إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رياض جعيدان لـ"الصباح": الجميع مطالب بـ"هدنة".. وهذه أولويات "الطوارئ والإنقاذ"

 

تونس – الصباح

عبّر رياض جعيدان، الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة بصفته مستقل عن دائرة فرنسا 3، عن تفاؤله بمستقبل الوضع في تونس سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، شريطة توفر جملة من العوامل والآليات والضوابط. وأكد في حديثه لـ"الصباح"، أن البرلمان الجديد، وعلى عكس ما ذهب إليه البعض في سياق ترذيل المؤسسة التشريعية والنواب الجدد، يزخر بالكفاءات ويتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة. وتطرق إلى ما اعتبرها أولويات في مهمة البرلمان الجديد الذي يعتبره مجلس نواب التحديات لإنقاذ الدولة والمرحلة، وكشف عن موقفه من المبادرات المقدمة بهدف إخراج البلاد من الأزمة واعتبر عدم نجاعة ونجاح جلها بما في ذلك المبادرة التي يقودها الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية المنظمات، يعود إلى وجود خطأ منهجيا. وتحدث أيضا عن الممكن والمطلوب في برنامجه الانتخابي وفي تونس اليوم ودور المؤسسة التشريعية في ذلك وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

حاورته نزيهة الغضباني

*تعود لمجلس نواب الشعب في نسخته الجديدة، بصفتك مستقلا، هل حددت انتماءك لحزب أو كتلة؟

في الحقيقة، لم تتضح الرؤية في الوقت الحاضر بعد بالنسبة لي وأيضا للنواب الجدد المستقلين الذين تحدثت معهم، ثم أني مثلما كنت مستقلا في الدورة النيابية 2014/2019، مبدئيا سأكون مستقلا في البرلمان الجديد خاصة أن أغلب النواب المستقلين، وفقا لما جاء به القانون الانتخابي الجديد بالترشح على الأفراد وليس على القائمات، تحدوهم رغبة كبيرة في المحافظة على عدم الانتماء الحزبي احتراما لذواتهم ولمن انتخبوهم من ناحية ولأن نسبة كبيرة من السياسيين والنواب السابقين قدموا صورة سيئة عن الأحزاب إلى حد أن التونسيين كرهوا الأحزاب من ناحية أخرى. وفيما يتعلق بالكتل يمكن أن نقدم مبادرة في الغرض تكون نابعة من رحم المشروعية الشعبية.

*ما هي حقيقة وجود اتصالات وعمليات استقطاب لهؤلاء المستقلين من جهات سياسية وحزبية؟

صحيح أننا انطلقنا في تنظيم لقاءات وإجراء اتصالات مع النواب الجدد في البرلمان، وما يتداول حول الاتصالات ومحاولات الاستقطاب من هذه الجهة أو تلك حقيقة موجودة اليوم، وأنا بدوري جاءتني عروض من هذا القبيل. ولكن وجدت إصرارا كبيرا من فئة كبيرة من هؤلاء النواب على التمسك بهذه الاستقلالية باعتبارها سببا لحصولي كما غيري على المشروعية الشعبية في الانتخابات. ونحن نريد أن نقطع مع الصورة السيئة للنواب والبرلمانات السابقة في المخيال الشعبي والقطع من صورة نواب المصالح الحزبية والقطاعية الضيقة التي كانت من بين أسباب العزوف عن الانتخابات.

*هل تعني أن مسألة التوافق والاتفاق التي صنفها البعض من العادات المشينة في المنظومة السابقة ستكون حاضرة مرة أخرى؟

