تفاقمت أزمة الاقتصاد المنظم في تونس في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد الإجراءات الضريبية المشطة التي حملها قانون المالية لسنة 2023، وهي أزمة دفعت بالعديد من التجار الى الهجرة نحو الاقتصاد الموازي أو الاقتصاد غير المنظم، وذلك للبحث عن فرص استثمار أوسع، والتهرب من الأداءات الضريبية، وتوسيع الأنشطة التجارية في عديد المجالات، وهو الأمر الذي أضر بشكل لافت بالاقتصاد المنظم، مقابل ارتفاع نشاط الاقتصاد الموازي الى قرابة 56٪ وفق تقديرات خبراء الاقتصاد.
ورغم محاولات الحكومات المتعاقبة لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم عبر إجراءات بعضها لم ير النور، في محاولة تجاوز الركود الاقتصادي ودفع النمو وتنظيم القطاع الموازي الذي أصبح يمثل أكثر من نصف النشاط الاقتصادي، وإيجاد السبل والإجراءات الكفيلة لإدماجه في الدورة الاقتصادية، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل، وأبرزها تمرير حزمة من القوانين المحفزة لدمج القطاع الموازي بالمنظم وأشرف عليها وزير المالية السابق علي الكعلي، ولقيت المصادقة من البرلمان السابق، إلا أن هذه الحزمة من القرارات والتي اعتبرها البعض آنذاك تتضارب مع الاتفاقيات الدولية وتدخل في إطار تبييض الأموال، دفعت بالحكومة الموالية الى التخلي عن هذه الإجراءات.
وتضمنت فصول القوانين عديد الإجراءات التي تسعى لتخفيف الضغط الجبائي على الشركات والمستثمرين والباعثين العقاريين، وإدماج الأنشطة والعملة المتأتية من الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية ومقاومة التهرب الجبائي ودعم الشفافية فضلا عن إجراءات لمزيد ترشيد تداول الأموال نقدا.
ومع قرب صدور مجلة الصرف الجديدة، وما راج حول تضمنها لفصول تنظم القطاع الموازي، وتضمن له سلاسة الاندماج في الاقتصاد المنظم، إلا أن عديد الخبراء الماليين والاقتصاديين، أكدوا لـ"الصباح"، أن هذه الإجراءات غير كافية بالمرة، لتحفيز العاملين في القطاع الموازي على الاندماج في الاقتصاد المنظم، علما وان نجاح تونس في عملية الإدماج، سيرفع من الناتج المحلي الإجمالي، ويصل الأمر حد خروجها من دائرة التداين والتخلي عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي.
" الصباح" سلطت الأضواء على العراقيل التي ترافق عملية إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم، ومدى نجاعة مجلة الصرف الجديدة في ضمان جزء من عمليات الإدماج لقطاعات ما تزال تنشط في الاقتصاد غير المنظم، وهل هناك فعلا إجراءات محفزة لا تتعارض مع الاتفاقيات الدولية، خاصة وأن تونس شهدت خلال العقود الأخيرة الحط من ترقيمها السيادي لقرابة 8 مرات على التوالي، وهناك جزء واسع من تراجع الترقيم السيادي لتونس يتعلق ببعض الإجراءات التي تتعارض مع الاتفاقيات الدولية، الأمر الذي أخر عملية إدماج القطاع الموازي بالمنظم.
اللافت للانتباه اليوم ان الاقتصاد الموازي سجل نموا خلال السنتين الأخيرتين، تزامنا مع ظهور جائحة كوفيد-19 ، حيث كان لا يراوح 50٪ من الأنشطة الاقتصادية، ليرتفع مع منتصف سنة 2022، إلى أكثر من 56٪، وهناك تقديرات غير رسمية تؤكد ارتفاع نسبة الاقتصاد الموازي في البلاد الى قرابة 60٪، وهي نسبة شديدة الخطورة على الاقتصاد الوطني الذي يشكو عجزا فادحا، وبالتالي أصبح يسيطر على الدورة الاقتصادية للبلاد، خصوصا، وأنه أصبح ملاذ التونسيين في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، وكثير من التونسيين يقتنون جزءا واسعا من حاجياتهم من السوق الموازية حيث أنها أصبحت الوجهة الأساسية للمواطن بسبب تدهور قدرته الشرائية، بالإضافة الى البنزين المهرب، والذي يشهد إقبالا عليه في أغلب المناطق الحدودية، بعد الارتفاع اللافت في أسعار المحروقات في تونس.
اعداد: سفيان المهداوي
قرابة مليوني تونسي يشتغلون في الاقتصاد الموازي
ولئن تعددت الحملات، في أكثر من مناسبة، للتصدي للنشاط التجاري غير المنظم، ووضع حد للاقتصاد الموازي بشكل عام، إلا أن الأزمة ما فتئت تتفاقم، بل إن أرقام العاملين في القطاع الموازي، تشهد ارتفاعا من سنة الى أخرى، وهو ما أكده البنك الدولي في تقرير أعده مؤخرًا حول "مشهد التشغيل في تونس"، الذي أفاد بأن نصف اليد العاملة في تونس تعمل في القطاع الموازي.
ولفت التقرير الى أن من بين 2,8 مليون مشتغل في القطاع الخاص، هناك 1,55 مليون شخص في القطاع الموازي أي بنسبة تقارب 43,9%، وذلك استنادًا إلى إحصائيات 2019.
وهناك تقديرات تصدرها الحكومة وأخرى تصدرها منظمات محلية أو دولية، ورغم اختلافها، إلا أنها تجمع في المحصلة على أن الاقتصاد الموازي يساهم على الأقل بأكثر من 50٪ من الناتج الداخلي الخام، وحسب دراسات دولية، فإن الاقتصاد الموازي يشغِّل قرابة 75 في المائة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة،.
وتظل الدعوات الرامية الى إلحاق الاقتصاد الموازي بالمنظم، أحد أبرز النقاط التي يدعو إليها جميع خبراء الاقتصاد، رغم ما يكتسيه من خطورة لدى أوساط اقتصادية أخرى، اعتبرته ملاذا شرعيا للبعض لتبييض الأموال، وقد يجر البلاد الى مستنقع العقوبات الدولية مجددا.
إلا أنه ومنذ تصاعد الأزمة الاقتصادية في العالم، خاصة في الفترة الأخيرة، أقر العديد من الخبراء بضرورة تسريع نسق إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم، وذلك كخطوة استباقية لتوفير مداخيل إضافية لخزينة الدولة، في ظل حالة عدم اليقين، التي تخيم على المسار الإصلاحي في تونس، علما وأن الحكومة الحالية باشرت في دمج الاقتصاد الموازي في المنظومة عبر قانون المالية لسنة 2022، للاستفادة من السيولات المالية التي يوفرها باعتباره يمثل 60 في المائة من الاستثمارات والأموال المتداولة، إلا أنه مع تنامي الأزمة الاقتصادية في تونس، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين، ارتفع عزوف التجار عن الانخراط في الاقتصاد المنظم، بل ولوحظ خلال الأشهر القليلة الماضية، هروب المئات من التجار في الاقتصاد المنظم الى الاقتصاد الموازي، والذي يعتبره البعض ملاذا آمنا، بعيدا عن الدوائر الرقابية للدولة، في ظل تنامي الأزمة المالية في البلاد، ما يعد فشلا ذريعا في معالجة الاقتصاد التونسي الذي يمر خلال الفترة الأخيرة بأزمات متعددة بعضها متراكم، والبعض الآخر تفاقم بسبب الأزمة المالية الخانقة .
