مسلم قصد الله لـ"الصباح": كلما تقدم الملف خطوة يُثار مشكل آخر يُعيدنا إلى النقطة الصفر
تونس – الصباح
يتساقط جرحى الثورة الواحد تلو الآخر إما بعد صراع مع المرض أو بعد إقدامهم على الانتحار حرقا على غرار جريح الثورة محمد الشابي الذي توفي يوم 23 جانفي 2023 متأثرا بالحروق التي طالت جسده بعد أن أضرم النار فيه أمام مقر ولاية نابل.
قبل أشهر قليلة وتحديدا في سبتمبر 2022 توفي أيضا جريح الثورة منتصر الدخلاوي بنابل بعد صراع طويل مع المرض، وتوفي يوم 17 أفريل 2021 جريح الثورة كمال عبادلية بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس متأثرا بالحروق التي أصابته بعد أن أضرم النار بجسده قبل يوم أمام مقر معتمدية سيدي بوزيد الغربية.
خبر وفاة جريح الثورة طارق الدزيري يوم 18 جانفي 2020، نزل أيضا كالصاعقة على متابعي ملفه من نشطاء في المجتمع المدني وأيضا على بقية جرحى الثورة. فالدزيري أصيب يوم 12 جانفي 2011 برصاصتين ظلت أحداهما مستقرة في كبده طيلة تسع سنوات، خلفت تقرحات نهشت جسده لتتوفاه المنية بعد معاناة طويلة عجز خلالها وفي أغلب الأحيان عن توفير الدواء.
قبل سنوات من ذلك توفي أيضا جريح الثورة محمد الحنشي وتحديدا في 26 فيفري 2016 اثر تدهور وضعه الصحي ورغم النداءات المتكررة للسلط والتبليغ عن وضعيته الحرجة إلا أنه لا حياة لمن تنادي.
إعداد إيمان عبد اللطيف
أكّد جريح الثورة مسلم قصد الله في تصريح لـ"الصباح" أن "حادثة انتحار الجريح محمد الشابي كان لها الوقع الكبير على نفسيتي كغيرها من حالات الوفاة التي شملت بقية الجرحى الذين توفوا أو من هم على قيد الحياة ولكنهم يواجهون مصاعب كبيرة ويعيشون في ظروف لا إنسانية بسبب الإهمال".
وأضاف قصد الله "طبعا أحاول أن أتمالك نفسي، ففي فترات أكون مفعم بالأمل وأخرى أنهار خاصة عندما أرى والدتي تعاني المرض والأرق بسبب الحادثة التي تعرضت لها، فأمي بسبب تلك الحادثة أصيبت بمرض السكري ما أثر على بصرها فلم تعد ترى إلى جانب مخلفات أخرى عائلية واجتماعية".
تساءل مسلم قصد الله "لماذا هذا الملف كلما نتقدم فيه في خطوة يُثار مشكل آخر يُعيدنا إلى النقطة الصفر وتحدث عراقيل أكثر من قبل، خاصة في ما يتعلق بمسألة العلاج والذي بقي بآليات وقرارات مؤقتة، فالجريح لا يدخل إلى المستشفى العسكري إلا بمراسلة، وأحيانا تُهدد بحرق نفسك لتخضع للعلاج، وهذا قد يوصل الإنسان إلى لحظة من لحظات اليأس قد تدفعه إلى التفكير في الانتحار وإنهاء المعاناة، فالسلطة لا ترغب في غلق هذا الملف وإعطاء الحقوق لأصحابها".
وقال قصد الله "خضعت إلى 37 عملية جراحية، وأجلت العملية القادمة إلى موعد غير محدد لعدة أسباب منها النفسي والاجتماعي والمالي. أعلم أن نسبة السقوط والأضرار في تفاقم واليوم يفرق في الحالات المستعجلة".
وأوضح "نفسيتنا حدّث ولا حرج، أقسم أن جلنا ينام على إثر تناول أدوية الأعصاب وأنا منهم، وبالتالي ما نتمناه أن يتمّ غلق الملف وتتحمل الدولة مسؤولية استمرارية علاجنا، لماذا لا تكون لدينا بطاقة علاج دائمة فلا نبقى رهائن لمراسلات المديرين والمسؤولين الذين يتم تغييرهم في كل مرة ومع كل تغيير يُعاد فتح الملفات من جديد".
وأفاد "هذا الظلم لا ينسحب فقط على الجرحى الذين وردت أسماؤهم بالقائمة النهائية، وإنما أيضا على من تم استثنائهم منها فهم حرموا من العلاج ومن البطاقات المؤقتة، أتمنى أن يتم إنصافهم".
وأضاف "في هذا السياق نفذنا الثلاثاء 31 جانفي 2023، وقفة احتجاجية بساحة الحكومة بالقصبة وتم استقبال ممثلين عنا من طرف كاتب عام الحكومة والذي كان مرفوقا برئيسة للهيئة العامة للمقاومين ولشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية فوزية اليعقوبي".
وقال مسلم قصد الله "تم الاتفاق مبدئيا على عقد جلسة بتاريخ 3 مارس القادم تنتهي إلى إمضاء محضر اتفاق حول مطالب عائلات الشهداء والجرحى، مشيرا بخصوص تسهيل علاج الجرحى إلى أن كاتب عام الحكومة وعد بمراسلة رئيسة الحكومة لكي تتصل بدورها برئيس الجمهورية لإعطاء الإذن بتمكين جرحى الثورة من العلاج بالمستشفى العسكري".
مسار عسير لملف شهداء الثورة وجرحاها..
مرت 12 سنة على أحداث الثورة وسقوط شهداء وجرحى والحال على ما هو، والملف يزداد تعقيدا ومماطلة مع كل حكومة وبعد كل انتخابات، تتغير الأسماء والهياكل دون أن يحدث أي تقدّم يُذكر في ملف وقضايا شهداء الثورة وجرحاها. بل العكس تماما ما يحدث اليوم هو مزيد من الشعور باليأس والإحباط وتفاقم الأضرار الصحية للجرحى.
مسار طويل مرّ به هذا الملف منذ سنة 2011، ملف تم استغلاله والتلاعب به في كل المحطات السياسية والانتخابية، فلم تصدر قائمة شهداء الثورة ومصابيها إلا يوم 19 مارس 2021، بقرار من رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان ورئيس لجنة شهداء الثورة ومصابيها بالعدد 26 من الرائد الرسمي.
فتضمّنت 129 شهيدًا و634 جريحًا في الفترة الممتدّة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. كما صدر الأمر الحكومي عدد 202 لسنة 2021 المتعلّق بالمصادقة على القائمة الاسمية للشهداء والجرحى من العسكريين الذين استشهدوا أو أصيبوا في إطار أداء واجبهم المهني خلال أحداث الثورة، تضمّنت القائمة 5 شهداء و32 جريحًا.
قبل ذلك كان المخاض عسيرا، شهد تحركات نضالية طويلة واعتصامات ومسيرات نفذها على مدى سنوات عائلات الشهداء وجرحى الثورة مطالبين بالاعتراف بهم وإصدار القائمة النهائية.
البداية كانت بإصدار مرسوم عدد 97 لسنة 2011 المتعلّق بالتعويض لشهداء الثورة وجرحاها، ثم إحداث لجنة صلب المجلس الوطني التأسيسي سميت بلجنة شهداء وجرحى الثورة وتفعيل العفو التشريعي العام، ثم بعد ذلك تعهدت هيئة الحقيقة والكرامة منذ سنة 2014 بملفّات الشهداء والجرحى وإدراجهم ضمن قائمة المستفيدين من التعويضات.