لا اعتقد أن الوضع سيكون مشابها للسابق لعدة اعتبارات، فمن المؤسف أنه في الفترة النيابية التي كنت طرفا فيها لم يكن هناك توافقا بل "تنافق" يتم كنفه التعاطي مع الدولة كغنيمة وتقسيم المصالح والمراكز في مستوى الوزارات والولاة وغيرها من المناصب دون مراعاة استحقاقات ومطالب الشعب فضلا عن "طبخ" مشاريع القوانين في الغرف المظلمة وتمريرها والتصويت عليها دون عرضها للنقاش، على مقاس جهات معينة وخدمة لأطراف دون مراعاة المصلحة الوطنية والشعب. وهي فترة كان صوت النائب المستقل فيها ليس له صدى أو تجاوب في ظل المد الكبير للمنظومة "التنافقية" المسيطرة. الأمر الذي أفقد المرحلة مصداقيتها ودفع البعض الآخر للتمادي في هذا الغلط إلى حد ما آلت إليه الأوضاع من تردي وتأزم وانسداد كل الآفاق في فترة ما قبل 25 جويلية 2021.

* قلت إنكم انطلقتم في عقد اللقاءات قبل مباشرة البرلمان لمهامه المقررة في مارس القادم، فما هي سياقات ذلك؟

انطلقنا فعلا في إجراء المشاورات والاتصالات بين النواب الفائزين، ولا أخفي إذا قلت إننا بدأنا في العمل فعليا وذلك باستدعاء خبراء في إطار التحضير للإعداد النظام الداخلي للبرلمان استئناسا بما جاء في دستور 2022 ثم أنه سبق أن قدمت مشروع قانون أساسي في سنة 2018 الهدف منه ضمان أخلاقيات الحياة البرلمانية والسياسية، أرى أن بعض ما تضمنه يتماشى ومتطلبات وتوجهات المرحلة.

*ماذا تعني بذلك؟

أعتقد أن من بين الظواهر والممارسات التي ألحقت أضرارا كبيرة بالمشهد السياسي عامة وأفقدت الطبقة السياسية مصداقيتها مسألة السياحة البرلمانية والحزبية وما خلفته من تداخل كان أشبه بتلاعب بمواقف واختيارات وأدوار المنتخبين. نفس القانون يجب أن ينظم مسألة سبر الآراء وتقنينها ويضع ضوابط وحدودا للحصانة البرلمانية فضلا عن تمويل الأحزاب ووضع شروط وضوابط أيضا لعملية نشاط ومشاركة السياسيين في الخارج، وغياب النواب إضافة إلى مسألة تضارب المصالح في علاقة بالبرلمان أو المهام السياسية بشكل عام.

*لكن البعض يرى أن البرلمان في نسخته الجديدة سيكون دون صلاحيات، هل تشاطر هذا الرأي؟

خلافا لما يردده البعض بنية ترذيل العمل البرلماني والسياسي بشكل عام، فإن دستور 2022 ، ورغم ما تضمنه من هنات وجب مراجعتها وتعديلها، قد منح المؤسسة التشريعية صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة. وهي تقريبا نفس الوظيفة والمهام والصلاحيات التي جاءت في دستور 1959 و2014، على غرار إمكانية تعديل قانون المالية إضافة إلى الوظائف الرقابية مع مجلس الأقاليم والجهات للحكومة مثل القيام بلائحة لوم القيام بغيرها من آليات الرقابة إضافة إلى المهمة التشريعية. ولكننا جميعنا على يقين من أهمية دور هذه المؤسسة التشريعية في تونس اليوم.

*ما هي الأولويات المطروحة بالنسبة للبرلمان الجديد؟

صحيح أن المؤسسة التشريعية في نسختها الجديدة ستكون بغرفتين، تتمثل الأولى في مجلس نواب الشعب والثانية في مجلس الأقاليم والجهات. وأعتقد أن من أولوية الأولويات اليوم النظام الداخلي للبرلمان الذي يجب أن ينظم الحياة السياسية بما يعني "أخلقتها"، لأنه لو يواصل البرلمان بنفس التراكمات والشوائب التي رذلت الحياة السياسية، سوف تكون الوضعية مؤلمة وصعبة على الجميع. لأن الجميع يجب أن يعي أننا أمام مرحلة تحديات داخلية وخارجية.

