يرويها: أبو بكر الصغير
بضدها تتميز الأشياء، بين الشعبوي الجاهل قليل العقل وسيّء التربية عدو المعرفة والعلم، والعارف العالم الواعي المدرك بحقائق الأوضاع والأمور. تصدّروا المشهد وعاثوا فوضى وفسادا، خرّبوا الإدارة، دمّروا الاقتصاد، ضربا ونفيا في كلّ ما هو جميل على هذه الأرض. العقل عدوهم، والذكاء غريمهم، والوعي بالمسؤولية شعور يجب مقاومته.
يغرون الناس بما لا يملكون وما لا يقدرون عليه، هم اعجز ما يكونون حتى عن إدارة قسم في روضة أطفال..، تفخر تونس في تاريخها الحديث بأمرين:
- وجود نخبة من المفكرين والمثقفين والعلماء
- قيام أول مجتمع مدني في محيطها العربي الإفريقي، بما يعنيه من منظمات وجمعيات غير حكومية مستقلّة تنشط وتضيف للبلاد بكلّ حرية.
ابتليت تونس خلال الأعوام الأخيرة بما يوصف بوباء التلاعب بمصائر الشعوب ألا وهو "الشعبوية" بصنفيها اليسارية اللينينية وتنوعها العمالي، واليمينية المتطرّفة .
إنها ممارسة تثير في الناس أكثر المشاعر سلبية، وانحرافًا لتوسيع جمهورها والحفاظ على قوتها يمكن تعريف الشعبوية على أنها طريقة محددة للتعبئة السياسية، قريبة من العامة، تتميز بظهور جماعات أو حركات تندد بالديمقراطية التي احتكرتها النخب (الفاسدة)، سياسية واقتصادية ومالية وتدعو إلى توسيعها بشكل متساوٍ وفعال للجميع!..
أصبحت الشعبوية بالفعل وسيلة سائدة للتواصل مع المواطنين في الديمقراطيات التي فقدت الإحساس بالتشاور الشعبي والمشاركة في تسيير الصالح العام. ما يميزها هو أنها تتطور في المجتمعات الديمقراطية التي يتمتع سكانها عمومًا بمستوى عال من التعليم ولا يسمحون بأن يتم التلاعب بهم بسهولة لأنهم يفهمون استراتيجيات سياسات بعضهم البعض. سبب عودة الشعبوية أعمق، إنه يتعلق بجانب من تدهور الديمقراطية اليوم، وهذا هو مربط الفرس في أن الشعبوية ليست حقيقة حزبا واحدا بل هي "الأغلبية" الصامتة، لهذا من الصعب مقاومتها، ومع ذلك فمن الضروري للغاية فعل ذلك لما تمثله من خطر على استقرار الشعوب ووحدتها ومصيرها .في السنوات الأخيرة، تولى السياسيون الشعبويون السلطة في جمهوريات أوروبية عديدة: التشيك والمجر وبولندا، واكتسبت الحركات الشعبوية اليمينية زخما في فرنسا وإسبانيا وايطاليا والمملكة المتحدة وأماكن أخرى. في المجر وبولندا، ترافق هذا التطور مع تآكل سيادة القانون وزيادة في اضطهاد الأقليات (المهاجرون) وتعزيز الاستبداد وتراجع الديمقراطية. يقول الباحث " يان كوبيك"، من جامعة روتغرز في الولايات المتحدة وجامعة كوليدج لندن:"التهديد قاتل". على عكس ما يسعى إليه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى تحقيقه، يتابع:"الديمقراطية المناهضة لليبرالية غير موجودة". يهدف مشروع POPREBEL الممول من قبل الاتحاد الأوروبي (التمرد الشعبوي ضد الحداثة في أوروبا الشرقية في القرن الحادي والعشرين: التقليدية والإقطاعية الجديدة) إلى دراسة هذه الظاهرة. تقود كلية لندن اتحادًا يضم ست مؤسسات أخرى في جميع أنحاء أوروبا، وتضم أكثر من 30 مشروعًا فرعيًا تدرس الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لظاهرة الشعبوية ومخاطرها المستقبلية. من المفارقة أن تصاب الشعوب بهذا البلاء في زمن الذكاء الاصطناعي أي وضع الإنسان لمجموعة من النظريات والتقنيات المطبقة لإنتاج آلات قادرة على محاكاة الذكاء البشري، آلات قادرة على التفكير الفائق وتحليل البيانات بما يعزّز القدرات والمساهمات البشرية بشكل كبير. بإجماع فقهاء القانون وخبراء السياسة أن الشعبوية ليست في حقيقة الأمر إلا ضربا لمبدإ الأغلبية واحتكارا غبيا للسلطة وللمؤسسات الديمقراطية الدستورية، وهي ليست الاّ فاتحة للحكم التسلّطي أو الدكتاتوري بالاعتماد على جمهور بسطاء المتلقين غير المتسامحين مع الآخر الذي يختلف معهم، تحديدا قوى المعارضة . ما قد يغيب عن الشعوبيين بشعاراتهم الخيالية الرنانة وسقف المطالب الذي يفوق المعقول، انّه سرعان ما ستنقلب عليهم الأوضاع ويثور الناس ضدّهم . إن شر الناس، هو ذلك الذي بجهله يضر نفسه والناس.
