إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الصلح الجزائي.. إرجاع الأموال المنهوبة للشعب خلال ستة أشهر فقط؟

تونس-الصباح

مر أمس شهر كامل عن موكب أداء أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي اليمين أمام رئيس الجمهورية قيس سعيد، وهو ما يعني أنه لم يبق أمامهم سوى خمسة أشهر لتحقيق المهام المطلوبة منهم وذلك في صورة عدم وجود ضرورة للتمديد في عضويتهم بستة أشهر إضافية. إذ نص الأمر عدد 812 لسنة 2022 المؤرّخ في 11 نوفمبر 2022 المتعلّق بتسمية أعضاء اللّجنة الوطنيّة للصّلح الجزائيّ ومقرّرها على أن يسمّى أعضاء للّجنة الوطنية للصّلح الجزائي لمدة ستة أشهر وهم على التوالي مكرم بن منا، قاضي عدلي من الرتبة الثالثة، رئيسا، خالد بن يوسف، رئيس دائرة تعقيبيّة بالمحكمة الإدارية، نائبا أوّلا للرّئيس، خالد بنعلي، وكيل دولة منظّر بخطة رئيس دائرة تعقيبيّة بمحكمة المحاسبات، نائبا ثانيا للرئيس، لمياء بن عمارة، مراقب عامّ للمصالح العمومية، ممثّلة عن الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة، عضوا، لطفي حرزالي، مراقب عامّ للماليّة، ممثّلا عن هيئة الرقابة العامّة للماليّة، عضوا، سيّدة سلماني، رئيسة وحدة بلجنة التحاليل المالية، ممثلة عن لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي، عضوا، سامي بالزين، متفقّد مركزي للملكيّة العقاريّة بالديوان الوطني للملكيّة العقارية، ممثّلا عن وزارة أملاك الدّولة والشّؤون العقاريّة، عضوا، فاطمة يعقوبي، المستشار المقرر العام بالإدارة العامة لنزاعات الدّولة، ممثلة عن المكلّف العام بنزاعات الدّولة، عضوا. كما سميت منية الجويني، المديرة بوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، مقررة للّجنة الوطنية للصّلح الجزائي.
وتنتظر أعضاء اللجنة مهمة تاريخية على حد وصف رئيس الجمهورية، إذ دعاهم الرئيس يوم 7 ديسمبر 2022 خلال موكب أداء اليمين إلى التسريع في أعمالهم وعدم التفريط في أي مليم من أموال الشعب التونسي المنهوبة، وقال لهم إن مقترح الصلح الجزائي تم تقديمه بناء على تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد لسنة 2011 التي ترأسها المرحوم عبد الفتاح عمر، وأعلمهم أن عدد الأشخاص المعنيين يبلغ 460 شخصا وأن المبلغ المطلوب استرجاعه منهم مقدر بنحو 13500 مليار، وشدد بالخصوص على أن الصلح الحقيقي يجب أن يكون مع الشعب من خلال إرجاع الأموال المنهوبة للشعب، وفسر لهم أن الشخص الأكثر تورطا يجب أن يستثمر في المنطقة الأكثر فقرا، وأن يبقى مسؤولا عن مشروعه مدة عشر سنوات كاملة كما عليه المساهمة في الشركات الأهلية..
 