*هل تعتقد أنه البرلمان الجديد سوف يقطع مع ما وصفتها بـ"التراكمات"؟

أعتقد أن هناك "كلاسيكيات" في النظام الداخلي لا يمكن القطع معها ولكن وجب الاشتغال بدرجة أولى على مدونة السلوك وليكون هذا النظام نابعا من روح الدستور الجديد بما يساهم في القطع مع الصورة القديمة القاتمة للبرلمان. وقد لمست ذلك في إرادة ورغبة أغلب النواب الجدد إثر اللقاءات جمعتنا والنقاشات الأولوية التي دارت بيننا. لأني أعتبر أن الجميع واع اليوم أكثر من أي وقت مضى بضرورة مراعاة الوضع العام في الدولة، لذا وجب علينا وضع المصلحة الوطنية ومصلحة المواطن نصب أعيينا. لأن المرحلة والوضع والظرفية لم تعد تتطلب مواصلة "العبث" وإضاعة المزيد من الوقت وإهدار الطاقات خاصة أن بلادنا تفقد بشكل متواتر في شبابها وكفاءاتها بطرق قانونية أو غير نظامية.  فالمجلس اليوم في تقديري يضم طاقات وطنية مسيسة وناشطة في المجتمع المدني والجمعيات ولكنها بعيدة عن الأحزاب والكلمة المفتاح بين النواب ستكون "عدم الانسياق وراء شوائب البرلمانات السابقة لأن "الزلقة بلفقة".

*قدمت في برنامجك الانتخابية جملة من الوعود في علاقة بالتونسيين بالخارج أو بما هو وطني، فما هو الممكن والأقرب للتفعيل كأولوية؟

أرى أن كل ما هو إيجابي وهادف ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية واتحدت الرؤى حول تغليب المصلحة الوطنية لا غير. فبعد مدونة السلوك لأخلقة الحياة البرلمانية يجب فرض شفافية المهمة السياسية في الدولة عن طريق قانون أساسي. لأني اعتبر أنه يجب تقسيم برنامج العمل بين ما هو قصير المدى ومتوسط أو طويل المدى والتوجه إلى المسائل الحارقة التي يمكن أن تساهم في إنقاذ البلاد عبر حلحلة الأزمات الاقتصادية بالأساس ذلك عبر تقديم مشروع قانون إنقاذ اقتصادي وقانون جبائي عام وشامل يعنى بتنظيم الالتزامات القمرقية ومجلة الصرف وتنشيط الاقتصاد عبر إجراءات طوارئ تشجع على الاستثمار الخارجي, وهذه مسالة تتطلب سياسة اتصالية ناجعة. إضافة إلى القيام بإصلاحات جبائية معمقة بتخفيف الضغط الجبائي وضع إستراتيجية شاملة  فضلا عن حماية المنشآت الاقتصادية الوطنية الحيوية، وحماية الإنتاجية الوطنية مثل الفسفاط والبترول، رغم أني لست ضد العمل النقابي.

*ولكن هل تعتقد أن المهمة ستكون سهلة وناجعة باقتصار الأمر على الجهات الرسمية والفاعلين في قبة باردو دون سواهم؟

بالعكس المهمة لا يمكن أن تكون أحادية الجانب بل تشاركية بامتياز، سواء مع المجتمع المدني أو المنظمات الوطنية والهياكل القطاعية إضافة إلى الدور الفاعل والريادي للخبراء في مختلف المجالات. فالمهمة تشاركية بين البرلمان والحكومة والمجتمع المدني وأيضا الأحزاب  والخبراء. ولم لا يتم الاستئناس ببعض تجارب البلدان أوروبية مثل سويسرا والنرويج بأن يقبل البرلمان مبادرات تشريعية من المواطنين.

