تحركات الدبلوماسيين الأمريكيين الأخيرة في المنطقة كانت متواترة وسريعة ورفيعة المستوى في مختف مناطق القارة السمراء وفي الشرق الأوسط وان تم التركيز في غرب ووسط وشرق إفريقيا على محاصرة الامتداد الروسي (وفعليا نجحت واشنطن خلال الأشهر والأسابيع الماضيين في تجنب الفخ الذي وقعت فيه باريس خلال السنتين الماضيتين في دول منطقة الساحل)، ومقابل ذلك أعطيت الأولوية فعليا في شمال افريقيا والشرق الأوسط لتنزيل استراتيجية جديدة لمواجهة "بكين" ولم يكتف الامريكيون بالبروتوكولات والمشاورات الروتينية بل قاموا بتزويد الشركاء وعرض بدائل تجارية واستثمارية كافية ووصفت من قبل بعض المراقبين بالنوعية،ويظهر أن ساسة البيت الأبيض ساعين خلال الأسابيع والأشهر المقبلة لتفعيل كل مخرجات القمة الافريقية الأمريكية الثانية والتي عقدت في واشنطن بين 13 و15 ديسمبر الماضي -والتي غلب عليها يومها التحذير من التوغل الروسي والصيني في القارة السمراء- فما هي عمليا ملامح تلك الاستراتيجية الجديدة واية علاقة لها بما يجري من تطورات في الإقليم ومربعاته المختلفة وفي ظل تنامي تداعيات الحروب الروسية الأوكرانية؟
1- أولا، يواصل المسؤولون الأميركيون عقد لقاءاتهم المباشرة واجراء مشاوراتهم مع زعماء الشرق الأوسط مؤكدين لهم وبوضوح أن العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع شركات التكنولوجيا الصينية تخاطر بتقويض علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة، ولكن بعض ساسة الشرق الأوسط يتجاهَلون ذلك رغم وجود تهديدات وتحذيرات أمريكية ضمنية فيما تم بالتوازي ابراز بدائل أمريكية لبعض الشركاء وهي بدائل استثمارية وتجارية نوعية وكافية حسب رؤية الدبلوماسيين الأمريكيين الذي يتابعون ملف الحرب الباردة مع بكين ويرى بعض مراقبين ومتابعين أن التحدي الأساسي للولايات المتحدة هو أن دول الشرق الأوسط لا تُريد الاختيار بين الولايات المتحدة أو الصين، إذ أنها تعتقد أن التشعب ممكن أي الانخراط مع الصين في الأمور التجارية وفي نفس الوقت مع الولايات المتحدة بشأن تحديات الأمن القومي التقليدية ولعل أبرز أولئك هم ساسة الامارات حيث قال المستشار الدبلوماسي الإماراتي "أنور قرقاش" مؤخرًا إن "العلاقات الاقتصادية يمكن أن توجد بشكل منفصل عن الاهتمامات الأمنية والسياسية.. ولكن الرد الأمريكي على أولئك في الجلسات المغلقة وفي دراسات وتقارير البحوث المختصة هو أن "الأمن الاقتصادي هو الأمن القومي ولا يمكن أن يكون هناك تمييز بين الاقتصادي والأمني"، وقد سبق لوكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسة "كولين كال"قد حذر من المنامة في نوفمبر الماضي من أن الصين "تتبع علاقات تستند فقط إلى فترة مصالحها الضيقة في معاملاتها التجارية والجيوسياسية".. ومع ذلك لا تزال جهات فاعلة في الشرق الأوسط وشمال فريقيا ترى في"بكين" قوة حميدة تقدم تعاونًا مربحًا للجميع ومزايا اقتصادية بدون قيود،وفي نفس الوقت لا ترى نفس تلك الجهات الصين تهديدا أو على الأقل ليس بالطريقة نفسها التي تنظر بها "واشنطن".