معطيات غير دقيقة
ويبدو أن المعطيات التي قدمها رئيس الجمهورية لأعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي يوم موكب أداء القسم لم تكن دقيقة فهذا ما أورده موقع تونس تتحرى، وهو موقع متخصص في صحافة التحري والتصدي للأخبار الزائفة أطلقته النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بالشراكة مع إحدى المنظمات، إذ عاد فريق تونس تتحرى إلى تقرير لجنة عبد الفتاح عمر الذي تحدث عنه الرئيس سعيد للتدقيق في عدد الأشخاص  المتعلقة بهم القضايا والذي قال سعيد إنه في حدود 460 شخصا وتبين له أن هذا الرقم غير دقيق فالتقرير تحدث عن 300 ملف وهناك من بينهم من وافتهم المنية خلال السنوات الماضية.
وكان العميد عبد الفتاح عمر نفسه أشار في كلمة افتتاحية وردت في تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد الصادر في أكتوبر 2011 إلى  أن اللجنة تلقت أكثر من عشرة آلاف ملف إلى غاية صياغة التقرير ودرست منها ما يفوق عن خمسة آلاف ملف وأحالت على القضاء حوالي 300 ملف، تعلق كل ملف منها بالعديد من الأطراف كما أن عددا هاما من العرائض لا يدخل ضمن اختصاص اللجنة، وتضمن عدد آخر إدعاءات مجردة لم يتم إثباتها، فضلا عن الملفات المتضمنة لوشايات وتصفية حسابات شخصية، ثم أن عددا كبيرا من المسائل التي تضمنتها عديد الملفات، تم فضها بمساعدة الإدارات المعنية، كما أن عددا من الممتلكات والأموال وقع استرجاعها.
 
استشراء الفساد
كما أشار الراحل عبد الفتاح عمر في مقدمة تقرير لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد إلى أن تونس كانت في عهد رئيس الجمهورية الأسبق ويقصد زين العابدين بن علي، كانت ضحية لمنظومة رشوة وفساد، تجاوزت مجرد الظواهر والأفعال المنعزلة عن بعضها البعض. فالمقصود بالمنظومة حسب قوله مجموعة من العناصر المترابطة والمتفاعلة فيما بينها بحيث يكون لتحرك أي عنصر منها تبعات على بقية العناصر، ولقد تكونت هذه المنظومة بصورة تدريجية وتدعمت شيئا فشيئا، فأحكمت قبضتها على الدولة والمجتمع وتجسمت عناصرها خاصة داخل عدد من المؤسسات السياسية والإدارية والقضائية للدولة وكذلك في عدد من الجماعات العمومية والمؤسسات والمنشآت العمومية. كما شملت تنظيمات سياسية وعلى رأسها التجمع الدستوري الديمقراطي، وأخرى اجتماعية وعدد من وسائل الإعلام والاتصال، فأدت إلى إرساء سلوكيات ومواقف في المجتمع أثرت على العقلية الجماعية. ونتيجة لذلك تم استبطان توجه ما انفك يتعمق، بين أفراد المجتمع، يرتكز على اعتبار الوصول إلى المصالح الشخصية والبحث عن الامتيازات والإثراء السهل وغير المشروع الذي يتحقق بكل الوسائل، وذلك بتسخير القانون وتوظيفه وبالإفلات منه عند الحاجة وانتهاكه بكل الصور في كل الحالات، فكل شيء يمكن أن يؤخذ أو يفتك بحق أو دون حق وبالقانون أو خارجه، فلا غرو، إذن أن تقوم التصرفات على الاستقواء واستعراض العضلات وعلى الترهيب والتهديد وكذلك على التملق والتلاعب والخزعبلات والتدخلات والرشوة وكل أنواع الفساد. وقد شمل الأمر مختلف القطاعات والإجراءات، عقارية وديوانية وتجارية وإدارية وغيرها. كما شملت إجراءات التخصيص والصفقات العمومية واللزمات. وانتشر كل ذلك في مختلف المستويات من أدناها إلى أعلاها حتى أن رأس الدولة تحول إلى رمز الرشوة والفساد وملاذ المنحرفين والفاسدين وقد ساعدت عديد العناصر على قيام هذا الوضع منها خاصة: الممارسة الأحادية لسلطة لا تحدها سلطة أخرى ولا تقيدها ضوابط وأخلاقيات وهو ما أدى إلى التبعية والخوف والعمل على إحلال منطق الرعية محل منطق المواطنة، التصور الكلياني للسلطة، وهو تصور يجعل من الماسك بها، أي في آخر الأمر، رئيس الدولة، يتدخل في كل المجالات العامة منها والخاصة وذلك إلى حد التدخل في الحياة العائلية للبعض والتصرف أحيانا في حرمتهم الجسدية ، فضلا عن قيامه بدور المتصرف المطلق في جميع الشؤون على اختلافها، الإنفراد بالحكم كغنيمة يتقاسمها الرئيس وزوجته وأفراد عائلتيهما والمقربين منهما ومن تألفت قلوبهم بعنوان السرقة والنهب . ويتجسم هذا التصور لدى عدد من الإداريين وحاملي لواء السلطة من عمد وأعوان أمن ومسؤولين وغيرهم ممن لهم تأثير ونفوذ.
ولكن وإضافة إلى ما جاء في تقرير لجنة عبد الفتاح عمر أكدت مختلف التقارير التي أعدتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومختلف الهياكل الرقابية استشراء الفساد أكثر فأكثر بعد الثورة إذ أنه بعد 14 جانفي تغلغل في جميع مفاصل الدولة، وبالتالي لن يقتصر عمل لجنة الصلح الجزائي على تعقب ناهبي أموال الشعب قبل الثورة فقط بل سيشمل فترة ما بعد الثورة وهو ما سيجعل مهمتها صعبة للغاية.
 