*وماذا بالنسبة للتونسيين بالخارج؟

في الحقيقة التونسيون بالخارج "كنز" تونس المتروك. وإذا ما راهنت الدولة في توجهها على هذه الثروة يمكن أن تستغني عن الذهاب إلى صندوق النقد الدولي والبحث عن دائنين أجانب. وذلك عبر مراجعة التشريعات والقوانين وتقديم تسهيلات ومراجعة الإجراءات بشكل يشجع هؤلاء على الاستثمار في تونس دون الذهاب إلى بلدان عربية وأفريقية. لأن الكفاءات الوطنية منتشرة في كافة أنحاء المعمورة وليس في الفضاء الأوروبي فقط. وذلك لا يتم إلا عبر إستراتجية وطنية يشارك في وضعها مع الحكومة والجهات المعنية أبناء تونس بالخارج وهي الطريقة المثلى الأنجع في هذه المرحلة.

*بِمَ تفسر تعددت المبادرات في المدة الأخيرة التي تهدف في أبعاد "أصحابها" إلى إخراج بلادنا من الوضع المتأزم، ولكن دون جدوى؟

للأسف الوضع في بلادنا جد صعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وأعتقد أن جلها لم يخرج عن دائرة الصراع على السلطة دون برامج وطنية شاملة ومعمقة. لكن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين جانبت الصواب منهجيا. لأنه من غير المعقول أن يتم تقديم مبادرة بعنوان الإنقاذ قبل أسابيع قليلة من تنصيب البرلمان. وهذا الخطأ المنهجي من شانه أن يؤول إلى فشل هذه المبادرة. في حين كان أجدى بالجميع انتظار مباشرة البرلمان لمهامه للدخول معه في تقديم مبادرات لحلحلة الأزمة في بلادنا على جميع المستويات.

*إلى حد استطاعت "المعارضة" التعاطي مع المرحلة في دفاعها على رؤيتها المعايرة لمشروع سعيد وسياسته في إدارة المسار؟

أعتقد أنه يجب على المعارضة اليوم بجميع تياراتها أن تتخلى على "الأنا" والمصالح السياسوية عبر التوجه إلى مساندة البلاد بعيدا عن سعيد وغيره من القوى السياسية. وذلك بان تكون قوة اقتراح جدي وبناء. لأن بلادنا اليوم في حاجة إلى هدنة وطنية لإنقاذ الدولة من الدمار والمحافظة على السيادة الوطنية.

رياض جعيدان لـ"الصباح":  الجميع مطالب بـ"هدنة".. وهذه أولويات "الطوارئ والإنقاذ"

 

تونس – الصباح

عبّر رياض جعيدان، الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة بصفته مستقل عن دائرة فرنسا 3، عن تفاؤله بمستقبل الوضع في تونس سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، شريطة توفر جملة من العوامل والآليات والضوابط. وأكد في حديثه لـ"الصباح"، أن البرلمان الجديد، وعلى عكس ما ذهب إليه البعض في سياق ترذيل المؤسسة التشريعية والنواب الجدد، يزخر بالكفاءات ويتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة. وتطرق إلى ما اعتبرها أولويات في مهمة البرلمان الجديد الذي يعتبره مجلس نواب التحديات لإنقاذ الدولة والمرحلة، وكشف عن موقفه من المبادرات المقدمة بهدف إخراج البلاد من الأزمة واعتبر عدم نجاعة ونجاح جلها بما في ذلك المبادرة التي يقودها الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية المنظمات، يعود إلى وجود خطأ منهجيا. وتحدث أيضا عن الممكن والمطلوب في برنامجه الانتخابي وفي تونس اليوم ودور المؤسسة التشريعية في ذلك وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

حاورته نزيهة الغضباني

*تعود لمجلس نواب الشعب في نسخته الجديدة، بصفتك مستقلا، هل حددت انتماءك لحزب أو كتلة؟

في الحقيقة، لم تتضح الرؤية في الوقت الحاضر بعد بالنسبة لي وأيضا للنواب الجدد المستقلين الذين تحدثت معهم، ثم أني مثلما كنت مستقلا في الدورة النيابية 2014/2019، مبدئيا سأكون مستقلا في البرلمان الجديد خاصة أن أغلب النواب المستقلين، وفقا لما جاء به القانون الانتخابي الجديد بالترشح على الأفراد وليس على القائمات، تحدوهم رغبة كبيرة في المحافظة على عدم الانتماء الحزبي احتراما لذواتهم ولمن انتخبوهم من ناحية ولأن نسبة كبيرة من السياسيين والنواب السابقين قدموا صورة سيئة عن الأحزاب إلى حد أن التونسيين كرهوا الأحزاب من ناحية أخرى. وفيما يتعلق بالكتل يمكن أن نقدم مبادرة في الغرض تكون نابعة من رحم المشروعية الشعبية.

