتشار الفقر وتزايد عدد الفقراء والمحتاجين.

واكتفت الهياكل والأجسام التي تشكل قوى مدنية هامة، بانتهاج سياسية انتقائية في التفاعل مع الأحداث والمستجدات والتركيز على ما هو سياسي أو ذو منحى سياسي فقط دون مبالاة بحجم المآسي التي يمر بها الشارع التونسي نتيجة تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. الأمر الذي ساهم في تكريس عزلتها أو اختفاء بعضها الآخر من المشهد العام.

لذلك اتجهت أنظار المنتصرين للحقوق والحريات والدولة المدنية الديمقراطية إلى المنظمات الوطنية والمؤسسات والهياكل القطاعية بحثا عن التوازن المطلوب وتوقا إلى المقاربات والمعادلات المطلوبة للمحافظة على السيادة الوطنية واستقرار الدولة وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها، على اعتبار أن هذه المنظمات الوطنية "وازنة" تظل بمنأى عن الاصطفاف في المعارك التي تهدف لتقسيم المجتمع التونسي أو الانخراط في الأجندات التي تدفع للمساس بالسيادة الوطنية تحت أي عنوان كان، لاسيما في زحمة "هيستيريا" شبكات التواصل الاجتماعي والمواقف التي تحركها القراءات الانطباعية العاطفية دون وعي بحجم المخاطر المحدقة بالجميع.

يأتي ذلك في الوقت الذي اختار فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد المضي قدما في تنفيذ حربه على الفساد التي أعلن عنها في مناسبات عديدة، ومواصلة نفس الخطاب المبني على التهديد والوعيد والتخوين دون تراجع أو إذعان لمطالب البعض بضرورة تعديل خطابه أو الرضوخ للضغوطات الأجنبية التي ما انفكت تطالعنا بين الفينة والأخرى وسط ترحيب من بعض الجهات الداخلية.

فغياب المجتمع المدني أو اختياره منهجا انتقائيا في تفاعله ونشاطه في تونس في هذه المرحلة الصعبة ليتوه بعضها الآخر في زحام المعارك الحزبية والسياسية من العوامل التي من شانها أن تحدد مصيرها، لاسيما في ظل نشأة دفعة جديدة من المنظمات والجمعيات الناشطة في المجال برؤى جديدة وأغلبها تحركها عناصر وكفاءات شبابية تحكمها نزعة ثورية تهدف في أبعادها لتحقيق أهداف ثورة 2011 التي ظلت عالقة وتعمل على استغلال حالة الفراغ التي تعيشها بلادنا في هذه المرحلة بالأساس على غرار ما هو مسجل في بعث وتأسيس أحزاب سياسية جديدة.

نزيهة الغضباني

المجتمع المدني.. هل"ضاعت" بوصلته في "زحام" المعارك الحزبية والأجندات

تونس – الصباح

تتالت المستجدات الوطنية والإقليمية والدولية في تونس في الفترة الأخيرة، قبل أيام قليلة من مباشرة المؤسسة التشريعية لمهامها بعد اكتمال مسارات انتخاب مجلس نواب الشعب، في المقابل برز المجتمع المدني الغائب البارز رغم العدد الهائل للجمعيات والمنظمات والهياكل القطاعية والمدنية الناشطة في بلادنا أو تلك التي تنضوي في مهامها وأنشطتها ضمن برامج وتوجهات منظمات وهياكل دولية. إذ من شان هذا الفراغ أن يفتح المجال لتأسيس ودخول هياكل ومنظمات جديدة على الخط تماشيا مع متطلبات المرحلة وأهداف الجمهورية الجديدة، بما يساهم في تحقيق المعادلة المطلوبة خاصة في ظل التمشي الرسمي لتعديل ومراجعة التشريعات تأسيسا للجمهورية الجديدة تماشيا مع روح دستور 2022. لأن دور المجتمع المدني ضروري لتقديم وحماية المقاربات الضامنة للحريات والحقوق الفردية والجماعية والتصدي لكل محاولة لتكريس الديكتاتورية أو التصدي أيضا لمحاولة ضرب مقومات الدولة الديمقراطية مقابل المساهمة في وضع آليات تشريعية تضمن التطور والتقدم والازدهار للمواطن والمؤسسات والدولة على حد السواء بما يساهم في إنجاح المسار وتكريس سياسة إصلاح شاملة وهادفة. وقد تم تداول في المدة الأخيرة أخبارا عن تأسيس جمعيات وهياكل نقابية ومنظمات جديدة استنكرها البعض على اعتبار أنها تشكل بديلا لما هو موجود وتصب في خانة المنظومة الحالية للدولة التي بنيت بمقاييس ورؤية ما بعد 25 جويلية.

