بقلم:دريم بالخذيري(*)
يجمع التونسيون على أنّ سنة 2022 كانت الأصعب على البلاد وقد تأثرت بالأزمة كل الفئات وكلّ المجالات وبلغت نسبة التضخم مستوى تاريخيا حيث لامست 10بالمائة وهي نسبة تعدّ مفجعة بالنظر الى تدنّي المرتبات وارتفاع الأسعار.
كما يجمع التونسيون على أن سنة 2023 لن تشهد تحسّنا وهو ما أكدته مختلف سبر الآراء التي أنجزت مؤخرا حيث قدّرت نسبة التشاؤم لدى المستجوبين بـ47 بالمائة .كما تم تسجيل نسبة تخوف لدى المستجوَبين من الوضع الاقتصادي بنسبة 88 بالمائة.
وما يعزّز هذه التخوفات عديد المؤشرات سنقف عند أهم اثنين منها وهما قرار صندوق النقد الدولي تأجيل النظر في طلب تونس قرضا بـ1900مليار دولار الى أجل غير مسمّى. وكذلك اقدام بنوك دولية معروفة مطلع هذا الأسبوع على بيع سندات تونسية بعد استشعار عدم قدرة تونس المحتملة على الايفاء بتعهداتها المالية . حيث أعلن البنك الفرنسي banque crédit agricole والبنك الأمريكي غولدمان ساكس(The Goldman Sachs Group) اضافة الى بنوك أخرى على رويال بنك أوف كندا (Royal Bank of Canada) .
وقبل تحليل مآلات هذين المؤشرين لابد من معرفة طبيعة هذه السندات وأهمية القرض المنتظر من صندوق النقد الدولي.
السندات الحكومية..ماهي؟
السند صك قابل للتداول يمثل قرضا يُعقد عادة بواسطة الاكتتاب العام، وتصدره الحكومات والشركات والمؤسسات. ويعتبر حامل السند دائنا للجهة المصدرة له ولا يعد شريكا فيها، حيث يتقاضى فائدة ثابتة محددة سواء ربحت الجهة المصدرة أم خسرت، فلحامل السند الحق في استرداد قيمة سنده عند حلول أجل معين.
وهي صكوك متساوية القيمة تمثل دينا مضمونا في ذمة الحكومة، وغالبا ما تكون ذات فوائد ثابتة. ويتم طرحها للاكتتاب العام وتتداول بالطرق التجارية وتكون إما دائمة (السندات التي لا تحدد الحكومة تاريخا لسدادها) أو مستهلكة (السندات التي تحدد الحكومة أجلا لتسديد قيمتها).
و تصدر الحكومة هذه السندات لتمويل عمليات التنمية الاقتصادية أو لمواجهة عجز في الميزانية أو طارئ أخر. ويتم الإصدار عن طريق الاكتتاب العام المباشر أو بطرحها في البورصة تدريجيا، أو أن تستعين الحكومة بالبنوك لبيعها.
تتميز هذه السندات بخلوها من المخاطر وتمتعها بدرجة عالية من السيولة مع إعفائها من الضرائب. وهي تتنوع بدورها الى أنواع متعددة كسندات الدولة التي تصدر لتمويل الإنفاق العام، أو سندات الهيئات الدولية كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير، التي تُصدرها لتمويل مشاريعها. ثم هناك سندات المؤسسات العامة الحكومية المصدرة لتمويل نفقاتها ومشاريعها .
وتبلغ قيمة سندات الحكومة التونسية معدل 3.8 سنت في اليورو وبواقع 2.9 سنت في الدولار وهي معدلات من المؤكد أنها انخفضت بعد تأجيل صندوق النقد الدولي نظره في قرض تونس وهذا ما جعل البنوك العالمية تسارع الى التخلص من هذه المستندات . والمحصلّة أن السندات الحكومية تتأثر سلبا أو ايجابا بمواقف صندوق النقد الدولي وتقييمه لاقتصاديات الدول وقدرتها على السداد.
قرض ضمان
منذ عقدين تقريبا ارتبطت ميزانية الدولة التونسية بقروض صندوق النقد الدولي والاقتراض الخارجي والداخلي. ولئن كانت مبالغ القروض المقدمة من هذه المؤسسة الدولية لا تفي بالحاجة عادة الا أنها طالما شكلت ضمانا لتونس للخروج الى الأسواق الدولية والذي يمكنها من الاقتراض الثنائي بنسب فائدة معقولة و يجعل البنوك الدولية تقبل على شراء السندات الحكومية بأسعار مرتفعة و العكس صحيح وهي الحالة التي تعيشها المالية العمومية اليوم والتي تعاني من ضيق تنفّس وانسداد الأفق .
ووجدت الحكومة التونسية نفسها في مأزق يصعب الخروج منه فهي من ناحية مجبرة على قبول شروط صندوق النقد الدولي لتطبيق اصلاحات موجعة أهمها رفع الدعم التدريجي على المواد الغذائية والتخلي عن دعم المحروقات والتحكم في كتلة الأجور والتفويت في المؤسسات والشركات العمومية التي تعاني صعوبات مالية ومن ناحية أخرى تدرك أنّ عليها مراعاة الجوانب الاجتماعية وعدم اثقال كاهل المواطنين والشركات الذين يعانون من التضخم وغلاء الأسعار.
ومن المؤكد بحسب تصريحات المسؤولين أن تونس قد وافقت على حزمة الاصلاحات المطلوبة لكن العقبة الكبرى تبقى في الاستجابة لشرط التفويت في المؤسسات والشركات العمومية التي أصبحت تستنزف المالية العمومية .أو حتى فتح المجال لشراكات مع الخواص في عدد من المرافق التي تحتكرها الدولة.
لكنّ ذلك يعدّ الحلّ الوحيد بالنسبة لعدد كبير من الخبراء فهاته الخطوة ستوفر أموالا للميزانية وتمكّن من الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي يعيد لتونس ثقة شركائها وأصدقائها والمانحين والمقرضين.
اليوم في تونس لم يعد للحلول الوسطى مكان فيما يتعلق بعدد من الملفات والحسم فيها هو السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.
*رئيسة المنتدى التونسي للاستشعار والوقاية من الجريمة الاقتصادية