النبش في ملفات الفساد
وللقيام بمهامهم يتعين على أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي النبش من جديد في عدد كبير من الملفات وعليهم التقيد في أعمالهم بأحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته.
وحول هذا اللمرسوم للجنة الوطنية للصلح الجزائي أن تطلب من الهياكل العمومية الإدارية والقضائية أو الخاصة المعلومات والوثائق وغيرها من المؤيدات المتصلة بمطلب الصلح دون أن تجابه بالسر المهني أو حماية المعطيات الشخصية أو سرية الأبحاث الجزائية وأوجب على الجهة المطلوبة أن تجيب اللجنة على الطلب في أجل أقصاه عشرة  أيام من تاريخ توصلها بالمطلب كما يمكن للجنة أن تستمع إلى المعني بالأمر وأن تطالبه بكل المعطيات والوثائق والأحكام والقرارات القضائية ومحاضر البحث المستوجبة لدراسة المطلب، ويحق لأعضاء اللجنة النفاذ مباشرة لكل الوثائق والمعلومات وغيرها من المؤيدات من الجهات المعنية وللجنة أن تستعين في ذلك بالقوة العامة.
ويتعين على اللجنة الوطنية للصلح الجزائي ضبط قائمة المعنيين بالصلح من أجل الأفعال المرتكبة قبل سنة 2011 وإلى حدّ تاريخ نشر المرسوم المتعلق بالصلح الجزائي المؤرخ في 20 مارس 2022 وعليها أن تتولى دعوتهم إلى إيداع مطلب في الصلح، كما تتعهد بمطالب الصلح التي يقدمها المشمولون بالفصل الثالث من القانون المتعلق بالقطب القضائي والمالي الذي تحدث عن الجرائم المرتكبة في مجالات المال العام والمال الخاص الموضوع تحت يد الموظف العمومي أو شبهه بمقتضى الوظيفة ولديوانة والجباية والصرف والسوق المالية والبنوك والمؤسسات المالية وتمويل الأحزاب والجمعيات والانتخابات الأنشطة التجارية والاقتصادية.
وحسب نفس المرسوم تعرض اللجنة الوطنية للصلح الجزائي الصلح على طالب الصلح وتتفاوض معه حول قيمة المبالغ المالية الواجب دفعها في إطار الصلح الجزائي وفي صورة حصول الاتفاق يقع إبرام الصلح في حدود المبلغ المالي المُستولى عليه أو قيمة المنفعة المتحصل عليها أو مقدار الضرر الذي طال المال العام مثلما تم تحديده من قبل اللجنة تضاف إليه نسبة 10 بالمائة عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك، ويتخذ اتفاق الصلح المذكور صبغة الصلح النهائي إذا أفضى إلى أداء كامل المبالغ المستوجب دفعها أو بعد إنجاز المشاريع المتعهد بها إذا كان خيار طالب الصلح بعد مصادقة اللجنة الوطنية للصلح الجزائي إنجاز مشاريع في حدود المبالغ المطالب بدفعها فإن اتفاق الصلح يتخذ صبغة الصلح الوقتي شريطة تأمين مبلغ مالي لا يقل عن خمسين بالمائة من قيمة المبالغ المحددة من قبل اللجنة.
وتبت اللجنة الوطنية للصلح الجزائي في مطالب الصلح بالجلسة العامة بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين ويحرر في ذلك محضر جلسة يمضى من كافة الأعضاء يتضمن بيان كافة عناصر الصلح الجزائي خاصة منها قيمة المبالغ المالية الواجب دفعها أو المشروع والمشاريع المستوجب إنجازها والتي حظيت بالموافقة..  علما وانه لا يتم إبرام عقد الصلح الجزائي النهائي إلا بعد إيداع كامل المبالغ المضمنة باتفاق الصلح بالحساب الخاص المفتوح بخزينة الدولة وتسليم وصل أو وصولات إيداع أو بعد إنجاز المشاريع المتفق عليها وإثبات ذلك بناء على تقرير صادر عن اللجنة المكلفة بمتابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات وإدلاء المعني بالأمر بمحضر تسليم وقتي لانتهاء الأشغال.
 