ويرجع هذا الغياب أو انسحاب المجتمع المدني المسجل اليوم وتخليه عن موقعه المدافع عن الوحدة الوطنية والانتصار للقضايا الجامعة والعادلة التي تثبت دوره في تحقيق المعادلة المطلوبة لاسيما في ظل الصعوبات التي تمر بها بلادنا في هذه المرحلة نتيجة عوامل داخلية وإقليمية وعالمية، إلى عدة عوامل متداخلة ومتشابكة، لعل أبرزها ما تعلق بطابع "التسييس" الذي طبع توجه ومواقف جل هذه "الأجسام" المدنية باختلاف توجهاتها ومجالات تخصصها وقد تجلى ذلك بالأساس في انحياز بعضها إن لم يكن مجملها لشق سياسي دون آخر، لتحصر نفسها في زاوية معينة  الأمر الذي جعلها تفقد جانب من "المصداقية" لدى البعض مما حد من مجال تدخلاتها وحال دون إمكانية إيصال صوتها إلى الجميع على النحو المطلوب، من ناحية وسياسة الدولة منذ ما بعد 25 جويلية 2021  التي اختارت تحييد هذا "العنصر" في الدولة بناء على العامل السابق، شأنه شأن الأحزاب والحركات السياسية، رغم فاعليته ودون مبالاة بأهمية دوره من ناحية ثانية إضافة إلى دور عملية الاستقطاب الواسعة للناشطين في المجتمع المدني في العشرية التي سبقت تلك المرحلة من قبل الأحزاب السياسية ومنظومة المسيرة للدولة والحكومات المتعاقبة على الحكم في خلال نفس الفترة من ناحية أخرى.

لذلك لم يستطع المجتمع المدني اليوم أن يذهب بعيدا في تعاطيه مع القضايا والمسائل الشائكة التي عرفتها بلادنا مؤخرا في علاقة بأزمة تراكم الأوساخ والفضلات وانتشار الفساد الذي تفشى في مختلف القطاعات تقريبا والاحتكار والارتفاع المسجل في الأسعار والبطالة ووضعيات التشغيل الهش للشباب والمرأة بالأساس وانتشار الفقر وتزايد عدد الفقراء والمحتاجين.

واكتفت الهياكل والأجسام التي تشكل قوى مدنية هامة، بانتهاج سياسية انتقائية في التفاعل مع الأحداث والمستجدات والتركيز على ما هو سياسي أو ذو منحى سياسي فقط دون مبالاة بحجم المآسي التي يمر بها الشارع التونسي نتيجة تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. الأمر الذي ساهم في تكريس عزلتها أو اختفاء بعضها الآخر من المشهد العام.

لذلك اتجهت أنظار المنتصرين للحقوق والحريات والدولة المدنية الديمقراطية إلى المنظمات الوطنية والمؤسسات والهياكل القطاعية بحثا عن التوازن المطلوب وتوقا إلى المقاربات والمعادلات المطلوبة للمحافظة على السيادة الوطنية واستقرار الدولة وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها، على اعتبار أن هذه المنظمات الوطنية "وازنة" تظل بمنأى عن الاصطفاف في المعارك التي تهدف لتقسيم المجتمع التونسي أو الانخراط في الأجندات التي تدفع للمساس بالسيادة الوطنية تحت أي عنوان كان، لاسيما في زحمة "هيستيريا" شبكات التواصل الاجتماعي والمواقف التي تحركها القراءات الانطباعية العاطفية دون وعي بحجم المخاطر المحدقة بالجميع.

يأتي ذلك في الوقت الذي اختار فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد المضي قدما في تنفيذ حربه على الفساد التي أعلن عنها في مناسبات عديدة، ومواصلة نفس الخطاب المبني على التهديد والوعيد والتخوين دون تراجع أو إذعان لمطالب البعض بضرورة تعديل خطابه أو الرضوخ للضغوطات الأجنبية التي ما انفكت تطالعنا بين الفينة والأخرى وسط ترحيب من بعض الجهات الداخلية.

فغياب المجتمع المدني أو اختياره منهجا انتقائيا في تفاعله ونشاطه في تونس في هذه المرحلة الصعبة ليتوه بعضها الآخر في زحام المعارك الحزبية والسياسية من العوامل التي من شانها أن تحدد مصيرها، لاسيما في ظل نشأة دفعة جديدة من المنظمات والجمعيات الناشطة في المجال برؤى جديدة وأغلبها تحركها عناصر وكفاءات شبابية تحكمها نزعة ثورية تهدف في أبعادها لتحقيق أهداف ثورة 2011 التي ظلت عالقة وتعمل على استغلال حالة الفراغ التي تعيشها بلادنا في هذه المرحلة بالأساس على غرار ما هو مسجل في بعث وتأسيس أحزاب سياسية جديدة.

نزيهة الغضباني