بعد ذلك صدر أمر حكومي عدد 338 لسنة 2016 مؤرخ في 9 مارس 2016 يتعلق بإحداث هيئة عامة لشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية وضبط مشمولاتها، وقائمة الهياكل والإدارات تتغير في كلّ مرة.
بعد ذلك صدر المرسوم عدد 20 لسنة 2022 في 9 أفريل 2022 والذي أثار استياء عدد من عائلات شهداء الثورة وجرحاها من الذين تمسكوا منذ سنة 2011 بمطلب إنشاء مؤسسة خاصة بهم دون سواهم، والذين سبق لهم أن قدموا مقترح قانون في الغرض للمجلس الوطني التأسيسي، لكن التأسيسي أمزج ملف الشهداء والجرحى مع ملف المتمتعين بالعفو التشريعي..
وبعد انتخابات 2014 تم إدماج ملف المقاومين مع ملفهم، واليوم يتم إدماج ملف ضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة مع ملفهم والحال أن كل ملف من هذه الملفات له خصوصياته.
وإضافة إلى استيائهم من عدم إنشاء مؤسسة خاصة بهم، فإن المرسوم عدد 20 حسب رأيهم لم يعترف إلا بقائمة الشهداء والجرحى المنشورة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في عدده 26 الصادر بتاريخ 19 مارس 2021 والتي أسقطت أسماء العديد من الجرحى والشهداء ممن تم ذكرهم في تقرير اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات بين 17 ديسمبر 2010 وحتى انتهاء مهام تلك اللجنة التي ترأسها الأستاذ توفيق بودربالة.
كما أن المرسوم عدد 20 لا يضيف الكثير لعائلات الشهداء وجرحى الثورة عما جاء به المرسوم عدد 97 لسنة 2011 المتعلق بالتعويض لشهداء ثورة 14 جانفي 2011 ومصابيها وفق العديد من التحاليل والقراءات والانتقادات.
لمياء فرحاني رئيسة منظمة أوفياء لشهداء الثورة وجرحاها: 30 جريحا حالاتهم الصحية تتطلب تدخلا عاجلا ..
أوضحت رئيسة منظمة أوفياء لشهداء الثورة وجرحاها لمياء فرحاني أن "يعمد أي شخص إلى الانتحار حرقا، فهذا يعني أنه وصل إلى أقصى درجات اليأس بسبب عدم إيفاء الدولة بالتزاماتها تجاه هذا ملف شهداء الثورة وجرحاها. ولا يُعد محمد الشابي الجريح الوحيد الذي عمد إلى حرق نفسه ما انجر عن الحادثة وفاته وقد لا يكون الأخير في ظل هذا التلكؤ.
ملف شهداء الثورة وجرحاها يقوم على ثلاث مستويات، المستوى القضائي، المستوى العلاجي والمستوى الاجتماعي الذي قامت على أساسه شعارات الثورة شغل حرية كرامة وطنية".
وأضافت فرحاني "في الملف العاجل والذي يتعلق بعلاج الجرحى، منذ 12 سنة وأنا بصدد التنبيه إلى مسألة "تفاقم الأضرار" بسبب الإصابات التي تعرض لها الجرحى بإطلاق الرصاص، فالبعض خضع إلى عمليات جراحية عاجلة في أولى أيام الثورة ولكن لم تكن بالنجاعة اللازمة والتي تمت في ظروف غير عادية فلم يتم استئصال الرصاص والشظايا كما يجب، ما خلف أضرارا ومخلفات جسيمة، إلى جانب الغياب التام للتأهيل النفسي الذي هم في حاجة ماسة له والاكتفاء بمعالجتهم بمستشفى الرازي وكأنهم مرضى أعصاب".
مقابل كل هذا، قالت منظمة أوفياء لشهداء الثورة وجرحاها "العديد من اللجان الطبية التي تتغير كل فترة بتغير الحكومات والمسؤولين والتركيبات والهيئات والتسميات، يُضاف إلى ذلك غياب المعلومة عن جرحى الثورة بوجود لجنة طبية مختصة في الحالات الحرجة جدا والذين يحتاجون إلى مصاريف كبيرة ومتابعة مستمرة كل ستة أشهر وهم ما لم يتم إلى يومنا هذا ولا وجود لأي استمرارية لمتابعة الملفات عبر شباك موحد يتناول جميع الحالات".
فأكدت "ملف شهداء الثورة وجرحاها مرّ بعدة محطات زمنية من الهيئة العليا لحقوق الإنسان ثم المجلس الوطني التأسيسي ثم وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ثم وزارة حقوق الإنسان فقط ثم كتابة الدولة لشهداء وجرحى الثورة ثمّ الهيئة العامة لشهداء وجرحى الثورة ثم تمّ ضمها لرئاسة الحكومة.. وفي خضم كل ذلك اللجان الطبية تتغير وفق هذه التغيرات فيعاد فتح الملفات في كل مرة من أول جديد في المقابل الأضرار بصدد التفاقم يوما بعد يوم. فكان من المفترض أن تكون هناك استمرارية في معالجة الملفات الطبية".
وأضافت "جميع الجرحى الآن يشكون من تفاقم أضرار إصاباتهم خاصة من مازالت أجسادهم حاملة للرصاص، وبالتالي الملف الطبي والتأهيل النفسي هو من الملفات الحارقة والذي يجب أن تكون على ذمتهم لجنة طبية دائمة للحد من الضرر، وهم لا يتجاوز عددهم على أقصى تقدير 30 حالة".
أما بالنسبة للملف القضائي، قالت لمياء فالحي هو "عبارة عن الطامة الكبرى، فبعد مرور 12 سنة لا وجود لا لكشف الحقيقة ولا إنسان تمت محاسبته طبق القانون، فالملف مرّ في سنة 2011 على المحاكم المدنية ثم بعد خمسة أشهر تحول إلى المحاكم العسكرية، بعد أن أتلفت الأدلة وكان من المفترض أن يتحول قضاة التحقيق منذ الشهر الأولى إلى مواقع الأحداث وهو ما لم يحدث في ما يهم التفاصيل.. فالملف الوحيد الذي تمّ التحقيق فيه بجدية هو ملف تالة – القصرين، وتاهت بقية الملفات بين المراسلات الرسمية بين الإدارات والوزارات ولا تزال"، وأضافت "عندما تسملت المحاكم العسكرية ختمت الأبحاث بسرعة كبيرة يُستغرب لأمرها لحجم الحالات التي تضمنتها مختلف الملفات بثمانية ولايات، وما خلفها من أحكام وإسقاط معظمها بالاستئناف وتكييف البعض الآخر، بمعنى الملف تم التلاعب به".
وقالت لمياء فرحاني "بعد تحركات كبيرة والدخول في اعتصام في المجلس الوطني التأسيسي دام شهرين إلى صدر قانون عدد 17 لسنة 2014 وهو قانون متمم للعدالة الانتقالية وبذلك تم تركيز هيئة الحقيقة والكرامة وإعادة فتح الملفات وإحالتها على الدوائر القضائية المتخصصة".
لكن، وفق قولها "منذ 2018 إلى يومنا هذا أي بعد خمس سنوات كل القضايا بصدد التأجيل إلى جانب عدم تنفيذ بطاقات الجلب وأغلبية الفاعلين الأصليين لا يحضرون الجلسات، وكما حدث في المحاكم العسكرية ومع هيئة الحقيقة والكرامة وزارة الداخلية لم تُقدّم أي معطيات للدوائر القضائية المتخصصة. فبقينا في نفس النقطة والمكان ولا نعلم إلى اليوم من هم الفاعلون الأصليون ومن أطلق الرصاص، فكانت النتيجة إلى حد الآن لا وجود لمحاسبة وحكم يتماشى مع حجم الجريمة المرتكبة، فأغلبية القضايا بالمحاكم العسكرية والتي قد تفوق نسبتها إلى 80 بالمائة تمّ حفظها لعدم معرفة الجاني".