أحمد كرم (الرئيس السابق للجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية) لـ"الصباح": الجباية المجحفة والإجراءات الإدارية المعقدة تحول دون دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم
دعا الرئيس السابق للجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية أحمد كرم، أمس، في تصريح لـ"الصباح" الى ضرورة العمل في الفترة القادمة على استقطاب الاقتصادي الموازي عبر آليات وتشريعات جديدة من شأنها أن تدفع بإدماجه سريعا في الدورة الاقتصادية، مشددا على أن حجم المبالغ التي تتواجد خارج القطاع البنكي المنظم بلغت اليوم قرابة 18 مليار دينار، وهو مبلغ ليس بالهين، وبإمكانه أن يدفع بالاستثمارات مستقبلا ويحقق الانتعاشة الاقتصادية المرجوة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
وقال كرم في رده على استفسارات "الصباح"، أن حجم هذه الأموال التي تتوزع في الاقتصاد الموازي، في حال استقطابها عبر تشريعات منظمة، من شأنها أن تدفع بعجلة الاقتصاد الوطني، وتحقق الانتعاشة المرجوة لجل القطاعات، مبرزا أن جل الدراسات والتقارير، كشفت أن حجم الأموال التي تتوزع في القطاع الموازي بلغت اليوم 18 مليار دينار، وكانت في حدود 5 مليار دينار موفى سنة 2010، واستقطابها وإعادة ضخها من جديد، كفيل بالتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلادنا في الآونة الأخيرة.
وبين كرم، أن من بين العراقيل التي تحول دون دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، يتعلق بالجباية المجحفة والتشاريع التي تتطابق في ما بينها، بالإضافة الى الإجراءات الإدارية المعقدة والملتوية، والتي هي نفسها عامل من عوامل تراجع الإنتاجية.
ولفت الرئيس السابق للجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية أن قرابة 1.5 مليون تونسي يشتغلون في القطاع غير المنظم، وانه من الضروري دعم هذه الفئة من الشعب عبر قوانين ميسرة تضمن اندماجهم في الدورة الاقتصادية، كما أن عملية الإدماج ستكون مربحة للدولة التونسية التي لن تلجأ الى طباعة الأوراق النقدية، خاصة وان الموارد المالية القادمة من القطاع غير المنظم كافية لإخراج تونس من أزمتها الاقتصادية والمالية.
وتابع كرم بالقول "نحن اليوم أمام فرصة مهدورة تشكل متنفسا للاقتصاد الوطني، ومن الضروري العمل على استغلالها خصوصا في هذا الظرف الصعب".
وحول الإجراءات المحفزة في مجلة الصرف الجديدة المرتقب صدورها، لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، اعتبر كرم أن هذه الإجراءات غير مجدية، وهي تتعلق بإدماج قرابة 414 ألف مؤسسة صغرى ومتوسطة،" وفي اعتقادي لن يكون الأمر ذا مردودية وغير محفز ما لم يقع إقرار النظام التقديري والتفاوضي لتحفيز التجار الصغار على الاندماج في الاقتصاد المنظم".
وتابع أحمد كرم بالقول "تبقى الإجراءات الإدارية المعقدة والجباية المجحفة، إحدى أهم العراقيل التي تحول دون نجاح إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم، ومن الضروري العمل على حزمة من الإجراءات المشجعة والقوانين التي تشجع هذه الفئة من التجار على الانخراط في الاقتصاد المنظم".
محسن حسن (وزير التجارة الأسبق) لـ"الصباح": الضغط الجبائي في تونس يحول دون نجاح إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم
وفي رده على استفسارات "الصباح"، أفاد وزير التجارة الأسبق والخبير الاقتصادي محسن حسن، انه من الضروري الإشارة الى سبب إخفاق الحكومات المتعاقبة في دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، مشيرا في هذا الصدد الى أن الضغط الجبائي احد العوامل قائلا "للأسف الشديد الحكومة الحالية لم تتخذ بعد الإجراءات المحفزة لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، ووجب الإشارة هنا الى أن قانون المالية لسنة 2023، تضمن عدة إجراءات مجحفة، رفعت من الضغط الجبائي في بلادنا ليصل الى قرابة 25% ، وهو الأعلى على مستوى القارة الإفريقية، وهنا لا بد من الإشارة الى أن هذا الترفيع في الضرائب والأداءات يساعد على هروب التجار الى السوق الموازية، والى القطاع غير المنظم، واعتقد أن الحكومة الحالية لم تنطلق بعد في الإصلاح الجبائي، واحتواء هذه الفئة من التجار".
وتابع محسن حسن بالقول" لاستقطاب هذه الفئة من التجار التي تنشط في الاقتصاد الموازي، لا بد من إصلاح جبائي يقوم على التخفيض في الضرائب، والحكومة الحالية مطالبة بالمضي في الإصلاحات الجبائية، وتخفيض نسب الضرائب مقابل توسيع القاعدة الضريبية ومراجعة الإطار التشريعي، والحد من بعض النصوص الجبائية، وهذا الأمر يتطلب دعم الإدارة الجبائية بالموارد المالية والبشرية".
واستطرد محسن حسن بالقول "لا بد من إصلاح جبائي يقوم على رقمنة المعاملات الإدارية في ما بينها، بالإضافة الى تطوير مناخ الأعمال، حيث أن تدهور جاذبية الاقتصاد وتدهور مناخ الأعمال، يشجع على الهروب الى الاقتصاد الموازي، ويتعين هنا تبسيط الإجراءات الإدارية، وتيسير تمويل المؤسسات، والحد من الفساد والرشوة"، "أما النقطة المهمة للحد من ظاهرة تنامي السوق الموازية، فهي تتعلق بضرورة دعم مراقبة مناطق العبور وتطوير الموارد اللوجستية في الموانئ والمطارات، وتكثيف الرقابة للحد من التهريب والقضاء على السوق الموازية".
وأردف محسن حسن بالقول "يتعين على الحكومة أيضا العمل على تطوير المناطق الحدودية، وتزويدها بمرافق الحياة، والارتقاء بالبنية التحتية، بالإضافة الى تطوير المناطق الحرة مثل "بن قردان"، وغيرها من المناطق الحدودية قرب الجزائر، وهذه الإصلاحات تساهم بشكل كبير في تقليص التجارة الموازية، ودمجها بالاقتصاد المنظم".
بشير بوجدي (عضو المكتب التنفيذي لمنظمة الأعراف) لـ"الصباح": الاقتصاد المنظم قائم على الفوترة والموازي على التهريب
وحول نجاعة الإجراءات المتخذة من الحكومة لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، قال عضو المكتب التنفيذي لاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، بشير بوجدي، أمس، في تصريح لـ"الصباح"، أن منظمة الأعراف ترحب بكل الإجراءات المتخذة من الحكومة للحد من الاقتصاد الموازي، لكن ليس على حساب الاقتصاد المنظم.
