تونس-الصباح
رغم "إنهاء" العمل بدستور 27 جانفي 2014 وفرض سلطة رئاسية تعوضه منذ إعلان التدابير الاستثنائية في 25 جويلية 2021 والمرسوم الرئاسي عدد 117 في 13 ديسمبر 2021 بعد تجميد أشغال البرلمان، فان نوابا سابقين وأحزابا من المعارضة ومنظمات وشخصيات وطنية مستقلة لا زالت تتعامل مع الوضع الجديد على انه عثرة سياسية تستوجب النهوض مجددا من خلال الدعوة للاحتفال بالذكرى 9 لدستور 2014.
واحتفت جبهة الخلاص الوطني عشية أول أمس الجمعة بـ"الذكرى التاسعة" لختم دستور2014 بتنظيم ندوة سياسية بالعاصمة تضمنت مداخلات دستورية وقانونية حول ما أضافه الدستور ونقاط الضعف فيه معلنة تمسك الأطراف المنضوية في الجبهة بـ"هذا المكسب التاريخي" وفتح حوار وطني قريبا يشمل تعديل هذا الدستور "لإعادة العمل به".
وإذ يوصف بأنه دستور الإجماع والتوافق بين المتضادات الحزبية والفكرية فقد تعالت أصوات لاعتبار وثيقة 2014 هي دستور النهضة في محاولة لتحويل وجهته سياسيا والحال انه استنقاص لدور الأحزاب التاريخية وسعي مكشوف لفسخ نضالات واضحة لأجيال من المناضلين ومحاولة لبناء تجربة جديدة يكونوا فيها دعاة الدستور الجديد حلقة تأسيس جديدة.
وقالت نائبة رئيس البرلمان المنحل سميرة الشواشي أن دستور 2014 "لم يأت صدفة بل نتيجة تراكمات تاريخية"، منذ دستور "عهد الأمان" في عهد البايات مرورا بدستور 1959 و"كان دستورا للوحدة الوطنية... ".
وذكرت بأن البرلمان السابق الذي يعتبر نفسه في حالة انعقاد، كان عقد يوم 30 مارس 2022 جلسة شارك فيها 121 نائبا واتخذ "قرارات تاريخية" أهمها إبطال التدابير الاستثنائية المتخذة من قبل الرئيس قيس سعيد ضد الدستور ومؤسسات الحكم وحل البرلمان وتعليق العمل بالدستور ثم تعويضه بدستور 2022.
من دستور التوافق.. إلى دستور الأمر الواقع
وإذا كان دستور 2014 هو دستور توافق الكتل السياسية بالمجلس التأسيسي فان دستور 2022 يوصف على انه دستور الأمر الواقع بعد أن تجاوز الرئيس قيس سعيد الجميع وشيد وثيقته الدستورية دون العودة إلى محيطه من الأحزاب والشخصيات الوطنية.
وقد كسر رئيس لجنة صياغة الدستور الصادق بلعيد عصا الطاعة بعد كشفه أن مقترح الدستور الذي نشره الرئيس قيس سعيّد في جويلية الماضي لا يمتّ بصلة للمسودة الأولى التي اقترحتها اللجنة.
وفي حدث سياسي صادم نقلت "الصباح" بتاريخ 3 جويلية 2022 عن بلعيد، الذي كلفه سعيّد “بصياغة دستور جديد للجمهورية الجديدة”، قوله إن النسخة التي نشرها سعيّد لا تشبه المسودة الأولى التي اقترحتها لجنة الدستور.
وبفرض سعيد لرؤيته الدستورية على الجميع "تآكل" محيط الرئيس وغادرت ابرز الشخصيات مركب قرطاج.
علاقة سعيد بالزكراوي ومحفوظ
بمجرد الحديث عن دستور 27 جانفي وضرورة تغييره، نشطت الدعوة لتعويض دستور 2014 ليدخل عدد من نواب مجلس الشعب المنحل وأساتذة القانون المزاد بالتأكيد على خطورة ما تمت صياغته في فصول دستور ما بعد الثورة .
وفي هذا الإطار دعا الناشط السياسي منجي الرحوي في تدوينة سابقة "مثقفو تونس وطاقاتها الحية البدء في نشاط منقطع النظير من أجل إيقاف العمل بالدستور والمرور إلى دستور جديد"، بيد أن الرحوي قد نسي تلك التهاني الحارة التي جمعته بحبيب اللوز ليلة التصويت على دستور 2014.
كما كان لأساتذة القانون الدستوري تدخلات واسعة في التحريض على الدستور ليتزعم الأستاذ أمين محفوظ هذه الجبهة منذ البداية، لينضم إليه بعدها الأستاذ صغير الزكراوي.
وفي هذا السياق قال الزكراوي في تصريح إعلامي "بأن التمديد في التدابير الاستثنائية المتخذة بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 80 لسنة 2021 المتعلق بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب وبرفع الحصانة البرلمانية عن كل أعضائه، كان أمرا ضروريا، وفق تصريحه.
وكان الزكراوي صرح سابقا بأن الدستور الحالي (2014) مُفخخ وتضمن كل التناقضات بمعنى (الشيء ونقيضه) مشيرا إلى أنه دستور الحريات لكنه تغافل عن الواجبات .
