إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

2022 عام انهيار العملات العربية .. الأسباب والتداعيات على سنة 2023

 

بقلم:  د.ريم بالخذيري(*)

*بات حتميا التوجه لتنفيذ حزمة من الاصلاحات الاقتصادية والتوجه لتعزيز الشراكات التقليدية مع الاتحاد الأوروبي

يقاس عادة قوّة العملات في العالم أو ضعفها بما يقابلها بالدولار الأمريكي .ورغم أنه لا وجود  رسمي عالمي لعملة بعينها. فقد أعتمد الدولار ليلعب هذه الوظيفة اضافة الى الجنيه الإسترليني واليورو والين وهي عملات بدأت في التأثير في المعاملات التجارية الدولية أو البينية لكنّ تأثيرها لايزال محدودا وتبقى الهيمنة للدولار. والسبب في ذلك يعود لعديد الأسباب أهمها  كبر حجم السوق الأمريكية كشريك تجاري، وهو ما يجعل أغلب الدول تشتري أو تحتفظ بالدولار لتسديد ديونها الخارجية. كما أن العديد من الدول يحتفظ بالدولار احتياطيا إضافيا إلى الذهب.

ومن الأسباب الأخرى للتوسع في استخدام الدولار أن أسعار العديد من البضائع التي يتاجر بها عالميا يتم تسعيرها بالعملة الأمريكية وأهمها النفط و الغاز. وذلك يعني أن حجم التجارة بالدولار يجعل منه العملة الأولى في العالم للتجارة والاحتياطيات.

الملاحظ في العام 2022 هو انهيار عدد كبير من العملات العربية مقابل الدولار منها لبنان ومصر وسوريا وليبيا واليمن والسودان وبدرجة أقلّ تونس والجزائر والمغرب .

حيث بلغ على سبيل المثال الدولار الواحد : 14985 ليرة لبنانية، 30.2625 جنيه مصري، 10.158 درهم مغربي، 135.222 دينار جزائري، 565.15 جينيه سوداني، 1458.5 دينار عراقي، 3.0375 دينار تونسي

ويجمع خبراء اقتصاديون على أن نزيف الانهيار هذا سيتواصل وذلك بسبب تواصل ارتفاع نسب التضخم في هذه البلدان حيث تتراوح بين136 بالمائة في لبنان الى 9.8 بالمائة في تونس وارتفاعها الصاروخي في دول مثل لبنان والسودان . لكن اللافت للانتباه هو وجود خمس دول عربية في قائمة الأسوأ عالمياً في ارتفاع معدلات التضخم وهي لبنان ومصر والسودان وسوريا والجزائر التي لا تستغل ثرواتها النفطية على الوجه الأمثل. ومعلوم أن التضخم هو حالة عامة في العالم في العام 2022 وقد بلغ مستويات قياسية في دول عديدة مثل:

*زيمبابوي وهو حاليا البلد الذي لديه أعلى معدل تضخم في العالم. استنادا إلى بيانات من Trading Economics ، حيث بلغ 285 في المائة .

*لبنان وتبلغ نسبة التضخم فيه 168.45 في المائة.

*سوريا: نقلا عن "تريدينغ إيكونوميكس" معدل التضخم في البلاد ارتفع إلى 139.46 في المائة .

*السودان :تفيد التقارير أيضا بأن معدل التضخم استقر في حدود 148.90 في المائة.

*فنزويلا: بمجرد إعلانها دولة فاشلة ، سجلت معدل تضخم بلغ 114.10 في المائة.

*تركيا: ارتفع التضخم السنوي الى 80.2 في المائة.

*الأرجنتين: بلغ معدل التضخم في الأرجنتين 71 في المائة.

*سريلانكا: واصلت سريلانكا تسجيل معدلات تضخم لتصل الى 64.3 في المائة .

*إيران: بلغت نسبة التضخم 54 بالمائة .

و أسباب ذلك عديدة وتختلف في مجملها من بلد لآخر لكن الحرب الروسية الأوكرانية كانت السبب الأبرز في انهيار عدد من العملات العربية والتي لاتنتج الثروة ولا تمتلك ثروات حيث تضررت كثيرا من الارتفاع الكبير في أسعار النفط وأسعار القمح  فضلا عن هيمنة الدولار الأمريكي على خطوط  الامداد لهذه المواد الحساسة . وهذا ما أدخلها في أزمات داخلية بسبب الارتفاع  الصاروخي في أسعار جميع أنواع السلع والخدمات.