وأضافت "ما حدث إذن بعد 12 سنة القضايا التي تم حفظها في المحاكم العسكرية تحولت إلى المحاكم الإدارية لطلب التعويضات، والقضايا التي تم تحويل مسارها إلى هيئة الحقيقة والكرامة ومن ثمة إلى الدوائر القضائية المتخصصة فلا وجود لأي جديد يُذكر وذلك يعود إلى سبب وحيد وهو غياب الإرادة السياسية التي لا أستثني منها أحدا من سنة 2011 إلى اليوم".
وقالت لمياء فرحاني "أكثر شخص أحمله المسؤولية اليوم في هذا الملف هو رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي كان يُتابع معنا كل التفاصيل ومناصرا للقضية منذ عشر سنوات وكنت أستشيره في الكثير من المسائل القانونية وتمت دعوته في لجنة الشهداء والجرحى بالمجلس لإصدار قانون عدد 17 لسنة 2014، وبالتالي عاش معنا مظلمة المحكمة العسكرية وزارنا في موقع الاعتصام. ولكن بعد ذلك للأسف لم يعط الملف الأهمية المطلوبة".
وأوضحت "حتى نشر القائمة بالرائد الرسمي لم يتم إلا بعد اعتصامات وضغوطات كبيرة من عائلات الشهداء والجرحى".
في ما يخصّ المستوى الثالث من هذا الملف وهو الملف الاجتماعي، أوضحت محدثتنا "كان من المفترض عند نشر القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها التي صدرت سنة 2021- والتي كانت منقوصة وتم تقديم اعتراضات بخصوصها بأكثر من ألف طعن- تصبح هناك مستحقات بصفة آلية لفائدة الجرحى من ذلك تحويل بطاقة العلاج من مؤقتة إلى دائمة وهو ما لم يحدث إلى الآن، في نفس الإطار لم يحظى الجرحى بوظائف تتماشى مع وضعيتهم الصحية الحساسة، إلى جانب ذلك كان من الضروري تحديد الجرايات لعائلات الشهداء والتي انطلق النظر فيها قبل أيام من 25 جويلية 2021، ولكن تغير الوضع فبقي كل شيء على حاله إلى أن تمّ إصدار مرسوم مؤسسة "فداء" التي استقال منها رئيسها مؤخرا ليبقى الملف في نقطة البداية دون أي تقدم، فبين أيدينا ملف شائك عن قضية إنسانية عادلة لم تحظ بحقوقها".
عادل بن غازي ناشط حقوقي مهتم بملف شهداء الثورة وجرحاها: بقاء الملف على حاله مسألة منتظرة ومتوقعة.. ولابد من معالجته بعيدا عن "الدمج"
أوضح الناشط الحقوقي المهتم بملف شهداء الثورة وجرحاها عادل بن غازي أن "محمد الشابي لا يُعد جريح الثورة الوحيد الذي عمد إلى حرق جسده خلال هاتين السنتين، سبقه كمال عبادلية من سيدي بوزيد في أفريل 2021 وأيضا ناجي الحفيان في سبتمبر من نفس السنة في العاصمة".
وأضاف "لا أريد أن أتحدث عن أسباب الانتحار بل يجب أن نقول هي نتائج حتمية لإهمال الدولة، فمن المفترض أن يكون جريح الثورة وعائلة شهيد أو شهيدة محط اهتمام السلطة وعنايتها. أي لا يُتركون في وضع خصاصة أو احتياج في أي مستلزمات من الحياة اليومية.
فالمسؤولية الكاملة تتحملها الدولة، فالضغوطات والوضعيات النفسية التي مروا بها منذ الثورة أي منذ 12 سنة من الطبيعي أن تولد تلك الحالات من الإحباط واليأس بالرغم من المكانة التي حضوا بها في الأشهر الأولى من الثورة".
ويبيّن بن غازي "لكن للأسف هذه السلطة استغلت هذا الملف في الوعود الانتخابية، ووعدت بحلّ الملف نهائيا. فرئيس الدولة قيس سعيد تابع ملف شهداء الثورة وجرحاها منذ سنتي 2011 و2012 وكان يواكب حتى الاعتصامات والإضراب عن الطعام وكان يساندهم ويشارك معهم حتى في المسيرات".
وأضاف "لا أستطيع أن أقول أنه مواكب للملف بصفة معمقة ولكن على الأقل كان مطلعا على تفاصيل وأحداث، وبالتالي السلطة لم تكن في مستوى حجم الملف خاصة منهم جرحى الثورة وعائلاتهم التي تعاني وتواجه ظروف وأحداث يومية قاسية لا يعلمها العديد من عامة الشعب، فمن المفترض أن يتولى هذا الملف مختصون يعاينون كيف يتعايش الجرحى في وسطهم العائلي ومحيطهم الخارجي".
وأفاد عادل بن غازي "أعتقد أن ما حدث لمحمد الشابي ومن سبقه من جرحى الثورة هي نتيجة حتمية لإهمال الدولة الذي تجسد أيضا في ملف طارق الدزيري الذي رافقته يوم 2 جانفي 2020 إلى رئاسة الحكومة للقاء رئيسة الهيئة للمطالبة بتوفير الدواء، فتوفي يوم 18 جانفي من نفس السنة دون أن يصله الدواء بالرغم من وعده بأنه سيتحصل عليه خلال يومين. لذلك أطالب بمحاسبتها هي وغيرها ممن تسلموا هذا الملف".
وأوضح بن غازي "طارق الدزيري توفي لارتفاع درجة حرارته التي بلغت 40، ورحل وهو موجوع، لا اعتراض على قضاء الله، ولكن من المفترض أن يتوفى في ظروف عادية وأحسن من تلك التي مرّ بها، وكان من المفترض أن يكون محاطا على أقل طبيب أو بأحد من أعضاء الهيئة العامة للمقاومين ولشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، ماذا كانوا يفعلون حينها، فالتغيير الوحيد الذي حدث لهؤلاء المسؤولين هو تغيير مناصبهم إلى الأحسن والأفضل وبقي الملف في مكانه".
وأضاف "بقاء الملف على حاله مسألة منتظرة ومتوقعة، فمنذ أواخر 2011 وبداية سنة 2012 تمّ إحداث لجنة شهداء وجرحى الثورة والعفو التشريعي العام بالمجلس الوطني التأسيسي وفي ذلك الوقت بادرت وقلت لابد من معالجة ملف الشهداء والجرحى على حدا دون أن يتم دمجه مع أي ملف كان".
وبيّن عادل بن غازي "الملف كان حارقا ومع ذلك تم إدماجه لخدمة ملف العفو التشريعي العام الذي كان من المفترض على أن يتم معالجته على حدا أيضا لأهميته من حيث ضرورة جبر الضرر والاعتذار واسترداد حقوق هؤلاء من الدولة".
وبيّن "تواصل الإشكال في سنة 2014 بعد أن تمّ إحداث الهيئة العامة لشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية وكان ذلك في عهد مجدولين الشارني، وتم توظيف أيضا الملف وتواصلت نفس السياسة التي أفضت اليوم إلى إحداث مؤسسة "فداء" وتم تذييل ملف شهداء الثورة وجرحاها في آخر المرسوم بعد أن كان في مقدمة الملفات والتسميات والهيئات".