وتابع عضو منظمة الأعراف بالقول أنه "ينبغي اليوم تعريف المصطلحات وتحديد المفاهيم، وخاصة في ما يتعلق بظاهرة الاقتصاد الموازي، حيث من غير المعقول أن لا يتم تجريم التهريب، والذي يعد عملا يعاقب عليه القانون في العديد من الدول، وهذه الظاهرة ساهمت في تفاقم الاقتصاد الموازي، الى درجة أصبح غير مقبول، خصوصا وأن نسبة الاقتصاد الموازي في البلاد ارتفعت الى قرابة 50% ، ولو كانت النسبة في حدود 10% يمكن قبولها، وهي كذلك حتى في الدول المتقدمة، لكن في تونس ارتفعت الى مستويات خطيرة.
وأضاف بشير بوجدي بالقول: "الاقتصاد المنظم قائم على الفوترة والمحاسبة ودفع الأداءات والضرائب، في حين أن الاقتصاد الموازي يقوم جزء كبير منه على التهريب، وهنا لا بد من تحديد المصطلحات، وتحديد المفاهيم، فلا يعقل هنا ألا نجرم التهريب، كما لا يعقل أن يبادر المسؤولون في الدولة، أو حتى السياسيون، الى تلميع الاقتصاد الموازي والترحيب به في الاقتصاد المنظم الذي يقوم جزء كبير منه على احترام دولة المؤسسات".
واستدرك بوجدي بالقول: "لا بد من رؤية شاملة تعرف الاقتصاد الموازي الذي تسعى الحكومة الى دمجه بالمنظم، ومن الضروري الانتباه الى المصطلحات والمفاهيم لمعالجة هذا الملف الشائك، ولا بد هنا بعد تحديد المفاهيم أن يقع التخفيض في نسبة الضرائب الجمركية لتشجيع التجار على الانخراط في الاقتصاد المنظم، وكلما كانت هناك حوافز جمركية، كان الأمر جيدا للجميع، وعلى سبيل المثال الإجراءات المتخذة في توريد المكيفات من قبل التجار والتي شهدت تخفيضا في الاداءات الجمركية، ساهمت بشكل مباشر في تنظيم هذا القطاع، وتضاعف الأموال في خزينة الدولة، وارتياح كبير لدى غالبية التجار، ومن الضروري العمل اليوم ضمن برنامج قومي وطني، على التقليص من الإجراءات الإدارية المعقدة والأداءات المشطة، والتي تسببت في هروب التجار نحو الاقتصاد الموازي".
ولفت عضو منظمة الأعراف، الى أهمية التقليص من الإجراءات الجمركية حيث أنها ترفع الفارق في الأسعار وتجبر العديد من التجار على اللجوء الى الاقتصاد الموازي، وهناك يجد الناس الأسعار في المتناول، في حين ترتفع الأسعار في المنظم الى قرابة 50%، وذلك بسبب الأداءات المشطة.
إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم أولوية الحكومة في مخطط 2023-2025
تعمل الحكومة منذ فترة على دراسة كل الإجراءات لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، وهو ما أكده وزير الاقتصاد والتخطيط، سمير سعيد، في تصريح سابق لـ"الصباح"، حيث أن إدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظم يتطلب إقرار إجراءات هامّة، أبرزها الانطلاق في الإصلاح الجبائي وتهيئة سوق العمل وتطوير منظومة الضمان الاجتماعي وتشجيع تمويل الاقتصاد التضامني عبر القروض الصغرى إضافة إلى إصلاح الإطار المؤسساتي للاستثمار من خلال إلغاء الحواجز الإدارية.
وشدد سعيّد أن الفريق الحكومي يعمل على إيجاد الآليات الضرورية لمواجهة الاقتصاد الموازي، مبرزا في مداخلة خلال عرض مخطط الحكومة للفترة القادمة، أن إدماج القطاع الموازي يمثل أولويّة في مخطط الحكومة للفترة 2023 -2025، وذلك بعد تشخيص طويل للواقع الاقتصادي التونسي، الذي تعمل الحكومة على إصلاحه هيكليا من أجل خلق الثروة وتحقيق نسب نمو ايجابية تهدف الى خلق المزيد من مواطن الشغل.
وحسب دراسة رسمية حول ظاهرة الاقتصاد الموازي، فإن 26 بالمائة من التشغيل في تونس هو تشغيل غير منظم أي قرابة مليون تونسي يشتغل في القطاع الموازي، ولا يساهمون في الصناديق الاجتماعية وارتفعت هذه النسبة بشكل ملحوظ ما بين سنتي 2011 و2015 ممّا ساهم في خلق أزمة على مستوى الصناديق الاجتماعية.
وأشارت ذات الدراسة، الى أن الحلول يجب أن تكون ضمن رؤية جامعة للاقتصاد الوطني تتعلّق بمراجعة المنظومة الجبائية وتقديم تسهيلات للمساهمين في القطاع الفلاحي وقطاع الصناعات التقليدية والحرف الصغيرة.
وتضمنت الدراسة توصيات تهمّ مراجعة المنظومة الجبائية، التّي تعتبر الحل الأكثر واقعية لإدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظم.
ووفق منظمة العمل الدولية، فإن 61 بالمائة من قيمة التشغيلية في العالم توجد في القطاع الموازي موزعة بالأساس في الدول الأفريقية وأمريكا اللاتينية، والذين يمثلون 2 مليار نسمة من مجموع سكان العالم.
وبينت هذه الدراسة التي تمّ إنجازها منذ سنة 2019، أن 60 بالمائة من الأنشطة الاقتصادية في تونس لا تخضع للاقتصاد المنظم، و من الضروري العمل على إعادة الإدماج من أجل إنقاذ الاقتصاديات الضعيفة من خلال إجراءات ضريبية ميسرة للنشاط الاقتصادي تراعي هشاشة الطبقات الضعيفة على مستوى المساهمة الاجتماعية.
وفق دراسة حديثة: ارتفاع حصة الاقتصاد الموازي في تونس !
وفي دراسة صدرت عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في فيفري 2022، حول القطاع الموازي في تونس وانعكاساته السلبية على الاقتصاد التونسي، شهدت حصة الاقتصاد الموازي في تونس من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعًا من 30% قبل 2011، إلى 53% في السنوات الموالية للثورة.
وأشارت الدراسة المعدة إلى أن الاقتصاد الموازي يتطور عمومًا عندما يكون الاقتصاد المهيكل في حالة أزمة، وأنه في المقابل عندما ينمو القطاع المنظم، يتقلص القطاع الموازي وتتناقص أهميته. كما أشارت إلى أن للاقتصاد الموازي ارتباطًا وثيقًا إلى حد ما بمستوى الفقر في البلاد، في حين أن حصة الاقتصاد الموازي من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المتقدمة ضعيفة، ونادرًا ما تتجاوز 10%، أما في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وشمال إفريقيا، فإن حصة الاقتصاد الموازي تتجاوز مستوى 50 أو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
وحسب دراسة أخرى أنجزت من قبل المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة فرنسية، أوردت تقريراً مفصلاً حول مدى انتشار وتغلغل الاقتصاد الموازي في تونس، حيث خلصت الى الاقتصاد الموازي يستقطب قرابة نصف الناشطين في البلاد ويتعدى في عدة ولايات نسبة العاملين في القطاع المهيكل.