*ما هي حقيقة وجود اتصالات وعمليات استقطاب لهؤلاء المستقلين من جهات سياسية وحزبية؟

صحيح أننا انطلقنا في تنظيم لقاءات وإجراء اتصالات مع النواب الجدد في البرلمان، وما يتداول حول الاتصالات ومحاولات الاستقطاب من هذه الجهة أو تلك حقيقة موجودة اليوم، وأنا بدوري جاءتني عروض من هذا القبيل. ولكن وجدت إصرارا كبيرا من فئة كبيرة من هؤلاء النواب على التمسك بهذه الاستقلالية باعتبارها سببا لحصولي كما غيري على المشروعية الشعبية في الانتخابات. ونحن نريد أن نقطع مع الصورة السيئة للنواب والبرلمانات السابقة في المخيال الشعبي والقطع من صورة نواب المصالح الحزبية والقطاعية الضيقة التي كانت من بين أسباب العزوف عن الانتخابات.

*هل تعني أن مسألة التوافق والاتفاق التي صنفها البعض من العادات المشينة في المنظومة السابقة ستكون حاضرة مرة أخرى؟

لا اعتقد أن الوضع سيكون مشابها للسابق لعدة اعتبارات، فمن المؤسف أنه في الفترة النيابية التي كنت طرفا فيها لم يكن هناك توافقا بل "تنافق" يتم كنفه التعاطي مع الدولة كغنيمة وتقسيم المصالح والمراكز في مستوى الوزارات والولاة وغيرها من المناصب دون مراعاة استحقاقات ومطالب الشعب فضلا عن "طبخ" مشاريع القوانين في الغرف المظلمة وتمريرها والتصويت عليها دون عرضها للنقاش، على مقاس جهات معينة وخدمة لأطراف دون مراعاة المصلحة الوطنية والشعب. وهي فترة كان صوت النائب المستقل فيها ليس له صدى أو تجاوب في ظل المد الكبير للمنظومة "التنافقية" المسيطرة. الأمر الذي أفقد المرحلة مصداقيتها ودفع البعض الآخر للتمادي في هذا الغلط إلى حد ما آلت إليه الأوضاع من تردي وتأزم وانسداد كل الآفاق في فترة ما قبل 25 جويلية 2021.

* قلت إنكم انطلقتم في عقد اللقاءات قبل مباشرة البرلمان لمهامه المقررة في مارس القادم، فما هي سياقات ذلك؟

انطلقنا فعلا في إجراء المشاورات والاتصالات بين النواب الفائزين، ولا أخفي إذا قلت إننا بدأنا في العمل فعليا وذلك باستدعاء خبراء في إطار التحضير للإعداد النظام الداخلي للبرلمان استئناسا بما جاء في دستور 2022 ثم أنه سبق أن قدمت مشروع قانون أساسي في سنة 2018 الهدف منه ضمان أخلاقيات الحياة البرلمانية والسياسية، أرى أن بعض ما تضمنه يتماشى ومتطلبات وتوجهات المرحلة.

*ماذا تعني بذلك؟

أعتقد أن من بين الظواهر والممارسات التي ألحقت أضرارا كبيرة بالمشهد السياسي عامة وأفقدت الطبقة السياسية مصداقيتها مسألة السياحة البرلمانية والحزبية وما خلفته من تداخل كان أشبه بتلاعب بمواقف واختيارات وأدوار المنتخبين. نفس القانون يجب أن ينظم مسألة سبر الآراء وتقنينها ويضع ضوابط وحدودا للحصانة البرلمانية فضلا عن تمويل الأحزاب ووضع شروط وضوابط أيضا لعملية نشاط ومشاركة السياسيين في الخارج، وغياب النواب إضافة إلى مسألة تضارب المصالح في علاقة بالبرلمان أو المهام السياسية بشكل عام.