وأوضح "أرى أن نفس المنهج والسياسة والمنظومة هي من بصدد معالجة هذا الملف، فهناك خوف من هذه القضية وللأسف مازالوا إلى اليوم يضعون "ساق في الثورة وأخرى في النظام السابق".
وقال "كل الحكومات التي مرت بعد الثورة أثبتت فشلها الذريع في هذا الملف بالذات أو بالأحرى في جميع الملفات الحارقة في البلاد، وستبقى تلاحقهم لعنة دماء شهداء الثورة وجرحاها، ولن يتم التقدم في أي خطوة ما لم تكن هناك محاسبة وما لم يفتح هذا الملف وما لم تتراجع ظاهرة الإفلات من العقاب التي هي مصيبة".
وأضاف "للأسف رئيس الجمهورية يسير في نفس المنهج، وقفز نحو المصالحة وهذا غير معقول، فلكي تهدأ النفوس وتتحقق فعلا العدالة الانتقالية وفتح صفحة جديدة وتحقيق شعار الشعب يريد يجب فعلا أن تتم المحاسبة. والناس الذين ماتوا أولادهم يريدون كشف الحقيقة ومن حقهم معرفة الجناة ولهم حرية الصفح من عدمها وليس من حق السلطة أن تُقرر عوضا عنهم".
مؤسسة "فداء".. هل تسرّع في إنصاف شهداء الثورة وجرحاها؟
صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، في عدده المنشور يوم 9 أفريل 2022، مرسوم يتعلق بـ"مؤسسة فداء للإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها".
وبناء على ما جاء في المرسوم "تُحدث مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية يطلق عليها اسم "مؤسسة فداء"، وتخضع لإشراف رئاسة الجمهورية ويكون مقرها بتونس العاصمة. ويضبط التنظيم الإداري والمالي وطرق سير مؤسسة فداء بأمر رئاسي".
الهدف من إحداث مؤسسة فداء "الإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها" وأيضا "الإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها".
وقد دشّن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 24 جوان 2022 مقر «مؤسسة فداء» في موكب حضرته رئيسة الحكومة نجلاء بودن، وقد تم ترميم المقر في خمسة أيام من قبل المؤسسة العسكرية وهو من بين العقارات المصادرة. وتمّ ضبط تركيبتها وطريقة تسييرها بأمر رئاسي صدر في 22 ديسمبر 2022.
في ما يخص الإحاطة بأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها، سواء تعلق الأمر بالجرايات أو الرعاية الصحية والاجتماعية.. فقد حدد المرسوم المذكور التفاصيل، ففيما يتعلق بالجرايات، تسند لأولي الحق من شهداء الثورة جراية شهرية يساوي مقدارها ثلاث مرات الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل لنظام 40 ساعة عمل في الأسبوع، في حين يتمتع جرحى الثورة الذين أصيبوا بسقوط بدني مستمر بجراية شهرية يضبط مقدارها على أساس نسبة السقوط، فبالنسبة إلى الجريح المصاب بسقوط تتراوح نسبته بين 6 و25 بالمائة تساوي الجراية الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل حسب نظام 40 ساعة عمل في الأسبوع، و بالنسبة إلى الجريح المصاب بسقوط تتراوح نسبته بين 26 و50 بالمائة فهي تساوي الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل حسب نظام 40 ساعة عمل في الأسبوع ضارب اثنين، وبالنسبة إلى الجريح المصاب بسقوط تتجاوز نسبته 50 بالمائة فتعادل الجراية الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل حسب نظام 40 ساعة عمل في الأسبوع ضارب ثلاثة.. ويتم الترفيع في مبلغ الجراية بنسبة عشرة بالمائة عن كل ابن في الكفالة في حدود ثلاثة أبناء، وذلك إلى حين بلوغهم سن 18 سنة أو إلى نهاية مراحل تعلمهم على أن لا يتجاوزوا خمسة وعشرين سنة ويبقى الترفيع في الجراية قائما إلى ما بعد بلوغ سن 18 سنة بالنسبة إلى البنت التي لم يتوفر لها كسب أو لم تجب نفقتها على زوجها وبالنسبة إلى الأبناء إذا كانوا مصابين بمرض أو عجز يجعلهم غير قادرين على تعاطي أي نشاط بأجر. وتتم مراجعة مبالغ الجرايات الشهرية المخولة لفائدة جرحى الثورة المصابين بسقوط بدني مستمر ولفائدة أولي الحق من شهدائها كلما تمت مراجعة مبلغ الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل لنظام 40 ساعة عمل في الأسبوع، كما تتم مراجعة مبالغ الجرايات الخاصة بالجرحى في صورة تفاقم الأضرار الناتجة عن السقوط البدني المستمر.
وزيادة على الجرايات يتمتع أولو الحق من شهداء الثورة وجرحاها بالعلاج المجاني بالهياكل الصحيّة العمومية، بما في ذلك المستشفيات العسكرية ومستشفى قوات الأمن الداخلي وفقا لاتفاقيّة تبرم للغرض مع مؤسسة فداء، وتحمل مصاريف العلاج والآلات الطبية والأعضاء الاصطناعية الميسّرة للإدماج على حساب ميزانية مؤسسة فداء، وعند الاقتضاء، تتكفل مؤسسة فداء بمصاريف علاج جرحى الثورة بالمؤسسات الصحية الخاصة أو خارج أرض الوطن بناء على رأي لجنة طبية مختصة. ومن المنافع الأخرى المخولة لأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها مجانية النقل بواسطة وسائل النقل البري العمومي في كامل تراب الجمهورية ومجانية الدخول إلى المتاحف والمواقع الأثرية والملاعب الرياضية والفضاءات الثقافية العمومية والإعفاء من المعاليم والأداءات المستوجبة عند توريد عربة مجهّزة للغرض والأولية في الانتفاع بالسكن الاجتماعي للذين لا يملكون مسكنا ومن يملكون المسكن فلهم الأولوية في التمتع ببرنامج تحسين المسكن. أما أبناء شهداء الثورة وجرحاها الذين يزاولون تعلّمهم فيقع تمتيعهم بمنحة شهرية يتم ضبط مقدارها بقرار من رئيس مؤسسة فداء، ويتم صرفها للمعني بالأمر بعد موافاة المؤسسة في بداية السنة الدراسية أو الجامعية بما يفيد ترسيمه بإحدى المؤسسات التعليمية أو التكوينية، كما يتمتع الأبناء بأولوية السكن المدرسي والجامعي طيلة مدة تعليمهم، وإضافة إلى ذلك تتولى مؤسسة فداء تقديم المساعدات اللازمة لأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها لبعث مشاريع اقتصادية بالتنسيق مع الهياكل والمصالح الإدارية المعنية.
ويراعى في إسناد الجرايات والمنافع والامتيازات سالفة الذكر، المستحقات والتعويضات التي حصل عليها ضحايا الاعتداءات الإرهابية، والأحكام القضائية الباتة المتعلقة بشهداء الثورة وجرحاها.
لكن على ما يبدو أن مسار المؤسسة وبداية انطلاق أشغالها لن يكون سهلا، في ظل ما أكّده كاتب عام الحكومة خلال لقائه بممثلي عائلات شهداء الثورة وجرحاها، يوم 31 جانفي المنقضي على إثر وقفة احتجاجية تم تنفيذها بساحة القصبة، استقالة رئيس مؤسسة «فداء»، محمد الطيب الغزي المعين بمقتضى أمر رئاسي صادر بتاريخ 3 نوفمبر 2022.