الاستثمار في المناطق الفقيرة
وضبط المرسوم المتعلق بالصلح الجزائي إجراءات الصلح مع الدولة، صلحا جزائيا في الجرائم الاقتصادية والمالية والأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى وذلك تكريسا لمبدأ العدالة الجزائية التعويضية كما نظم المرسوم طرق توظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على قاعدة العدل والإنصاف. ويهدف الصلح الجزائي إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة. ويدخل في احتساب المبالغ المالية أو المشاريع المتعهد بإنجازها نسب التضخم المالي استنادا إلى الأرقام الرسمية التي تتولى تقديمها الهياكل الرسمية المختصة. وشمل أحكام المرسوم كل شخص مادي أو معنوي صدر في شأنه أو في شأن من يمثله حكما أو أحكاما جزائية، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية كما تشمل أيضا كل شخص مادي ومعنوي لم تستكمل في شأنه إجراءات مصادرة أمواله واسترجاعها من الخارج طبق ما اقتضته أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 والمتعلق بالمصادرة مثلما تشمل الذوات المادية والمعنوية التي استفادت من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه كان وتنسحب أحكام هذا الفصل على الجرائم المرتكبة المذكورة قبل سنة 2011 وإلى غاية يوم 20 مارس 2022.  ويؤدي إبرام الصلح الجزائي بعد تنفيذه إلى تطهير الوضعية القانونية للمصالح من شبهات الفساد المالي والاقتصادي فيما شمله الصلح وإعادة إدماجه في الميدان الاجتماعي والاقتصادي على أساس مبادئ الشفافية والنزاهة.ومنذ صدوره جوبه مرسوم الصلح الجزائي برفض العديد من الناشطين في المجتمع المدني وخاصة الأحزاب المعارضة لرئيس الجمهورية قيس سعيد وهناك من قالوا إن المشاريع التي سينجزها أشخاص نعتهم الرئيس بالفاسدين واللصوص وناهبي أموال الشعب لن يكتب لها النجاح ويذكر أن المرسوم أشار إلى  أن 80 بالمائة من عائدات الصلح الجزائي سترصد لفائدة المعتمديات حسب ترتيبها من الأكثر فقرا إلى الأقل فقرا و20 بالمائة ستخصص لفائدة الجماعات المحلية بهدف المساهمة في رأس مال مؤسسات محلية أو جهوية تأخذ شكل شركات ذات صبغة أهلية أو استثمارية أو تجارية.
وبين رئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي مكرم بن منا، أمس في تصريح لإذاعة شمس أف ام أن هناك بشائر طيبة ومؤشرات واعدة تتعلق بالمطالب الواردة على اللجنة وبنوايا الصلح وقال إنه تم إعلام رئيس الجمهورية بهذه المطالب.
 