ففي بلد مثل لبنان مثلا ارتفعت أسعار المواد الغذائية خلال سنتين فقط بنسبة 600 بالمائة . ولا يختلف الحال كثيرا في مصر التي يعاني منها 30 بالمائة من الفقر وتواجه العديد من السلع الغذائية الاستراتيجية زيادة كبيرة في الأسعار مثل القمح والأعلاف والزيوت والسكر؛ نتيجة تراجع المخزون الاستراتيجي  بسبب قيود الاستيراد، وعدم قدرة البنك المركزي المصري على توفير العملة الصعبة للمستوردين في البنوك. وهي نفس الوضعية التي تعاني منها تونس التي تعيش شحّا كبيرا في المواد الغذائية المستوردة كالسكر والقهوة والزيت وذلك بسبب النقص الكبير في العملة الصعبة بالبنوك فضلا عن غلاء هذه السلع والتي تضاعفت أسعارها بمرتين وثلاثة خلال ستين.

دول فاشلة اقتصاديا في 2023

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني وغياب مؤشرات على انتهائها في القريب العاجل من المؤكّد أن تتواصل معاناة الدول العربية غير النفطية وستواصل معها انهيار عملاتها الذي يترتب عنه نتائج داخلية هي تواصل ارفاع نسب التضخّم و عجز المواطنين على توفير حاجياتهم اليومية كما تترتب عنه نتائج خارجية وأهمها العجز عن الايفاء بالالتزامات فيما يخص خلاص القروض واستيراد السلع.وهذه عوامل تحوّلها آليا الى دول فاشلة أو شبه فاشلة بالمفهوم الاقتصادي .حيث تعرّف الدولة الفاشلة على أنها دولة معترف بها كوحدة على المستوى الدولي، لكنها تعاني ضعفاً وعجزاً في الوفاء بواجباتها تجاه مواطنيها، والتزاماتها على المستوى الخارجي تجاه المجتمع الدولي، وهذا العجز يتمثل داخلياً  في عجزها عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، ودولياً يتمثل في عدم القدرة على التعامل مع الدول الأخرى كعضو كامل في المجتمع الدولي .

كما أنّ هذه الدول لن يكون لها القدرة على تعبئة موارد مالية خارجية وهو ما يجعلها تضاعف من الاقتراض الداخلي ومع عدم قدرتها على السداد تلتجئ عادة الى طباعة الأوراق دون أن يكون لها مقابل مادي فتفقد العملة كل قيمة وهو ما حذّر منه عديد الخبراء في تونس .

والأخطر هو تداخل السياسي بالاقتصادي في هذه الدول وهو ما ينتج عنه هجرة رجال الأعمال من بلدانهم والبحث عن فضاءات أفضل للاستثمار. وكذلك مغادرة الشركات الأجنبية التي تتضرر من شح العملة الأجنبية في البنوك التي تتعامل معها يوميا.

تونس وإمكانية الانقاذ

قد يتبادر لذهن الكثيرين أنّ تونس في وضع خطير وهذا صحيح الى حدّ ما لكن مقارنة بالمؤشرات التي ذكرنا والخاصة بالتضخم و سعر العملة مقابل الدولار نؤكد أن امكانية تجنّب الأسوأ للاقتصاد التونسي لاتزال قائمة وأنّ الانقاذ ممكنا شريطة توافق السياسي مع الاقتصادي وتوحيد الخطاب الموجه للخارج وللداخل ومصارحة الشعب والأطراف الاجتماعية بحقيقة الوضع وحقيقة الاكراهات المفروضة على الحكومة من قبل صندوق النقد الدولي والجهات المانحة .

كما أنه بات حتميا التوجه لتنفيذ حزمة من الاصلاحات الاقتصادية والتوجه لتعزيز الشراكات التقليدية مع الاتحاد الأوروبي فهو في أحلك فتراته لم يتخل عن دعم تونس وذلك بعقد اتفاقيات تشغيل للتقليص من مؤشر البطالة ودعم المالية العمومية بالعملة الصعبة السبيل الوحيد لتخفيض نسبة التضخم والحدّ من انهيار الدينار.