مسلم قصد الله لـ"الصباح": كلما تقدم الملف خطوة يُثار مشكل آخر يُعيدنا إلى النقطة الصفر
تونس – الصباح
يتساقط جرحى الثورة الواحد تلو الآخر إما بعد صراع مع المرض أو بعد إقدامهم على الانتحار حرقا على غرار جريح الثورة محمد الشابي الذي توفي يوم 23 جانفي 2023 متأثرا بالحروق التي طالت جسده بعد أن أضرم النار فيه أمام مقر ولاية نابل.
قبل أشهر قليلة وتحديدا في سبتمبر 2022 توفي أيضا جريح الثورة منتصر الدخلاوي بنابل بعد صراع طويل مع المرض، وتوفي يوم 17 أفريل 2021 جريح الثورة كمال عبادلية بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس متأثرا بالحروق التي أصابته بعد أن أضرم النار بجسده قبل يوم أمام مقر معتمدية سيدي بوزيد الغربية.
خبر وفاة جريح الثورة طارق الدزيري يوم 18 جانفي 2020، نزل أيضا كالصاعقة على متابعي ملفه من نشطاء في المجتمع المدني وأيضا على بقية جرحى الثورة. فالدزيري أصيب يوم 12 جانفي 2011 برصاصتين ظلت أحداهما مستقرة في كبده طيلة تسع سنوات، خلفت تقرحات نهشت جسده لتتوفاه المنية بعد معاناة طويلة عجز خلالها وفي أغلب الأحيان عن توفير الدواء.
قبل سنوات من ذلك توفي أيضا جريح الثورة محمد الحنشي وتحديدا في 26 فيفري 2016 اثر تدهور وضعه الصحي ورغم النداءات المتكررة للسلط والتبليغ عن وضعيته الحرجة إلا أنه لا حياة لمن تنادي.
إعداد إيمان عبد اللطيف
أكّد جريح الثورة مسلم قصد الله في تصريح لـ"الصباح" أن "حادثة انتحار الجريح محمد الشابي كان لها الوقع الكبير على نفسيتي كغيرها من حالات الوفاة التي شملت بقية الجرحى الذين توفوا أو من هم على قيد الحياة ولكنهم يواجهون مصاعب كبيرة ويعيشون في ظروف لا إنسانية بسبب الإهمال".
وأضاف قصد الله "طبعا أحاول أن أتمالك نفسي، ففي فترات أكون مفعم بالأمل وأخرى أنهار خاصة عندما أرى والدتي تعاني المرض والأرق بسبب الحادثة التي تعرضت لها، فأمي بسبب تلك الحادثة أصيبت بمرض السكري ما أثر على بصرها فلم تعد ترى إلى جانب مخلفات أخرى عائلية واجتماعية".
تساءل مسلم قصد الله "لماذا هذا الملف كلما نتقدم فيه في خطوة يُثار مشكل آخر يُعيدنا إلى النقطة الصفر وتحدث عراقيل أكثر من قبل، خاصة في ما يتعلق بمسألة العلاج والذي بقي بآليات وقرارات مؤقتة، فالجريح لا يدخل إلى المستشفى العسكري إلا بمراسلة، وأحيانا تُهدد بحرق نفسك لتخضع للعلاج، وهذا قد يوصل الإنسان إلى لحظة من لحظات اليأس قد تدفعه إلى التفكير في الانتحار وإنهاء المعاناة، فالسلطة لا ترغب في غلق هذا الملف وإعطاء الحقوق لأصحابها".
وقال قصد الله "خضعت إلى 37 عملية جراحية، وأجلت العملية القادمة إلى موعد غير محدد لعدة أسباب منها النفسي والاجتماعي والمالي. أعلم أن نسبة السقوط والأضرار في تفاقم واليوم يفرق في الحالات المستعجلة".
وأوضح "نفسيتنا حدّث ولا حرج، أقسم أن جلنا ينام على إثر تناول أدوية الأعصاب وأنا منهم، وبالتالي ما نتمناه أن يتمّ غلق الملف وتتحمل الدولة مسؤولية استمرارية علاجنا، لماذا لا تكون لدينا بطاقة علاج دائمة فلا نبقى رهائن لمراسلات المديرين والمسؤولين الذين يتم تغييرهم في كل مرة ومع كل تغيير يُعاد فتح الملفات من جديد".
وأفاد "هذا الظلم لا ينسحب فقط على الجرحى الذين وردت أسماؤهم بالقائمة النهائية، وإنما أيضا على من تم استثنائهم منها فهم حرموا من العلاج ومن البطاقات المؤقتة، أتمنى أن يتم إنصافهم".
وأضاف "في هذا السياق نفذنا الثلاثاء 31 جانفي 2023، وقفة احتجاجية بساحة الحكومة بالقصبة وتم استقبال ممثلين عنا من طرف كاتب عام الحكومة والذي كان مرفوقا برئيسة للهيئة العامة للمقاومين ولشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية فوزية اليعقوبي".
وقال مسلم قصد الله "تم الاتفاق مبدئيا على عقد جلسة بتاريخ 3 مارس القادم تنتهي إلى إمضاء محضر اتفاق حول مطالب عائلات الشهداء والجرحى، مشيرا بخصوص تسهيل علاج الجرحى إلى أن كاتب عام الحكومة وعد بمراسلة رئيسة الحكومة لكي تتصل بدورها برئيس الجمهورية لإعطاء الإذن بتمكين جرحى الثورة من العلاج بالمستشفى العسكري".
مسار عسير لملف شهداء الثورة وجرحاها..
مرت 12 سنة على أحداث الثورة وسقوط شهداء وجرحى والحال على ما هو، والملف يزداد تعقيدا ومماطلة مع كل حكومة وبعد كل انتخابات، تتغير الأسماء والهياكل دون أن يحدث أي تقدّم يُذكر في ملف وقضايا شهداء الثورة وجرحاها. بل العكس تماما ما يحدث اليوم هو مزيد من الشعور باليأس والإحباط وتفاقم الأضرار الصحية للجرحى.
مسار طويل مرّ به هذا الملف منذ سنة 2011، ملف تم استغلاله والتلاعب به في كل المحطات السياسية والانتخابية، فلم تصدر قائمة شهداء الثورة ومصابيها إلا يوم 19 مارس 2021، بقرار من رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان ورئيس لجنة شهداء الثورة ومصابيها بالعدد 26 من الرائد الرسمي.
فتضمّنت 129 شهيدًا و634 جريحًا في الفترة الممتدّة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. كما صدر الأمر الحكومي عدد 202 لسنة 2021 المتعلّق بالمصادقة على القائمة الاسمية للشهداء والجرحى من العسكريين الذين استشهدوا أو أصيبوا في إطار أداء واجبهم المهني خلال أحداث الثورة، تضمّنت القائمة 5 شهداء و32 جريحًا.
قبل ذلك كان المخاض عسيرا، شهد تحركات نضالية طويلة واعتصامات ومسيرات نفذها على مدى سنوات عائلات الشهداء وجرحى الثورة مطالبين بالاعتراف بهم وإصدار القائمة النهائية.
البداية كانت بإصدار مرسوم عدد 97 لسنة 2011 المتعلّق بالتعويض لشهداء الثورة وجرحاها، ثم إحداث لجنة صلب المجلس الوطني التأسيسي سميت بلجنة شهداء وجرحى الثورة وتفعيل العفو التشريعي العام، ثم بعد ذلك تعهدت هيئة الحقيقة والكرامة منذ سنة 2014 بملفّات الشهداء والجرحى وإدراجهم ضمن قائمة المستفيدين من التعويضات.
