صيحة فزع يطلقها اليوم كثير من الأولياء جراء استفحال ظاهرة "التنمر" في المدارس الأمر الذي بلغ حد اضطرار البعض منهم الى نقل أبنائهم إلى مدارس أخرى رغم أننا في منتصف الثلاثي الثاني..
فهل انضاف التنمر الى قائمة العلل الأخرى التي تعاني منها المنظومة التربوية من استفحال للعنف وتفاقم ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي وغيرها من الظواهر الأخرى؟
في هذا الخصوص اضطرت السيدة نجوى (ربة بيت) الى نقل ابنها من المدرسة الابتدائية بحي ابن خلدون إلى مدرسة اهرى بمنطقة باردو لا لشيء إلا أن ابنها عاني الأمرين على حد قولها من تنمر أصدقائه حتى انه بات يرفض كليا الذهاب إلى المدرسة..، وتقول السيدة نجوى أنها لم تعر الأمر أهمية في البداية إلا أنها تفطنت الى خطورة الوضع عندما لاحظت تغيرات على مستوى سلوك ابنها الذي بات يروم العزلة أكثر مؤكدة انه بدأت تظهر عليه علامات الاكتئاب تعكسها عدم رغبته في تناول الأكل..، وتضيف السيدة نجوى أنها عندما تفطنت الى أن الأمر قد يتطور الى ما لا يحمد عقباه فضلت نقل ابنها الى مدرسة أخرى (مستعينة بشهادة طبية في الغرض من قبل أخصائي نفساني) حتى لا تتدهور أكثر صحة ابنها النفسية...
تقول في هذا الإطار:"وجدت نفسي مجبرة على نقله إلى مدرسة أخرى بعيدة عن حيّنا السكني ليتخلى عن عالمه الذي تعود عليه منذ سنوات وضعية جعلتني أتكبد مصاريف إضافية أخرى خاصة على مستوى التنقل..، لكنها تبقى الوضعية الأنسب لابني الذي كاد أن يصبح مدمنا للأدوية المضادة للاكتئاب"..
وتضيف السيدة نجوى أن التنمر الذي يعاني منه ابنها داخل أسوار المدرسة يعاني منه مئات التلاميذ مشيرة الى أن إحدى صديقاتها فضلت أن تعالج ابنها لدى أخصائي نفساني لان عوامل خاصة تحول دون أن تنقل ابنها الى مدرسة أخرى...مستنكرة في هذا الصدد تراجع هيبة المدرسة وتراجع دور المعلم كمربي بالأساس يسهم في تربية الناشئة مؤكدة في السياق ذاته أن عديد المدارس باتت عاجزة في ظل عدم اعتماد إجراءات تأديبية صارمة عن كبح جماح آفة التنمر التي طالت حتى المربين"..
من هذا المنطلق عديدة هي الأسئلة التي تفرض نفسها من ذلك:أي أسباب جعلت التنمر يتمدد ليطال المؤسسات التربوية، وأي تداعيات له على الأطفال؟
تفاعلا مع هذا الطرح وحول الأسباب التي أدت الى استفحال الظاهرة يشير الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين في تصريح أمس لـ "الصباح" أن البلاد تعيش حالة أزمة على جميع المستويات: سياسية واقتصادية واجتماعية وخاصة أخلاقية وقيمية وبالتالي فان الأزمة عامة ومعقدة ومركبة.
وفسر عز الدين أن الإحساس بالأزمة وعدم القدرة على التأقلم مع الأزمات أدى الى ارتفاع منسوب العنف كما أن الشعور بالإحباط وباليأس ولّد الرغبة في الانتقام وفي ردة الفعل وهو السائد الآن. كما أشار محدثنا الى أن اللحظة التي نعيشها اليوم أو الشعور السائد هو اليأس والإحباط بسبب عدة عوامل على غرار غلاء المعيشة والانتشار الواسع للعنف هذا علاوة على ضبابية الرؤية الأمر الذي جعل العنف يستفحل ويتغير مفهومه. وأوضح محدثنا في هذا الجانب أن مفهوم العنف بصدد التغير بعد أن تم دمقرطة المعرفة والمعلومة وهذا لم يكن متاحا في السابق، مبينا أن اليوم بالإمكان تمرير أي جريمة قتل مهما كانت بشاعتها وفظاعتها في وسائل الإعلام وبالتالي فان مفهوم العنف بمفهومه التقليدي قد تغير وتم التوسّع في مفهومه لنبلغ مرحلة مفهوم آخر وهو التنمر فالتربية التقليدية أصبحت اليوم مدانة.
من جانب آخر ولدى خوضه في أسباب تفشي ظاهرة التنمر تطرق الباحث في علم الاجتماع الى مؤسسات التنشئة الاجتماعية على غرار المؤسسات التربوية والعائلة، فهذه المؤسسات مهمتها بالأساس حماية أفرادها من العنف لكنها اليوم تعاني اليوم من أزمة هيكلية ووظيفية جعلها لا تؤدي وظائفها بالشكل المطلوب مما أسفر عن وجود تناقض بين الوظيفية والهدف، مشيرا إلى أن العائلة وعلى سبيل المثال عوض أن تحمي أفرادها باتت تشكل خطرا عليهم والمدرسة تحولت من فضاء للارتقاء إلى فضاء للانتقاء. وبالتالي فان هذا الشعور بعدم الاعتراف ولد ردات فعل عنيفة.