سعيدة بوهلال
 
الصلح الجزائي.. إرجاع الأموال المنهوبة للشعب خلال ستة أشهر فقط؟

تونس-الصباح

مر أمس شهر كامل عن موكب أداء أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي اليمين أمام رئيس الجمهورية قيس سعيد، وهو ما يعني أنه لم يبق أمامهم سوى خمسة أشهر لتحقيق المهام المطلوبة منهم وذلك في صورة عدم وجود ضرورة للتمديد في عضويتهم بستة أشهر إضافية. إذ نص الأمر عدد 812 لسنة 2022 المؤرّخ في 11 نوفمبر 2022 المتعلّق بتسمية أعضاء اللّجنة الوطنيّة للصّلح الجزائيّ ومقرّرها على أن يسمّى أعضاء للّجنة الوطنية للصّلح الجزائي لمدة ستة أشهر وهم على التوالي مكرم بن منا، قاضي عدلي من الرتبة الثالثة، رئيسا، خالد بن يوسف، رئيس دائرة تعقيبيّة بالمحكمة الإدارية، نائبا أوّلا للرّئيس، خالد بنعلي، وكيل دولة منظّر بخطة رئيس دائرة تعقيبيّة بمحكمة المحاسبات، نائبا ثانيا للرئيس، لمياء بن عمارة، مراقب عامّ للمصالح العمومية، ممثّلة عن الهيئة العليا للرّقابة الإداريّة والماليّة، عضوا، لطفي حرزالي، مراقب عامّ للماليّة، ممثّلا عن هيئة الرقابة العامّة للماليّة، عضوا، سيّدة سلماني، رئيسة وحدة بلجنة التحاليل المالية، ممثلة عن لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي، عضوا، سامي بالزين، متفقّد مركزي للملكيّة العقاريّة بالديوان الوطني للملكيّة العقارية، ممثّلا عن وزارة أملاك الدّولة والشّؤون العقاريّة، عضوا، فاطمة يعقوبي، المستشار المقرر العام بالإدارة العامة لنزاعات الدّولة، ممثلة عن المكلّف العام بنزاعات الدّولة، عضوا. كما سميت منية الجويني، المديرة بوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، مقررة للّجنة الوطنية للصّلح الجزائي.
وتنتظر أعضاء اللجنة مهمة تاريخية على حد وصف رئيس الجمهورية، إذ دعاهم الرئيس يوم 7 ديسمبر 2022 خلال موكب أداء اليمين إلى التسريع في أعمالهم وعدم التفريط في أي مليم من أموال الشعب التونسي المنهوبة، وقال لهم إن مقترح الصلح الجزائي تم تقديمه بناء على تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد لسنة 2011 التي ترأسها المرحوم عبد الفتاح عمر، وأعلمهم أن عدد الأشخاص المعنيين يبلغ 460 شخصا وأن المبلغ المطلوب استرجاعه منهم مقدر بنحو 13500 مليار، وشدد بالخصوص على أن الصلح الحقيقي يجب أن يكون مع الشعب من خلال إرجاع الأموال المنهوبة للشعب، وفسر لهم أن الشخص الأكثر تورطا يجب أن يستثمر في المنطقة الأكثر فقرا، وأن يبقى مسؤولا عن مشروعه مدة عشر سنوات كاملة كما عليه المساهمة في الشركات الأهلية..
 