*لكن البعض يرى أن البرلمان في نسخته الجديدة سيكون دون صلاحيات، هل تشاطر هذا الرأي؟

خلافا لما يردده البعض بنية ترذيل العمل البرلماني والسياسي بشكل عام، فإن دستور 2022 ، ورغم ما تضمنه من هنات وجب مراجعتها وتعديلها، قد منح المؤسسة التشريعية صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة. وهي تقريبا نفس الوظيفة والمهام والصلاحيات التي جاءت في دستور 1959 و2014، على غرار إمكانية تعديل قانون المالية إضافة إلى الوظائف الرقابية مع مجلس الأقاليم والجهات للحكومة مثل القيام بلائحة لوم القيام بغيرها من آليات الرقابة إضافة إلى المهمة التشريعية. ولكننا جميعنا على يقين من أهمية دور هذه المؤسسة التشريعية في تونس اليوم.

*ما هي الأولويات المطروحة بالنسبة للبرلمان الجديد؟

صحيح أن المؤسسة التشريعية في نسختها الجديدة ستكون بغرفتين، تتمثل الأولى في مجلس نواب الشعب والثانية في مجلس الأقاليم والجهات. وأعتقد أن من أولوية الأولويات اليوم النظام الداخلي للبرلمان الذي يجب أن ينظم الحياة السياسية بما يعني "أخلقتها"، لأنه لو يواصل البرلمان بنفس التراكمات والشوائب التي رذلت الحياة السياسية، سوف تكون الوضعية مؤلمة وصعبة على الجميع. لأن الجميع يجب أن يعي أننا أمام مرحلة تحديات داخلية وخارجية.

*هل تعتقد أنه البرلمان الجديد سوف يقطع مع ما وصفتها بـ"التراكمات"؟

أعتقد أن هناك "كلاسيكيات" في النظام الداخلي لا يمكن القطع معها ولكن وجب الاشتغال بدرجة أولى على مدونة السلوك وليكون هذا النظام نابعا من روح الدستور الجديد بما يساهم في القطع مع الصورة القديمة القاتمة للبرلمان. وقد لمست ذلك في إرادة ورغبة أغلب النواب الجدد إثر اللقاءات جمعتنا والنقاشات الأولوية التي دارت بيننا. لأني أعتبر أن الجميع واع اليوم أكثر من أي وقت مضى بضرورة مراعاة الوضع العام في الدولة، لذا وجب علينا وضع المصلحة الوطنية ومصلحة المواطن نصب أعيينا. لأن المرحلة والوضع والظرفية لم تعد تتطلب مواصلة "العبث" وإضاعة المزيد من الوقت وإهدار الطاقات خاصة أن بلادنا تفقد بشكل متواتر في شبابها وكفاءاتها بطرق قانونية أو غير نظامية.  فالمجلس اليوم في تقديري يضم طاقات وطنية مسيسة وناشطة في المجتمع المدني والجمعيات ولكنها بعيدة عن الأحزاب والكلمة المفتاح بين النواب ستكون "عدم الانسياق وراء شوائب البرلمانات السابقة لأن "الزلقة بلفقة".

*قدمت في برنامجك الانتخابية جملة من الوعود في علاقة بالتونسيين بالخارج أو بما هو وطني، فما هو الممكن والأقرب للتفعيل كأولوية؟