هذه الوضعية أسفرت من وجهة نظر ممدوح عز الدين الى تصاعد قيم الفردانية وبالتالي أصبح الفرد لا يمكن أن يحقق ذاته إلا عبر ذاته كما أصبح يبحث الخلاص الفردي عن طريق "الحرقة" أو الجريمة أو ارتفاع منسوب العنف...
من جهة أخرى وبالعودة الى التنمر داخل الوسط المدرسي وفي قراءته لهذه الظاهرة التي بدأت على مدار السنوات الأخيرة تنخر المنظومة التربوية يشير البيداغوجي المتقاعد فريد السديري في تصريح أمس لـ"الصباح" إلى أن الاتفاق حاصل على أننا نعيش إفلاسا أخلاقيا، وأن المدرسة العمومية قد تراجع دورها كثيرا على مستوى تربية الناشئة قياسا بفترة السبعينات والثمانيات أين كانت المدرسة تمثل فعلا مصعدا اجتماعيا يقوم على تعليم وتربية التلاميذ، لكن الأولياء يتحملون من وجهة نظره جزءا من المسؤولية على اعتبار أن الأمر يقترن بمدى تلقي الطفل لتربية سليمة. وفسر محدثنا في هذا الإطار أن جزءا كبيرا من الأولياء ودون قصد منهم ساهموا في خلق جيل هش، مؤكدا أن الإفراط في تدليل الأطفال وعدم تمكينهم من الاعتماد على أنفسهم في سن مبكرة كما أن زعزعة ثقتهم بنفسهم في سن مبكرة من شانه أن يسهم في تكوين جيل هش غير قادر على تجاوز الصعوبات. واعتبر محدثنا انه لا يبرر مطلقا السلوكيات التي تقوم على التنمر داخل القسم على اعتبار أن هذه الظاهرة باتت تطال أيضا المربين ومن الضروري التصدي لها، لكنه يعتبر أن التلاميذ الذين استطاعوا تجاوز تنمر أصدقائهم دون تأثيرات نفسية هم في الغالب أطفال يتمتعون بشخصية قوية قادرة على التأقلم مع الجميع...
منال حرزي
تونس-الصباح
صيحة فزع يطلقها اليوم كثير من الأولياء جراء استفحال ظاهرة "التنمر" في المدارس الأمر الذي بلغ حد اضطرار البعض منهم الى نقل أبنائهم إلى مدارس أخرى رغم أننا في منتصف الثلاثي الثاني..
فهل انضاف التنمر الى قائمة العلل الأخرى التي تعاني منها المنظومة التربوية من استفحال للعنف وتفاقم ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي وغيرها من الظواهر الأخرى؟
في هذا الخصوص اضطرت السيدة نجوى (ربة بيت) الى نقل ابنها من المدرسة الابتدائية بحي ابن خلدون إلى مدرسة اهرى بمنطقة باردو لا لشيء إلا أن ابنها عاني الأمرين على حد قولها من تنمر أصدقائه حتى انه بات يرفض كليا الذهاب إلى المدرسة..، وتقول السيدة نجوى أنها لم تعر الأمر أهمية في البداية إلا أنها تفطنت الى خطورة الوضع عندما لاحظت تغيرات على مستوى سلوك ابنها الذي بات يروم العزلة أكثر مؤكدة انه بدأت تظهر عليه علامات الاكتئاب تعكسها عدم رغبته في تناول الأكل..، وتضيف السيدة نجوى أنها عندما تفطنت الى أن الأمر قد يتطور الى ما لا يحمد عقباه فضلت نقل ابنها الى مدرسة أخرى (مستعينة بشهادة طبية في الغرض من قبل أخصائي نفساني) حتى لا تتدهور أكثر صحة ابنها النفسية...
تقول في هذا الإطار:"وجدت نفسي مجبرة على نقله إلى مدرسة أخرى بعيدة عن حيّنا السكني ليتخلى عن عالمه الذي تعود عليه منذ سنوات وضعية جعلتني أتكبد مصاريف إضافية أخرى خاصة على مستوى التنقل..، لكنها تبقى الوضعية الأنسب لابني الذي كاد أن يصبح مدمنا للأدوية المضادة للاكتئاب"..
وتضيف السيدة نجوى أن التنمر الذي يعاني منه ابنها داخل أسوار المدرسة يعاني منه مئات التلاميذ مشيرة الى أن إحدى صديقاتها فضلت أن تعالج ابنها لدى أخصائي نفساني لان عوامل خاصة تحول دون أن تنقل ابنها الى مدرسة أخرى...مستنكرة في هذا الصدد تراجع هيبة المدرسة وتراجع دور المعلم كمربي بالأساس يسهم في تربية الناشئة مؤكدة في السياق ذاته أن عديد المدارس باتت عاجزة في ظل عدم اعتماد إجراءات تأديبية صارمة عن كبح جماح آفة التنمر التي طالت حتى المربين"..