معطيات غير دقيقة
ويبدو أن المعطيات التي قدمها رئيس الجمهورية لأعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي يوم موكب أداء القسم لم تكن دقيقة فهذا ما أورده موقع تونس تتحرى، وهو موقع متخصص في صحافة التحري والتصدي للأخبار الزائفة أطلقته النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بالشراكة مع إحدى المنظمات، إذ عاد فريق تونس تتحرى إلى تقرير لجنة عبد الفتاح عمر الذي تحدث عنه الرئيس سعيد للتدقيق في عدد الأشخاص  المتعلقة بهم القضايا والذي قال سعيد إنه في حدود 460 شخصا وتبين له أن هذا الرقم غير دقيق فالتقرير تحدث عن 300 ملف وهناك من بينهم من وافتهم المنية خلال السنوات الماضية.
وكان العميد عبد الفتاح عمر نفسه أشار في كلمة افتتاحية وردت في تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد الصادر في أكتوبر 2011 إلى  أن اللجنة تلقت أكثر من عشرة آلاف ملف إلى غاية صياغة التقرير ودرست منها ما يفوق عن خمسة آلاف ملف وأحالت على القضاء حوالي 300 ملف، تعلق كل ملف منها بالعديد من الأطراف كما أن عددا هاما من العرائض لا يدخل ضمن اختصاص اللجنة، وتضمن عدد آخر إدعاءات مجردة لم يتم إثباتها، فضلا عن الملفات المتضمنة لوشايات وتصفية حسابات شخصية، ثم أن عددا كبيرا من المسائل التي تضمنتها عديد الملفات، تم فضها بمساعدة الإدارات المعنية، كما أن عددا من الممتلكات والأموال وقع استرجاعها.
 
استشراء الفساد
كما أشار الراحل عبد الفتاح عمر في مقدمة تقرير لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد إلى أن تونس كانت في عهد رئيس الجمهورية الأسبق ويقصد زين العابدين بن علي، كانت ضحية لمنظومة رشوة وفساد، تجاوزت مجرد الظواهر والأفعال المنعزلة عن بعضها البعض. فالمقصود بالمنظومة حسب قوله مجموعة من العناصر المترابطة والمتفاعلة فيما بينها بحيث يكون لتحرك أي عنصر منها تبعات على بقية العناصر، ولقد تكونت هذه المنظومة بصورة تدريجية وتدعمت شيئا فشيئا، فأحكمت قبضتها على الدولة والمجتمع وتجسمت عناصرها خاصة داخل عدد من المؤسسات السياسية والإدارية والقضائية للدولة وكذلك في عدد من الجماعات العمومية والمؤسسات والمنشآت العمومية. كما شملت تنظيمات سياسية وعلى رأسها التجمع الدستوري الديمقراطي، وأخرى اجتماعية وعدد من وسائل الإعلام والاتصال، فأدت إلى إرساء سلوكيات ومواقف في المجتمع أثرت على العقلية الجماعية. ونتيجة لذلك تم استبطان توجه ما انفك يتعمق، بين أفراد المجتمع، يرتكز على اعتبار الوصول إلى المصالح الشخصية والبحث عن الامتيازات والإثراء السهل وغير المشروع الذي يتحقق بكل الوسائل، وذلك بتسخير القانون وتوظيفه وبالإفلات منه عند الحاجة وانتهاكه بكل الصور في كل الحالات، فكل شيء يمكن أن يؤخذ أو يفتك بحق أو دون حق وبالقانون أو خارجه، فلا غرو، إذن أن تقوم التصرفات على الاستقواء واستعراض العضلات وعلى الترهيب والتهديد وكذلك على التملق والتلاعب والخزعبلات والتدخلات والرشوة وكل أنواع الفساد. وقد شمل الأمر مختلف القطاعات والإجراءات، عقارية وديوانية وتجارية وإدارية وغيرها. كما شملت إجراءات التخصيص والصفقات العمومية واللزمات. وانتشر كل ذلك في مختلف المستويات من أدناها إلى أعلاها حتى أن رأس الدولة تحول إلى رمز الرشوة والفساد وملاذ المنحرفين والفاسدين وقد ساعدت عديد العناصر على قيام هذا الوضع منها خاصة: الممارسة الأحادية لسلطة لا تحدها سلطة أخرى ولا تقيدها ضوابط وأخلاقيات وهو ما أدى إلى التبعية والخوف والعمل على إحلال منطق الرعية محل منطق المواطنة، التصور الكلياني للسلطة، وهو تصور يجعل من الماسك بها، أي في آخر الأمر، رئيس الدولة، يتدخل في كل المجالات العامة منها والخاصة وذلك إلى حد التدخل في الحياة العائلية للبعض والتصرف أحيانا في حرمتهم الجسدية ، فضلا عن قيامه بدور المتصرف المطلق في جميع الشؤون على اختلافها، الإنفراد بالحكم كغنيمة يتقاسمها الرئيس وزوجته وأفراد عائلتيهما والمقربين منهما ومن تألفت قلوبهم بعنوان السرقة والنهب . ويتجسم هذا التصور لدى عدد من الإداريين وحاملي لواء السلطة من عمد وأعوان أمن ومسؤولين وغيرهم ممن لهم تأثير ونفوذ.
ولكن وإضافة إلى ما جاء في تقرير لجنة عبد الفتاح عمر أكدت مختلف التقارير التي أعدتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومختلف الهياكل الرقابية استشراء الفساد أكثر فأكثر بعد الثورة إذ أنه بعد 14 جانفي تغلغل في جميع مفاصل الدولة، وبالتالي لن يقتصر عمل لجنة الصلح الجزائي على تعقب ناهبي أموال الشعب قبل الثورة فقط بل سيشمل فترة ما بعد الثورة وهو ما سيجعل مهمتها صعبة للغاية.
 