أرى أن كل ما هو إيجابي وهادف ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية واتحدت الرؤى حول تغليب المصلحة الوطنية لا غير. فبعد مدونة السلوك لأخلقة الحياة البرلمانية يجب فرض شفافية المهمة السياسية في الدولة عن طريق قانون أساسي. لأني اعتبر أنه يجب تقسيم برنامج العمل بين ما هو قصير المدى ومتوسط أو طويل المدى والتوجه إلى المسائل الحارقة التي يمكن أن تساهم في إنقاذ البلاد عبر حلحلة الأزمات الاقتصادية بالأساس ذلك عبر تقديم مشروع قانون إنقاذ اقتصادي وقانون جبائي عام وشامل يعنى بتنظيم الالتزامات القمرقية ومجلة الصرف وتنشيط الاقتصاد عبر إجراءات طوارئ تشجع على الاستثمار الخارجي, وهذه مسالة تتطلب سياسة اتصالية ناجعة. إضافة إلى القيام بإصلاحات جبائية معمقة بتخفيف الضغط الجبائي وضع إستراتيجية شاملة  فضلا عن حماية المنشآت الاقتصادية الوطنية الحيوية، وحماية الإنتاجية الوطنية مثل الفسفاط والبترول، رغم أني لست ضد العمل النقابي.

*ولكن هل تعتقد أن المهمة ستكون سهلة وناجعة باقتصار الأمر على الجهات الرسمية والفاعلين في قبة باردو دون سواهم؟

بالعكس المهمة لا يمكن أن تكون أحادية الجانب بل تشاركية بامتياز، سواء مع المجتمع المدني أو المنظمات الوطنية والهياكل القطاعية إضافة إلى الدور الفاعل والريادي للخبراء في مختلف المجالات. فالمهمة تشاركية بين البرلمان والحكومة والمجتمع المدني وأيضا الأحزاب  والخبراء. ولم لا يتم الاستئناس ببعض تجارب البلدان أوروبية مثل سويسرا والنرويج بأن يقبل البرلمان مبادرات تشريعية من المواطنين.

*وماذا بالنسبة للتونسيين بالخارج؟

في الحقيقة التونسيون بالخارج "كنز" تونس المتروك. وإذا ما راهنت الدولة في توجهها على هذه الثروة يمكن أن تستغني عن الذهاب إلى صندوق النقد الدولي والبحث عن دائنين أجانب. وذلك عبر مراجعة التشريعات والقوانين وتقديم تسهيلات ومراجعة الإجراءات بشكل يشجع هؤلاء على الاستثمار في تونس دون الذهاب إلى بلدان عربية وأفريقية. لأن الكفاءات الوطنية منتشرة في كافة أنحاء المعمورة وليس في الفضاء الأوروبي فقط. وذلك لا يتم إلا عبر إستراتجية وطنية يشارك في وضعها مع الحكومة والجهات المعنية أبناء تونس بالخارج وهي الطريقة المثلى الأنجع في هذه المرحلة.

*بِمَ تفسر تعددت المبادرات في المدة الأخيرة التي تهدف في أبعاد "أصحابها" إلى إخراج بلادنا من الوضع المتأزم، ولكن دون جدوى؟

للأسف الوضع في بلادنا جد صعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وأعتقد أن جلها لم يخرج عن دائرة الصراع على السلطة دون برامج وطنية شاملة ومعمقة. لكن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين جانبت الصواب منهجيا. لأنه من غير المعقول أن يتم تقديم مبادرة بعنوان الإنقاذ قبل أسابيع قليلة من تنصيب البرلمان. وهذا الخطأ المنهجي من شانه أن يؤول إلى فشل هذه المبادرة. في حين كان أجدى بالجميع انتظار مباشرة البرلمان لمهامه للدخول معه في تقديم مبادرات لحلحلة الأزمة في بلادنا على جميع المستويات.

*إلى حد استطاعت "المعارضة" التعاطي مع المرحلة في دفاعها على رؤيتها المعايرة لمشروع سعيد وسياسته في إدارة المسار؟

أعتقد أنه يجب على المعارضة اليوم بجميع تياراتها أن تتخلى على "الأنا" والمصالح السياسوية عبر التوجه إلى مساندة البلاد بعيدا عن سعيد وغيره من القوى السياسية. وذلك بان تكون قوة اقتراح جدي وبناء. لأن بلادنا اليوم في حاجة إلى هدنة وطنية لإنقاذ الدولة من الدمار والمحافظة على السيادة الوطنية.