2- ثانيا، لن تتوقف الولايات المتحدة عن الضغط على دول شمال افريقيا والشرق الأوسط بشأن علاقاتها مع الصين إذ قد يؤدي الاستسلام أيضًا إلى المخاطرة بالتلميح إلى أن مخاوف الولايات المتحدة قد تضاءلت ولكن مجرد الاستمرار في الضغط على الدول لن يكون كافياً لتغيير وجهات نظر هذه البلدان أو سلوكها أو علاقاتها مع الصين، والثابت أن البنية الثنائية التي تعتبر فيها الولايات المتحدة الشريك الأمني للدول العربية والصين هي الشريك الاقتصادي تتجاهل الأدوار الجوهرية التي يلعبها حلفاء الولايات المتحدة كشركاء تجاريين واستثماريين في جميع أنحاء الشرق الأوسط وعلى سبيل المثال، تعتبر الصين أكبر شريك تجاري للإمارات العربية المتحدة بينما الهند تأتي في المرتبة الثانية وبعدها اليابان في المرتبة الثالثة، تليها الولايات المتحدة، والأهم من ذلك أن الهند واليابان لديهما أيضًا مشاكل مع الصين، أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية فتعد الصين أكبر وجهة تصدير لها ولكن الولايات المتحدة والإمارات وألمانيا والهند تأتي في المراكز الخمسة الأولى، وقد يكون النهج الأكثر ذكاءً بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو إنهاء رواية المنافسة الاستراتيجية الثنائية والاستفادة بدلاً من ذلك من شبكات الحلفاء والشركاء لتطوير المزيد من التحالفات متعددة الأطراف، مثل الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة ومجموعة الولايات المتحدة (أي I2U2)وهذا من شأنه تلبية المتطلبات الاقتصادية والتنموية التي تجعل الصين شريكًا غير جذاب لدول الشرق الأوسط...
3- ثالثا، معلوم أن أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند جميعًا قد عانت من النهاية الحادة لفن الحكم الاقتصادي الصيني ومجموعة كبيرة من المشكلات المرتبطة باحتضان التكنولوجيا الصينية ويمكن أن تساعد "كانبيرا" في تقليص الرصاص الصيني في المعادن الهامة ويجب أن يكون هناك اتفاق رسمي مع سيول وتايبيه كبدائل عالمية غير أميركية لأشباه الموصلات، نظرًا لريادة Samsung وSK Hynixو sMC في هذا المجال، وتقود طوكيو بالفعل الجيل السادس ويمكن إدخالها في الاتفاقيات السعودية – الأميركية للتعاون المشترك حول هذا الموضوع، ويُمكن للهند أيضا أن تكون أكثر من بديل للإنتاج والاستهلاكبالنظر إلى سكانها المنافسين لسكان الصين، ويعتبر محللون أن الضربة القاضية للولايات المتحدة هي أنها تطالب بمطالب صارمة بعدم العمل مع الصين دون تقديم بدائل معقولة، ويشير أولئك إلى أن الأسواق البديلة القابلة للحياة هي المفتاح ويمكن لحلفاء الولايات المتحدة توفيرها، وتلك الهياكل الجديدة لا تعني أن الولايات المتحدة تتخلى عن جهودها في هذه القطاعات؛ لكن التعاون مع الحلفاء هو الطريقة الوحيدة لتزويد شركاء الشرق الأوسط بالبدائل التجارية والاستثمارية الكافية للصين في هذه القطاعات، مع حماية مخاوف الأمن القومي للولايات المتحدة.
4- رابعا، رغم الخلافات في التقييم بين لمراقبين والمتابعين فإن الثابت أن الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة جديدة في المواجهة مع المارد الصيني وخاصة في الشرق الأوسط وشمل افريقيا وان كانت فعليا قد حققت نجاحات في مواجهة موسكو في المنطقتين فإنها مع بكين لا تزال تقطع الخطوات الأولى عبر خطوات سريعة نعم ولكنها تبدو غير مقنعة لبعض الشركاء وخاصة في ظل تقييم من طرف بعض المراقبين من أن رسالة واشنطن لا تلقى صدى لدى حلفاء الشرق الأوسط في الوقت الحالي وحان الوقت لإقامة شراكة أفضل مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطق حسب راي أولئك بينما يتجه الدبلوماسيون الامريكيون للإقناع بسردية أن بدائل واشنطن المعروضة هي نوعية وكافية وخاصة انها تتمثل في بدائل تجارية واستثمارية كبرى ومن ثم فانه يمكن القطع مع بكين ومحاصرتها ولو بطرق ناعمة وهو ما يعطي فكرة واضحة على الملامح الرئيسية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة...