النبش في ملفات الفساد
وللقيام بمهامهم يتعين على أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي النبش من جديد في عدد كبير من الملفات وعليهم التقيد في أعمالهم بأحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته.
وحول هذا اللمرسوم للجنة الوطنية للصلح الجزائي أن تطلب من الهياكل العمومية الإدارية والقضائية أو الخاصة المعلومات والوثائق وغيرها من المؤيدات المتصلة بمطلب الصلح دون أن تجابه بالسر المهني أو حماية المعطيات الشخصية أو سرية الأبحاث الجزائية وأوجب على الجهة المطلوبة أن تجيب اللجنة على الطلب في أجل أقصاه عشرة  أيام من تاريخ توصلها بالمطلب كما يمكن للجنة أن تستمع إلى المعني بالأمر وأن تطالبه بكل المعطيات والوثائق والأحكام والقرارات القضائية ومحاضر البحث المستوجبة لدراسة المطلب، ويحق لأعضاء اللجنة النفاذ مباشرة لكل الوثائق والمعلومات وغيرها من المؤيدات من الجهات المعنية وللجنة أن تستعين في ذلك بالقوة العامة.
ويتعين على اللجنة الوطنية للصلح الجزائي ضبط قائمة المعنيين بالصلح من أجل الأفعال المرتكبة قبل سنة 2011 وإلى حدّ تاريخ نشر المرسوم المتعلق بالصلح الجزائي المؤرخ في 20 مارس 2022 وعليها أن تتولى دعوتهم إلى إيداع مطلب في الصلح، كما تتعهد بمطالب الصلح التي يقدمها المشمولون بالفصل الثالث من القانون المتعلق بالقطب القضائي والمالي الذي تحدث عن الجرائم المرتكبة في مجالات المال العام والمال الخاص الموضوع تحت يد الموظف العمومي أو شبهه بمقتضى الوظيفة ولديوانة والجباية والصرف والسوق المالية والبنوك والمؤسسات المالية وتمويل الأحزاب والجمعيات والانتخابات الأنشطة التجارية والاقتصادية.
وحسب نفس المرسوم تعرض اللجنة الوطنية للصلح الجزائي الصلح على طالب الصلح وتتفاوض معه حول قيمة المبالغ المالية الواجب دفعها في إطار الصلح الجزائي وفي صورة حصول الاتفاق يقع إبرام الصلح في حدود المبلغ المالي المُستولى عليه أو قيمة المنفعة المتحصل عليها أو مقدار الضرر الذي طال المال العام مثلما تم تحديده من قبل اللجنة تضاف إليه نسبة 10 بالمائة عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك، ويتخذ اتفاق الصلح المذكور صبغة الصلح النهائي إذا أفضى إلى أداء كامل المبالغ المستوجب دفعها أو بعد إنجاز المشاريع المتعهد بها إذا كان خيار طالب الصلح بعد مصادقة اللجنة الوطنية للصلح الجزائي إنجاز مشاريع في حدود المبالغ المطالب بدفعها فإن اتفاق الصلح يتخذ صبغة الصلح الوقتي شريطة تأمين مبلغ مالي لا يقل عن خمسين بالمائة من قيمة المبالغ المحددة من قبل اللجنة.
وتبت اللجنة الوطنية للصلح الجزائي في مطالب الصلح بالجلسة العامة بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين ويحرر في ذلك محضر جلسة يمضى من كافة الأعضاء يتضمن بيان كافة عناصر الصلح الجزائي خاصة منها قيمة المبالغ المالية الواجب دفعها أو المشروع والمشاريع المستوجب إنجازها والتي حظيت بالموافقة..  علما وانه لا يتم إبرام عقد الصلح الجزائي النهائي إلا بعد إيداع كامل المبالغ المضمنة باتفاق الصلح بالحساب الخاص المفتوح بخزينة الدولة وتسليم وصل أو وصولات إيداع أو بعد إنجاز المشاريع المتفق عليها وإثبات ذلك بناء على تقرير صادر عن اللجنة المكلفة بمتابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات وإدلاء المعني بالأمر بمحضر تسليم وقتي لانتهاء الأشغال.
 