ويجد الأشخاص العاملون في الاقتصاد الموازي أنفسهم في حالة من عدم الاستقرار والهشاشة الاقتصادية مما يضطرهم الى قبول أجور ومهن لا ترتقي الى الحد الأدنى مما يحفظ كرامة الإنسان. وتساهم هذه العوامل في تدني المستوى العام للأجور وفي تدهور ظروف العمل. ويؤثر الاقتصاد الموازي على التوازن بين المؤسسات حيث تختفي شروط المنافسة النزيهة نظرا لقدرة المؤسسات غير المهيكلة على الضغط على تكاليف الإنتاج وخاصة تكاليف اليد العاملة والرسوم الجمركية. ويشكل الاقتصادي الموازي خطرا على التوازنات المالية العمومية حيث تحرم الخزينة العامة من إراداته بينما يتمتع اغلب الناشطين به بكافة الخدمات العمومية.
ولمجابهة تطور وانتشار هذه النشاطات غير المهيكلة والمتهربة من وسائل الرقابة الاقتصادية والقانونية، بات من الضروري تحديد جميع أشكال الأعمال غير المهيكلة وأهميتها وتوزيعها بين القطاعات وبين الجهات وأنواع المشاريع والأشخاص الناشطين بها. كذلك يجب القيام بحملات تحسيسية لا ترتكز فقط على إبراز الآثار السلبية للأنشطة الموازية، على الاقتصاد وعلى مناخ الأعمال وموارد البلاد، بل يجب إبراز النتائج الإيجابية لأي نشاط يخضع للرقابة الاقتصادية والمالية والقانونية.
ولفتت الدراسة أيضا، أنه بإمكان الحكومات أيضا إقرار حوافز مالية لمساعدة الناشطين بصفة غير مهيكلة على الاندماج في القطاعات المهيكلة واتخاذ إجراءات تندرج ضمن تبسيط الإجراءات الإدارية الخاصة ببعث المشاريع وجعلها أكثر مرونة.
قانون المالية لسنة 2023: إجراءات لدمج الاقتصاد الموازي بالنظام الجبائي
ورد في قانون المالية لسنة 2023، فصل تحت عنوان "تشجيع الناشطين في الاقتصاد الموازي على الانخراط في النظام الجبائي ومنظومة الضمان الاجتماعي"، قرارات بإلغاء أحكام الفصل 2 من المرسوم من رئيس الحكومة عدد 33 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 المتعلق بنظام المبادر الذاتي وتعوض بما يلي:
يقصد بالمبادر الذاتي على معنى هذا المرسوم كل شخص طبيعي تونسي الجنسية يمارس بصفة فردية نشاطا في قطاع الصناعة أو الصناعات التقليدية أو الحرف أو التجارة أو الخدمات من غير المهن غير التجارية، على ألا يتجاوز رقم معاملاته السنوي 75 ألف دينار.
ولا يمكن للأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط الانتفاع بالنظام التقديري للضريبة على الدخل في صنف الأرباح الصناعية والتجارية المنصوص عليه بالفصل 44 مكرر من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات، الانتفاع بنظام المبادر الذاتي. ويستثنى من الانتفاع بنظام المبادر الذاتي الأشخاص المنتصبون لحسابهم الخاص والذين يحققون رقم معاملات مع مؤسسات كانت تربطهم بها علاقة شغلية.
ويطبق هذا النظام على كل شخص يمارس نشاطا دون إيداع التصريح في الوجود المنصوص عليه بالفصل 56 من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات، قبل الترسيم في سجل المبادر الذاتي.
ويمنح النظام المذكور لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد بطلب من المعني مرة واحدة لمدة ثلاث سنوات إضافية.
تلغى أحكام الفصل 5 من المرسوم من رئيس الحكومة عدد 33 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 المتعلق بنظام المبادر الذاتي وتعوض بما يلي: يتولى كل شخص يرغب في الانخراط في نظام المبادر الذاتي إيداع طلب ترسيم الكتروني في السجل الوطني للمبادر الذاتي. وتتولى المصالح الراجعة بالنظر للوزارة المكلفة بالتكوين المهني والتشغيل إسداء خدمات الإحاطة والمرافقة للمعنيين.
وتسند للمبادر الذاتي بطاقة يطلق عليها "بطاقة المبادر الذاتي" في أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ إيداع الطلب. وتسلّم البطاقة إلكترونيا عبر منصة المبادر الذاتي.
وتجدد البطاقة المذكورة مرة واحدة بعد انتهاء السنة المدنية الثالثة الموالية لسنة الترسيم في سجل المبادر الذاتي وذلك في حال توفر الشروط المستوجبة للانتفاع بالنظام المذكور.
وفي حال عدم الترسيم في السجل الوطني للمبادر الذاتي أو رفض تجديد الترسيم يتم إعلام المعني بذلك بكل وسيلة تترك أثرا يقتضى قرارا معللا في أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ طلب الترسيم أو التجديد.
تنامي السوق السوداء في المناطق الحدوية
من المنتظر أن يدخل قانون الصرف الجديد حيز التنفيذ قريبا حيث أكد محافظ البنك المركزي مروان العباسي في آخر ظهور إعلامي، أنه سيتم عرضه على الشركاء الاقتصاديين وكل الأطراف المعنية على غرار وزارة المالية والاقتصاد ورئاسة الحكومة للاطلاع عليه.
وقال محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي في تصريح سابق لـ"الصباح"، بأن البنك يشتغل على عدة إجراءات، تهم مجلة الصرف الجديدة، والتي تأخذ بعين الاعتبار تطورات التكنولوجيا الحديثة في التجارة الإلكترونية خاصة للشباب.
ويعد قانون الصرف الحالي والذي يعود تاريخ إصداره إلى عام 1976 حاجزاً أمام سلاسل حركة الأموال والتحويلات الخاصة بالمستثمرين، فضلاً عن أن القانون بات يشكل عقبة أمام التطورات الاقتصادية الأخيرة في العالم.
ولجأت تونس على امتداد أكثر من 4 عقود الى تنقيح قانون الصرف في مناسبة واحدة سنة 1993، بينما تنامت مساحة سوق الصرف الموازي في الاقتصاد المحلي، إلا أنها سمحت موفى سنة 2019 ولأول مرة في تاريخها بممارسة نشاط صرافة العملة خارج الإطار المصرفي، وذلك عقب إقرار نص قانوني لشروط ممارسة الصرف اليدوي من قبل أشخاص طبيعيين.
ومن المرتقب أن تساهم مجلة الصرف الجديدة في الحد من تنامي السوق السوداء للعملة الصعبة، أو ما تعرف هي الأخرى بالسوق الموازية للعملة الصعبة، حيث يتفق أغلب المتدخلين في الاقتصاد التونسي على أهمية الحدّ من توسّع السوق الموازية للعملة، أو ما يعرف بالسوق السوداء، باعتبار تداعياتها الوخيمة على مستوى تقليص حجم العملة المتداولة، ورفع معدل التضخم.
ونظرا لغياب بيانات رسمية حول حجم هذه السوق، فمن الطبيعي أن تتضارب الأرقام حولها، قبل أن يحسم محافظ البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، الضبابية المخيمة على هذه السوق.
وكشف العباسي، في تصريحات إعلامية، إنّ حجم الأموال المتداولة في السوق الموازية يبلغ نحو 4 مليارات دينار، منها 2 مليار دينار، يتم تداولها بالمناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر.
وحذّر العباسي من التأثير السلبي لهذه السوق على الاقتصاد المحلي، مؤكدا ضرورة تضافر كلّ الجهود من أجل الحدّ من توسّعها.