*رئيسة المنتدى التونسي للاستشعار الوقاية  من الجريمة الاقتصادية

2022 عام انهيار العملات العربية .. الأسباب والتداعيات على سنة 2023

 

بقلم:  د.ريم بالخذيري(*)

*بات حتميا التوجه لتنفيذ حزمة من الاصلاحات الاقتصادية والتوجه لتعزيز الشراكات التقليدية مع الاتحاد الأوروبي

يقاس عادة قوّة العملات في العالم أو ضعفها بما يقابلها بالدولار الأمريكي .ورغم أنه لا وجود  رسمي عالمي لعملة بعينها. فقد أعتمد الدولار ليلعب هذه الوظيفة اضافة الى الجنيه الإسترليني واليورو والين وهي عملات بدأت في التأثير في المعاملات التجارية الدولية أو البينية لكنّ تأثيرها لايزال محدودا وتبقى الهيمنة للدولار. والسبب في ذلك يعود لعديد الأسباب أهمها  كبر حجم السوق الأمريكية كشريك تجاري، وهو ما يجعل أغلب الدول تشتري أو تحتفظ بالدولار لتسديد ديونها الخارجية. كما أن العديد من الدول يحتفظ بالدولار احتياطيا إضافيا إلى الذهب.

ومن الأسباب الأخرى للتوسع في استخدام الدولار أن أسعار العديد من البضائع التي يتاجر بها عالميا يتم تسعيرها بالعملة الأمريكية وأهمها النفط و الغاز. وذلك يعني أن حجم التجارة بالدولار يجعل منه العملة الأولى في العالم للتجارة والاحتياطيات.

الملاحظ في العام 2022 هو انهيار عدد كبير من العملات العربية مقابل الدولار منها لبنان ومصر وسوريا وليبيا واليمن والسودان وبدرجة أقلّ تونس والجزائر والمغرب .

حيث بلغ على سبيل المثال الدولار الواحد : 14985 ليرة لبنانية، 30.2625 جنيه مصري، 10.158 درهم مغربي، 135.222 دينار جزائري، 565.15 جينيه سوداني، 1458.5 دينار عراقي، 3.0375 دينار تونسي

ويجمع خبراء اقتصاديون على أن نزيف الانهيار هذا سيتواصل وذلك بسبب تواصل ارتفاع نسب التضخم في هذه البلدان حيث تتراوح بين136 بالمائة في لبنان الى 9.8 بالمائة في تونس وارتفاعها الصاروخي في دول مثل لبنان والسودان . لكن اللافت للانتباه هو وجود خمس دول عربية في قائمة الأسوأ عالمياً في ارتفاع معدلات التضخم وهي لبنان ومصر والسودان وسوريا والجزائر التي لا تستغل ثرواتها النفطية على الوجه الأمثل. ومعلوم أن التضخم هو حالة عامة في العالم في العام 2022 وقد بلغ مستويات قياسية في دول عديدة مثل:

*زيمبابوي وهو حاليا البلد الذي لديه أعلى معدل تضخم في العالم. استنادا إلى بيانات من Trading Economics ، حيث بلغ 285 في المائة .

*لبنان وتبلغ نسبة التضخم فيه 168.45 في المائة.

*سوريا: نقلا عن "تريدينغ إيكونوميكس" معدل التضخم في البلاد ارتفع إلى 139.46 في المائة .

*السودان :تفيد التقارير أيضا بأن معدل التضخم استقر في حدود 148.90 في المائة.

*فنزويلا: بمجرد إعلانها دولة فاشلة ، سجلت معدل تضخم بلغ 114.10 في المائة.

*تركيا: ارتفع التضخم السنوي الى 80.2 في المائة.

*الأرجنتين: بلغ معدل التضخم في الأرجنتين 71 في المائة.

*سريلانكا: واصلت سريلانكا تسجيل معدلات تضخم لتصل الى 64.3 في المائة .

*إيران: بلغت نسبة التضخم 54 بالمائة .

و أسباب ذلك عديدة وتختلف في مجملها من بلد لآخر لكن الحرب الروسية الأوكرانية كانت السبب الأبرز في انهيار عدد من العملات العربية والتي لاتنتج الثروة ولا تمتلك ثروات حيث تضررت كثيرا من الارتفاع الكبير في أسعار النفط وأسعار القمح  فضلا عن هيمنة الدولار الأمريكي على خطوط  الامداد لهذه المواد الحساسة . وهذا ما أدخلها في أزمات داخلية بسبب الارتفاع  الصاروخي في أسعار جميع أنواع السلع والخدمات.