الاستثمار في المناطق الفقيرة
وضبط المرسوم المتعلق بالصلح الجزائي إجراءات الصلح مع الدولة، صلحا جزائيا في الجرائم الاقتصادية والمالية والأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى وذلك تكريسا لمبدأ العدالة الجزائية التعويضية كما نظم المرسوم طرق توظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على قاعدة العدل والإنصاف. ويهدف الصلح الجزائي إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة. ويدخل في احتساب المبالغ المالية أو المشاريع المتعهد بإنجازها نسب التضخم المالي استنادا إلى الأرقام الرسمية التي تتولى تقديمها الهياكل الرسمية المختصة. وشمل أحكام المرسوم كل شخص مادي أو معنوي صدر في شأنه أو في شأن من يمثله حكما أو أحكاما جزائية، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية كما تشمل أيضا كل شخص مادي ومعنوي لم تستكمل في شأنه إجراءات مصادرة أمواله واسترجاعها من الخارج طبق ما اقتضته أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 والمتعلق بالمصادرة مثلما تشمل الذوات المادية والمعنوية التي استفادت من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه كان وتنسحب أحكام هذا الفصل على الجرائم المرتكبة المذكورة قبل سنة 2011 وإلى غاية يوم 20 مارس 2022.  ويؤدي إبرام الصلح الجزائي بعد تنفيذه إلى تطهير الوضعية القانونية للمصالح من شبهات الفساد المالي والاقتصادي فيما شمله الصلح وإعادة إدماجه في الميدان الاجتماعي والاقتصادي على أساس مبادئ الشفافية والنزاهة.ومنذ صدوره جوبه مرسوم الصلح الجزائي برفض العديد من الناشطين في المجتمع المدني وخاصة الأحزاب المعارضة لرئيس الجمهورية قيس سعيد وهناك من قالوا إن المشاريع التي سينجزها أشخاص نعتهم الرئيس بالفاسدين واللصوص وناهبي أموال الشعب لن يكتب لها النجاح ويذكر أن المرسوم أشار إلى  أن 80 بالمائة من عائدات الصلح الجزائي سترصد لفائدة المعتمديات حسب ترتيبها من الأكثر فقرا إلى الأقل فقرا و20 بالمائة ستخصص لفائدة الجماعات المحلية بهدف المساهمة في رأس مال مؤسسات محلية أو جهوية تأخذ شكل شركات ذات صبغة أهلية أو استثمارية أو تجارية.
وبين رئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي مكرم بن منا، أمس في تصريح لإذاعة شمس أف ام أن هناك بشائر طيبة ومؤشرات واعدة تتعلق بالمطالب الواردة على اللجنة وبنوايا الصلح وقال إنه تم إعلام رئيس الجمهورية بهذه المطالب.
 
سعيدة بوهلال