تونس- الصباح
تفاقمت أزمة الاقتصاد المنظم في تونس في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد الإجراءات الضريبية المشطة التي حملها قانون المالية لسنة 2023، وهي أزمة دفعت بالعديد من التجار الى الهجرة نحو الاقتصاد الموازي أو الاقتصاد غير المنظم، وذلك للبحث عن فرص استثمار أوسع، والتهرب من الأداءات الضريبية، وتوسيع الأنشطة التجارية في عديد المجالات، وهو الأمر الذي أضر بشكل لافت بالاقتصاد المنظم، مقابل ارتفاع نشاط الاقتصاد الموازي الى قرابة 56٪ وفق تقديرات خبراء الاقتصاد.
ورغم محاولات الحكومات المتعاقبة لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم عبر إجراءات بعضها لم ير النور، في محاولة تجاوز الركود الاقتصادي ودفع النمو وتنظيم القطاع الموازي الذي أصبح يمثل أكثر من نصف النشاط الاقتصادي، وإيجاد السبل والإجراءات الكفيلة لإدماجه في الدورة الاقتصادية، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل، وأبرزها تمرير حزمة من القوانين المحفزة لدمج القطاع الموازي بالمنظم وأشرف عليها وزير المالية السابق علي الكعلي، ولقيت المصادقة من البرلمان السابق، إلا أن هذه الحزمة من القرارات والتي اعتبرها البعض آنذاك تتضارب مع الاتفاقيات الدولية وتدخل في إطار تبييض الأموال، دفعت بالحكومة الموالية الى التخلي عن هذه الإجراءات.
وتضمنت فصول القوانين عديد الإجراءات التي تسعى لتخفيف الضغط الجبائي على الشركات والمستثمرين والباعثين العقاريين، وإدماج الأنشطة والعملة المتأتية من الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية ومقاومة التهرب الجبائي ودعم الشفافية فضلا عن إجراءات لمزيد ترشيد تداول الأموال نقدا.
ومع قرب صدور مجلة الصرف الجديدة، وما راج حول تضمنها لفصول تنظم القطاع الموازي، وتضمن له سلاسة الاندماج في الاقتصاد المنظم، إلا أن عديد الخبراء الماليين والاقتصاديين، أكدوا لـ"الصباح"، أن هذه الإجراءات غير كافية بالمرة، لتحفيز العاملين في القطاع الموازي على الاندماج في الاقتصاد المنظم، علما وان نجاح تونس في عملية الإدماج، سيرفع من الناتج المحلي الإجمالي، ويصل الأمر حد خروجها من دائرة التداين والتخلي عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي.
" الصباح" سلطت الأضواء على العراقيل التي ترافق عملية إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم، ومدى نجاعة مجلة الصرف الجديدة في ضمان جزء من عمليات الإدماج لقطاعات ما تزال تنشط في الاقتصاد غير المنظم، وهل هناك فعلا إجراءات محفزة لا تتعارض مع الاتفاقيات الدولية، خاصة وأن تونس شهدت خلال العقود الأخيرة الحط من ترقيمها السيادي لقرابة 8 مرات على التوالي، وهناك جزء واسع من تراجع الترقيم السيادي لتونس يتعلق ببعض الإجراءات التي تتعارض مع الاتفاقيات الدولية، الأمر الذي أخر عملية إدماج القطاع الموازي بالمنظم.
اللافت للانتباه اليوم ان الاقتصاد الموازي سجل نموا خلال السنتين الأخيرتين، تزامنا مع ظهور جائحة كوفيد-19 ، حيث كان لا يراوح 50٪ من الأنشطة الاقتصادية، ليرتفع مع منتصف سنة 2022، إلى أكثر من 56٪، وهناك تقديرات غير رسمية تؤكد ارتفاع نسبة الاقتصاد الموازي في البلاد الى قرابة 60٪، وهي نسبة شديدة الخطورة على الاقتصاد الوطني الذي يشكو عجزا فادحا، وبالتالي أصبح يسيطر على الدورة الاقتصادية للبلاد، خصوصا، وأنه أصبح ملاذ التونسيين في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، وكثير من التونسيين يقتنون جزءا واسعا من حاجياتهم من السوق الموازية حيث أنها أصبحت الوجهة الأساسية للمواطن بسبب تدهور قدرته الشرائية، بالإضافة الى البنزين المهرب، والذي يشهد إقبالا عليه في أغلب المناطق الحدودية، بعد الارتفاع اللافت في أسعار المحروقات في تونس.
اعداد: سفيان المهداوي
قرابة مليوني تونسي يشتغلون في الاقتصاد الموازي
ولئن تعددت الحملات، في أكثر من مناسبة، للتصدي للنشاط التجاري غير المنظم، ووضع حد للاقتصاد الموازي بشكل عام، إلا أن الأزمة ما فتئت تتفاقم، بل إن أرقام العاملين في القطاع الموازي، تشهد ارتفاعا من سنة الى أخرى، وهو ما أكده البنك الدولي في تقرير أعده مؤخرًا حول "مشهد التشغيل في تونس"، الذي أفاد بأن نصف اليد العاملة في تونس تعمل في القطاع الموازي.
ولفت التقرير الى أن من بين 2,8 مليون مشتغل في القطاع الخاص، هناك 1,55 مليون شخص في القطاع الموازي أي بنسبة تقارب 43,9%، وذلك استنادًا إلى إحصائيات 2019.
وهناك تقديرات تصدرها الحكومة وأخرى تصدرها منظمات محلية أو دولية، ورغم اختلافها، إلا أنها تجمع في المحصلة على أن الاقتصاد الموازي يساهم على الأقل بأكثر من 50٪ من الناتج الداخلي الخام، وحسب دراسات دولية، فإن الاقتصاد الموازي يشغِّل قرابة 75 في المائة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة،.
وتظل الدعوات الرامية الى إلحاق الاقتصاد الموازي بالمنظم، أحد أبرز النقاط التي يدعو إليها جميع خبراء الاقتصاد، رغم ما يكتسيه من خطورة لدى أوساط اقتصادية أخرى، اعتبرته ملاذا شرعيا للبعض لتبييض الأموال، وقد يجر البلاد الى مستنقع العقوبات الدولية مجددا.
إلا أنه ومنذ تصاعد الأزمة الاقتصادية في العالم، خاصة في الفترة الأخيرة، أقر العديد من الخبراء بضرورة تسريع نسق إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم، وذلك كخطوة استباقية لتوفير مداخيل إضافية لخزينة الدولة، في ظل حالة عدم اليقين، التي تخيم على المسار الإصلاحي في تونس، علما وأن الحكومة الحالية باشرت في دمج الاقتصاد الموازي في المنظومة عبر قانون المالية لسنة 2022، للاستفادة من السيولات المالية التي يوفرها باعتباره يمثل 60 في المائة من الاستثمارات والأموال المتداولة، إلا أنه مع تنامي الأزمة الاقتصادية في تونس، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين، ارتفع عزوف التجار عن الانخراط في الاقتصاد المنظم، بل ولوحظ خلال الأشهر القليلة الماضية، هروب المئات من التجار في الاقتصاد المنظم الى الاقتصاد الموازي، والذي يعتبره البعض ملاذا آمنا، بعيدا عن الدوائر الرقابية للدولة، في ظل تنامي الأزمة المالية في البلاد، ما يعد فشلا ذريعا في معالجة الاقتصاد التونسي الذي يمر خلال الفترة الأخيرة بأزمات متعددة بعضها متراكم، والبعض الآخر تفاقم بسبب الأزمة المالية الخانقة .