بعد ذلك صدر أمر حكومي عدد 338 لسنة 2016 مؤرخ في 9 مارس 2016 يتعلق بإحداث هيئة عامة لشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية وضبط مشمولاتها، وقائمة الهياكل والإدارات تتغير في كلّ مرة.
بعد ذلك صدر المرسوم عدد 20 لسنة 2022 في 9 أفريل 2022 والذي أثار استياء عدد من عائلات شهداء الثورة وجرحاها من الذين تمسكوا منذ سنة 2011 بمطلب إنشاء مؤسسة خاصة بهم دون سواهم، والذين سبق لهم أن قدموا مقترح قانون في الغرض للمجلس الوطني التأسيسي، لكن التأسيسي أمزج ملف الشهداء والجرحى مع ملف المتمتعين بالعفو التشريعي..
وبعد انتخابات 2014 تم إدماج ملف المقاومين مع ملفهم، واليوم يتم إدماج ملف ضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة مع ملفهم والحال أن كل ملف من هذه الملفات له خصوصياته.
وإضافة إلى استيائهم من عدم إنشاء مؤسسة خاصة بهم، فإن المرسوم عدد 20 حسب رأيهم لم يعترف إلا بقائمة الشهداء والجرحى المنشورة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في عدده 26 الصادر بتاريخ 19 مارس 2021 والتي أسقطت أسماء العديد من الجرحى والشهداء ممن تم ذكرهم في تقرير اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات بين 17 ديسمبر 2010 وحتى انتهاء مهام تلك اللجنة التي ترأسها الأستاذ توفيق بودربالة.
كما أن المرسوم عدد 20 لا يضيف الكثير لعائلات الشهداء وجرحى الثورة عما جاء به المرسوم عدد 97 لسنة 2011 المتعلق بالتعويض لشهداء ثورة 14 جانفي 2011 ومصابيها وفق العديد من التحاليل والقراءات والانتقادات.
لمياء فرحاني رئيسة منظمة أوفياء لشهداء الثورة وجرحاها: 30 جريحا حالاتهم الصحية تتطلب تدخلا عاجلا ..
أوضحت رئيسة منظمة أوفياء لشهداء الثورة وجرحاها لمياء فرحاني أن "يعمد أي شخص إلى الانتحار حرقا، فهذا يعني أنه وصل إلى أقصى درجات اليأس بسبب عدم إيفاء الدولة بالتزاماتها تجاه هذا ملف شهداء الثورة وجرحاها. ولا يُعد محمد الشابي الجريح الوحيد الذي عمد إلى حرق نفسه ما انجر عن الحادثة وفاته وقد لا يكون الأخير في ظل هذا التلكؤ.
ملف شهداء الثورة وجرحاها يقوم على ثلاث مستويات، المستوى القضائي، المستوى العلاجي والمستوى الاجتماعي الذي قامت على أساسه شعارات الثورة شغل حرية كرامة وطنية".
وأضافت فرحاني "في الملف العاجل والذي يتعلق بعلاج الجرحى، منذ 12 سنة وأنا بصدد التنبيه إلى مسألة "تفاقم الأضرار" بسبب الإصابات التي تعرض لها الجرحى بإطلاق الرصاص، فالبعض خضع إلى عمليات جراحية عاجلة في أولى أيام الثورة ولكن لم تكن بالنجاعة اللازمة والتي تمت في ظروف غير عادية فلم يتم استئصال الرصاص والشظايا كما يجب، ما خلف أضرارا ومخلفات جسيمة، إلى جانب الغياب التام للتأهيل النفسي الذي هم في حاجة ماسة له والاكتفاء بمعالجتهم بمستشفى الرازي وكأنهم مرضى أعصاب".
مقابل كل هذا، قالت منظمة أوفياء لشهداء الثورة وجرحاها "العديد من اللجان الطبية التي تتغير كل فترة بتغير الحكومات والمسؤولين والتركيبات والهيئات والتسميات، يُضاف إلى ذلك غياب المعلومة عن جرحى الثورة بوجود لجنة طبية مختصة في الحالات الحرجة جدا والذين يحتاجون إلى مصاريف كبيرة ومتابعة مستمرة كل ستة أشهر وهم ما لم يتم إلى يومنا هذا ولا وجود لأي استمرارية لمتابعة الملفات عبر شباك موحد يتناول جميع الحالات".
فأكدت "ملف شهداء الثورة وجرحاها مرّ بعدة محطات زمنية من الهيئة العليا لحقوق الإنسان ثم المجلس الوطني التأسيسي ثم وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ثم وزارة حقوق الإنسان فقط ثم كتابة الدولة لشهداء وجرحى الثورة ثمّ الهيئة العامة لشهداء وجرحى الثورة ثم تمّ ضمها لرئاسة الحكومة.. وفي خضم كل ذلك اللجان الطبية تتغير وفق هذه التغيرات فيعاد فتح الملفات في كل مرة من أول جديد في المقابل الأضرار بصدد التفاقم يوما بعد يوم. فكان من المفترض أن تكون هناك استمرارية في معالجة الملفات الطبية".
وأضافت "جميع الجرحى الآن يشكون من تفاقم أضرار إصاباتهم خاصة من مازالت أجسادهم حاملة للرصاص، وبالتالي الملف الطبي والتأهيل النفسي هو من الملفات الحارقة والذي يجب أن تكون على ذمتهم لجنة طبية دائمة للحد من الضرر، وهم لا يتجاوز عددهم على أقصى تقدير 30 حالة".
أما بالنسبة للملف القضائي، قالت لمياء فالحي هو "عبارة عن الطامة الكبرى، فبعد مرور 12 سنة لا وجود لا لكشف الحقيقة ولا إنسان تمت محاسبته طبق القانون، فالملف مرّ في سنة 2011 على المحاكم المدنية ثم بعد خمسة أشهر تحول إلى المحاكم العسكرية، بعد أن أتلفت الأدلة وكان من المفترض أن يتحول قضاة التحقيق منذ الشهر الأولى إلى مواقع الأحداث وهو ما لم يحدث في ما يهم التفاصيل.. فالملف الوحيد الذي تمّ التحقيق فيه بجدية هو ملف تالة – القصرين، وتاهت بقية الملفات بين المراسلات الرسمية بين الإدارات والوزارات ولا تزال"، وأضافت "عندما تسملت المحاكم العسكرية ختمت الأبحاث بسرعة كبيرة يُستغرب لأمرها لحجم الحالات التي تضمنتها مختلف الملفات بثمانية ولايات، وما خلفها من أحكام وإسقاط معظمها بالاستئناف وتكييف البعض الآخر، بمعنى الملف تم التلاعب به".
وقالت لمياء فرحاني "بعد تحركات كبيرة والدخول في اعتصام في المجلس الوطني التأسيسي دام شهرين إلى صدر قانون عدد 17 لسنة 2014 وهو قانون متمم للعدالة الانتقالية وبذلك تم تركيز هيئة الحقيقة والكرامة وإعادة فتح الملفات وإحالتها على الدوائر القضائية المتخصصة".
لكن، وفق قولها "منذ 2018 إلى يومنا هذا أي بعد خمس سنوات كل القضايا بصدد التأجيل إلى جانب عدم تنفيذ بطاقات الجلب وأغلبية الفاعلين الأصليين لا يحضرون الجلسات، وكما حدث في المحاكم العسكرية ومع هيئة الحقيقة والكرامة وزارة الداخلية لم تُقدّم أي معطيات للدوائر القضائية المتخصصة. فبقينا في نفس النقطة والمكان ولا نعلم إلى اليوم من هم الفاعلون الأصليون ومن أطلق الرصاص، فكانت النتيجة إلى حد الآن لا وجود لمحاسبة وحكم يتماشى مع حجم الجريمة المرتكبة، فأغلبية القضايا بالمحاكم العسكرية والتي قد تفوق نسبتها إلى 80 بالمائة تمّ حفظها لعدم معرفة الجاني".