ففي بلد مثل لبنان مثلا ارتفعت أسعار المواد الغذائية خلال سنتين فقط بنسبة 600 بالمائة . ولا يختلف الحال كثيرا في مصر التي يعاني منها 30 بالمائة من الفقر وتواجه العديد من السلع الغذائية الاستراتيجية زيادة كبيرة في الأسعار مثل القمح والأعلاف والزيوت والسكر؛ نتيجة تراجع المخزون الاستراتيجي  بسبب قيود الاستيراد، وعدم قدرة البنك المركزي المصري على توفير العملة الصعبة للمستوردين في البنوك. وهي نفس الوضعية التي تعاني منها تونس التي تعيش شحّا كبيرا في المواد الغذائية المستوردة كالسكر والقهوة والزيت وذلك بسبب النقص الكبير في العملة الصعبة بالبنوك فضلا عن غلاء هذه السلع والتي تضاعفت أسعارها بمرتين وثلاثة خلال ستين.

دول فاشلة اقتصاديا في 2023

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني وغياب مؤشرات على انتهائها في القريب العاجل من المؤكّد أن تتواصل معاناة الدول العربية غير النفطية وستواصل معها انهيار عملاتها الذي يترتب عنه نتائج داخلية هي تواصل ارفاع نسب التضخّم و عجز المواطنين على توفير حاجياتهم اليومية كما تترتب عنه نتائج خارجية وأهمها العجز عن الايفاء بالالتزامات فيما يخص خلاص القروض واستيراد السلع.وهذه عوامل تحوّلها آليا الى دول فاشلة أو شبه فاشلة بالمفهوم الاقتصادي .حيث تعرّف الدولة الفاشلة على أنها دولة معترف بها كوحدة على المستوى الدولي، لكنها تعاني ضعفاً وعجزاً في الوفاء بواجباتها تجاه مواطنيها، والتزاماتها على المستوى الخارجي تجاه المجتمع الدولي، وهذا العجز يتمثل داخلياً  في عجزها عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، ودولياً يتمثل في عدم القدرة على التعامل مع الدول الأخرى كعضو كامل في المجتمع الدولي .

كما أنّ هذه الدول لن يكون لها القدرة على تعبئة موارد مالية خارجية وهو ما يجعلها تضاعف من الاقتراض الداخلي ومع عدم قدرتها على السداد تلتجئ عادة الى طباعة الأوراق دون أن يكون لها مقابل مادي فتفقد العملة كل قيمة وهو ما حذّر منه عديد الخبراء في تونس .

والأخطر هو تداخل السياسي بالاقتصادي في هذه الدول وهو ما ينتج عنه هجرة رجال الأعمال من بلدانهم والبحث عن فضاءات أفضل للاستثمار. وكذلك مغادرة الشركات الأجنبية التي تتضرر من شح العملة الأجنبية في البنوك التي تتعامل معها يوميا.

تونس وإمكانية الانقاذ

قد يتبادر لذهن الكثيرين أنّ تونس في وضع خطير وهذا صحيح الى حدّ ما لكن مقارنة بالمؤشرات التي ذكرنا والخاصة بالتضخم و سعر العملة مقابل الدولار نؤكد أن امكانية تجنّب الأسوأ للاقتصاد التونسي لاتزال قائمة وأنّ الانقاذ ممكنا شريطة توافق السياسي مع الاقتصادي وتوحيد الخطاب الموجه للخارج وللداخل ومصارحة الشعب والأطراف الاجتماعية بحقيقة الوضع وحقيقة الاكراهات المفروضة على الحكومة من قبل صندوق النقد الدولي والجهات المانحة .

كما أنه بات حتميا التوجه لتنفيذ حزمة من الاصلاحات الاقتصادية والتوجه لتعزيز الشراكات التقليدية مع الاتحاد الأوروبي فهو في أحلك فتراته لم يتخل عن دعم تونس وذلك بعقد اتفاقيات تشغيل للتقليص من مؤشر البطالة ودعم المالية العمومية بالعملة الصعبة السبيل الوحيد لتخفيض نسبة التضخم والحدّ من انهيار الدينار.

*رئيسة المنتدى التونسي للاستشعار الوقاية  من الجريمة الاقتصادية