أحمد كرم (الرئيس السابق للجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية) لـ"الصباح": الجباية المجحفة والإجراءات الإدارية المعقدة تحول دون دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم
دعا الرئيس السابق للجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية أحمد كرم، أمس، في تصريح لـ"الصباح" الى ضرورة العمل في الفترة القادمة على استقطاب الاقتصادي الموازي عبر آليات وتشريعات جديدة من شأنها أن تدفع بإدماجه سريعا في الدورة الاقتصادية، مشددا على أن حجم المبالغ التي تتواجد خارج القطاع البنكي المنظم بلغت اليوم قرابة 18 مليار دينار، وهو مبلغ ليس بالهين، وبإمكانه أن يدفع بالاستثمارات مستقبلا ويحقق الانتعاشة الاقتصادية المرجوة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
وقال كرم في رده على استفسارات "الصباح"، أن حجم هذه الأموال التي تتوزع في الاقتصاد الموازي، في حال استقطابها عبر تشريعات منظمة، من شأنها أن تدفع بعجلة الاقتصاد الوطني، وتحقق الانتعاشة المرجوة لجل القطاعات، مبرزا أن جل الدراسات والتقارير، كشفت أن حجم الأموال التي تتوزع في القطاع الموازي بلغت اليوم 18 مليار دينار، وكانت في حدود 5 مليار دينار موفى سنة 2010، واستقطابها وإعادة ضخها من جديد، كفيل بالتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلادنا في الآونة الأخيرة.
وبين كرم، أن من بين العراقيل التي تحول دون دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، يتعلق بالجباية المجحفة والتشاريع التي تتطابق في ما بينها، بالإضافة الى الإجراءات الإدارية المعقدة والملتوية، والتي هي نفسها عامل من عوامل تراجع الإنتاجية.
ولفت الرئيس السابق للجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية أن قرابة 1.5 مليون تونسي يشتغلون في القطاع غير المنظم، وانه من الضروري دعم هذه الفئة من الشعب عبر قوانين ميسرة تضمن اندماجهم في الدورة الاقتصادية، كما أن عملية الإدماج ستكون مربحة للدولة التونسية التي لن تلجأ الى طباعة الأوراق النقدية، خاصة وان الموارد المالية القادمة من القطاع غير المنظم كافية لإخراج تونس من أزمتها الاقتصادية والمالية.
وتابع كرم بالقول "نحن اليوم أمام فرصة مهدورة تشكل متنفسا للاقتصاد الوطني، ومن الضروري العمل على استغلالها خصوصا في هذا الظرف الصعب".
وحول الإجراءات المحفزة في مجلة الصرف الجديدة المرتقب صدورها، لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، اعتبر كرم أن هذه الإجراءات غير مجدية، وهي تتعلق بإدماج قرابة 414 ألف مؤسسة صغرى ومتوسطة،" وفي اعتقادي لن يكون الأمر ذا مردودية وغير محفز ما لم يقع إقرار النظام التقديري والتفاوضي لتحفيز التجار الصغار على الاندماج في الاقتصاد المنظم".
وتابع أحمد كرم بالقول "تبقى الإجراءات الإدارية المعقدة والجباية المجحفة، إحدى أهم العراقيل التي تحول دون نجاح إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم، ومن الضروري العمل على حزمة من الإجراءات المشجعة والقوانين التي تشجع هذه الفئة من التجار على الانخراط في الاقتصاد المنظم".
محسن حسن (وزير التجارة الأسبق) لـ"الصباح": الضغط الجبائي في تونس يحول دون نجاح إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم
وفي رده على استفسارات "الصباح"، أفاد وزير التجارة الأسبق والخبير الاقتصادي محسن حسن، انه من الضروري الإشارة الى سبب إخفاق الحكومات المتعاقبة في دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، مشيرا في هذا الصدد الى أن الضغط الجبائي احد العوامل قائلا "للأسف الشديد الحكومة الحالية لم تتخذ بعد الإجراءات المحفزة لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، ووجب الإشارة هنا الى أن قانون المالية لسنة 2023، تضمن عدة إجراءات مجحفة، رفعت من الضغط الجبائي في بلادنا ليصل الى قرابة 25% ، وهو الأعلى على مستوى القارة الإفريقية، وهنا لا بد من الإشارة الى أن هذا الترفيع في الضرائب والأداءات يساعد على هروب التجار الى السوق الموازية، والى القطاع غير المنظم، واعتقد أن الحكومة الحالية لم تنطلق بعد في الإصلاح الجبائي، واحتواء هذه الفئة من التجار".
وتابع محسن حسن بالقول" لاستقطاب هذه الفئة من التجار التي تنشط في الاقتصاد الموازي، لا بد من إصلاح جبائي يقوم على التخفيض في الضرائب، والحكومة الحالية مطالبة بالمضي في الإصلاحات الجبائية، وتخفيض نسب الضرائب مقابل توسيع القاعدة الضريبية ومراجعة الإطار التشريعي، والحد من بعض النصوص الجبائية، وهذا الأمر يتطلب دعم الإدارة الجبائية بالموارد المالية والبشرية".
واستطرد محسن حسن بالقول "لا بد من إصلاح جبائي يقوم على رقمنة المعاملات الإدارية في ما بينها، بالإضافة الى تطوير مناخ الأعمال، حيث أن تدهور جاذبية الاقتصاد وتدهور مناخ الأعمال، يشجع على الهروب الى الاقتصاد الموازي، ويتعين هنا تبسيط الإجراءات الإدارية، وتيسير تمويل المؤسسات، والحد من الفساد والرشوة"، "أما النقطة المهمة للحد من ظاهرة تنامي السوق الموازية، فهي تتعلق بضرورة دعم مراقبة مناطق العبور وتطوير الموارد اللوجستية في الموانئ والمطارات، وتكثيف الرقابة للحد من التهريب والقضاء على السوق الموازية".
وأردف محسن حسن بالقول "يتعين على الحكومة أيضا العمل على تطوير المناطق الحدودية، وتزويدها بمرافق الحياة، والارتقاء بالبنية التحتية، بالإضافة الى تطوير المناطق الحرة مثل "بن قردان"، وغيرها من المناطق الحدودية قرب الجزائر، وهذه الإصلاحات تساهم بشكل كبير في تقليص التجارة الموازية، ودمجها بالاقتصاد المنظم".
بشير بوجدي (عضو المكتب التنفيذي لمنظمة الأعراف) لـ"الصباح": الاقتصاد المنظم قائم على الفوترة والموازي على التهريب
وحول نجاعة الإجراءات المتخذة من الحكومة لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، قال عضو المكتب التنفيذي لاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، بشير بوجدي، أمس، في تصريح لـ"الصباح"، أن منظمة الأعراف ترحب بكل الإجراءات المتخذة من الحكومة للحد من الاقتصاد الموازي، لكن ليس على حساب الاقتصاد المنظم.