*كاتب محلل وسياسي مختص في الشؤون الافريقية
بقلم:علي اللافي(*)
تحركات الدبلوماسيين الأمريكيين الأخيرة في المنطقة كانت متواترة وسريعة ورفيعة المستوى في مختف مناطق القارة السمراء وفي الشرق الأوسط وان تم التركيز في غرب ووسط وشرق إفريقيا على محاصرة الامتداد الروسي (وفعليا نجحت واشنطن خلال الأشهر والأسابيع الماضيين في تجنب الفخ الذي وقعت فيه باريس خلال السنتين الماضيتين في دول منطقة الساحل)، ومقابل ذلك أعطيت الأولوية فعليا في شمال افريقيا والشرق الأوسط لتنزيل استراتيجية جديدة لمواجهة "بكين" ولم يكتف الامريكيون بالبروتوكولات والمشاورات الروتينية بل قاموا بتزويد الشركاء وعرض بدائل تجارية واستثمارية كافية ووصفت من قبل بعض المراقبين بالنوعية،ويظهر أن ساسة البيت الأبيض ساعين خلال الأسابيع والأشهر المقبلة لتفعيل كل مخرجات القمة الافريقية الأمريكية الثانية والتي عقدت في واشنطن بين 13 و15 ديسمبر الماضي -والتي غلب عليها يومها التحذير من التوغل الروسي والصيني في القارة السمراء- فما هي عمليا ملامح تلك الاستراتيجية الجديدة واية علاقة لها بما يجري من تطورات في الإقليم ومربعاته المختلفة وفي ظل تنامي تداعيات الحروب الروسية الأوكرانية؟
1- أولا، يواصل المسؤولون الأميركيون عقد لقاءاتهم المباشرة واجراء مشاوراتهم مع زعماء الشرق الأوسط مؤكدين لهم وبوضوح أن العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع شركات التكنولوجيا الصينية تخاطر بتقويض علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة، ولكن بعض ساسة الشرق الأوسط يتجاهَلون ذلك رغم وجود تهديدات وتحذيرات أمريكية ضمنية فيما تم بالتوازي ابراز بدائل أمريكية لبعض الشركاء وهي بدائل استثمارية وتجارية نوعية وكافية حسب رؤية الدبلوماسيين الأمريكيين الذي يتابعون ملف الحرب الباردة مع بكين ويرى بعض مراقبين ومتابعين أن التحدي الأساسي للولايات المتحدة هو أن دول الشرق الأوسط لا تُريد الاختيار بين الولايات المتحدة أو الصين، إذ أنها تعتقد أن التشعب ممكن أي الانخراط مع الصين في الأمور التجارية وفي نفس الوقت مع الولايات المتحدة بشأن تحديات الأمن القومي التقليدية ولعل أبرز أولئك هم ساسة الامارات حيث قال المستشار الدبلوماسي الإماراتي "أنور قرقاش" مؤخرًا إن "العلاقات الاقتصادية يمكن أن توجد بشكل منفصل عن الاهتمامات الأمنية والسياسية.. ولكن الرد الأمريكي على أولئك في الجلسات المغلقة وفي دراسات وتقارير البحوث المختصة هو أن "الأمن الاقتصادي هو الأمن القومي ولا يمكن أن يكون هناك تمييز بين الاقتصادي والأمني"، وقد سبق لوكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسة "كولين كال"قد حذر من المنامة في نوفمبر الماضي من أن الصين "تتبع علاقات تستند فقط إلى فترة مصالحها الضيقة في معاملاتها التجارية والجيوسياسية".. ومع ذلك لا تزال جهات فاعلة في الشرق الأوسط وشمال فريقيا ترى في"بكين" قوة حميدة تقدم تعاونًا مربحًا للجميع ومزايا اقتصادية بدون قيود،وفي نفس الوقت لا ترى نفس تلك الجهات الصين تهديدا أو على الأقل ليس بالطريقة نفسها التي تنظر بها "واشنطن".