وأكــد الزكراوي بأن الحل يكمن الآن في صياغة دستور جديد من طرف لجنة من الخبراء ومن ثمة عرضه على الإستفتاء .
أما أستاذ القانون الدستوري، أمين محفوظ فقد اعتبر أن دستور 2014 "يقوم على مرجعية دينية". وأضاف "إن الديمقراطية تقوم على المساواة والحرية ودولة القانون لديها والرئيس قيس سعيد يؤمن بذلك"، وفق تعبيره.
ودعا محفوظ إلى إعداد دستور جديد يقطع مع المنظومة السابقة وانه من الواجب "المرور إلى منظومة جديدة تقوم على دستور جديد".
بيد أن هذه الحفاوة الدستورية من قبل الأستاذين لم تدم طويلا بعد أن خرج أمين محفوظ رافضا للدستور الجديد الذي اقره قيس سعيد، أما الزكراوي فكان خياره الوقوف مع جبهة الرفض لسعيد موقفا جديدا له بعد انخراطه داخل مربعات المعارضة لمشروعه.
النهضة.. الدستور لم يكن على المقاس
واحتفالا بدستور 2014 أصدرت حركة النهضة على صفحتها الرسمية نصا سياسيا أكدت فيه على أن دستور الثورة بذل التونسيون والتونسيات الغالي والنفيس للوصول إليه. لم يكن دستورا قد على المقاس مثلما نرى حاليا، وإنما كان حصيلة نقاشات طويلة وعميقة وصعبة بين كل العائلات السياسية والفكرية التونسية..".
كما أضاف النص أن " دستور 2014 تم تكريمه في كل العالم كأكثر دستور متقدم وديمقراطي في كل المنطقة. دستور جعل من كل تونسي وتونسية مواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، دستور جعل الدولة دولة الشعب بدل أن يكون الشعب شعب الدولة… الطريق امام الدكتاتورية والتسلط مغلق وغير سالك ولن يقود التعنت ومحاولة المرور بقوة إلا إلى المزيد من الانهيار على كل المستويات! لا بديل لنا للمحافظة على دولتنا واستقرارها وازدهارها إلا العودة إلى العقد الذي بيننا والممثل في دستور الثورة، ومن داخله يمكننا الحوار حول ما يجب تغييره أو تطويره".
وفي تعليق له عن احتفالية الذكرى 9 لدستور 2014 ختم الرئيس الأسبق محمد منصف المرزوقي تدوينه بالقول "ولا بد لليل أن ينجلي"، حيث اعتبر أن الدستور لم "يمنحه ملك أو زعيم للشعب وإنما الذي اختاره شعب حر، ممثل في نواب أحرار ناقشوا كل كلمة وكل فاصلة ليصلوا أخيرا للعقد المشترك في ظل القانون والمؤسسات تحرروا من سلطة الفرد وتسلط الأجهزة، هذه القفزة الجبارة إلى الأمام هي التي توقفت ثم انعكس مسارها لتصبح قفزة جبارة إلى الوراء: العودة للحكم الفردي وتسلط الأجهزة.
وأضاف "..فلا دستور اليوم وغدا إلا دستور الثورة الذي، كانت لي سعادة امهاره وستكون لي سعادة رؤيته من جديد حاكم تونس الفعلي للأجيال المقبلة".
مقارنات دستورية
لم يكن الإطار السياسي هو الإطار الوحيد لمناقشة الذكرى 9 لدستور 2014 حيث كان لأساتذة القانون الدستوري بالجامعات التونسية رأيا في هذا الباب.
فقد نظم مخبر البحث في القانون الدولي والمحاكم الدولية والقانون الدستوري المقارن، بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، صباح الخميس الماضي، ندوة حول الدستور.
وفي مداخلة تلفزية لها تطرقت أستاذة القانون الدستوري منى كريم الدريدي، إلى مقارنة بين صلاحيات رئيس الجمهورية واختصاصاته بين دستور 2014 و2022، واعتبرت أنّ "رئيس الجمهورية منح نفسه عبر دستور 2022 مكانة متميزة تجعله مؤسسة تعلو بقية المؤسسات، وتتجسد قيمة موقع رئيس الجمهورية من خلال وضعه لنظام يحصّنه من المسؤولية".
أما أستاذ القانون الدستوري شاكر الحوكي فأشار إلى أنه من بين "فضائل هذا الدستور، أنه وُضع من قبل مجلس منتخب وليس وليد منحة من قبل أي كائن كان، بل انطلق من ورقة بيضاء، ليؤكد أنه يعود إلى الشعب التونسي الذي انتخب ممثليه، وليس لأي طرف كان".
وذكّر بأنّ "هذا الدستور واجه جملة من التحديات منذ انتخابات 2014، عبر عدد من الانحرافات في روح الدستور والخروقات".
وأضاف:"قد يحتاج دستور 2014 عملية إنعاش من خلال تحقيق إجماع على عودته بين الشرائح الحزبية والمدنية، ومن خلال إدخال تعديلات عليه لإحداث توازن بين السلطات، بالأخذ بمقترحات التعديل التي طرحها اتحاد الشغل ثم عرضُها على الاستفتاء الشعبي".
خليل الحناشي