وتابع عضو منظمة الأعراف بالقول أنه "ينبغي اليوم تعريف المصطلحات وتحديد المفاهيم، وخاصة في ما يتعلق بظاهرة الاقتصاد الموازي، حيث من غير المعقول أن لا يتم تجريم التهريب، والذي يعد عملا يعاقب عليه القانون في العديد من الدول، وهذه الظاهرة ساهمت في تفاقم الاقتصاد الموازي، الى درجة أصبح غير مقبول، خصوصا وأن نسبة الاقتصاد الموازي في البلاد ارتفعت الى قرابة 50% ، ولو كانت النسبة في حدود 10% يمكن قبولها، وهي كذلك حتى في الدول المتقدمة، لكن في تونس ارتفعت الى مستويات خطيرة.
وأضاف بشير بوجدي بالقول: "الاقتصاد المنظم قائم على الفوترة والمحاسبة ودفع الأداءات والضرائب، في حين أن الاقتصاد الموازي يقوم جزء كبير منه على التهريب، وهنا لا بد من تحديد المصطلحات، وتحديد المفاهيم، فلا يعقل هنا ألا نجرم التهريب، كما لا يعقل أن يبادر المسؤولون في الدولة، أو حتى السياسيون، الى تلميع الاقتصاد الموازي والترحيب به في الاقتصاد المنظم الذي يقوم جزء كبير منه على احترام دولة المؤسسات".
واستدرك بوجدي بالقول: "لا بد من رؤية شاملة تعرف الاقتصاد الموازي الذي تسعى الحكومة الى دمجه بالمنظم، ومن الضروري الانتباه الى المصطلحات والمفاهيم لمعالجة هذا الملف الشائك، ولا بد هنا بعد تحديد المفاهيم أن يقع التخفيض في نسبة الضرائب الجمركية لتشجيع التجار على الانخراط في الاقتصاد المنظم، وكلما كانت هناك حوافز جمركية، كان الأمر جيدا للجميع، وعلى سبيل المثال الإجراءات المتخذة في توريد المكيفات من قبل التجار والتي شهدت تخفيضا في الاداءات الجمركية، ساهمت بشكل مباشر في تنظيم هذا القطاع، وتضاعف الأموال في خزينة الدولة، وارتياح كبير لدى غالبية التجار، ومن الضروري العمل اليوم ضمن برنامج قومي وطني، على التقليص من الإجراءات الإدارية المعقدة والأداءات المشطة، والتي تسببت في هروب التجار نحو الاقتصاد الموازي".
ولفت عضو منظمة الأعراف، الى أهمية التقليص من الإجراءات الجمركية حيث أنها ترفع الفارق في الأسعار وتجبر العديد من التجار على اللجوء الى الاقتصاد الموازي، وهناك يجد الناس الأسعار في المتناول، في حين ترتفع الأسعار في المنظم الى قرابة 50%، وذلك بسبب الأداءات المشطة.
إدماج الاقتصاد الموازي بالمنظم أولوية الحكومة في مخطط 2023-2025
تعمل الحكومة منذ فترة على دراسة كل الإجراءات لدمج الاقتصاد الموازي بالمنظم، وهو ما أكده وزير الاقتصاد والتخطيط، سمير سعيد، في تصريح سابق لـ"الصباح"، حيث أن إدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظم يتطلب إقرار إجراءات هامّة، أبرزها الانطلاق في الإصلاح الجبائي وتهيئة سوق العمل وتطوير منظومة الضمان الاجتماعي وتشجيع تمويل الاقتصاد التضامني عبر القروض الصغرى إضافة إلى إصلاح الإطار المؤسساتي للاستثمار من خلال إلغاء الحواجز الإدارية.
وشدد سعيّد أن الفريق الحكومي يعمل على إيجاد الآليات الضرورية لمواجهة الاقتصاد الموازي، مبرزا في مداخلة خلال عرض مخطط الحكومة للفترة القادمة، أن إدماج القطاع الموازي يمثل أولويّة في مخطط الحكومة للفترة 2023 -2025، وذلك بعد تشخيص طويل للواقع الاقتصادي التونسي، الذي تعمل الحكومة على إصلاحه هيكليا من أجل خلق الثروة وتحقيق نسب نمو ايجابية تهدف الى خلق المزيد من مواطن الشغل.
وحسب دراسة رسمية حول ظاهرة الاقتصاد الموازي، فإن 26 بالمائة من التشغيل في تونس هو تشغيل غير منظم أي قرابة مليون تونسي يشتغل في القطاع الموازي، ولا يساهمون في الصناديق الاجتماعية وارتفعت هذه النسبة بشكل ملحوظ ما بين سنتي 2011 و2015 ممّا ساهم في خلق أزمة على مستوى الصناديق الاجتماعية.
وأشارت ذات الدراسة، الى أن الحلول يجب أن تكون ضمن رؤية جامعة للاقتصاد الوطني تتعلّق بمراجعة المنظومة الجبائية وتقديم تسهيلات للمساهمين في القطاع الفلاحي وقطاع الصناعات التقليدية والحرف الصغيرة.
وتضمنت الدراسة توصيات تهمّ مراجعة المنظومة الجبائية، التّي تعتبر الحل الأكثر واقعية لإدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظم.
ووفق منظمة العمل الدولية، فإن 61 بالمائة من قيمة التشغيلية في العالم توجد في القطاع الموازي موزعة بالأساس في الدول الأفريقية وأمريكا اللاتينية، والذين يمثلون 2 مليار نسمة من مجموع سكان العالم.
وبينت هذه الدراسة التي تمّ إنجازها منذ سنة 2019، أن 60 بالمائة من الأنشطة الاقتصادية في تونس لا تخضع للاقتصاد المنظم، و من الضروري العمل على إعادة الإدماج من أجل إنقاذ الاقتصاديات الضعيفة من خلال إجراءات ضريبية ميسرة للنشاط الاقتصادي تراعي هشاشة الطبقات الضعيفة على مستوى المساهمة الاجتماعية.
وفق دراسة حديثة: ارتفاع حصة الاقتصاد الموازي في تونس !
وفي دراسة صدرت عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في فيفري 2022، حول القطاع الموازي في تونس وانعكاساته السلبية على الاقتصاد التونسي، شهدت حصة الاقتصاد الموازي في تونس من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعًا من 30% قبل 2011، إلى 53% في السنوات الموالية للثورة.
وأشارت الدراسة المعدة إلى أن الاقتصاد الموازي يتطور عمومًا عندما يكون الاقتصاد المهيكل في حالة أزمة، وأنه في المقابل عندما ينمو القطاع المنظم، يتقلص القطاع الموازي وتتناقص أهميته. كما أشارت إلى أن للاقتصاد الموازي ارتباطًا وثيقًا إلى حد ما بمستوى الفقر في البلاد، في حين أن حصة الاقتصاد الموازي من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المتقدمة ضعيفة، ونادرًا ما تتجاوز 10%، أما في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وشمال إفريقيا، فإن حصة الاقتصاد الموازي تتجاوز مستوى 50 أو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
وحسب دراسة أخرى أنجزت من قبل المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة فرنسية، أوردت تقريراً مفصلاً حول مدى انتشار وتغلغل الاقتصاد الموازي في تونس، حيث خلصت الى الاقتصاد الموازي يستقطب قرابة نصف الناشطين في البلاد ويتعدى في عدة ولايات نسبة العاملين في القطاع المهيكل.