من هذا المنطلق عديدة هي الأسئلة التي تفرض نفسها من ذلك:أي أسباب جعلت التنمر يتمدد ليطال المؤسسات التربوية، وأي تداعيات له على الأطفال؟
تفاعلا مع هذا الطرح وحول الأسباب التي أدت الى استفحال الظاهرة يشير الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين في تصريح أمس لـ "الصباح" أن البلاد تعيش حالة أزمة على جميع المستويات: سياسية واقتصادية واجتماعية وخاصة أخلاقية وقيمية وبالتالي فان الأزمة عامة ومعقدة ومركبة.
وفسر عز الدين أن الإحساس بالأزمة وعدم القدرة على التأقلم مع الأزمات أدى الى ارتفاع منسوب العنف كما أن الشعور بالإحباط وباليأس ولّد الرغبة في الانتقام وفي ردة الفعل وهو السائد الآن. كما أشار محدثنا الى أن اللحظة التي نعيشها اليوم أو الشعور السائد هو اليأس والإحباط بسبب عدة عوامل على غرار غلاء المعيشة والانتشار الواسع للعنف هذا علاوة على ضبابية الرؤية الأمر الذي جعل العنف يستفحل ويتغير مفهومه. وأوضح محدثنا في هذا الجانب أن مفهوم العنف بصدد التغير بعد أن تم دمقرطة المعرفة والمعلومة وهذا لم يكن متاحا في السابق، مبينا أن اليوم بالإمكان تمرير أي جريمة قتل مهما كانت بشاعتها وفظاعتها في وسائل الإعلام وبالتالي فان مفهوم العنف بمفهومه التقليدي قد تغير وتم التوسّع في مفهومه لنبلغ مرحلة مفهوم آخر وهو التنمر فالتربية التقليدية أصبحت اليوم مدانة.
من جانب آخر ولدى خوضه في أسباب تفشي ظاهرة التنمر تطرق الباحث في علم الاجتماع الى مؤسسات التنشئة الاجتماعية على غرار المؤسسات التربوية والعائلة، فهذه المؤسسات مهمتها بالأساس حماية أفرادها من العنف لكنها اليوم تعاني اليوم من أزمة هيكلية ووظيفية جعلها لا تؤدي وظائفها بالشكل المطلوب مما أسفر عن وجود تناقض بين الوظيفية والهدف، مشيرا إلى أن العائلة وعلى سبيل المثال عوض أن تحمي أفرادها باتت تشكل خطرا عليهم والمدرسة تحولت من فضاء للارتقاء إلى فضاء للانتقاء. وبالتالي فان هذا الشعور بعدم الاعتراف ولد ردات فعل عنيفة.
هذه الوضعية أسفرت من وجهة نظر ممدوح عز الدين الى تصاعد قيم الفردانية وبالتالي أصبح الفرد لا يمكن أن يحقق ذاته إلا عبر ذاته كما أصبح يبحث الخلاص الفردي عن طريق "الحرقة" أو الجريمة أو ارتفاع منسوب العنف...
من جهة أخرى وبالعودة الى التنمر داخل الوسط المدرسي وفي قراءته لهذه الظاهرة التي بدأت على مدار السنوات الأخيرة تنخر المنظومة التربوية يشير البيداغوجي المتقاعد فريد السديري في تصريح أمس لـ"الصباح" إلى أن الاتفاق حاصل على أننا نعيش إفلاسا أخلاقيا، وأن المدرسة العمومية قد تراجع دورها كثيرا على مستوى تربية الناشئة قياسا بفترة السبعينات والثمانيات أين كانت المدرسة تمثل فعلا مصعدا اجتماعيا يقوم على تعليم وتربية التلاميذ، لكن الأولياء يتحملون من وجهة نظره جزءا من المسؤولية على اعتبار أن الأمر يقترن بمدى تلقي الطفل لتربية سليمة. وفسر محدثنا في هذا الإطار أن جزءا كبيرا من الأولياء ودون قصد منهم ساهموا في خلق جيل هش، مؤكدا أن الإفراط في تدليل الأطفال وعدم تمكينهم من الاعتماد على أنفسهم في سن مبكرة كما أن زعزعة ثقتهم بنفسهم في سن مبكرة من شانه أن يسهم في تكوين جيل هش غير قادر على تجاوز الصعوبات. واعتبر محدثنا انه لا يبرر مطلقا السلوكيات التي تقوم على التنمر داخل القسم على اعتبار أن هذه الظاهرة باتت تطال أيضا المربين ومن الضروري التصدي لها، لكنه يعتبر أن التلاميذ الذين استطاعوا تجاوز تنمر أصدقائهم دون تأثيرات نفسية هم في الغالب أطفال يتمتعون بشخصية قوية قادرة على التأقلم مع الجميع...