وأضافت "ما حدث إذن بعد 12 سنة القضايا التي تم حفظها في المحاكم العسكرية تحولت إلى المحاكم الإدارية لطلب التعويضات، والقضايا التي تم تحويل مسارها إلى هيئة الحقيقة والكرامة ومن ثمة إلى الدوائر القضائية المتخصصة فلا وجود لأي جديد يُذكر وذلك يعود إلى سبب وحيد وهو غياب الإرادة السياسية التي لا أستثني منها أحدا من سنة 2011 إلى اليوم".
وقالت لمياء فرحاني "أكثر شخص أحمله المسؤولية اليوم في هذا الملف هو رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي كان يُتابع معنا كل التفاصيل ومناصرا للقضية منذ عشر سنوات وكنت أستشيره في الكثير من المسائل القانونية وتمت دعوته في لجنة الشهداء والجرحى بالمجلس لإصدار قانون عدد 17 لسنة 2014، وبالتالي عاش معنا مظلمة المحكمة العسكرية وزارنا في موقع الاعتصام. ولكن بعد ذلك للأسف لم يعط الملف الأهمية المطلوبة".
وأوضحت "حتى نشر القائمة بالرائد الرسمي لم يتم إلا بعد اعتصامات وضغوطات كبيرة من عائلات الشهداء والجرحى".
في ما يخصّ المستوى الثالث من هذا الملف وهو الملف الاجتماعي، أوضحت محدثتنا "كان من المفترض عند نشر القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها التي صدرت سنة 2021- والتي كانت منقوصة وتم تقديم اعتراضات بخصوصها بأكثر من ألف طعن- تصبح هناك مستحقات بصفة آلية لفائدة الجرحى من ذلك تحويل بطاقة العلاج من مؤقتة إلى دائمة وهو ما لم يحدث إلى الآن، في نفس الإطار لم يحظى الجرحى بوظائف تتماشى مع وضعيتهم الصحية الحساسة، إلى جانب ذلك كان من الضروري تحديد الجرايات لعائلات الشهداء والتي انطلق النظر فيها قبل أيام من 25 جويلية 2021، ولكن تغير الوضع فبقي كل شيء على حاله إلى أن تمّ إصدار مرسوم مؤسسة "فداء" التي استقال منها رئيسها مؤخرا ليبقى الملف في نقطة البداية دون أي تقدم، فبين أيدينا ملف شائك عن قضية إنسانية عادلة لم تحظ بحقوقها".
عادل بن غازي ناشط حقوقي مهتم بملف شهداء الثورة وجرحاها: بقاء الملف على حاله مسألة منتظرة ومتوقعة.. ولابد من معالجته بعيدا عن "الدمج"
أوضح الناشط الحقوقي المهتم بملف شهداء الثورة وجرحاها عادل بن غازي أن "محمد الشابي لا يُعد جريح الثورة الوحيد الذي عمد إلى حرق جسده خلال هاتين السنتين، سبقه كمال عبادلية من سيدي بوزيد في أفريل 2021 وأيضا ناجي الحفيان في سبتمبر من نفس السنة في العاصمة".
وأضاف "لا أريد أن أتحدث عن أسباب الانتحار بل يجب أن نقول هي نتائج حتمية لإهمال الدولة، فمن المفترض أن يكون جريح الثورة وعائلة شهيد أو شهيدة محط اهتمام السلطة وعنايتها. أي لا يُتركون في وضع خصاصة أو احتياج في أي مستلزمات من الحياة اليومية.
فالمسؤولية الكاملة تتحملها الدولة، فالضغوطات والوضعيات النفسية التي مروا بها منذ الثورة أي منذ 12 سنة من الطبيعي أن تولد تلك الحالات من الإحباط واليأس بالرغم من المكانة التي حضوا بها في الأشهر الأولى من الثورة".
ويبيّن بن غازي "لكن للأسف هذه السلطة استغلت هذا الملف في الوعود الانتخابية، ووعدت بحلّ الملف نهائيا. فرئيس الدولة قيس سعيد تابع ملف شهداء الثورة وجرحاها منذ سنتي 2011 و2012 وكان يواكب حتى الاعتصامات والإضراب عن الطعام وكان يساندهم ويشارك معهم حتى في المسيرات".
وأضاف "لا أستطيع أن أقول أنه مواكب للملف بصفة معمقة ولكن على الأقل كان مطلعا على تفاصيل وأحداث، وبالتالي السلطة لم تكن في مستوى حجم الملف خاصة منهم جرحى الثورة وعائلاتهم التي تعاني وتواجه ظروف وأحداث يومية قاسية لا يعلمها العديد من عامة الشعب، فمن المفترض أن يتولى هذا الملف مختصون يعاينون كيف يتعايش الجرحى في وسطهم العائلي ومحيطهم الخارجي".
وأفاد عادل بن غازي "أعتقد أن ما حدث لمحمد الشابي ومن سبقه من جرحى الثورة هي نتيجة حتمية لإهمال الدولة الذي تجسد أيضا في ملف طارق الدزيري الذي رافقته يوم 2 جانفي 2020 إلى رئاسة الحكومة للقاء رئيسة الهيئة للمطالبة بتوفير الدواء، فتوفي يوم 18 جانفي من نفس السنة دون أن يصله الدواء بالرغم من وعده بأنه سيتحصل عليه خلال يومين. لذلك أطالب بمحاسبتها هي وغيرها ممن تسلموا هذا الملف".
وأوضح بن غازي "طارق الدزيري توفي لارتفاع درجة حرارته التي بلغت 40، ورحل وهو موجوع، لا اعتراض على قضاء الله، ولكن من المفترض أن يتوفى في ظروف عادية وأحسن من تلك التي مرّ بها، وكان من المفترض أن يكون محاطا على أقل طبيب أو بأحد من أعضاء الهيئة العامة للمقاومين ولشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، ماذا كانوا يفعلون حينها، فالتغيير الوحيد الذي حدث لهؤلاء المسؤولين هو تغيير مناصبهم إلى الأحسن والأفضل وبقي الملف في مكانه".
وأضاف "بقاء الملف على حاله مسألة منتظرة ومتوقعة، فمنذ أواخر 2011 وبداية سنة 2012 تمّ إحداث لجنة شهداء وجرحى الثورة والعفو التشريعي العام بالمجلس الوطني التأسيسي وفي ذلك الوقت بادرت وقلت لابد من معالجة ملف الشهداء والجرحى على حدا دون أن يتم دمجه مع أي ملف كان".
وبيّن عادل بن غازي "الملف كان حارقا ومع ذلك تم إدماجه لخدمة ملف العفو التشريعي العام الذي كان من المفترض على أن يتم معالجته على حدا أيضا لأهميته من حيث ضرورة جبر الضرر والاعتذار واسترداد حقوق هؤلاء من الدولة".
وبيّن "تواصل الإشكال في سنة 2014 بعد أن تمّ إحداث الهيئة العامة لشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية وكان ذلك في عهد مجدولين الشارني، وتم توظيف أيضا الملف وتواصلت نفس السياسة التي أفضت اليوم إلى إحداث مؤسسة "فداء" وتم تذييل ملف شهداء الثورة وجرحاها في آخر المرسوم بعد أن كان في مقدمة الملفات والتسميات والهيئات".