2- ثانيا، لن تتوقف الولايات المتحدة عن الضغط على دول شمال افريقيا والشرق الأوسط بشأن علاقاتها مع الصين إذ قد يؤدي الاستسلام أيضًا إلى المخاطرة بالتلميح إلى أن مخاوف الولايات المتحدة قد تضاءلت ولكن مجرد الاستمرار في الضغط على الدول لن يكون كافياً لتغيير وجهات نظر هذه البلدان أو سلوكها أو علاقاتها مع الصين، والثابت أن البنية الثنائية التي تعتبر فيها الولايات المتحدة الشريك الأمني للدول العربية والصين هي الشريك الاقتصادي تتجاهل الأدوار الجوهرية التي يلعبها حلفاء الولايات المتحدة كشركاء تجاريين واستثماريين في جميع أنحاء الشرق الأوسط وعلى سبيل المثال، تعتبر الصين أكبر شريك تجاري للإمارات العربية المتحدة بينما الهند تأتي في المرتبة الثانية وبعدها اليابان في المرتبة الثالثة، تليها الولايات المتحدة، والأهم من ذلك أن الهند واليابان لديهما أيضًا مشاكل مع الصين، أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية فتعد الصين أكبر وجهة تصدير لها ولكن الولايات المتحدة والإمارات وألمانيا والهند تأتي في المراكز الخمسة الأولى، وقد يكون النهج الأكثر ذكاءً بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو إنهاء رواية المنافسة الاستراتيجية الثنائية والاستفادة بدلاً من ذلك من شبكات الحلفاء والشركاء لتطوير المزيد من التحالفات متعددة الأطراف، مثل الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة ومجموعة الولايات المتحدة (أي I2U2)وهذا من شأنه تلبية المتطلبات الاقتصادية والتنموية التي تجعل الصين شريكًا غير جذاب لدول الشرق الأوسط...
3- ثالثا، معلوم أن أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند جميعًا قد عانت من النهاية الحادة لفن الحكم الاقتصادي الصيني ومجموعة كبيرة من المشكلات المرتبطة باحتضان التكنولوجيا الصينية ويمكن أن تساعد "كانبيرا" في تقليص الرصاص الصيني في المعادن الهامة ويجب أن يكون هناك اتفاق رسمي مع سيول وتايبيه كبدائل عالمية غير أميركية لأشباه الموصلات، نظرًا لريادة Samsung وSK Hynixو sMC في هذا المجال، وتقود طوكيو بالفعل الجيل السادس ويمكن إدخالها في الاتفاقيات السعودية – الأميركية للتعاون المشترك حول هذا الموضوع، ويُمكن للهند أيضا أن تكون أكثر من بديل للإنتاج والاستهلاكبالنظر إلى سكانها المنافسين لسكان الصين، ويعتبر محللون أن الضربة القاضية للولايات المتحدة هي أنها تطالب بمطالب صارمة بعدم العمل مع الصين دون تقديم بدائل معقولة، ويشير أولئك إلى أن الأسواق البديلة القابلة للحياة هي المفتاح ويمكن لحلفاء الولايات المتحدة توفيرها، وتلك الهياكل الجديدة لا تعني أن الولايات المتحدة تتخلى عن جهودها في هذه القطاعات؛ لكن التعاون مع الحلفاء هو الطريقة الوحيدة لتزويد شركاء الشرق الأوسط بالبدائل التجارية والاستثمارية الكافية للصين في هذه القطاعات، مع حماية مخاوف الأمن القومي للولايات المتحدة.
4- رابعا، رغم الخلافات في التقييم بين لمراقبين والمتابعين فإن الثابت أن الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة جديدة في المواجهة مع المارد الصيني وخاصة في الشرق الأوسط وشمل افريقيا وان كانت فعليا قد حققت نجاحات في مواجهة موسكو في المنطقتين فإنها مع بكين لا تزال تقطع الخطوات الأولى عبر خطوات سريعة نعم ولكنها تبدو غير مقنعة لبعض الشركاء وخاصة في ظل تقييم من طرف بعض المراقبين من أن رسالة واشنطن لا تلقى صدى لدى حلفاء الشرق الأوسط في الوقت الحالي وحان الوقت لإقامة شراكة أفضل مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطق حسب راي أولئك بينما يتجه الدبلوماسيون الامريكيون للإقناع بسردية أن بدائل واشنطن المعروضة هي نوعية وكافية وخاصة انها تتمثل في بدائل تجارية واستثمارية كبرى ومن ثم فانه يمكن القطع مع بكين ومحاصرتها ولو بطرق ناعمة وهو ما يعطي فكرة واضحة على الملامح الرئيسية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة...