إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الكشف عما وراء الحجاب!

  

بقلم: بوجمعة الرميلي(*)

يحاول التونسي جاهدا نزع الحجاب الذي يفصل بينه وبين ما يخبئه له المصير، كفرد وكجزء من المجموعة، كل حسب ما يتوفر لديه من معلومات ومن طريقة في الفهم والتدبر. لكن،في هذا المسعى الفردي -الجماعي، يختلط عندنا الواقع بتأويلاتنا للواقع.

فعلى سبيل المثال، لا نتمكن من الاتفاق على أمر بسيط يهم تحديد أصل ومنبع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي وصلت الذروة وتجاوزتها، بينما السبب واضح وجلي، هو تحطم (crash) الآلة الإنتاجية، كما أن سبب ذلك التحطم معروف، فعفعة الدولة، وسبب الفعفعة معلوم أيضا، آت مما ينفض من حولها من سند اجتماعي وسياسي، لا يستقيم الأمر لأية دولة بدونه.

وفي الغياب لمثل هذا النوع من الفهم، المتجاوز للأحجبة الواهية، نغرق في تفسير قانون المالية لسنة 2023، وكأن أمرنا عادي، مرتبط بقانون مالية ما، لسنة ما، وكأنه لدينا سير دولة عادي ومالية عمومية قائمة الذات وميزانية وتحكم وخطة وتسيير، في حين أن فداحة ما حصل لآلة الإنتاج من تحطم رهيب من شأنه أن جعل من خارج المعقول الحديث عن المؤشرات العادية لأي اقتصاد، كالدخل والادخار والاستثمار والنمو والاقتراض والتشغيل والتصدير والتوريد، وكأنه بالإمكان استنتاج حلول من تلك المؤشرات التي، بتحريك الآليات التي تعبر عنها رقميا، يمكن أن ينهض الاقتصاد بدفع من صلبه ليعود من جديد إلى الاشتغال. 

وحتى نرفع ما يمكن من الغطاء للكشف على عمق الزرداب الذي أسقطنا فيه تحطم ماكينة الانتاج، نقارن فيما يلي، بالزمن الطويل، بين تطور ناتجنا وناتج المغرب، البلد الأقرب إلينا اقتصاديا، حتى نوفر لنا مرجعا ما، نستند إليه لفهم مدى خروجنا المزمن والعميق عن المدارات القابلة للتحكم في مساراتها، وذلك على امتداد ثلاث  عشريات كاملة، لكي نقف على ما حصل في العمق ولا نكتفي بالسطحي والظرفي والفاقد لأي مدلول، والفترات الثلاث المقصودة هي 1989-1999 و2000­­-2010 و2011-2021، كل فترة طولها 11 سنة، كان فيها المعدل السنوي لتطور الإنتاج التونسي على التوالي:4,%  و4,2% قبل ان يسقط إلى 1,0%،بينما كان المعدل السنوي لتطور الإنتاج المغربي على التوالي:3,0%  و4,6% و4,2%، لتمكننا هذه العملية الحسابية البسيطة من الاستنتاجات الخطيرة التالية.

الاستنتاج الأول يخص فترة ما قبل 14، فترة بن علي،حيث في حقبتها الأولى كان لتونس نسق نمو اقتصادي أعلى بـ1,6مرة من نسق اقتصاد المغرب، زمن كان المغاربة يحسدوننا على وضعنا.لكن في الحقبة الموالية دارت علينا الدوائر وانقلب أمرنا، وأصبح نسق النمو بالمغرب = 1,1 نسق النمو لتونس، يعني أن وضع المغرب تمكن من الصعود إلى موقع وضع تونس، الذي كان بعيدا عنه آنذاك، ثم تجاوزه في ظرف عشرية، وقد كان أغلبية التونسيين في ذاك الوقت يرددون بأن المناخ العام تغير كثيرا وأصبح غير مواة بالمرة لبعث المشاريع والاستثمار والنمو والتشغيل،لأن الثقة فقدت، لكن سلطة بن علي الغارقة في العائليات لم تستمع للنقد، ومنذ ذلك الوقت، وليس الأمر بحديث العهد كما يتصوره البعض،بدأ المغرب في مرحلة تجاوزنا، خصوصا وأننا بلدين متنافسين في مجالات عديدة.

الاستنتاج الثاني يتعلق بتعلة إرجاع كل شيء إلى الكورو وما إلى ذلك، لتفسير ما يحصل للاقتصاد التونسي والأوضاع الاجتماعية،كما نجد ذلك- اليوم بالذات - في الوثائق الرسمية، وهي تأثيرات أكيدة، لكن لا تفسر إلا القليل مما حصل، لأننا نلاحظ، حسب الترقيم السابق، كيف تمكن اقتصاد المغرب من البقاء على نسق نمو قريب من بعضه خلال عشرية ما قبل 2010 وعشرية ما بعد 2010، بفارق لا محالة نتيجة العوامل المعروفة، لكنه فارق ضئيل، بالنزول فقط من نسق 4,6% إلى 4,2%.

يعني، بالاعتماد على هذا المنهج للمقارنة، بالزمان وبالمكان، كان من الممكن أن يحقق الاقتصاد التونسي، في عشرية ما بعد 2010، لو لم تكن فيه ثورة ومع احتساب كل التأثيرات الأخرى الدولية والصحية، معدل نمو سنوي بـ3,8%. يعني كان من المفروض، بالعوامل ودائما في فرضية - دون ثورة -أن ينزل معدل نسق الناتج فقط بـ0,4 نقاط من عشرية إلى أخرى، مثل ما حصل مع المغرب.

يعني، بينما كان من المفروض أن يحصل لاقتصادنا وما حصل بالفعل يشبه وضع سيارة كان لديها 4 - بوجيات-لكن لم يبق لها منها إلا- بوجي– واحدة للسير، على طول مسافة زمنية بـ11 سنة!

معطى إضافي يزيد في كشف وضعنا: ناتجنا الداخلي الخام سنة 2021 مقدر بـ46,7مليار دولار وناتجنا سنة 2010 كان بـ46,2 مليار دولار، يعني، بالدولار، ناتجنا2021 هو نفس الناتج2010 لسنة، أي مراوحة بنفس المكان مدة إحدى عشر سنة بالكامل، بينما بالنسبة للمغرب بعدما كان ناتجه سنة 2010 بـ93,2 مليار دولار صعد إلى 142,9 مليار دولار سنة 2021، يعني ذلك أن خلال  عشرية  لم يضاف فيها شيء لناتجنا بالدولار حقق المغرب إضافة ناتج لاقتصاده تفوق ناتج تونس بأكمله !

وبالرغم من كل ذلك، وحتى تبقى لدينا بقية معنويات، فإن ناتج تونس للفرد الواحد بالدولارPPA، الذي يأخذ بعين القدرة الشرائية للعملة- برفع العين كان سنة 2021بـ11283 دولار، مقابل 8853 دولارا فقط بالنسبة للمغرب، يعني، مرة أخرى بالرغم من كل شيء، المقدرة الشرائية المتوسطة للتونسي لا تزال أفضل ب27% من المقدرة الشرائية للمغربي. وإذا كان أمرنا من هذه الناحية لم ينحدر أكثر سلبا فهو فقط من باب المعجزة، معجزة التونسيين الذين حملوا  ما لا يطاق حمله.

والمقصود مرة أخرى، أنه عندما تنزل نسبة النمو إلى1% في العام، طيلة 11 سنة بالكامل، بعد ما كانت 4,2%بالعام في الفترة المماثلة التي سبقتها، فإن البحث عن أي تفسير للمديونية والبطالة وقيمة العملة والعجز التجاري واشتعال أسعار، دون استحضار مسألة تحطم ماكينة الإنتاج، يصبح بحثا يكاد يكون فاقدا لكل معنى.

وما سبق يفتح على السؤال الذي يهم أكثر من غيره، ألا وهو ماذا جرى لتونس حتى تنزل إلى هذا المنحدر وبهذا الشكل وكيف الخلاص؟

السبب هو عدم تمكن التروي الجماعي من فهم مسألة الدائرتين اللتين تتحكم علاقتهما فيما بينهما في مصير كل مجتمع، دائرة الاقتصادي - الاجتماعي ودائرة الاجتماعي - السياسي، وكيف يكون المطلوب من  تلك العلاقة ألا تؤثر طبيعة الاشتغال بالغليان للحلقة الثانية على طبيعة الاعتماد على الاستقرار للحلقة الأولى.

ولدينا محل شاهد كما يقال من تجربتنا التونسية زمن حكم بن علي. ففي النصف الأول من ذلك الحكم، تمكن بن علي من الفصل بين الدائرتين، بطريقته الخاصة، حيث أحكم الغلق على الثانية لحماية الأولى، بما فيه وأساسا بالتلسط والعنف، ومكن البلاد من تحقيق النمو الذي سبق تقديمه. لكن بالنسبة لفترة حكمه الثانية،حركت العائلة الدائرة الثانية بقوة لأن الأجندات السياسية بدأت تقترب، مع تغييبها وإقصائها في نفس الوقت لكل من حزب التجمع وعموم موظفي الدولة والخارجين عن الحلقة الضيقة،مما أفقد بن علي في الفترة الحاسمة القدرة التي كانت لديه سابقا في الفصل بين الدائرتين، مكن كل ذلك الحراك الاجتماعي القوي والمباغت من الدفع نحو شل جهاز الدولة والانتهاء بإسقاط مجمل المنظومة.

وتوجد في تجارب الشعوب أمثلة كثيرة حول مسألة التوازن بين الدائرتين،من أكثرها شهرة وتداولا تجربة الـNEP، أو السياسة الاقتصادية الجديدة التي أقرها لينين في بداية الحكم البلشفي، بإقرار العودة إلى اقتصاد السوق صلب بناء النظام الاشتراكي، وهو المبدأ المبنية عليه تجربة الصين الشعبية القائمة حاليا.

بعد 14 جانفي، لم تترك قوة الانفلات الجارفة والجنونية للبلاد أية فرصة للنظر في كيفية التصرف تجاه سقوط النظام الفجئي وفعفعة الدولة وضرورة الفصل بين الدائرتين حتى لا يفضي الحال إلى الخسارة على جميع الأصعدة بالإفساد لكل دائرة على الأخرى، مما أدخل البلاد في الخض الشامل، بينما كان من الواضح أن حلقة الاقتصادي - الاجتماعي بها مجال كبير للحلول نتيجة تجربة ميدانية متنوعة لعقود طويلة، بينما دائرة السياسي - الاجتماعي لا تزال خضراء كما يقال، تتطلب وقتا طويلا للإنضاج.

وفي المحصلة كل حلقة لوثت الأخرى بمشاكلها، وأصبح بينهما توريد وتصدير بلا حدود،وهكذا يختلط اليوم بالنسبة للمواطن العادي الدستور بالزيوت النباتية والانتخابات بسعر المحروقات والحريات بوضع النقل العمومي وحقوق الانسان بثمن الإسمنت والحديد ومقاومة الفساد برفع النفايات!

يعني وصلنا إلى وضع يعتبر فيه التونسيون أن - الكبة مخبلة بالكامل - وأن كل الأمور أصبحت على حد كبير من التفاهة بعدما صارت في قطيعة مع واقعهم ومصالحهم وحياتهم، والانطباع السائد لدى التونسيين متساو سواء تعلق الأمر بالسلطة أو بالمعارضة، أو سواء كان الأمر يهم إصلاحات خارقة للعادة وتاريخية كما تقول الدعاية أو إجراءات عملية يومية بسيطة.

وهكذا من حيث تشعر تونس أو لا تشعر صنعت لها الأحداث مجانا أرضية خارقة للعادة للالتقاء الشامل بين الجميع، تتمثل في الفقدان الشامل للمصداقية من طرف الجميع. وهي مبدئيا فرصة للتواضع وللبحث عن عقلنة جماعية تقود نحو الخروج من المأزق المجحف بناء على مبدأ الفصل بين الدائرتين.

وقد حصل نوع من التعبير الجزئي عن هذا الأمر، من خلال مثلا المناداة بتكوين حكومة كفاءات، تحظى بالدعم الكافي، للعناية فقط بالاقتصادي - الاجتماعي. وهو مقترح لم يحصل في شأنه أي تقدم لسبب بسيط يرتبط بالأسئلة التالية : أي برنامج للحكومة ؟ ومن سيختارها؟ ومن ماذا تستمد شرعيتها؟

صعوبة الخروج من المأزق، في اتجاه حل وطني منقذ،ناجمة عن ورطة التشتت وإعادة انتاج التشتت بشكل تصاعدي، إلى حد يضع مصير البلاد في درجة ثانوية جدا في سلم الأولويات، وهي نزعة لا تخلو من روح الانتحار الجماعي، كل طرف لا يرى الحل إلا في إغراق الخصم، بما فيه حتى لو كان ثمن ذلك إغراق البلاد كلها، وهو ما جعل الكثير يبتهجون بقضاء قيس سعيد على النهضة حتى ولو كان ذلك بالقضاء على دستور البلاد.

عندما تصبح البلاد على هذه الحالات من التصور فهو الدليل على أن الأزمة ليست فقط شاملة ومعقدة ومستفحلة ولكن أيضا أن حلها يشترط التخلي عن كل أشكال الفهم القائمة وخلق طرق جديدة في قطيعة تامة مع السائد.

أي أن الحل أصبح غير ممكن من خلال السائد، مهما كان، ومهما كانت محاولات حلحلته، وأن الحل يتمثل في الإلغاء لكل الموجود، كطرق تفكير وتعامل، لأن الموجود، كل الموجود،أصبح هو المفسر الوحيد لفقدان المنشود.

ومن السائد الذي لم يعد مجديا تصور أن الحل يكمن في المزيد والتصعيد في نقد الخصم، دون التفطن الى أن ذلك يكون مجديا إلى حد ما في إطار وطني قائم، ينظم الخلافات والصراعات ويصنع التطور، بينما لا يتوفر اليوم أي إطار وطني لأي نوع من التطور، ولذا فإن كل نقد حتى لو كان من النوع البناء لا يصب في أي خانة للخزن والمراكمة بل مصيره الهباء المنثور.

وهكذا يصبح المطلوب رفع الغشاوة الجماعية وتجاوز الوهم القائم، بدء بالكشف عما وراء الحجاب.

في الكشف عما وراء الحجاب!

  

بقلم: بوجمعة الرميلي(*)

يحاول التونسي جاهدا نزع الحجاب الذي يفصل بينه وبين ما يخبئه له المصير، كفرد وكجزء من المجموعة، كل حسب ما يتوفر لديه من معلومات ومن طريقة في الفهم والتدبر. لكن،في هذا المسعى الفردي -الجماعي، يختلط عندنا الواقع بتأويلاتنا للواقع.

فعلى سبيل المثال، لا نتمكن من الاتفاق على أمر بسيط يهم تحديد أصل ومنبع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي وصلت الذروة وتجاوزتها، بينما السبب واضح وجلي، هو تحطم (crash) الآلة الإنتاجية، كما أن سبب ذلك التحطم معروف، فعفعة الدولة، وسبب الفعفعة معلوم أيضا، آت مما ينفض من حولها من سند اجتماعي وسياسي، لا يستقيم الأمر لأية دولة بدونه.

وفي الغياب لمثل هذا النوع من الفهم، المتجاوز للأحجبة الواهية، نغرق في تفسير قانون المالية لسنة 2023، وكأن أمرنا عادي، مرتبط بقانون مالية ما، لسنة ما، وكأنه لدينا سير دولة عادي ومالية عمومية قائمة الذات وميزانية وتحكم وخطة وتسيير، في حين أن فداحة ما حصل لآلة الإنتاج من تحطم رهيب من شأنه أن جعل من خارج المعقول الحديث عن المؤشرات العادية لأي اقتصاد، كالدخل والادخار والاستثمار والنمو والاقتراض والتشغيل والتصدير والتوريد، وكأنه بالإمكان استنتاج حلول من تلك المؤشرات التي، بتحريك الآليات التي تعبر عنها رقميا، يمكن أن ينهض الاقتصاد بدفع من صلبه ليعود من جديد إلى الاشتغال. 

وحتى نرفع ما يمكن من الغطاء للكشف على عمق الزرداب الذي أسقطنا فيه تحطم ماكينة الانتاج، نقارن فيما يلي، بالزمن الطويل، بين تطور ناتجنا وناتج المغرب، البلد الأقرب إلينا اقتصاديا، حتى نوفر لنا مرجعا ما، نستند إليه لفهم مدى خروجنا المزمن والعميق عن المدارات القابلة للتحكم في مساراتها، وذلك على امتداد ثلاث  عشريات كاملة، لكي نقف على ما حصل في العمق ولا نكتفي بالسطحي والظرفي والفاقد لأي مدلول، والفترات الثلاث المقصودة هي 1989-1999 و2000­­-2010 و2011-2021، كل فترة طولها 11 سنة، كان فيها المعدل السنوي لتطور الإنتاج التونسي على التوالي:4,%  و4,2% قبل ان يسقط إلى 1,0%،بينما كان المعدل السنوي لتطور الإنتاج المغربي على التوالي:3,0%  و4,6% و4,2%، لتمكننا هذه العملية الحسابية البسيطة من الاستنتاجات الخطيرة التالية.

الاستنتاج الأول يخص فترة ما قبل 14، فترة بن علي،حيث في حقبتها الأولى كان لتونس نسق نمو اقتصادي أعلى بـ1,6مرة من نسق اقتصاد المغرب، زمن كان المغاربة يحسدوننا على وضعنا.لكن في الحقبة الموالية دارت علينا الدوائر وانقلب أمرنا، وأصبح نسق النمو بالمغرب = 1,1 نسق النمو لتونس، يعني أن وضع المغرب تمكن من الصعود إلى موقع وضع تونس، الذي كان بعيدا عنه آنذاك، ثم تجاوزه في ظرف عشرية، وقد كان أغلبية التونسيين في ذاك الوقت يرددون بأن المناخ العام تغير كثيرا وأصبح غير مواة بالمرة لبعث المشاريع والاستثمار والنمو والتشغيل،لأن الثقة فقدت، لكن سلطة بن علي الغارقة في العائليات لم تستمع للنقد، ومنذ ذلك الوقت، وليس الأمر بحديث العهد كما يتصوره البعض،بدأ المغرب في مرحلة تجاوزنا، خصوصا وأننا بلدين متنافسين في مجالات عديدة.

الاستنتاج الثاني يتعلق بتعلة إرجاع كل شيء إلى الكورو وما إلى ذلك، لتفسير ما يحصل للاقتصاد التونسي والأوضاع الاجتماعية،كما نجد ذلك- اليوم بالذات - في الوثائق الرسمية، وهي تأثيرات أكيدة، لكن لا تفسر إلا القليل مما حصل، لأننا نلاحظ، حسب الترقيم السابق، كيف تمكن اقتصاد المغرب من البقاء على نسق نمو قريب من بعضه خلال عشرية ما قبل 2010 وعشرية ما بعد 2010، بفارق لا محالة نتيجة العوامل المعروفة، لكنه فارق ضئيل، بالنزول فقط من نسق 4,6% إلى 4,2%.

يعني، بالاعتماد على هذا المنهج للمقارنة، بالزمان وبالمكان، كان من الممكن أن يحقق الاقتصاد التونسي، في عشرية ما بعد 2010، لو لم تكن فيه ثورة ومع احتساب كل التأثيرات الأخرى الدولية والصحية، معدل نمو سنوي بـ3,8%. يعني كان من المفروض، بالعوامل ودائما في فرضية - دون ثورة -أن ينزل معدل نسق الناتج فقط بـ0,4 نقاط من عشرية إلى أخرى، مثل ما حصل مع المغرب.

يعني، بينما كان من المفروض أن يحصل لاقتصادنا وما حصل بالفعل يشبه وضع سيارة كان لديها 4 - بوجيات-لكن لم يبق لها منها إلا- بوجي– واحدة للسير، على طول مسافة زمنية بـ11 سنة!

معطى إضافي يزيد في كشف وضعنا: ناتجنا الداخلي الخام سنة 2021 مقدر بـ46,7مليار دولار وناتجنا سنة 2010 كان بـ46,2 مليار دولار، يعني، بالدولار، ناتجنا2021 هو نفس الناتج2010 لسنة، أي مراوحة بنفس المكان مدة إحدى عشر سنة بالكامل، بينما بالنسبة للمغرب بعدما كان ناتجه سنة 2010 بـ93,2 مليار دولار صعد إلى 142,9 مليار دولار سنة 2021، يعني ذلك أن خلال  عشرية  لم يضاف فيها شيء لناتجنا بالدولار حقق المغرب إضافة ناتج لاقتصاده تفوق ناتج تونس بأكمله !

وبالرغم من كل ذلك، وحتى تبقى لدينا بقية معنويات، فإن ناتج تونس للفرد الواحد بالدولارPPA، الذي يأخذ بعين القدرة الشرائية للعملة- برفع العين كان سنة 2021بـ11283 دولار، مقابل 8853 دولارا فقط بالنسبة للمغرب، يعني، مرة أخرى بالرغم من كل شيء، المقدرة الشرائية المتوسطة للتونسي لا تزال أفضل ب27% من المقدرة الشرائية للمغربي. وإذا كان أمرنا من هذه الناحية لم ينحدر أكثر سلبا فهو فقط من باب المعجزة، معجزة التونسيين الذين حملوا  ما لا يطاق حمله.

والمقصود مرة أخرى، أنه عندما تنزل نسبة النمو إلى1% في العام، طيلة 11 سنة بالكامل، بعد ما كانت 4,2%بالعام في الفترة المماثلة التي سبقتها، فإن البحث عن أي تفسير للمديونية والبطالة وقيمة العملة والعجز التجاري واشتعال أسعار، دون استحضار مسألة تحطم ماكينة الإنتاج، يصبح بحثا يكاد يكون فاقدا لكل معنى.

وما سبق يفتح على السؤال الذي يهم أكثر من غيره، ألا وهو ماذا جرى لتونس حتى تنزل إلى هذا المنحدر وبهذا الشكل وكيف الخلاص؟

السبب هو عدم تمكن التروي الجماعي من فهم مسألة الدائرتين اللتين تتحكم علاقتهما فيما بينهما في مصير كل مجتمع، دائرة الاقتصادي - الاجتماعي ودائرة الاجتماعي - السياسي، وكيف يكون المطلوب من  تلك العلاقة ألا تؤثر طبيعة الاشتغال بالغليان للحلقة الثانية على طبيعة الاعتماد على الاستقرار للحلقة الأولى.

ولدينا محل شاهد كما يقال من تجربتنا التونسية زمن حكم بن علي. ففي النصف الأول من ذلك الحكم، تمكن بن علي من الفصل بين الدائرتين، بطريقته الخاصة، حيث أحكم الغلق على الثانية لحماية الأولى، بما فيه وأساسا بالتلسط والعنف، ومكن البلاد من تحقيق النمو الذي سبق تقديمه. لكن بالنسبة لفترة حكمه الثانية،حركت العائلة الدائرة الثانية بقوة لأن الأجندات السياسية بدأت تقترب، مع تغييبها وإقصائها في نفس الوقت لكل من حزب التجمع وعموم موظفي الدولة والخارجين عن الحلقة الضيقة،مما أفقد بن علي في الفترة الحاسمة القدرة التي كانت لديه سابقا في الفصل بين الدائرتين، مكن كل ذلك الحراك الاجتماعي القوي والمباغت من الدفع نحو شل جهاز الدولة والانتهاء بإسقاط مجمل المنظومة.

وتوجد في تجارب الشعوب أمثلة كثيرة حول مسألة التوازن بين الدائرتين،من أكثرها شهرة وتداولا تجربة الـNEP، أو السياسة الاقتصادية الجديدة التي أقرها لينين في بداية الحكم البلشفي، بإقرار العودة إلى اقتصاد السوق صلب بناء النظام الاشتراكي، وهو المبدأ المبنية عليه تجربة الصين الشعبية القائمة حاليا.

بعد 14 جانفي، لم تترك قوة الانفلات الجارفة والجنونية للبلاد أية فرصة للنظر في كيفية التصرف تجاه سقوط النظام الفجئي وفعفعة الدولة وضرورة الفصل بين الدائرتين حتى لا يفضي الحال إلى الخسارة على جميع الأصعدة بالإفساد لكل دائرة على الأخرى، مما أدخل البلاد في الخض الشامل، بينما كان من الواضح أن حلقة الاقتصادي - الاجتماعي بها مجال كبير للحلول نتيجة تجربة ميدانية متنوعة لعقود طويلة، بينما دائرة السياسي - الاجتماعي لا تزال خضراء كما يقال، تتطلب وقتا طويلا للإنضاج.

وفي المحصلة كل حلقة لوثت الأخرى بمشاكلها، وأصبح بينهما توريد وتصدير بلا حدود،وهكذا يختلط اليوم بالنسبة للمواطن العادي الدستور بالزيوت النباتية والانتخابات بسعر المحروقات والحريات بوضع النقل العمومي وحقوق الانسان بثمن الإسمنت والحديد ومقاومة الفساد برفع النفايات!

يعني وصلنا إلى وضع يعتبر فيه التونسيون أن - الكبة مخبلة بالكامل - وأن كل الأمور أصبحت على حد كبير من التفاهة بعدما صارت في قطيعة مع واقعهم ومصالحهم وحياتهم، والانطباع السائد لدى التونسيين متساو سواء تعلق الأمر بالسلطة أو بالمعارضة، أو سواء كان الأمر يهم إصلاحات خارقة للعادة وتاريخية كما تقول الدعاية أو إجراءات عملية يومية بسيطة.

وهكذا من حيث تشعر تونس أو لا تشعر صنعت لها الأحداث مجانا أرضية خارقة للعادة للالتقاء الشامل بين الجميع، تتمثل في الفقدان الشامل للمصداقية من طرف الجميع. وهي مبدئيا فرصة للتواضع وللبحث عن عقلنة جماعية تقود نحو الخروج من المأزق المجحف بناء على مبدأ الفصل بين الدائرتين.

وقد حصل نوع من التعبير الجزئي عن هذا الأمر، من خلال مثلا المناداة بتكوين حكومة كفاءات، تحظى بالدعم الكافي، للعناية فقط بالاقتصادي - الاجتماعي. وهو مقترح لم يحصل في شأنه أي تقدم لسبب بسيط يرتبط بالأسئلة التالية : أي برنامج للحكومة ؟ ومن سيختارها؟ ومن ماذا تستمد شرعيتها؟

صعوبة الخروج من المأزق، في اتجاه حل وطني منقذ،ناجمة عن ورطة التشتت وإعادة انتاج التشتت بشكل تصاعدي، إلى حد يضع مصير البلاد في درجة ثانوية جدا في سلم الأولويات، وهي نزعة لا تخلو من روح الانتحار الجماعي، كل طرف لا يرى الحل إلا في إغراق الخصم، بما فيه حتى لو كان ثمن ذلك إغراق البلاد كلها، وهو ما جعل الكثير يبتهجون بقضاء قيس سعيد على النهضة حتى ولو كان ذلك بالقضاء على دستور البلاد.

عندما تصبح البلاد على هذه الحالات من التصور فهو الدليل على أن الأزمة ليست فقط شاملة ومعقدة ومستفحلة ولكن أيضا أن حلها يشترط التخلي عن كل أشكال الفهم القائمة وخلق طرق جديدة في قطيعة تامة مع السائد.

أي أن الحل أصبح غير ممكن من خلال السائد، مهما كان، ومهما كانت محاولات حلحلته، وأن الحل يتمثل في الإلغاء لكل الموجود، كطرق تفكير وتعامل، لأن الموجود، كل الموجود،أصبح هو المفسر الوحيد لفقدان المنشود.

ومن السائد الذي لم يعد مجديا تصور أن الحل يكمن في المزيد والتصعيد في نقد الخصم، دون التفطن الى أن ذلك يكون مجديا إلى حد ما في إطار وطني قائم، ينظم الخلافات والصراعات ويصنع التطور، بينما لا يتوفر اليوم أي إطار وطني لأي نوع من التطور، ولذا فإن كل نقد حتى لو كان من النوع البناء لا يصب في أي خانة للخزن والمراكمة بل مصيره الهباء المنثور.

وهكذا يصبح المطلوب رفع الغشاوة الجماعية وتجاوز الوهم القائم، بدء بالكشف عما وراء الحجاب.