ويجد الأشخاص العاملون في الاقتصاد الموازي أنفسهم في حالة من عدم الاستقرار والهشاشة الاقتصادية مما يضطرهم الى قبول أجور ومهن لا ترتقي الى الحد الأدنى مما يحفظ كرامة الإنسان. وتساهم هذه العوامل في تدني المستوى العام للأجور وفي تدهور ظروف العمل. ويؤثر الاقتصاد الموازي على التوازن بين المؤسسات حيث تختفي شروط المنافسة النزيهة نظرا لقدرة المؤسسات غير المهيكلة على الضغط على تكاليف الإنتاج وخاصة تكاليف اليد العاملة والرسوم الجمركية. ويشكل الاقتصادي الموازي خطرا على التوازنات المالية العمومية حيث تحرم الخزينة العامة من إراداته بينما يتمتع اغلب الناشطين به بكافة الخدمات العمومية.
ولمجابهة تطور وانتشار هذه النشاطات غير المهيكلة والمتهربة من وسائل الرقابة الاقتصادية والقانونية، بات من الضروري تحديد جميع أشكال الأعمال غير المهيكلة وأهميتها وتوزيعها بين القطاعات وبين الجهات وأنواع المشاريع والأشخاص الناشطين بها. كذلك يجب القيام بحملات تحسيسية لا ترتكز فقط على إبراز الآثار السلبية للأنشطة الموازية، على الاقتصاد وعلى مناخ الأعمال وموارد البلاد، بل يجب إبراز النتائج الإيجابية لأي نشاط يخضع للرقابة الاقتصادية والمالية والقانونية.
ولفتت الدراسة أيضا، أنه بإمكان الحكومات أيضا إقرار حوافز مالية لمساعدة الناشطين بصفة غير مهيكلة على الاندماج في القطاعات المهيكلة واتخاذ إجراءات تندرج ضمن تبسيط الإجراءات الإدارية الخاصة ببعث المشاريع وجعلها أكثر مرونة.
قانون المالية لسنة 2023: إجراءات لدمج الاقتصاد الموازي بالنظام الجبائي
ورد في قانون المالية لسنة 2023، فصل تحت عنوان "تشجيع الناشطين في الاقتصاد الموازي على الانخراط في النظام الجبائي ومنظومة الضمان الاجتماعي"، قرارات بإلغاء أحكام الفصل 2 من المرسوم من رئيس الحكومة عدد 33 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 المتعلق بنظام المبادر الذاتي وتعوض بما يلي:
يقصد بالمبادر الذاتي على معنى هذا المرسوم كل شخص طبيعي تونسي الجنسية يمارس بصفة فردية نشاطا في قطاع الصناعة أو الصناعات التقليدية أو الحرف أو التجارة أو الخدمات من غير المهن غير التجارية، على ألا يتجاوز رقم معاملاته السنوي 75 ألف دينار.
ولا يمكن للأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط الانتفاع بالنظام التقديري للضريبة على الدخل في صنف الأرباح الصناعية والتجارية المنصوص عليه بالفصل 44 مكرر من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات، الانتفاع بنظام المبادر الذاتي. ويستثنى من الانتفاع بنظام المبادر الذاتي الأشخاص المنتصبون لحسابهم الخاص والذين يحققون رقم معاملات مع مؤسسات كانت تربطهم بها علاقة شغلية.
ويطبق هذا النظام على كل شخص يمارس نشاطا دون إيداع التصريح في الوجود المنصوص عليه بالفصل 56 من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات، قبل الترسيم في سجل المبادر الذاتي.
ويمنح النظام المذكور لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد بطلب من المعني مرة واحدة لمدة ثلاث سنوات إضافية.
تلغى أحكام الفصل 5 من المرسوم من رئيس الحكومة عدد 33 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 المتعلق بنظام المبادر الذاتي وتعوض بما يلي: يتولى كل شخص يرغب في الانخراط في نظام المبادر الذاتي إيداع طلب ترسيم الكتروني في السجل الوطني للمبادر الذاتي. وتتولى المصالح الراجعة بالنظر للوزارة المكلفة بالتكوين المهني والتشغيل إسداء خدمات الإحاطة والمرافقة للمعنيين.
وتسند للمبادر الذاتي بطاقة يطلق عليها "بطاقة المبادر الذاتي" في أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ إيداع الطلب. وتسلّم البطاقة إلكترونيا عبر منصة المبادر الذاتي.
وتجدد البطاقة المذكورة مرة واحدة بعد انتهاء السنة المدنية الثالثة الموالية لسنة الترسيم في سجل المبادر الذاتي وذلك في حال توفر الشروط المستوجبة للانتفاع بالنظام المذكور.
وفي حال عدم الترسيم في السجل الوطني للمبادر الذاتي أو رفض تجديد الترسيم يتم إعلام المعني بذلك بكل وسيلة تترك أثرا يقتضى قرارا معللا في أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ طلب الترسيم أو التجديد.
تنامي السوق السوداء في المناطق الحدوية
من المنتظر أن يدخل قانون الصرف الجديد حيز التنفيذ قريبا حيث أكد محافظ البنك المركزي مروان العباسي في آخر ظهور إعلامي، أنه سيتم عرضه على الشركاء الاقتصاديين وكل الأطراف المعنية على غرار وزارة المالية والاقتصاد ورئاسة الحكومة للاطلاع عليه.
وقال محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي في تصريح سابق لـ"الصباح"، بأن البنك يشتغل على عدة إجراءات، تهم مجلة الصرف الجديدة، والتي تأخذ بعين الاعتبار تطورات التكنولوجيا الحديثة في التجارة الإلكترونية خاصة للشباب.
ويعد قانون الصرف الحالي والذي يعود تاريخ إصداره إلى عام 1976 حاجزاً أمام سلاسل حركة الأموال والتحويلات الخاصة بالمستثمرين، فضلاً عن أن القانون بات يشكل عقبة أمام التطورات الاقتصادية الأخيرة في العالم.
ولجأت تونس على امتداد أكثر من 4 عقود الى تنقيح قانون الصرف في مناسبة واحدة سنة 1993، بينما تنامت مساحة سوق الصرف الموازي في الاقتصاد المحلي، إلا أنها سمحت موفى سنة 2019 ولأول مرة في تاريخها بممارسة نشاط صرافة العملة خارج الإطار المصرفي، وذلك عقب إقرار نص قانوني لشروط ممارسة الصرف اليدوي من قبل أشخاص طبيعيين.
ومن المرتقب أن تساهم مجلة الصرف الجديدة في الحد من تنامي السوق السوداء للعملة الصعبة، أو ما تعرف هي الأخرى بالسوق الموازية للعملة الصعبة، حيث يتفق أغلب المتدخلين في الاقتصاد التونسي على أهمية الحدّ من توسّع السوق الموازية للعملة، أو ما يعرف بالسوق السوداء، باعتبار تداعياتها الوخيمة على مستوى تقليص حجم العملة المتداولة، ورفع معدل التضخم.
ونظرا لغياب بيانات رسمية حول حجم هذه السوق، فمن الطبيعي أن تتضارب الأرقام حولها، قبل أن يحسم محافظ البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، الضبابية المخيمة على هذه السوق.
وكشف العباسي، في تصريحات إعلامية، إنّ حجم الأموال المتداولة في السوق الموازية يبلغ نحو 4 مليارات دينار، منها 2 مليار دينار، يتم تداولها بالمناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر.
وحذّر العباسي من التأثير السلبي لهذه السوق على الاقتصاد المحلي، مؤكدا ضرورة تضافر كلّ الجهود من أجل الحدّ من توسّعها.