وأوضح "أرى أن نفس المنهج والسياسة والمنظومة هي من بصدد معالجة هذا الملف، فهناك خوف من هذه القضية وللأسف مازالوا إلى اليوم يضعون "ساق في الثورة وأخرى في النظام السابق".
وقال "كل الحكومات التي مرت بعد الثورة أثبتت فشلها الذريع في هذا الملف بالذات أو بالأحرى في جميع الملفات الحارقة في البلاد، وستبقى تلاحقهم لعنة دماء شهداء الثورة وجرحاها، ولن يتم التقدم في أي خطوة ما لم تكن هناك محاسبة وما لم يفتح هذا الملف وما لم تتراجع ظاهرة الإفلات من العقاب التي هي مصيبة".
وأضاف "للأسف رئيس الجمهورية يسير في نفس المنهج، وقفز نحو المصالحة وهذا غير معقول، فلكي تهدأ النفوس وتتحقق فعلا العدالة الانتقالية وفتح صفحة جديدة وتحقيق شعار الشعب يريد يجب فعلا أن تتم المحاسبة. والناس الذين ماتوا أولادهم يريدون كشف الحقيقة ومن حقهم معرفة الجناة ولهم حرية الصفح من عدمها وليس من حق السلطة أن تُقرر عوضا عنهم".
مؤسسة "فداء".. هل تسرّع في إنصاف شهداء الثورة وجرحاها؟
صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، في عدده المنشور يوم 9 أفريل 2022، مرسوم يتعلق بـ"مؤسسة فداء للإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها".
وبناء على ما جاء في المرسوم "تُحدث مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية يطلق عليها اسم "مؤسسة فداء"، وتخضع لإشراف رئاسة الجمهورية ويكون مقرها بتونس العاصمة. ويضبط التنظيم الإداري والمالي وطرق سير مؤسسة فداء بأمر رئاسي".
الهدف من إحداث مؤسسة فداء "الإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها" وأيضا "الإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها".
وقد دشّن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 24 جوان 2022 مقر «مؤسسة فداء» في موكب حضرته رئيسة الحكومة نجلاء بودن، وقد تم ترميم المقر في خمسة أيام من قبل المؤسسة العسكرية وهو من بين العقارات المصادرة. وتمّ ضبط تركيبتها وطريقة تسييرها بأمر رئاسي صدر في 22 ديسمبر 2022.
في ما يخص الإحاطة بأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها، سواء تعلق الأمر بالجرايات أو الرعاية الصحية والاجتماعية.. فقد حدد المرسوم المذكور التفاصيل، ففيما يتعلق بالجرايات، تسند لأولي الحق من شهداء الثورة جراية شهرية يساوي مقدارها ثلاث مرات الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل لنظام 40 ساعة عمل في الأسبوع، في حين يتمتع جرحى الثورة الذين أصيبوا بسقوط بدني مستمر بجراية شهرية يضبط مقدارها على أساس نسبة السقوط، فبالنسبة إلى الجريح المصاب بسقوط تتراوح نسبته بين 6 و25 بالمائة تساوي الجراية الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل حسب نظام 40 ساعة عمل في الأسبوع، و بالنسبة إلى الجريح المصاب بسقوط تتراوح نسبته بين 26 و50 بالمائة فهي تساوي الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل حسب نظام 40 ساعة عمل في الأسبوع ضارب اثنين، وبالنسبة إلى الجريح المصاب بسقوط تتجاوز نسبته 50 بالمائة فتعادل الجراية الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل حسب نظام 40 ساعة عمل في الأسبوع ضارب ثلاثة.. ويتم الترفيع في مبلغ الجراية بنسبة عشرة بالمائة عن كل ابن في الكفالة في حدود ثلاثة أبناء، وذلك إلى حين بلوغهم سن 18 سنة أو إلى نهاية مراحل تعلمهم على أن لا يتجاوزوا خمسة وعشرين سنة ويبقى الترفيع في الجراية قائما إلى ما بعد بلوغ سن 18 سنة بالنسبة إلى البنت التي لم يتوفر لها كسب أو لم تجب نفقتها على زوجها وبالنسبة إلى الأبناء إذا كانوا مصابين بمرض أو عجز يجعلهم غير قادرين على تعاطي أي نشاط بأجر. وتتم مراجعة مبالغ الجرايات الشهرية المخولة لفائدة جرحى الثورة المصابين بسقوط بدني مستمر ولفائدة أولي الحق من شهدائها كلما تمت مراجعة مبلغ الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن في القطاعات غير الفلاحية الخاضعة لمجلة الشغل لنظام 40 ساعة عمل في الأسبوع، كما تتم مراجعة مبالغ الجرايات الخاصة بالجرحى في صورة تفاقم الأضرار الناتجة عن السقوط البدني المستمر.
وزيادة على الجرايات يتمتع أولو الحق من شهداء الثورة وجرحاها بالعلاج المجاني بالهياكل الصحيّة العمومية، بما في ذلك المستشفيات العسكرية ومستشفى قوات الأمن الداخلي وفقا لاتفاقيّة تبرم للغرض مع مؤسسة فداء، وتحمل مصاريف العلاج والآلات الطبية والأعضاء الاصطناعية الميسّرة للإدماج على حساب ميزانية مؤسسة فداء، وعند الاقتضاء، تتكفل مؤسسة فداء بمصاريف علاج جرحى الثورة بالمؤسسات الصحية الخاصة أو خارج أرض الوطن بناء على رأي لجنة طبية مختصة. ومن المنافع الأخرى المخولة لأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها مجانية النقل بواسطة وسائل النقل البري العمومي في كامل تراب الجمهورية ومجانية الدخول إلى المتاحف والمواقع الأثرية والملاعب الرياضية والفضاءات الثقافية العمومية والإعفاء من المعاليم والأداءات المستوجبة عند توريد عربة مجهّزة للغرض والأولية في الانتفاع بالسكن الاجتماعي للذين لا يملكون مسكنا ومن يملكون المسكن فلهم الأولوية في التمتع ببرنامج تحسين المسكن. أما أبناء شهداء الثورة وجرحاها الذين يزاولون تعلّمهم فيقع تمتيعهم بمنحة شهرية يتم ضبط مقدارها بقرار من رئيس مؤسسة فداء، ويتم صرفها للمعني بالأمر بعد موافاة المؤسسة في بداية السنة الدراسية أو الجامعية بما يفيد ترسيمه بإحدى المؤسسات التعليمية أو التكوينية، كما يتمتع الأبناء بأولوية السكن المدرسي والجامعي طيلة مدة تعليمهم، وإضافة إلى ذلك تتولى مؤسسة فداء تقديم المساعدات اللازمة لأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها لبعث مشاريع اقتصادية بالتنسيق مع الهياكل والمصالح الإدارية المعنية.
ويراعى في إسناد الجرايات والمنافع والامتيازات سالفة الذكر، المستحقات والتعويضات التي حصل عليها ضحايا الاعتداءات الإرهابية، والأحكام القضائية الباتة المتعلقة بشهداء الثورة وجرحاها.
لكن على ما يبدو أن مسار المؤسسة وبداية انطلاق أشغالها لن يكون سهلا، في ظل ما أكّده كاتب عام الحكومة خلال لقائه بممثلي عائلات شهداء الثورة وجرحاها، يوم 31 جانفي المنقضي على إثر وقفة احتجاجية تم تنفيذها بساحة القصبة، استقالة رئيس مؤسسة «فداء»، محمد الطيب الغزي المعين بمقتضى أمر رئاسي صادر بتاريخ 3 نوفمبر 2022.